Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
سورة العلق : الآية ١٩
ينهَى محمدًا مَ لِّ عن عبادةِ ربِّه والصلاةِ له، ﴿لَا نُطِعْهُ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه لنبيّه
محمدٍ عَلِ: لا تُطِعْ أبا جهلٍ فيما أمَرك به من تركِ الصلاةِ لربِّك، ﴿ وَأُسْجُدْ﴾
لرِّبِّك، ﴿ وَأَقْتَبِ﴾ منه، بالتحبُّبِ إليه بطاعته، فإن أبا جهلٍ لن يَقْدِرَ على ضَرِّك،
ونحن نمنعُك منه .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿كَلَّا لَا نُطِعْهُ وَأَسْجُدْ
وَأَقْتِبِ﴾: ذُكِر لنا أنها نزَلت فى أبى جهلٍ، قال: لئن رأَيتُ محمدًا يصلِّ لأطأَنَّ
على (١) عنقِه. فأنزل اللَّهُ: ﴿كَلَّا لَا نُطِعْهُ وَأَسْجُدْ وَأَقْتَبِ﴾. قال نبىُّ اللَّهِ مَِّ حِينَ
بلَغْه الذى قال أبو جهلٍ: «لو فعَل لاختَطَفَته الزبانيةُ )) .
آخرُ سورةِ « اقرأ باسمِ ربّك»، والحمدُ للهِ وحدَه
(١) سقط من: م.

٥٤٢
سورة القدر : الآيات ١ - ٥
بسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ
/ تفسيرُ سورةٍ ((القدرِ ))
٢٥٨/٣٠
القولُ فى تأويل قولِه جلّ ثناؤه وتقدَّست أسماؤُه: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةٍ
تَنَزَّلُ
لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ
وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا لَيْلَةُ اَلْقَدْرِ (
القدرِ
سَلَمُ هِىَ حَتَّى مَطَلَعِ الْفَجْرِ
الْمَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِهِم مِّن كُلِّ أَمْيِ (
يقولُ تعالى ذكره : إنا أنزلنا هذا القرآنَ جملةٌ واحدةٌ إلى السماءِ الدنيا فى ليلةٍ
القَدْرِ، وهى ليلةُ الحكم التى يَقْضِى اللَّهُ فيها قضاءَ السَّنةِ، وهو مصدرٌ مِن قولهم :
قَدَر اللَّهُ علىَّ هذا الأمرَ. فهو يَقْدُرُ قَدْرًا .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ المثنى ، قال: ثنى عبدُ الأعلى، قال : ثنا داودُ، عن عكرمةَ، عن ابنٍ
عباسٍ، قال : نزَل القرآنُ كلُّه جملةً واحدةً فى ليلةِ القدرِ فى رمضانَ إلى السماءِ
الدنيا، فكان اللَّهُ إذا أراد أنْ يُحدِثَ فى الأرضِ شيئًا أنزله منه حتى جمَعه(١).
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ ، قال: ثنا داودُ ، عن عكرمةً، عن ابنِ
عباسٍ ، قال : أنزل اللَّهُ القرآنَ إلى السماءِ الدنيا فى ليلةِ القَدْرِ، وكان اللَّهُ إذا أراد أن
يُوجِىَ منه شيئًا أوحاه، فهو قولُه: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾ .
قال : ثنا ابنُ أبى عدىٍّ، عن داودَ ، عن عكرمةَ ، عن ابنِ عباسٍ. فذكر نحوه،
(١) تقدم تخريجه فى ١٩٠/٣.

٥٤٣
سورة القدر : الآية ١
وزاد فيه : وكان بينَ أوَّلِه وآخرِهِ عشرون سنةً .
قال : ثنا عمرُو بنُ عاصم الكلابيُّ، قال : ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ التيمىُّ ، قال :
ثنا عمرانُ أبو العوَّامِ ، قال: ثنا داودُ بنُ أبى هندٍ ، عن الشعبىِّ أنه قال فى قولِ اللَّهِ :
إِنَّا أَنَزَلْنَهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾. قال: نزَل أوَّلُ القرآنِ فى ليلةِ القَدْرِ (١).
حذَّثنی یعقوبُ ، قال : ثنا هشیمٌ، قال : أخبرنا حُصینٌ، عن حكيم بن جبيرٍ ،
عن ابنِ عباسٍ ، قال : نزَل القرآنُ فى ليلةٍ مِن السماءِ العليا إلى السماءِ الدنيا ، جملةٌ
واحدةً ، ثم فُرِّق فى السنينَ. قال: وتلا ابنُ عباسٍ هذه الآيةَ: ﴿فَلَآَ أُقْسِمُ
بِمَوَقِعِ النُّجُومِ ﴾ [الواقعة: ٧٥]. قال: نزَل متفرّقًا(٢).
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةً، عن داودَ، عن الشعبىِّ فى قوله: ﴿ إِنَّا
أَنَزَلْنَهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾. قال: بلَغنا أنَّ القرآنَ نزَل جملةً واحدةً إلى السماءِ
(٢)
الدنيا (٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ ، عن سلمةَ بنِ كهيلٍ، عن
مسلمٍ ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ : أُنزِل القرآنُ جملةً واحدةً ، ثم أنزَل ربَّنا فى ليلةِ القدرِ :
فِيَهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾(١) [الد
[ الدخان : ٤] .
/قال : ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ٢٥٩/٣٠
﴿ إِنَّا أَنَزَلْنَهُ فِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾. قال: أَنزِل القرآنُ جملةً واحدةً فى ليلةِ القدرِ إلى
سماءِ الدنيا ، فكان بموقع النجوم ، فكان اللَّهُ يُنزلُه على رسولِه، بعضَه فى إثرِ بعضٍ.
(١) ينظر تفسير القرطبى ١٣٠/٢٠.
(٢) تقدم تخريجه فى ٣/ ١٩١.
(٣) تقدم تخريجه فى ١٨٩/٣، وأخرجه ابن الضريس فى فضائل القرآن (١٢٠) من طريق مسلم به.

٥٤٤
سورة القدر : الآية ١
چ
ثم قرأ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلَا نُزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ [١١٢٣/٢و] جُمْلَةٌ وَحِدَةً
كَذَلِكَ لِيُثَّبِّتَ بِهِ، فُؤَادَكٌ وَرَتَلْنَهُ تَرْتِيلًا ﴾ [ الفرقان: ٣٢].
وبنحوِ الذى قلنا فى ("معنى القدر٣ٍ) قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابنٍ أُبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ : ﴿ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾: ليلةِ الحكم (٤).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيع، عن سفيانَ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ : ﴿ إِنَّ أَنزَلْنَهُ فِىِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾. قالَ: ليلةِ الحكمِ.
(٥ حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ) ، عن سفيانَ، عن محمدِ بنِ سُوقةَ،
عن سعيد بن جبيرٍ: يُؤْذَّنُ للحُجاج فى ليلةِ القَدْرِ، فيُكتَبون بأسمائِهم وأسماءٍ
آبائهم، فلا يُغادَرُ منهم أحدٌ ، ولا يُزادُ فيهم، ولا يُنقَصُ منهم ١٢.
حدَّثنی يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا ربيعةُ بنُ كلثومٍ ، قال : قال رجلٌ
(١ - ١) فى النسخ: ((وقالوا)). وصواب التلاوة ما أثبتنا .
(٢) تقدم تخريجه فى ١٨٨/٣، ١٨٩ من طريق آخر عن سعيد، وأخرجه النسائى فى الكبرى (١١٦٨٩)،
وابن الضريس فى فضائل القرآن (١١٨)، والحاكم ٢/ ٢٢٢، والبيهقى فى الدلائل ١٣١/٧، وفى الأسماء
والصفات (٤٩٥) من طريق جرير به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٩/١ إلى الفريابى ومحمد بن نصر
وابن مردويه والضياء فى المختارة .
(٣ - ٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ذلك)).
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢ / ٣٨٦، والبيهقى فى الشعب (٣٦٦٠) من طريق سفيان الثورى به،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٧٠/٦ إلى الفريابى وعبد بن حميد ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبى
حاتم .
(٥ - ٥) فى م: ((قال: ثنا وكيع)).
(٦) ينظر تفسير القرطبى ٢٠/ ١٣٠.

٥٤٥
سورة القدر: الآيات ١ - ٣
للحسنِ وأنا أسمعُ: أرأيتَ ليلةَ القدرِ فى كلِّ رمضانٍ هى؟ قال: نعم، واللَّهِ الذى لا
إِلهَ إِلا هو إنَّها لفى كلِّ رمضانٍ، وإنَّها لليلةُ القَدْرِ، ﴿فِهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾
[الدخان: ٤]. فيها يَقْضِى اللَّهُ كلِّ أجلٍ وعملٍ ورزقٍ إلى مثلِها (١).
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال : ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ ، عن أبى إسحاقَ ، عن سعيدِ بنِ
جبيرٍ، عن ابنِ عمرُ(١) ، قال: ليلةُ القَدْرِ فى كلِّ رمضانٍ (٣).
وقولُه: ﴿وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ﴾. يقولُ: وما أَشْعَرك يا محمدُ أَىُّ شىءٍ
ليلةُ القدرِ !.
﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. اختلف أهلُ التأويلِ فى معنى ذلك ؛
فقال بعضُهم: معنى ذلك : العملُ فى ليلةِ القدرِ بما يُؤْضِى اللَّهَ خيرٌ مِن العملِ فى
غيرِها ألفَ شهرٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، قال: بلَغنى عن مجاهدٍ: ﴿لَيْلَةُ
اَلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. قال: عملُها وصيامُها وقيامُها خيرٌ مِن ألفٍ شهرٍ(٤).
قال : ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسِ الملائىُ قوله: ﴿خَيْرٌ مِّنْ أَلْفٍ
شَهْرٍ﴾. قال: عملٌ فيها خيرٌ مِن عملٍ ألفٍ شهرٍ(٥).
(١) تقدم تخريجه فى ٢١ / ٧، وأخرجه أيضًا ابن عبد البر فى التمهيد ٢٠٩/٢ من طريق ربيعة به.
(٢) فى ت ١: ((عباس)).
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٧٥/٣ عن وكيع به .
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٨٦/٢ عن سفيان به، وذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٦٤/٨ عن سفيان
به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٧١/٦ إلى ابن المنذر ومحمد بن نصر وابن أبى حاتم .
(٥) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٦٤/٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٧٠/٦ إلى المصنف .
( تفسير الطبرى ٣٥/٢٤ )
....

٥٤٦
سورة القدر : الآية ٣
وقال آخرون: معنى ذلك أنَّ ليلةَ القدرِ خيرٌ مِن ألفِ شهرٍ ليس فيها
ليلةُ القدرِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿خَيْرٌ مِّنْ
أَلْفِ شَهْرٍ﴾: ليس فيها ليلةُ القدرِ(١).
وقال آخرون فى ذلك ما حدَّثنا به ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا حكامُ بنُ سَلْمٍ، عن
٢٦٠/٣٠ المُثُنَّى بنِ الصبَّاح، عن مجاهدٍ،/ قال: كان فى بنى إسرائيلَ رجلٌ يقوم الليلَ حتى
يصبح، ثم يجاهدُ العدوّ بالنهارِ حتى يُمْسِىَ، ففعَل ذلك ألفَ شهرٍ، فأنزل اللَّهُ هذه
الآيةَ: ﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. قيامُ تلك الليلةِ خيرٌ مِن عملٍ ذلك
(٢)
الرجلِ(٢) .
وقال آخرون فى ذلك ما حدَّثنى أبو الخطابِ الجارودىُّ سهيلٌ، قال: ثنا سَلْمُ
ابنُ قتيبةَ ، قال : ثنا القاسمُ بنُ الفضلِ، عن عيسى بنِ مازنٍ ، قال : قلتُ للحسنِ بنِ
علىّ رضى اللَّهُ عنه: يا مُسوِّدَ وجوهِ المؤمنين، عمَدْتَ(١) إلى هذا الرجلِ فبایعتَ له !
يعنى معاويةً بنَ أبى سفيانَ. فقال: إنَّ رسولَ اللَّهِ عَ لَّهِ أَرِى فى منامِه بنى أميةَ يَعْلُون
منبرَه خليفةً خليفةً ، فشقَّ ذلك عليه، فأنزل اللَّهُ: ﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَكَ اُلْكَوْثَرَ﴾
لَيْلَهُ
وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا لَيْلَهُ اٌلْقَدْرِ
[الكوثر: ١]. و﴿ إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٨٦/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٧٠/٦ إلى عبد بن
حمید ومحمد بن نصر وابن المنذر.
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٦٤/٨ عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٧١/٦ إلى المصنف،
وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسیره - کما فی تفسیر ابن کثیر ٤٦٣/٨ - والواحدی فی أسباب النزول ص ٣٤٠
من طريق ابن أبى نجيح عن مجاهد مرفوعًا إلى النبى صلى الله عليه وسلم .
(٣) فى ص : (عهدت)).

٥٤٧
سورة القدر : الآيتان ٣ ، ٤
الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾. يعنى مُلْكَ بنى أميةً. قال القاسمُ: فحسَبْنا مُلْكَ بنى
أميةَ ، فإذا هو ألفُ شهرٍ .
وأشبهُ الأقوالِ فى ذلك بظاهرِ التنزيلِ قُولُ مَن قال : عملٌ فى ليلةِ القَدْرِ خيرٌ مِن
عملِ ألفٍ شهرٍ ليس فيها ليلةُ القَدْرِ. وأما الأقوالُ الأُخَرُ، فدعاوَى معانٍ(٢) باطلةٍ ، لا
دلالةَ عليها مِن خبرٍ ولا عقلٍ، ولا هى موجودةٌ فى التنزيلِ .
وقولُه: ﴿فَزَّلُ الْمَلَبِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمَرٍ﴾. اختلف أهلُ
التأويلِ فى تأويلٍ ذلك ؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك : تَنزِلُ الملائكةُ وجبريلُ معهم ،
وهو الروح، فى ليلةِ القدرِ، ﴿بِإِذْنِ رَبِهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾. يعنى: بأمرٍ(١) ربّهم؛ مِن
كلِّ أمرٍ قضاه اللَّهُ فى تلك السنةِ، من رزقٍ وأجلٍ وغيرِ ذلك .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً فى قوله : ﴿مِّن
كُلِّ أَمْرٍ﴾. قال: يُقْضَى فيها ما يكونُ فى السنةِ إلى مثلِها(4).
فعلى هذا القولِ منتهى الخبرِ وموضعُ الوقفِ ﴿مِّن كُلِّ أَمٍَّ﴾ .
وقال آخرون: ﴿نَزَّلُ الْمَلَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِهِم﴾: لا يلْقَون مؤمنًا ولا
(١) أخرجه الترمذى (٣٣٥٠)، والطبرانى (٢٧٥٤)، والحاكم ٣/ ١٧٠، ١٧١، والبيهقى فى الدلائل
٥٠٩/٦، ٥١٠ من طريق القاسم بن الفضل به، وعند الترمذى: يوسف بن سعد، وفى بقية المصادر:
يوسف بن مازن . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٧١/٦ إلى ابن مردويه، وقال ابن كثير فى تفسيره
٤٦٣/٨: منكر جدا.
(٢) فى ص، ت ١: ((معانى)).
(٣) فى م: (( بإذن)).
(٤) تقدم تخريجه فى الصفحة السابقة .

٥٤٨
سورة القدر : الآيتان ٥،٤
مؤمنةً إلا سلَّموا عليه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدِّثتُ عن یحیی بنِ زياد الفرَّاءِ ، قال : ثنی ابو بکرِ بنُ عیاشٍ ، عن الكلْبی ، عن
أبى صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان يقرأُ : (مِنْ كُلِّ امْرِئٍّ سلَامٌ)(١).
وهذه القراءةُ مَن قرأ بها وجَّه معنى (مِن كلِّ امرئٍ) : مِن كلِّ مَلَكِ؛ كأن
معناه عندَه : تَنزِلُ الملائكةُ والروح فيها بإذنِ ربِّهم مِن كلِّ مَلَكِ تسليمٌ(١) على
المؤمنين والمؤمناتِ . ولا أرى القراءةَ بها جائزةً؛ لإجماع الحجةِ مِن القرأةِ على
خلافها ، وأنها خلافٌ لما فی مصاحف المسلمین، وذلك أنه ليس [ ١١٢٣/٢ظ] فى
مصحفٍ مِن مصاحفِ المسلمين فى قوله: ﴿أَمْرٍ﴾ ياءٌ، وإذا قُرِئت: (مِنْ كُلِّ
امْرِىُّ ) لحِقِتها همزةٌ، تصيرُ فى الخطِّ ياءً.
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك القولُ الأُوَّلُ الذى ذِكَرْناه قبلُ، على ما تأوَّله
قتادةُ .
٢٦١/٣٠
/وقولُه: ﴿سَلَدَّ هِىَ حَتَّى مَطَلَعِ اُلْفَجْرِ﴾: سلامٌ ليلةُ القدرِ مِن الشرّ كلُّه؛ مِن
أوَّلِها إلى طلوعِ الفجرِ من ليلتها .
وبنحو الذی قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةً: ﴿سَلَدَّ
(١) معانى القرآن للفراء ٣/ ٢٨٠، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٧١/٦ إلى المصنف ، وهذه القراءة شاذة
قرأ بها ابن عباس وعكرمة والكلبى . المحتسب ٣٦٨/٢.
(٢) فى م: ((يسلم)).

٥٤٩
سورة القدر : الآية ٥
هِىَ﴾. قال: خيرٌ، ﴿حَّى مَطْلَعِ اٌلْفَتْرِ﴾ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مِّن كُلِّ أَمْيِ
سَلَّ هِىَ﴾. أى: هى خيرٌ كلَّها إلى مطلعِ الفجرِ.
٤
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ :
﴿سَلَمُ هِىَ حَّى مَطْلَعِ اَلْفَجْرِ﴾. قال: مِن كلِّ أمرٍ سلامٌ.
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِ اللَّهِ :
﴿سَلَمُّ هِىَ﴾. قال: ليس فيها شرّ(١)، هى خيرٌ كلُّها ﴿حَّى مَطْلَعَ اُلْنَجْرِ﴾.
حدَّثنى موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقُ ، قال : ثنا عبدُ الحميدِ الحِمَّانیُ، عن
الأعمشِ، عن المنهالِ ، عن عبد الرحمنِ بنِ أبى ليلى فى قوله: ﴿مِّن كُلِّ أَمٍْ
سَلَمُ هِىَ﴾. قال: لا يَحْدُثُ فيها أمرٌ.
وعُنى بقولِه: ﴿حَتَّى مَطْلَعَ الْفَجْرِ﴾: إلى مطلَعِ الفجرِ .
واختلفتِ القرأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿ حَتَّى مَطْلَعَ الْفَجْرِ﴾ ؛ فقرأت ذلك عامةُ قرأةٍ
الأمصارِ، سوى يحيى بنٍ وثّابٍ والأعمشِ والكسائىِّ: ﴿مَطَلَعَ الْنَجْرِ﴾ بفتحِ
اللَّامِ (٣) ، بمعنى: حتى طلوع الفجرِ. تقولُ العربُ: طلَعتِ الشمسُ طُلوعًا ومَطْلَعًا .
وقرَأ ذلك يحيى بنُ وثَّابٍ والأعمشُ والكسائىُ: (حَتَّى مَطْلِعِ الْفَجْرِ). بكسرٍ
اللَّامِ(٤) ، توجيهًا منهم ذلك إلى الاكتفاءِ بالاسمِ مِن المصدرِ، وهم يَنْؤُون بذلك
(١) تقدم تخريجه فى ص٥٤٦ .
(٢) فی ص، م: (( شیء).
(٣) هى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو وعاصم وابن عامر وحمزة وأبى جعفر ويعقوب. النشر ٢/ ٣٠١.
(٤) هى قراءة أبى رجاء والأعمش وابن وثاب وطلحة وابن محيصن والكسائى وخلف عن نفسه. الإتحاف
ص ٢٧٣، والبحر المحيط ٨/ ٤٩٧.

٥٥٠
سورة القدر : الآية ٥
المصدرَ .
والصوابُ مِن القراءةِ فى ذلك عندَنا فتحُ اللَّامُ ؛ لصحةٍ معناه فى العربيةِ ،
وذلك أنَّ المُطْلَعَ بالفتحِ هو الطُّلوعُ، والمطلِعَ بالكسرِ هو الموضعُ الذى يَطْلُغُ منه ، ولا
معنى للموضعِ الذى يَطلُعُ منه فى هذا الموضعِ .
آخرُ تفسير سورةٍ ,القدرِ))
-
(١) القراءتان كلتاهما صواب .

٥٥١
سورة البينة : الآيات ١ - ٤
بسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيم
/تفسير سورةٍ (( لم يكن ))
٢٦٢/٣٠
القولُ فى تأويل قوله جلَّ ثناؤه وتقدَّست أسماؤُه: ﴿لَ يَكُنِ اَلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ
رَسُولٌ مِّنَ اَللَّهِ يَثْلُواْ مُمُفًا
أَهْلِ الْكِنَبِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَّكِّينَ خَّ تَأْنِيَهُمُ الْبَيِنَةُ (
مُطَهَّرَةَ (و
فِيهَا كُنُبٌ قَيِّمَةٌ
وَمَا نَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا
جَاءَّنْهُمُ الْبَيْنَةُ
اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ قولِه: ﴿لَمْ يَكُنِّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ
وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّيْنَ حَتَّى تَأْنِيَهُمُ الْبَيْنَةُ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: لم يكن هؤلاء
الكفارُ مِن أهلِ التوراةِ والإنجيلِ، والمشركون مِن عبدةِ الأُوثانِ، ﴿ مُنْفَّكِينَ﴾ .
يقولُ : منتهين، حتى يأتيَهم هذا القرآنُ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قولِ اللَّهِ: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾. قال: لم يكونوا ليَنْتهوا حتى يتبيَّنَ لهم الحقُّ(١).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال : ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمرٍ، عن قتادةَ فى قولِه :
﴿ مُنْفَكِينَ﴾. قال: منتهين عما هم فيه (١) .
(١) تفسير مجاهد ص ٧٤١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٧٨/٦ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر
وابن أبى حاتم .
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٨٧/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٧٨/٦ إلى عبد =

٥٥٢
سورة البينة : الآيات ١ - ٣
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ مُنْفَكِينَ حَتَّ
تَأْنِيَهُمُ الْبِنَّهُ﴾. أى: هذا القرآنُ .
حدَّثنى يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِ اللَّهِ :
﴿ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِينَ﴾. قال: لم يكونوا منتهين حتى يأتيهم، ذلك المنفَكُ.
وقال آخرون : بل معنى ذلك أنَّ أهلَ الكتابِ وهم المشركون ، لم يكونوا
تار کین صفةً محمدٍ فی کتاپھم حتی بُعث ، فلما بُعِث تفرَّقوا فيه .
وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصحةِ أنْ يقالَ : معنى ذلك : لم يكن الذين كفروا
مِن أهلِ الكتابِ والمشركين [١١٢٤/٢ و] متفرقين فى أمرٍ محمدٍ، حتى تأتيَهم البيّنةُ -
وهى إرسالُ اللَّهِ إِيَّاه رسولاً إلى خَلْقِه - رسولٌ مِن اللَّهِ.
وقولُه: ﴿ مُنْفَكِينَ﴾. فى هذا الموضع عندى مِن انفكاكِ الشيئين أحدِهما مِن
الآخرِ ، ولذلك صَلَحَ بغيرٍ خبرٍ، ولو كان بمعنى (( ما زال))، احتاج إلى خبرٍ يكونُ
تمامًا له .
٢٦٣/٣٠
واستؤنف قولُه: ﴿رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ﴾. وهى نكرةٌ، على / ((البيّنةِ)) وهى
فَعَالٌ﴾ [البروج: ١٥، ١٦]. فقال: حتى
١٥
معرفةٌ، كما قيل: ﴿ذُو الْعَرْشِ المَحِيدُ
يأتيهم بيانُ أمرٍ محمدٍ أنه رسولُ اللَّهِ ، بيَعثةِ اللَّهِ إِيَّه إليهم. ثم تَرْجَم عن البيّنةِ،
فقال: تلك البيّنةُ ﴿ رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَثْلُواْ ◌ُفًا مُطَهَّرَةً﴾. يقولُ: يقرأُ صحفًا مطهّرةً
مِن الباطلِ ، ﴿فِيَهَا كُنُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ . يقولُ: فى الصحفِ المطهرةِ كتبٌ مِن اللَّهِ قيّمةٌ
عادلةٌ مستقيمةٌ ، ليس فيها خطأٌ ؛ لأنها مِن عندِ اللَّهِ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
= ابن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .

٥٥٣
سورة البينة : الآيات ٣ - ٥
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ رَسُولٌ مِّنَ اُللَّهِ يَثْلُواْ
صُفًا مُطَهَّرَةً﴾: يذكُرُ القرآنَ بأحسنِ الذكرِ، ويُثْنِى عليه بأحسنِ الثناءِ () .
وقولُه: ﴿ وَمَا نَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ إِلَّا مِنْ بَعْدٍ مَا جَآءَنْهُمُ الْبِّئَةُ﴾ .
يقولُ: وما تفرّق اليهودُ والنصارى فى أمرٍ محمدٍ عَه، فكذَّبوا به، ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِمَا
جَآءَفْهُمُ الْبَيْنَةُ﴾. يعنى: مِن بعدِ ما جاءت هؤلاء اليهود والنصارى ﴿اَلْبِنَةُ﴾.
يعنى: بيانُ أمرٍ محمدٍ أنه رسولٌ بإرسالِ اللَّهِ إِيَّاه إلى خَلْقِه. يقولُ: فلما بعثه اللَّهُ
تفرَّقوا فيه، فكذَّب به بعضُهم ، وآمَن بعضُهم ، وقد كانوا قبلَ أنْ يُبعثَ غيرَ مُتَفرِّقين
فيه أنه نبیٌّ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَمَآ أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَآءَ
وَيُقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُواْ الزَّكَوَةُ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ
يقولُ تعالى ذكره: وما أمَر اللَّهُ هؤلاء اليهودَ والنصارى الذين هم أهلُ
الكتابِ، إِلَّا أن يعبدوا اللَّهَ، ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. يقولُ: مُفْرِدين له الطاعةَ، لا
يَخْلِطون طاعتَهم ربَّهم بشركٍ. فأشرَكت اليهودُ بربِّها بقولهم: إنَّ عزيرًا ابنُ اللَّهِ .
والنصارى بقولهم فى المسيح مثل ذلك، وجحودِهم نبوَّةً محمدٍ عَلِّ .
وقولُه: ﴿حُنَفَآءَ﴾. وقد مضَى بيانُنا معنى ((الحنيفيَّةِ)) قبلُ بشواهدِه المُغْنيةِ
عن إعادتِها(٢)، غيرَ أنَّا نذكُرُ بعضَ ما لم نذكُرْ قبلُ مِن الأخبارِ فى ذلك.
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٧٦/٨، وهو تمام الأثر المتقدم فى الصفحة السابقة، وليس هذا اللفظ فى
تفسير عبد الرزاق .
(٢) ينظر ما تقدم فى ٥٩١/٢ - ٥٩٥.

٥٥٤
سورة البينة : الآية ٥
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی ابی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ أَلْذِينَ حُنَفَآءَ ﴾. يقولُ: حُجَّاجًا مسلمين
غيرَ مشركين، يقولُ: ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُواْ الزَّكَوَةٌ﴾: ويَحُجُوا، ﴿ ذَلِكَ دِينُ
الْقَيِمَةِ﴾ .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَآ أُمِرُوا إِلَّا
◌ِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ أَلِينَ حُنَفَآءَ﴾: والحنيفيَّةُ: الختانُ، وتحريمُ الأمهاتِ والبناتِ
والأخواتِ والعماتِ والخالاتِ، والمناسكُ(١).
٢٦٤/٣٠
/وقولُه: ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُواْ الزَّكَوَةَ﴾. يقولُ: ولِيُقيموا الصلاةَ،
ولِيُؤتوا الزكاةَ .
وقولُه: ﴿ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾. يعنى أنَّ هذا الذى ذُكِر أنه أمر به هؤلاء الذين
كفروا مِن أهلِ الكتابِ والمشركين، هو الدينُ القيّمةُ. ويعنى بالقيّمةِ المستقيمةَ
العادلةَ. وأَضِيف («الدينُ)) إلى ((القيّمةِ))، والدينُ هو القَيِّمُ، وهو مِن نعتِه ؛
لاختلافٍ لفظَيْهما. وهى فى قراءةِ عبدِ اللَّهِ(٢) فيما ذُكر لنا: (وذلك الدينُ
(٣)
الْقَيِمَةُ)(٣).
وأَنِّئْت ﴿ اَلْقَيِّمَةِ﴾؛ لأنها جُعلت صفةً للملَّةِ، كأنه قيل: وذلك اللَّهُ
القيّمةُ، دونَ اليهوديةِ والنصرانيةِ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
(١) تقدم تخريجه فى ص ٥٥١، ٥٥٢، وليس هذا اللفظ عند عبد الرزاق.
(٢) بعده فى م: ((فيما أرى)).
(٣) هى قراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف، وينظر معانى القرآن للفراء ٣/ ٢٨٢، والبحر المحيط ٨/ ٤٩٩.

٥٥٥
سورة البينة : الآيات ٥ - ٧
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَذَلِكَ دِينُ
اَلْقَيِّمَةِ﴾: هو الدينُ الذى بعَث اللَّهُ به رسولَه، وشرّع لنفسِه، ورضِى به ) .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿كُنُبٌ
قَيِّمَةٌ﴾، ﴿ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾. قال: هو واحدٌ، قيّمةٌ: مستقيمةٌ معتدلةٌ (٢).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَالْمُشْرِكِينَ فِى
نَارِ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِّيَّةِ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ
أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ
يقولُ تعالى ذكره: إنَّ الذين كفروا بالله ورسوله محمدٍ عَ لِ فجحدوا نبوَّته ،
مِن اليهودِ والنصارى والمشركين، جميعُهم ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيهَا﴾. يقولُ:
ماكثين، لابثين فيها أبَدًا لا يخرجون منها ولا يموتون فيها، ﴿أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ
الْبَرِيَّةِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: هؤلاء الذين كفروا مِن أهلِ الكتابِ والمشركين، هم
شرٌّمَن [١١٢٤/٢ ظ] بَرَأَه اللَّهُ وخَلَقه . والعربُ لا تَهْمِزُ البريةَ ، وبتركِ الهمزِ فيها قرَأَتْها
قرأةُ الأمصار ، غیرَ شیء ◌ُذ گرُ عن نافع بنِ أبی نعیم ، فإنه حکی بعضُهم عنه أنه كان
يَهمِزُها (٣)، وذهَب بها إلى قولِ اللَّهِ: ﴿مِّن قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَاً﴾ [الحديد: ٢٢]. وأنها
فعيلةٌ مِن ذلك. وأما الذين لم يَهْمِزُوها، فإنَّ لتركِهم الهمزَ فى ذلك وجهين؛
أحدُهما: أنْ يكونوا ترَكوا الهمزَ فيها كما ترَكوه من المَلَكِ، وهو ((مَفْعَلٌ)) مِن:
(١) تقدم تخريجه فى ص ٥٥١، ٥٥٢، وليس هذا اللفظ عند عبد الرزاق.
(٢) ينظر تفسير ابن كثير ٤٧٦/٨.
(٣) قراءة نافع وابن ذكوان عن ابن عامر. النشر ٣١٦/١، ٣٠١/٢.

٥٥٦
سورة البينة : الآيات ٦ - ٨
أَلَك، أو لأَك. ومِن: يَرى، وتَرَى، ونَرى. وهو ((يفعلُ)) مِن: رأيتُ. والآخرُ: أنْ
يكونوا وجَّهوها إلى أنها ((فعيلةٌ)) مِن البَرَى(١) وهو الترابُ. حكى عن العربِ
سماعًا : بفيك(٢) البَرَى . يعنى به الترابَ .
وقولُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبِيَّةِ﴾. يقولُ
تعالى ذكرُه : إنَّ الذين آمنوا باللّهِ ورسوله محمدٍ، وعبدوا اللَّهَ مخلصين له الدينَ
حنفاءَ، وأقاموا الصلاةَ، وآتوا الزكاةَ، وأطاعوا اللَّهَ فيما أمَر ونهى، ﴿أُوْلَِكَ هُمْ
خَيْرُ الْبِيَّةِ﴾. يقولُ: مَن فعَل ذلك مِن الناسِ فهم خيرُ البريةِ .
٢٦٥/٣٠
/وقد حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا عيسى بنُّ فرقدٍ ، عن أبى الجارودِ، عن محمد
ابنِ علىٍّ: ﴿أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبِيَّةِ﴾. فقال النبىُّ ◌َّهِ: ((أنت يا علىُّ وشيعتُك))(٣).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِهِمْ جَنَّتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِنْ تَّخْهَا
الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهَ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَُّله
يقولُ تعالى ذكره : ثوابُ هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ عندَ ربِّهم يومَ
القيامةِ، ﴿ جَنَّتُ عَدْنٍ﴾. يعنى: بساتينُ إقامةٍ لاظعنَ فيها، تجرى مِن تحتٍ
أشجارِها الأنهارُ، ﴿خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. (٢) يقولُ: ما كثين فيها أبدًا) ، لا يخرجون
عنها، ولا يموتون فيها، ﴿رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ بما أطاعوه فى الدنيا وعمِلوا لخلاصِهم
(١) فى ت ١: ((البراء)).
(٢) فى معانى القرآن للفراء ٢٨٢/٣: ((بفيه). وهو دعاء على الإنسان، تقول: بفيه البرى، وحمّى خيبرا،
وشؤ ما يُرى ، فإنه خيسرى . اللسان (ب ری).
(٣) أخرجه ابن عدى فى الكامل ١٧٤/١ ، وابن عساكر فى تاريخ دمشق ٣٧١/٤٢ من حديث أبى سعيد
الخدرى مرفوعًا بلفظ: ((على خير البرية)). قال ابن حجر فى لسان الميزان ١٧٥/١: وهذا كذب.
(٤ - ٤) سقط من : ت١.

٥٥٧
سورة البينة : الآية ٨
مِن عقابِهِ فى ذلك، ﴿ وَرَضُواْ عَنْهً﴾ لما(١) أعطاهم مِن الثوابِ يومَئذٍ على طاعتِهم
ربَّهم فى الدنيا، وجزاهم عليها مِن الكرامةِ .
وقولُه: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَُّ﴾. يقولُ تعالى ذكره: هذا الخيرُ الذى وصفْتُه
ووعدْتُه الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ يومَ القيامةِ، ﴿لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ﴾. يقولُ: لمن
خاف اللَّهَ فى الدنيا فى سرّه وعلانيتِه، فاتقاه بأداءِ فرائضِه واجتنابٍ معاصيه .
آخر تفسير سورة « لم یکن )»
(١) فى م: (بما)).

٥٥٨
سورة الزلزلة : الآيات ١ - ٨
بسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ
تفسير سورةٍ ((إذا زلزلت))
القولُ فى تأويل قولِه تعالى جلَّ جلالُه وتقدَّسَت أسماؤه: ﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ
زِلْزَالَهَا ﴿ وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٣) وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَا ﴿ يَوْمَيِذٍ تُحَدِّثُ
أَخْبَارَهَاْ ﴿ بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (® يَوْمَيِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْنَانًا لِّيُرَوْاْ أَعْمَلَهُمْ
فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَؤُ ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا
يَرَهُ
٨
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ لقيامِ الساعةِ، ﴿زِلْزَالَمَا﴾ فرجَت
رجًا .
والزّلزالُ مصدرٌ إذا كُسِرت الزاىُ، وإذا فُتِحت كان اسمًا ، وأُضِيف الزلزالُ
إلى الأرضِ وهو صفتُها، كما يقالُ: لأكرمَنَّك كرامتك. بمعنى: لأُكرمتَّك
كرامةً. وحَسُن ذلك فى ﴿زِلْزَالَمَا﴾، لموافقتِها سائرَ (١) رءوسِ الآياتِ التى بعدَها .
/حدَّثنا أبو كريبٍ، قال : ثنا ابنُ يمانٍ ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ ،
قال: زُلزِلَتِ الأرضُ على عهدِ عبدِ اللَّهِ، فقال لها عبدُ اللَّهِ: مالكِ؟ أمَا إنها لو
تكلَّمت قامتِ الساعةُ .
٢٦٦/٣٠
وقولُه: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾. يقولُ: وأُخرَجتِ الأرضُ ما فى
بطنِها مِن الموتى أحياءٌ، والميتُ فى بطنِ الأرضِ ثِقْلٌ لها ، وهو فوقَ ظهرِها حيًّا ثِقْلٌ
عليها .
(١) سقط من: م، ت ١.

٥٥٩
سورة الزلزلة : الآيات ٢ - ٤
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سِنانِ القزازُ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن شبيبٍ ، عن عكرمةَ،
عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾. قال: الموتى".
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبی ، عن
أبيه، عن ابنٍ [١١٢٥/٢و] عباسٍ: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾. قال: يعنى
الموتى .
حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًاً عن ابن أبى نجيحِ،
عن مجاهدٍ: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾: مَن فى القبورِ ١.
وقولُه: ﴿ وَقَالَ الْإِنِسَنُ مَا لَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقال الناسُ إذا
زُلزلتِ الأرضُ لقيام الساعةِ: ما لِلأرضِ وما قصَّتُها؟ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ
أَخْبَارَهَا ﴾ .
كان ابنُ عباسٍ يقولُ فى ذلك ما حدَّثنى ابنُ سنانِ القزَّزُ، قال: ثنا أبو عاصمِ،
عن شبيبٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَمَا﴾. قال: الكافرُ،
﴿ يَوْمَبِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَاْ﴾. يقولُ: يومَئذٍ تحدِّثُ الأرضُ أخبارَها(١).
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٨٠/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه.
(٢) كذا فى النسخ، والصواب بدونها .
(٣) تفسير مجاهد ص ٧٤٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٨٠/٦ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر
وابن أبى حاتم .
(٤) فى ص، ت ٣: ((الأرض)).

٥٦٠
سورة الزلزلة : الآيتان ٤، ٥
وتحديثُها أخبارَها على القولِ الذى ذكرناه عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ ، أنْ تتكلّمَ
فتقولَ : إِنَّ اللَّهَ أمَرنى بهذا، وأُوحَى إلىّ به، وأَذِن لى فيه .
وأُما سعیدُ بنُ جبیرٍ، فإنہ کان یقولُ فی ذلك ما حدّثنا به أبو کریب ، قال : ثنا
وكيتٌ، عن إسماعيلَ بنِ عبدِ الملكِ، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ يقرأُ (١) فى المغربِ
مرَّةً : ( يَوْمَئِذٍ تُنْبِئُ أخبارَها). ومرَّةً: ﴿ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَاْ﴾(١).
فكأنَّ معنى ﴿ تُحَدِّثُ﴾ كان عندَ سعيدٍ: تُنْبِىُ) . وتنبيئُها أخبارَها إخراجها
أثقالَها مِن بطنِها إلى ظهرِها . وهذا قولٌ عندى صحيحُ المعنى . وتأويلُ الكلامِ على
هذا المعنى: يومَئذٍ تُبيِّنُ الأرضُ أخبارَها بالزلزلةِ والرَّةِ ، وإخراج الموتى مِن بطونِها
إلى ظهورِها، بوحى اللَّهِ إليها وإذنِه لها بذلك. وذلك معنى قوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ
أَوْحَ لَهَا ﴾ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قولِ اللَّهِ: ﴿ وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَنْقَالَهَا﴾: يقولُ(٤): ﴿رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ .
(١) فى ت ٢، ت ٣: ((يقول)).
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة فى مصنفه ٣٥٨/١ عن وكيع به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦ / ٣٨٠، إلى عبد
ابن حميد وابن المنذر وابن الأنبارى فى المصاحف. وقراءة ( تنبئ) شاذة . ينظر مختصر الشواذ لابن خالويه
ص ١٧٧.
(٣) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((تبين)).
(٤) فى م: (( بأن )) .