Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
سورة البروج : الآيات ١٠ - ١٢
فَثَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾: حرَّقوهم (١).
وقولُه: ﴿ثُمَّ لَمْ بَتُوبُواْ﴾. يقولُ: ثم لم يتوبوا مِن كفرِهم، وفعلِهم الذى
فعَلوا بالمؤمنين والمؤمناتِ من أجلِ إِيمانِهِم بِاللَّهِ، ﴿ فَلَهُمْ عَذَابٌ جَهَمَ ﴾ فى الآخرةِ ،
﴿وَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ فى الدنيا .
كما حدِّثتُ عن عمارٍ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن
الربيعِ: ﴿فَلَهُمْ عَذَابٌ جَهَّمَ﴾: فى الآخِرَةِ، ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾: فى
(٢)
الدنيا (٢) .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُمْ جَنَّتٌ تَجْرِى
) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدُ
مِن تَحْيِهَا الْأَنْهَرُّ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيُرُ
يقولُ تعالى ذكره : إنَّ الذين أقَرُّوا بتوحيدِ اللَّهِ ؛ وهم هؤلاء القومُ الذين حرَّقهم
أصحابُ الأخدودِ، [١٠٨٩/٢و] وغيرُهم مِن سائرٍ أَهلِ التوحيدِ، ﴿وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ﴾. يقولُ: وعمِلوا بطاعةِ اللَّهِ، واتَّمَروا لأمرِه، وانتهَوا عما نهاهم عنه،
﴿لَمُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ﴾. يقولُ: لهم فى الآخرةِ عندَ اللَّهِ بساتينُ
تجرى مِن تحتها الأنهارُ والخمرُ واللبنُ والعسلُ، ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾. يقولُ: هذا
الذى " هو لهؤلاءٍ" المؤمنين فى الآخرة، هو الظَّفَرُ الكبيرُ بما طلَبوا والتمَسوا بإيمانِهم
باللّهِ فى الدنيا، وعملِهم بما أمَرهم اللَّهُ به فيها ورَضِيه منهم .
وقولُه: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَمِ: إِنَّ
(١) ينظر تفسير ابن كثير ٣٩٣/٨.
(٢) ذكره الطوسى فى التبيان ٣١٨/١٠، والآلوسى فى روح المعانى ١٦٣/٣٠.
(٣ - ٣) فى ص، ت ٢، ت ٣: ((هؤلاء))، وفى ت ١: ((لهؤلاء)).

٢٨٢
سورة البروج : الآيات ١٢ - ١٨
بطشَ ربِّك يا محمدُ - لمن بطَش به مِن خَلْقِه، وهو انتقامُه ثمّن انتقَم منه - لشديدٌ .
وهذا (١) تحذيرٌ مِن اللَّهِ لقوم رسوله محمدٍ عَلَه ، أن يَحِلَّ بهم مِن عذابِهِ ونِقْمتِه
نظيرُ الذى حلَّ بأصحابِ الأخدودِ على كفرِهم به، وتكذيهم رسولَه، وفِئْنتِهم
المؤمنين والمؤمناتِ منهم .
١٣٨/٣٠
وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ
/ القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَُّ هُوَ يُّدِىُ وَبُعِدُ
١٤
فِرْعَوْنَ
ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥ فَعَالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴿ هَلْ أَنَكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ
وَثَمُودَ
اختلف أهلُ التأويلِ فى معنى قوله: ﴿ إِنَّهُ هُوَ يْدِئُ وَبُهِدُ﴾ ؛ فقال بعضُهم:
معنى ذلك: إِنَّ اللَّهَ أبدَا خَلْقَه، فهو يُبْدِئُ(١) . بمعنى: يُحدِثُ خلْقَه ابتداءً، ثم
میتُھم ، ثم یعیدُهم أحياءً بعدَ مماتِھم، کھیئتهم قبلَ مماتِهم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدِّثتُ عن الحسينِ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ ، قال: سمِعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ُّدِئُ وَيُعِدُ﴾: يعنى الخَلْقَ(٣).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ يُدِئُ
وَبُعِدُ﴾. قال: يُبدئُ الخَلْقَ حينَ خَلَقه، ويعيدُه يومَ القيامةِ(١).
وقال آخرون : بل معنى ذلك : إنه هو يُدئُ العذابَ ويعيدُه .
(١) فى م: (هو)).
(٢) فی م: (( یبتدئ)).
(٣) ذكره الطوسى فى التبيان ١٠/ ٣٢٠، وأبو حيان فى البحر المحيط ٤٥١/٨. وينظر روح المعانى
٣٠ / ٠١٦٤

٢٨٣
سورة البروج : الآيتان ١٣، ١٤
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُدِئُ وَبُمِدُ﴾. قال: يُبدئُ العذابَ ويعيدُه(١).
وأَولى التأويلين فى ذلك عندى بالصوابِ وأشبهُهما بظاهرِ ما دلَّ عليه
التنزيلُ - القولُ الذى ذكّرْناه عن ابن عباسٍ، وهو أنه يُدئُ العذابَ لأُهلِ الكفرِ به
ويعيدُ، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿فَلَهُمْ عَذَابٌ جَهَمَ﴾ (" فى الآخرةِ)، ﴿وَهُمْ عَذَابُ
اٌلْخَرِيقِ﴾ فى الدنيا. فأبْدَأ ذلك لهم فى الدنيا، وهو يعيدُه لهم فى الآخرةِ .
وإنما قلتُ : هذا أُولى التأويلين بالصوابِ؛ لأَنَّ اللّهَ أتْبَع ذلك قولَه: ﴿إِنَّ
بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾. فكان للبيانِ عن معنى شدَّةِ بطشِه الذى قد ذكره قبلَه،
أشبهُ به بالبيانِ عما لم يَجْرِ له ذكرٌ، ومما يؤيدُ ما قلنا من ذلك وضوحًا وصحةً،
قوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾. فبيَّنَ ذلك عن أنَّ الذى قبلَه مِن ذكرٍ خبرِه عن عذابِه
وشدَّةِ عقابه .
وقولُه: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾. يقولُ تعالى ذكره: وهو ذو المغفرة لمن تاب
إليه مِن ذنوبِه، وذو المحبة له .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىّ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثنى معاويةُ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٥/٦ إلى المصنف.
(٢ - ٢) سقط من: م.

٢٨٤
سورة البروج : الآيات ١٤ - ١٦
قولَه: ﴿ اَلْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾. يقولُ: الحبيبُ(١).
/حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهب، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِ اللَّهِ:
١٣٩/٣٠
الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾. قال: الرحيمُ(٢).
وقولُه: ﴿ذُو الْعَرْشِ المَجِيدُ﴾. يقول تعالى ذكرُه: ذو العرشِ الكريمُ.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی علٹّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ
قوله: ﴿ذُو الْعَرْشِ الَْجِيدُ﴾. يقولُ: الكريمُ(١).
واختلَفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿الْجِيدُ﴾؛ فقرَأَتْه عامةُ قرأةِ المدينةِ
ومكةً والبصرةِ وبعضُ الكوفيّينِ رفعًا، ردًّا على قولِه: ﴿ ذُو﴾. على أنه مِن
صفةِ اللَّهِ تعالى ذكرُه(٢) . وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ خفضًا، على أنه مِن صفةٍ
(العرشِ))).
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندَنا أنهما قراءتان معروفتان ، فبأيَّتِهما قرَأ
القارئُ فمصيبٌ .
وقولُه: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدٌ﴾. يقولُ: هو غفارٌ لذنوبِ مَن شاء مِن عباده إذا تاب
(١) أخرجه البيهقى فى الأسماء والصفات (١٣٣) من طريق أبى صالح به، وليس عنده تفسير
((المجيد))، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٥/٦ إلى ابن المنذر.
(٢) ذكره القرطبى فى تفسيره ٢٩٦/١٩.
(٣) وبها قرأ نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب. ينظر النشر ٢٩٩/٢.
(٤) وبها قرأ حمزة والكسائى وخلف بخفض الدال . المصدر السابق.

٢٨٥
سورة البروج : الآيات ١٦ - ٢٢
وأناب منها ، معاقِبٌ مَن أصرّ عليها وأقام ، لا يمنعُه مانعٌ مِن فعلِ أراد أنْ يفعلَه ، ولا
يحولُ بينَه وبينَ ذلك حائلٌ؛ لأنَّ له مُلكَ السماواتِ والأرضِ، وهو العزيزُ الحكيمُ.
وقولُه: ﴿هَلْ أَنَنْكَ حَدِيثُ الْجُدِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عٍَّ: هل
جاءك يا محمدُ حديثُ الجنودِ الذين تجنّدوا على اللَّهِ ورسوله بأذاهم ومكروهِهم؟
يقولُ : قد أتاك ذلك وعلِمْتَه، فاصْبِرْ لأذى قومِك إِيَّاك، لما نالُوك به مِن [١٠٨٩/٢ ظ]
مكروهٍ، كما صبر الذين تجنَّد هؤلاء الجنودُ عليهم مِن رُسُلى ، ولا يَشنيك عن تبليغهم
رسالتى، كما لم يَثْنِ الذين أُرسِلوا إلى هؤلاء، فإن عاقبةَ مَن لم يُصدِّقْك ويؤمن بك
منهم إلى عَطَبٍ وهلاكٍ، كالذى كان مِن هؤلاء الجنودِ. ثم بينَّ جلَّ ثناؤه عن الجنودِ
مَن هم؟ فقال: ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾. يقولُ: فرعونَ . فاجْتُزِئ بذكرِه - إذ كان
رئيسَ جندِه - من ذكرٍ جندِه وتُبَّاعِه ، وإنما معنى الكلام : هل أتاك حديثُ الجنودٍ ،
فرعونَ وقومِه وثمودَ .
وخُفِض ﴿فِرْعَوْنَ﴾ ردًّا على ﴿ اَلْجُودِ﴾، على الترجمةِ عنهم، وإنما فُتِح لأنه
لا يُجْرَى، ﴿ وَثَمُودَ ﴾ .
وَاللَّهُ مِن وَرَآءِهِم
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِ تَكْذِيبٍ
٢٢
فِى لَوْجِ نَّحْفُوظِ
بَلْ هُوَ قُزْءَانٌ تَجِيدٌ
تُحِيطٌ
يقولُ تعالى ذكرُه: ما بهؤلاء القومِ الذين يكذِّبون بوعيدِ اللَّهِ، أنهم لم يأْتِهم
أنباءُ مَن قبلَهم مِن الأمم المكذِّبةِ رسلَ اللَّهِ، كفرعونَ وقومِه، وثمودَ ، وأشكالِھم،
وما أخَلَّ اللَّهُ بهم مِن النقم بتكذييهم الرسلَ، ولكنهم/ فى تكذيبٍ بوحي اللَّهِ ١٤٠/٣٠
وتنزيله ، إيثارًا منهم لأهوائِهم، واتِباعًا منهم لسَنَنِ آبائِهم، ﴿ وَاللَّهُ مِنْ وَرَآءِهِم
تُحِيطٌ﴾ بأعمالِهم، مُخصٍ لها، لا يَخفَى عليه منها شىءٌ، وهو مجازيهم على
جميعِها .

٢٨٦
سورة البروج : الآيتان ٢١ ، ٢٢
وقولُه: ﴿بَلْ هُوَ قُوَانٌ تَجِيدٌ﴾. يقولُ تكذيبًا منه جلَّ ثناؤُه للقائلين للقرآنِ:
هو شِعرّ وسجعٌ: ما ذلك كذلك، بل هو قرآنٌ كريمٌ .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿بَلْ هُوَ قُزْءَانٌ
تَجِيدٌ﴾. يقولُ: قرآنٌ كريمٌ .
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال : ثنا ابنُ يمانٍ ، عن أشعثَ بنِ إسحاقَ ، عن جعفرٍ ، عن
سعيدٍ فى قولِه: ﴿ بَلْ هُوَ قُزْءَانٌ تَجِيدٌ﴾. قال: كريمٌ .
وقولُه: ﴿فِى لَوَجٍ تَّحْفُوظٍ﴾. يقولُ تعالى ذكره: هو قرآنٌ كريمٌ ، مثبَتٌّ فى
لوحِ محفوظ (١).
واختلَفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿تَحْفُوظِ﴾؛ فقرَأ ذلك "مِن قرأةٍ" أهل
الحجازِ أبو جعفرِ القارئُ وابنُ كثيرٍ، و"مِن قرأةِ" الكوفةِ عاصمٌ والأعمشُ وحمزةُ
والكِسائىُّ، ومِن البصريين أبو عمرٍو: ﴿فَحْفُوظِ﴾ خفضًا (٣)، على معنى أنَّ اللَّوحَ
هو المنعوتُ بالحفظِ. وإذا كان ذلك كذلك، كان التأويلُ: فى لوح محفوظٍ مِن
الزيادةِ فيه والنقصانِ منه، عما أثْبته اللَّهُ فيه . وقرَأ ذلك مِن المكيِّين ابنُ مُحَيصِنٍ،
ومن المدنيين نافعٌ: (مَحْفُوظٌ) رفعًا(٤)، ردًا على ((القرآنِ))، على أنه مِن نعتِه
وصفتِه . وكأن معنى ذلك على قراءتهما : بل هو قرآنٌ مجيدٌ، محفوظٌ مِن التغييرِ
والتبدیلِ فی لوحٍ .
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندَنا أنهما قراءتان معروفتان فى قرأةِ الأمصارِ ،
(١) لیست فی : ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢ - ٢) فى م: ((مَن قرأه مِن))
(٣) وبالخفض قرأ أيضا يعقوب وخلف. ينظر النشر ٢٩٩/٢.
(٤) ينظر النشر ٢٩٩/٢ .

٢٨٧
سورة البروج: الآية ٢٢
صحيحتا المعنى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ ، وإذ كان ذلك كذلك، فبأىِّ
القراءتين قرَأ القارئُ فتأويلُ القراءةِ التى يقرؤها على ما بيَّنا .
وقد حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال: ثنا يحيى ، قال : ثنا سفيانُ ، عن منصورٍ ،
عن مجاهدٍ: ﴿فِى لَوْجَ﴾. قال: فى أمِّ الكتابِ .
حدَّثنا بشرٌ ، قال : ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ : ﴿فِى لَوْج ◌َّحْفُوظِ ﴾.
عندَ اللهِ .
وقال آخرون: إنما قيل: ﴿ فَّحْفُوظِ﴾؛ لأنه فى جبهةِ إسرافيلَ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا عمرو بنُ علىٍّ، قال: سمِعتُ قرَّةَ بنَ سليمانَ، قال : ثنا حربُ بنُ
سُريج، قال : ثنا عبدُ العزيزِ بنُ صهيبٍ ، عن أنسٍ بنِ مالكِ فى قوله: ﴿ بَلْ هُوَ قُزْءَانٌ
تَجِيدٌ يَا
فِى لَوَّحْ تَّحْفُوظٍ﴾. قال: إنَّ اللَّوحَ المحفوظَ الذى ذكَر اللَّهُ: ﴿بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ
تَجِدٌ ﴿ فِ لَّوْجِ تَحْفُوظِ﴾: فى جبهةِ إسرافيلَ(١) .
آخرُ تفسير « سورة البروجِ»
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٩٤/٨ عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٥/٦ إلى المصنف.

٢٨٨
سورة الطارق : الآيات ١ - ١٠
١٤١/٣٠
/ بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ
تفسيرُ سورةٍ ((والسماءِ والطارقِ))
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَالسَماءِ وَالطَّارِقِ
النَّجْمُ
وَمَآ أَذْرَئِكَ مَا الطَّارِقُ
إِن كُلُّ نَفْسِ لَّاً عَلَيْهَا حَافِظٌ
اُلّاقِبُ
خُلِقَ مِن مَّآءِ
فَلْظُرِ الْإِنْسَنُ مِمَّ خُلِقَ
٦
دَافِقٍ
) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ، لَقَادِّرُ
٧
يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ [١٠٩٠/٢و] وَالََّآِ
) يَوْمَ نُبْلَى
٨
١٠
فَ لَهُ مِن قُوَّقِ وَلَا نَاصِرٍ
السَّرَآئِرُ
أقسم ربّنا جلَّ ثناؤه بالسماءِ، وبالطارقِ الذى يطرق ليلًاً؛ مِن النجومِ
المضيئةِ، ويَخْفى نهارًا. وكلُّ ما جاء ليلًا فقد طَرَّق .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَالتَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ﴾ . قال: السماءِ وما يطرُقُ فيها(١).
حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ
وَمَا أَذَكَ مَا الطَّارِقُ﴾. قال: طارقٌ يطرُقُ بالليلِ(٢) ويخفى بالنهارِ .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُّ ثورٍ، عن معمرٍ ، عن قتادةً فى قولِه :
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٥/٦ إلى المصنف.
(٢) فى م: ((بليل)).

٢٨٩
سورة الطارق : الآيات ١ - ٣
وَطَّارِقِ﴾. قال: ظهورِ النجومِ. يقولُ: تطرّقُك ليلًا (١).
حدثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ ، قال: سمِعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قولِهِ: ﴿وَالطَّارِقِ﴾: النجمِ .
وَمَا أَذْرَئِكَ مَا الطَّارِقُ﴾. يقول تعالى ذكرُه لنبيُّه محمدٍ سَ التّم: وما أُشْعَرك يا
محمدُ ما الطارقُ الذى أَقْسَمتُ به؟ ثم بينَّ ذلك جلّ ثناؤه، فقال: هو النجمُ
الثاقبُ . یعنی : يتوقَّدُ ضیاؤُه ويتوهَّجُ .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
فى قوله: ﴿ اَلنَّجْمُ الثَّقِبُ﴾: يعني المضىءُ(٢).
احدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن ١٤٢/٣٠
أبيه ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾. قال: هى الكواكبُ المضيئةُ، وثقُوبُه : إذا
أضاء .
حدّثنا ابنُ حمیدٍ ، قال : ثنا یحیی بنُ واضح، قال : ثنا الحسینُ ، عن یزیدَ ، عن
عكرمةَ فى قولِه: ﴿ النَّجْمُ الثَّقِبُ﴾. قال: الذى يَثْقُبُ .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٦٥/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٦/٦ إلى عبد بن
حميد وابن المنذر .
(٢) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (٦٨٧) من طريق عكرمة ، عن ابن عباس، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٣٣٥/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
( تفسير الطبرى ١٩/٢٤ )

٢٩٠
سورة الطارق : الآيتان ٣ ، ٤
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قولِ اللهِ: ﴿ الثَّقِبُ﴾. قال: الذى يتوقَّعُ(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ثُقوبُه: ضوءُه .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿النَّجْمُ
الَِّبُ﴾: المضىءُ(٢).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ النَّجْمُ
التَّقِبُ﴾. قال: كانت العربُ تُسَمِّى الثُّريا النجمَ، ويقال: إِنَّ الثاقبَ النجمُ الذى
يقالُ له : زُحَلُ . والثاقبُ أيضًا الذى قد ارتفَع على النجومِ ، والعربُ تقولُ للطائرِ إذا
هو لَحَقٍ ببطنِ السماءِ ارتفاعًا: قد تَقَب. والعربُ تقولُ: أَثْقِبْ نارَك. أى:
(٣)
أَضِئْها(٣) .
وقولُه: ﴿إِن كُلُّ نَفْسِ لَّاً عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾. اختلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك ؛ فقرَأه
مِن قرأةِ المدينةِ أبو جعفرٍ، ومِن قرأةِ الكوفةِ حمزةُ : ﴿لََّ عَلَيْهَا ﴾ بتشديدِ الميم (١) .
وذُكر عن الحسنِ أنه قرَأ ذلك كذلك(٥).
حدَّثنى أحمدُ بنُ يوسفَ ، قال: ثنا أبو عبيدٍ ، قال : ثنا حجاجٌ، عن هارونَ،
عن الحسن أنه كان يقرَؤُها: ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّاً عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾ مشدّدةً، ويقولُ: إِلَّا
عليها حافظٌ . وهكذا كلُّ شيءٍ فى القرآنِ بالتثقيلِ .
(١) تفسير مجاهد ص ٧٢٠، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٦/٦ إلى عبد بن حميد.
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٦٥/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٦/٦ إلى عبد بن
حميد وابن المنذر .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٦/٦ إلى المصنف مختصرًا .
(٤) وبها قرأ ابن عامر وعاصم. النشر ٢١٨/٢.
(٥) البحر المحيط ٨/ ٤٥٤.

٢٩١
سورة الطارق : الآية ٤
وقرَأْ ذلك مِن أهلِ المدينةِ نافعٌ، ومِن أهلِ البصرةِ أبو عمرٍو: (لَا )
بالتخفيفِ (١)، بمعنى: إِنْ كلُّ نفسٍ لعليها حافظٌ. وعلى أنَّ اللَّمَ جوابُ ((إن))، و
((ما)) التى بعدَها صلةٌ. وإذا كان ذلك كذلك لم يكنْ فيه تشديدٌ .
والقراءةُ التى لا أختارُ غيرَها فى ذلك التخفيفُ(١)؛ لأنَّ ذلك هو الكلامُ
المعروفُ مِن كلام العربِ، وقد أنكَر التشديدَ جماعةٌ مِن أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ ،
أن يكونَ معروفًا مِن كلام العربِ، غيرَ أنَّ الفرّاءَ() كان يقولُ : لا نعرِفُ جهةَ التثقيلِ
فى ذلك، ونَرى أنها لغةٌ فى هُذَيلٍ، يجعلون ((إلا)) مع ((إن)) المخففةِ: ((لََّ))، ولا
یجاوزون ذلك ، کأنه قال : ما کلُّ نفسٍإلَّا عليها حافظً . فإن كان صحيحًا ما ذكر
الفرّاءُ مِن أَنَّها لغةُ هُذَيلٍ، فالقراءةُ بها جائزةٌ صحيحةٌ ، وإن كان الاختيارُ أيضًا إذا
صحَّ ذلك عندَنا - القراءةَ الأخرى، وهى التخفيفُ ؛ لأنَّ ذلك هو المعروفُ مِن
كلامِ العربِ، ولا ينبغى أنْ يُبْرَكَ الأعرفُ إلى الأنكرِ .
وقد حدَّثنى أحمدُ بنُ يوسفَ ، قال: ثنا أبو عبيدٍ ، قال: ثنا معاذٌ، عن ابنٍ
عونٍ ، قال: قَرَأْتُ عندَ ابنِ سِيرينَ: ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّاً عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾. فأنكَرِه، وقال :
سبحانَ اللهِ ! سبحانَ اللهِ !
فتأويلُ الكلامِ إذن : إن كلُّ نفسٍ لعليها حافظٌ مِن ربّها، يحفظُ عملَها،
ويُخْصِی علیھا ما تَکتسِبُ مِن خير أو شرّ.
/ وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
١٤٣/٣٠
(١) وبها قرأ يعقوب وابن كثير والكسائى وخلف. النشر ٢١٨/٢.
(٢) القراءتان كلتاهما صواب .
(٣) فى معانى القرآن ٣/ ٢٥٤.

٢٩٢
سورة الطارق : الآيات ٤ - ٧
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی امی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿إِن كُلُّ نَفْسِ لَّاً عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾. قال: كلُّ نفسٍ
[٠٩٠/٢ ١ظ] عليها حفظةٌ من الملائكةِ().
حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّاً
عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾: حفظةٌ يحفَظون عملَك ورزقَك وأجلَك ، إذا توقَّيْتَه يابنَ آدمَ قُبِضْتَ
(٢)
إلى ربِّك(٢).
وقولُه: ﴿فَلْظُرِ الْإِسَنُ مَِّّ خُلِقَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلينظُرِ الإنسانُ
المكذِّبُ بالبعثِ بعدَ المماتِ ، الُكِرُ قُدرةَ اللهِ على إحيائِه بعدَ مماتِه، ﴿ مَِّّ خُلِقَ﴾ .
يقولُ: من أىِّ شىءٍ خلَقه ربُّه؟ ثم أخبَر جلَّ ثناؤه عما خلَقه منه، فقال: ﴿ خُلِقَ مِن
مَّاءِ دَافِقٍ﴾. يعنى: من ماءٍ مدفوقٍ. وهو مما أخرَجته العربُ بلفظِ ((فاعلٍ)) وهو
بمعنى المفعولِ، ويقالُ: إن أكثرَ مَن يستعملُ ذلك من أحياءِ العربِ ، سكانُ الحجازِ
إذا كان فى مذهبِ النعتِ، "كقولهم: هذا سرّ كاتمٌ، وهمّ ناصبٌ. ونحوِ ذلك.
وقولُهُ: ﴿يَخْرُ مِنْ بَيْنِ الْقُلْبِ وَالتَّيِ﴾. يقولُ: يخرجُ من (٢) صُلبٍ الرجلِ
وترائبٍ المرأةِ . وقيل: يخرجُ من" بين ذلك. ومعنى الكلام: منهما. كما يقالُ:
سيخرج من بين هذين الشيئين خيرٌ كثيرٌ. بمعنى: يخرجُ منهما .
واختلَف أهلُ التأويلِ فى معنى ((الترائبٍ)) وموضعِها؛ فقال بعضُهم: الترائبُ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٥/٦ إلى المصنف.
(٢) تقدم تخريجه فى ص ٢٩٠، وليس هذا الطرف عند عبد الرزاق.
(٣ - ٣) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((هو)).
(٤ - ٤) سقط من: م، ت ٢.

٢٩٣
سورة الطارق : الآية ٧
موضعُ القِلادةِ من صدرِ المرأةِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى عبدُ الرحمنِ بنُ الأسودِ الطَّفاوِىُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ ربيعةً، عن سَلَمةً
ابنِ سابورَ، عن عطيةَ العَوْفِىّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ اَلْقُلْبٍ وَالتَّيِ﴾. قال: الترائبُ
موضعُ القلادةِ(١).
حدَّثنی علیّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿ يَخْجُ مِنْ بَيْنِ اَلْقُلْبِ وَالتَّآيِ﴾. يقولُ: من بين ثَذْتِي(٢) المرأة(٣).
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن أبى رجاءٍ، قال: سُئِل عكرِمةُ عن
الترائبٍ ، فقال: هذه. ووضَع يدَه على صدرِه بينَ ثدييه (٤).
حدَّثنى ابنُ المثنَّى، قال: ثنى سَلْمُ (٥) بنُ قتيبةَ، قال: ثنى عبدُ اللهِ بنُ النعمانِ
الحُدَّانِىُ، أنه سمِع عكرمةَ يقولُ: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الْقُلْبِ وَالتَّيِ﴾. قال: صُلْبٍ
الرجلِ ، وترائبِ المرأةِ .
حدّثنا أبو کریب ، قال : ثنا ابنُ يمانٍ ، عن شريكٍ ، عن عطاءٍ ، عن سعیدِ بنِ
تجبيرٍ ، قال : الترائبُ الصدرُ(٦).
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٩٦/٨ عن عطية، عن ابن عباس، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٦/٦
إلى ابن أبى حاتم .
(٢) فى ص: ((ندى))، وفى م: ((ثدى))، وفى ت ٢: ((يدى)).
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٩٦/٨ عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٦/٦ إلى عبد بن حميد.
(٥) فى ت ١: ((سالم)).
(٦) ينظر تفسير ابن كثير ٣٣٦/٦.

٢٩٤
سورة الطارق : الآية ٧
" قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن مِسْعَرٍ، عن الحكم، عن أبى عياضٍ، قال:
﴿وَالتَّآيِبِ﴾: الصدرِ" .
حدَّثنی يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله : ﴿ يَخْرُمِنْ
بَيْنِ الْعُلْبِ وَالتََّآيِبِ﴾. قال: الترائبُ الصدرُ، وهذا الصلبُ. وأشار إلى ظهرِه.
وقال آخرون : الترائبُ ما بينَ المَتَّكِبين والصدرِ .
١٤٤/٣٠
/ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال : ثنا ابنُ يمانٍ ، عن إسرائيلَ، عن ثُوَيرٍ، عن مجاهدٍ ،
قال: ﴿وَلَّيِ﴾: ما بينَ المنكِبين والصدرِ(١).
حدَّثنى محمدُ بنُّ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿وَالتَِّ﴾. قال: أسفلَ من التراقى(١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، قال: الصُّلْبُ للرجلِ(٤)،
والترائبُ للمرأةِ(٥) ، والترائبُ فوقَ الثديين(٦).
وقال آخرون: هو اليدان والرجلان والعينان .
(١ - ١) سقط من: ت ١.
والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٦/٦ إلى عبد بن حميد .
(٢) ذكره القرطبى فى تفسيره ٢٠/ ٥، وابن كثير فى تفسيره ٣٩٦/٨.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٦/٦ إلى عبد بن حميد.
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢: ((الرجل)).
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢: ((المرأة)).
(٦) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٦٦/٢ عن الثورى به بنحوه .

٢٩٥
سورة الطارق : الآية ٧
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الْقُلْبٍ وَاَلَّيِ﴾. قال: فالترائبُ أطرافُ
الرجلِ، واليدان والرّجلان والعينان ، فتلك الترائبُ .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا مِهرانُ ، عن سفيانَ ، عن أبى رَوْقٍ ، عن الضحاكِ:
﴿ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الْقُلْبِ وَالتََّآَيِ﴾. قال: الترائبُ اليدان والرجلان(١).
قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، قال: قال غيرُه: الترائبُ ماءُ المرأةِ(١) وصلبُ
الرجلِ .
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ : ثنا عبيدٌ ، قال: سمِعت
الضحاكَ يقولُ فى قولِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الْقُلْبِ وَالتَِّ﴾: الترائبُ(٣) عيناه ويداه
ورجلاه .
وقال آخرون : معنى ذلك أنه يخرجُ من بين صلبِ الرجلِ ونحرِه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيِِّ
الْقُلْبِ وَالتَّيِ﴾. يقولُ: يخرجُ من بين صُلبِ الرجلِ ونحرِه (9).
وقال آخرون : هى الأضلاعُ التى أسفلَ الصلبِ .
(١) ذكره القرطبى فى تفسيره ٥/٢٠، وابن كثير فى تفسيره ٣٩٦/٨.
(٢) فى ت ٢، ت ٣: ((الرجل)).
(٣) سقط من: م.
(٤) تقدم تخريجه فى ص ٢٩٠، وليس هذا الطرف عند عبد الرزاق.

٢٩٦
سورة الطارق : الآية ٧
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ ، قال : ثنا ابنُّ يمانٍ ، عن أشعثَ ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ فى
قوله: ﴿ يَخْجُ مِنْ بَيْنِ الْقُلْبِ وَالتَّيِ﴾. قال: الترائبُ الأضلاعُ التى أسفلَ
(١)
الصلب(١) .
وقال آخرون: هى عصارةُ القلب .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ إسحاقَ ، قال: ثنا أبو صالح، قال : ثنى الليثُ ، أن معمرَ بنَ
أبى حَبيبةَ المَدَنَّ(١) حدَّثه، أنه بلَغه فى قولِ اللهِ: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الْقُلْبِ وَالتَِّ﴾ .
قال: هو عُصارةُ القلبِ، ومنه يكونُ الولدُ(٢) .
١٤٥/٣٠
/والصوابُ من القولِ فى ذلك عندَنا قولُ مَن قال: هو موضعُ القِلادةِ من المرأةِ
حيثُ [٠٩١/٢ ١ و] تقعُ عليه من صدرِها ؛ لأن ذلك هو المعروفُ فى كلامِ العربِ ، وبه
جاءت أشعارُهم ، قال المثقِّبُ العبدىُّ(٤) :
كلونِ العاجِ ليس بذى غُضُونٍ
ومن ذهبٍ يُسَنُ ( علی تَرِيبٍ
(٦)
وقال آخر (١):
شَرِقًا به اللَّبَاتُ والنَّخْرُ
والزعْفَرانُ على ترائِها
(١) ذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٨/ ٤٥٥، وابن كثير فى تفسيره ٣٩٦/٨.
(٢) فى ص، م: ((المدينى)).
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٩٧/٨ عن الليث بن سعد به .
(٤) دیوانه ص ١٥٩.
(٥) فى الديوان: ((يلوح)).
(٦) تقدم فى ٥٤٦/٢٢.

٢٩٧
سورة الطارق : الآية ٨
وقولُه: ﴿ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ، لَقَادِرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن هذا الذى خلقكم أيُّها
الناسُ من هذا الماءِ الدافقِ، فجعَلكم بشرًا سويًّا، بعدَ أن كنتم ماءً مدفوقًا - على
رجعه لقادرٌ .
واختلف أهلُ التأويلِ فى الهاءِ التى فى قولِه: ﴿عَ رَجْمِهِ﴾؛ على ما هى
عائدةٌ ؟ فقال بعضُهم: هى عائدةٌ على الماءِ. وقالوا: معنى الكلام : إن الله على ردّ
النطفةِ فى (١) الموضعِ(٣) الذى خرجت منه(٣)، لقادِرٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَةَ، عن أبى رجاءٍ، عن عكرمةَ فى قوله: ﴿إِنَُّ
عَلَى رَجْعِهِ، لَقَادِرُ﴾. قال: إنه على رَدِّه فى صُلْبِهِ لقادرٌ(٤) .
حدَّثنا ابنُ المثنى ، قال : ثنا أبو النعمانِ الحكمُ بنُ عبدِ اللهِ ، قال : ثنا شعبةُ ، عن
أبى رجاءٍ، عن عكرمةً فى قوله: ﴿ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ، لَقَائِرُ﴾. قال: للصُّلبِ.
حدَّثنى عُبِيدُ بنُ إسماعيلَ الهّارىُّ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمد المحاربىُّ ،
عن ليثٍ ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ، لَقَادِرُ﴾. قال: على أن يَؤُدَّ الماءَ فى
(٥)
الإحليلِ(٥).
حدَّثنى نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأوْدِىُّ الوَشَّاءُ، قال : ثنا أبو قَطَنٍ عمرُو بنُ
الهيثم ، عن ورقاءً، عن عبدِ اللهِ بنِ أُبی نجیحٍ ، عن عبدِ الله بن أبی بکرٍ ، عن مجاهد
-
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((من)).
(٢) فى ت ٣: ((المواضع)).
(٣) فى ت ٣: ((منها)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٦/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٥) أخرجه الفراء فى معانى القرآن ٢٥٥/٣ من طريق ليث به.

٢٩٨
سورة الطارق : الآية ٨
فى قوله: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ، لَقَادِيرُ﴾. قال: على ردِّ النطفةِ فى الإحليلِ.
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿ إِنَّهُ عَلَى رَجِْهِ، لَقَائِرُ﴾. قال: رجع النطفةِ فى الإحليلِ).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن لیثٍ ، عن
مجاهدٍ : ﴿ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ، لَقَائِرٌ﴾. قال : فى الإحليلِ .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن ليثٍ ، عن مجاهدٍ: ﴿ إِنَُّ
عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرُ ﴾. قال : ردِّه فى الإحليل.
/وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنه على ردِ الإنسانِ ماءً كما كان قبلَ أن يخلُقَه
منه .
١٤٦/٣٠
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ ، قال: سمِعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ، لَقَائِرُ﴾: إن شئتُ ردَدتُه كما خلَقتُه من
(٣)
ماءٍ(٦).
وقال آخرون : بل معنى ذلك : إنه على حبسٍ ذلك الماءِ لقادرٌ.
(١ - ١) سقط من: م، ت ١.
(٢) تفسير مجاهد ص ٧٢٠، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٦/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) ذكره الطوسى فى التبيان ٣٢٥/١٠، والبغوى فى تفسيره ٣٩٤/٨، والقرطبى فى تفسيره
٢٠ / ٧.

٢٩٩
سورة الطارق : الآية ٨
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿إِنَّهُ عَلَى
رَجْعِهِ، لَقَادِرُ﴾. قال: على رجع ذلك الماءِ لقادرٌ حتى لا يخرجَ، كما قدَر على أن
يخلُقَ(١) منه ما خلَق، قادرٌ على أن يرجعَه(٢).
وقال آخرون : بل معنی ذلك : إنه قادرٌ على رجع الإنسانِ من حالِ الكبرِ إلى
حالِ الصغرِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال : ثنا الحسينُ ، عن مقاتلِ بنِ
حَيّانَ، عن الضحاكِ، قال: سمِعته يقولُ فى قولِهِ: ﴿ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ، لَقَائِرٌ﴾. يقولُ:
إن شئتُ ردَدتُه من الكبَرِ إلى الشبابِ، ومن الشبابِ إلى الصِّبا، ومن الصِّبا إلى
(٣)
النطفةِ(٣) .
وعلى هذا التأويلِ تكونُ الهاءُ فى قوله: ﴿ عَلَى رَجْعِهِ﴾. من ذكرِ الإنسانِ .
وقال آخرون ممن زعم أن الهاءً للإنسان : معنى ذلك : إنه على إحيائه من بعدٍ
مماتِه لقادرٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَُّ عَلَى رَجْعِهِ،
(١) فى ت ٣: (يخرج)).
(٢) ذكره البغوى فى تفسيره ٣٩٤/٨، والقرطبى فى تفسيره ٧/٢٠.
(٣) ذكره القرطبى فى تفسيره ٢٠/ ٧.

٣٠٠
سورة الطارق : الآيتان ٨، ٩
لَقَائِرٌ﴾: إن الله تعالى ذكرُه على بعثِه وإعادته لقادرٌ(١).
وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: إن الله علی ردٌ
الإنسانِ المخلوقِ من ماءٍ دافقٍ من بعدٍ مماتِه حيًّا، كهيئته قبلَ مماتِه - لقادرٌ.
وإنما قلتُ: هذا أولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ؛ لقوله: ﴿يَوْمَ ثَبْلَ
التَّرَآئِرُ﴾. فكان فى إتباعِه قولَه: ﴿ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ، لَقَائِرُ﴾ أنْباءً من أنباءِ القيامةِ ، دلالةٌ
على أن السابقَ قبلَها أيضًا منه، ومنه: ﴿ يَوْمَ تُبْلَ السَّرَآبِرُ﴾. يقول تعالى ذكره : إنه
على إحيائِه بعدَ مماتِه لقادرٌ، يومَ تُبلى السرائرُ. فـ ((اليومُ)) من صفةِ ((الرجعِ))؛ لأن
المعنى : إنه على رجعِه يومَ تُبلى السرائرُ لقادرٌ.
وعنَى بقولِه: ﴿ يَوْمَ ثُبْلَى السَّرَآئِرُ﴾: يومَ تُختبَرُ سرائرُ العبادِ ، فيظهَرُ منها يومئذٍ
ما كان فى الدنيا مستخفيًا عن أعينِ العبادِ، من الفرائضِ التى كان اللهُ ألزمه إياها ،
وكلَّفه العملَ بها .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
◌ُدِّثتُ عن عبدِ اللهِ بنِ صالح، عن يحيى بن أيوب ، عن ابنٍ جریج، عن
١٤٧/٣٠ عطاءِ بنِ أبى رباحٍ/ فى قوله: ﴿يَوْمَ ثُبُلَ السََّآِرُ﴾. قال: ذلك الصومُ والصلاةُ
وغُسلُ الجنابةِ ، وهو السرائر، ولو شاء أن يقول : قد صُمْتُ . ولیس بصائم ، و: قد
صلَّيتُ. ولم يصلِّ، و: قد اغتسَلت. ولم [١٠٩١/٢ظ] يغتسل(١).
(١) ذكره الطوسى فى التبيان ٣٢٥/١٠، والبغوى فى تفسيره ٣٩٤/٨، والقرطبى فى تفسيره ٢٠/ ٧.
(٢) فى ت ١: ((أبى يحيى)). وينظر تهذيب الكمال ٢٣٣/٣١.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٦/٦ إلى ابن المنذر.