Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
سورة الحشر : الآية ٢
البابِ ، فيَتْزِعون ذلك منها بأيديهم وأَنْدِى المؤمنين .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ فى قوله: ﴿يُخْرِبُونَ
بُوْتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ﴾: جعَلوا يُخْرِبونها مِن أجوافِها، وجعَل المؤمنون
يُخْرِبونها مِن ظاهرِها .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأَعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهرىِّ، قال: لمَّ صالَحَوا
النبيَّ صلى الله عليه وسلم كانوا لا يُعْجِئُهم خشبةٌ إلا أخذوها، فكان ذلك خرابها. ٣٠/٢٨
وقال قتادةُ : كان المسلمون يُخْرِبون ما يُلِيهم مِن ظاهرِها ، ويُخرِبُها اليهودُ مِن
(٢)
داخلها .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا سلمةُ ، عن ابنٍ إسحاقَ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ ، قال:
احتَملوا مِن أموالِهم، يعنى بنى النَّضيرِ، ما اسْتَقَلَّت به الإبلُ، فكان الرجلُ منهم
يَهدِمُ بِيتَه عن نِجَافٍ (١٢) بابِه، فيضعُه على ظَهْرٍ بعيرِهِ، فَيَنْطَلِقُ به ، قال: فذلك قولُه :
﴿ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيِّدِى الْمُؤْمِنِينَ﴾ ... وذلك هدمُهم بيوتَهم عن نُجُفٍ
أبوابِهم إذا احتَملوها(٥).
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٨٢/٢، ٢٨٣ عن معمر به ، وأخرجه البيهقى فى الدلائل ١٧٦/٣ ،
١٧٧ من طريق عقيل عن الزهرى ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩١/٦ إلى ابن المنذر.
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٨٢/٢، عن معمر عن قتادة، وذكره البغوى فى تفسيره ٧٠/٨. وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ١٩١/٦ ، إلى عبد بن حميد .
(٣) النِّجاف : العتبة ، وهى أُسْكُفَّةُ الباب . تاج العروس (ن ج ف).
(٤) فى ص: (( يخرّبون)) بتشديد الراء، وهى قراءة كما سيأتى .
(٥) جزء من الأثر المتقدم تخريجه فى ص ٤٩٨ .

٥٠٢
سورة الحشر : الآية ٢
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قولِ اللَّهِ عزَّ
وجلّ: ﴿ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيَدِى الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: هؤلاء النَّضيرُ،
صالَحَهم النبيُّ عَّهِ على ما حَمَلت الإبلُ، فجعَلوا يَفْلَعون الأوتادَ؛ يُخْرِبون
(١)
بیوتَهم ().
وقال آخرون: إنما قيل ذلك كذلك؛ لأنهم كانوا يُخْرِبون بيوتَهم، لِيَبْنوا
بِنَقْضِها ما هدَم المسلمون مِن حصونهم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يُخْرِبُونَ بُوتَهُم بِأَبْدِيهِمْ وَأَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ فَأَعْتَبِرُواْ يَأُوْلِى
اُلْأَبْصَرِ﴾. قال: يعنى بنى النَّضيرِ، جعَل المسلمون كلَّما هدَموا شيئًا مِن
حصونهم، جعَلوا يَنْقُضون بيوتَهم ويُخْرِبونها، ثم يَنون ما يُخْرِبُ المسلمون ،
فذلك هلاكُهم(٢) .
حدِّثتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ ، قال: سمِعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ﴾. يعنى أهلَ
النَّضير، جعَل المسلمون كلَّما هدَموا من حِصْنِهِم، جعَلوا يَنْقُضون بيوتَهم
بأيديهم، ثم يَبنون ما خَرَّب المسلمون(٣).
واختلَفتِ القرأةُ فى قراءةِ ذلك ؛ فقرَأَتْه عامةُ قرأةِ الحجازِ والمدينةِ والعراقِ سوى
(١) ذكره البغوى فى تفسيره ٧٠/٨، والقرطبى فى تفسيره ٤/١٨، وابن كثير فى تفسيره ٨٤/٨ .
(٢) ذكره البغوى فى تفسيره ٧٠/٨، والقرطبى فى تفسيره ٤/١٨، ابن كثير فى تفسيره ٨١/٨ مختصرا .
(٣) ذكره القرطبى فى تفسيره ٤/١٨ .

٥٠٣
سورة الحشر : الآية ٢
أبى عمرٍو: ﴿ يُخْرِبُونَ﴾ بتخفيفِ الراءِ، بمعنى يَخْرُجون منها، ويَتْرُكونها مُعَطّلةً
خَرابًا (١) . وكان أبو عمرٍو يقرَأَ ذلك: (يُخرِّبون) بالتشديدِ فى الراءِ، بمعنى يُهَدِّمون
بيوتَهم. وقد ذُكر عن أبى عبد الرحمنِ السَّلَمِىِّ(٢) والحسنِ البصرىِّ، أنهما كانا
يقرأأن ذلك نحوَ قراءةٍ أبى عمرٍو (١) . وكان أبو عمرٍو فيما ذُكر عنه يزعُمُ أنه إنما اختار
التَّشديدَ فى الراءِ؛ لما ذكرْتُ مِن أنَّ الإِخرابَ إنما هو تركُ ذلك خرابًا بغيرِ ساكنٍ،
وإنَّ بنى النَّضيرِ لم يَتْرُكوا منازلَهم فيَرْتَجِلوا عنها ، ولكنهم خَرَّبوها بالنقضِ والهدمِ ،
وذلك لا يكون فيما قال إلا بالتَّشدیدِ .
وأَوْلى القراءتين فى ذلك بالصوابِ عندى قراءةُ مَن قرأه بالتخفيفِ ؛ لإجماع
الحجةِ مِن القرأةِ عليه . وقد كان بعضُ أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ يقولُ : التَّخْرِيبُ
والإخرابُ بمعنّى واحدٍ ، وإنما ذلك فى () اختلافِ اللفظِ لا اختلافٍ المعنى.
وقولُه: ﴿فَأُعْتَبِرُواْ يَأُوْلِ اَلْأَبْصَرِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فاتَّعِظوا(١) يا مَعْشَرَ
ذوى الأفهام بما أحلَّ اللَّهُ / بهؤلاء اليهودِ ، الذين قذَف اللَّهُ فى قلوبهم الرعبَ وهم ٣١/٢٨
فى حصونهم، من نِقْمَتِه، واعلموا أنَّ اللَّهَ ولُ مَن والاه، وناصرُ رسولَه على كلِّ مَن
ناوأَه ، ومُحِلٌّ مِن نِقْمَتِه به نظيرَ الذى أَحلَّ ببنى النَّضيرِ. وإنما ◌ُنِى بالأبصارِ فى هذا
الموضعِ أبصارُ القلوبِ ؛ وذلك أنَّ الاعتبارَ بها يكونُ دونَ الإبصارِ بالعيونِ .
(١) وهى قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائى. ينظر الكشف عن وجوه القراءات
٣١٦/٢، والتيسير ص ١٧٠ .
(٢) ينظر معانى القرآن للفراء ١٤٣/٣.
(٣) وهى أيضًا قراءة قتادة والجحدرى ومجاهد وأبى حيوة وعيسى. ينظر البحر المحيط ٢٤٣/٨،
والإتحاف ص ٢٥٥.
(٤) ليس فى: ص، ت١، ت٢، ت٣.
(٥) بعده فى ص، م، ت١، ت٢: ((فى)).
(٦) فى ت٢، ت٣: ((فانطلقوا)).

٥٠٤
سورة الحشر : الآيتان ٣ ، ٤
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَآءَ لَعَذَّبَهُمْ فِىِ
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآَقُواْاللَّهَ وَرَسُولَةٌ وَمَن يُشَاقِ اَللَّهُ
الدُّنْيَأُ وَلَهُمْ فِىِ الْآَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ
فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ
يقولُ تعالى ذكرُه: ولولا أنَّ اللَّهَ قضَى وكتَب على هؤلاءِ اليهودِ مِن بنى
النَّضيرِ فى أمِّ الكتابِ الجلاءَ، وهو الانتقالُ مِن موضع إلى موضعٍ، وبلدةٍ إلى
أُخرى .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَلَوْلَآ أَنْ كَنَبَ
اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَّءَ﴾: خروجُ الناسِ مِن البلدِ إلى البلدِ (١).
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی ابی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَلَوْلَآ أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ ﴾. والجلاءُ: إخراجهم
مِن أرضِهم إلى أرضٍ أُخْرى (٣) .
قال(٢): ويقالُ: الجَلَاءُ: الفِرارُ. يقالُ منه: جَلَا القومُ مِن منازلهم،
وأجْلَيْتُهم أنا .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى الفتح ٦٢٩/٨ - من طريق سعيد به ، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٩١/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) أخرجه البيهقى فى دلائل النبوة ٣٥٩/٣ من طريق محمد بن سعد به .
(٣) لعل هنا سقطًا، ولعل المصنف يعنى بالقائل أبا عبيدة معمر بن المثنى، ينظر مجاز القرآن ٢٥٦/٢، وفتح
البارى ٦٢٩/٨.

٥٠٥
سورة الحشر : الآية ٣
وقولُه: ﴿لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَأُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَوْلَآَ أَنْ كَتَبَ اللَّهُ
عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ ﴾ مِن أرضِهم وديارِهم، لعذَّبهم فى الدنيا بالقتلِ والسَّبى، ولكنه
رفَع العذابَ عنهم فى الدنيا بالقتلِ، وجعَل عذابَهم فى الدنيا الجلاءَ، ﴿ وَلَهُمْ فِي
اُلْآَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾ مع ما أحلّ بهم مِن الخِزْي فى الدنيا ، بالجَلَاءِ عن أرضِهم
ودورهم .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأُعلى ، قال: ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن الزهرىِّ، قال : كان
النَّضيرُ مِن سِبْطٍ لم يُصِبْهم جلاءٌ فيما مضى، وكان اللَّهُ قد كتَب عليهم الجَلاءَ؛
ولولا ذلك عذَّبهم فى الدنيا بالقتلِ والسّباءِ(١) .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، قال : ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ ، عن یزید بنِ
رُومانَ: ﴿ وَلَوْلَآ أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَاءَ ﴾: وكان لهم مِن اللَّهِ نِقْمَةٌ
﴿ لَعَذَّبَهُمْ فِ الدُّنْيَا﴾. أى: بالسيفِ، ﴿وَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾ مع
(٢)
ذلك(٢) .
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى ، قال: ثنى أبى ، عن
٣٢/٢٨
أبيه، عن ابنِ عباسٍ ، / قولَه: ﴿ وَلَوْلَآ أَنْ كَنَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِى الذُّنْيَأُ
وَلَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾. قال: كان رسولُ اللَّهِ وَ لَّه قد حاصَرهم حتى بلَغ
منهم كلَّ مَبْلَغِ، فَأَعْطَوه ما أراد منهم ، فصالَهم على أن يَحْقِنَ لهم دماءهم ، وأنْ
(١) تقدم تخريجه فى ص ٤٩٨.
(٢) سيرة ابن هشام ٢/ ١٩٣.

٥٠٦
سورة الحشر : الآيات ٣ - ٥
يُخْرِجَهم مِن أرضِهم وأوطانِهم ، ويُسَيِّرَهم إلى أَذْرِعاتِ الشام، وجعل لكلِّ ثلاثةٍ
منهم بعيرًا وسِقاءً ..
حدِّثْتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ ، قال: سمِعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قولِهِ: ﴿ وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَءَ ﴾ : أهلِ النَّضيرِ،
حاصَرهم نبىُّ اللَّهِ مْظِِّ حتى بلَغ منهم كلَّ مَبْلَغٍ، فَأَعْطَوا نبىَّ اللّهِ عَظِلّهِ ما أراد. ثم
ذكَّر نحوَه، وزاد فيه : فهذا الجَلَاءُ(١).
وقولُه: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآَقُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه : هذا الذى فعَل
اللَّهُ بهؤلاءِ اليهودِ ما فَعَل بهم ؛ مِن إخراجِهم مِن ديارِهم، وقَذْفِ الرعبِ فى قلوبهم
مِن المؤمنين، وجعَل لهم فى الآخرةِ عذابَ النارِ - بما فعلوا هم فى الدنيا؛ مِن
مخالفتِهم اللَّهَ ورسولَه فى أمره ونهيه، وعصيانِهم ربَّهم فيما أمرهم به مِن اتّباع
محمدٍ عَ اله. ﴿وَمَن يُشَاقِ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن
يُخالِفِ اللَّهَ فى أمرِهِ ونهِهِ فإِنَّ اللَّهَ شديدُ العقابِ.
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ مَا قَطَّعْتُم مِّن لِيْنَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا
فَبَإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْرِىَ الْفَسِقِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه: ما قَطَعتم مِن ألوانِ النَّخْلِ، أَو تَرَكْتُموها قائمةٌ على
أصولها .
اختلف أهلُ التأويل فى معنى اللِينَةِ ؛ فقال بعضُهم: هى جميعُ أنواع النَّخْلِ
سوى العَجْوَةِ .
(١) أخرجه المصنف فى تاريخه ٢/ ٥٥٣، والبيهقى فى دلائل النبوة ٣/ ٣٥٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٨٨/٦ إلى ابن مردويه.
(٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨٥/٨، كما ذكره البغوى فى تفسيره ٦٩/٨ بنحوه.

٥٠٧
سورة الحشر : الآية ٥
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا سفيانُ ، عن داودَ بنِ أبی هندٍ ،
عن عكرمةَ: ﴿ مَا قَطَّعْتُم مِّن ◌ِلِِّنَةٍ﴾. قال: النَّحْلةُ(١).
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى ، قال: ثنا داودُ ، عن عكرمةَ أنه قال فى
هذه الآية: ﴿ مَا قَطَعْتُم مِّن لِّنَةٍ﴾. قال: اللِّينَةُ ما دونَ العَجْوةِ مِن النَّخْلِ(١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ فى
قولِه: ﴿ مَا قَطَعْتُم مِّن لِيِنَةٍ﴾. قال: اللِينَةُ ما خالَف العَجْوةَ مِن الثَّعْرِ.
وحدَّثنا به مرَّةً أُخْرى فقال: مِن النَّخْلِ (١).
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ فى قوله: ﴿ مَا
قَطَّعْتُمْ مِّن لِنَةٍ﴾. قال: النَّخْلُ كلُّه ما خلا العَجْوةَ(٤).
حذَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ فى قوله: ﴿ مَا قَطَّعْتُم
مِّن لِِّنَةٍ﴾: واللِّينَةُ ما خلا العَجْوَ مِن النَّخْلِ().
/حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزُّهرىِّ: ﴿ مَا ٣٣/٢٨
قَطَعْتُم مِّن لِّيِنَةٍ﴾: ألوانِ النَّخْلِ كلِّها إلا العَجْوةَ(٥).
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩١/٦ إلى عبد بن حميد.
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٩٣/١٢ من طريق داود به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩١/٦ إلى سعيد بن
منصور وعبد بن حميد وابن المنذر .
(٣) سيرة ابن هشام ٢/ ١٩٣.
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٨٣/٢ عن معمر عن قتادة، وذكره البغوى فى تفسيره ٨/ ٧١.
(٥) أخرجه البيهقى فى الدلائل ١٧٧/٣ من طريق عقيل عن الزهرى، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٩١/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

٥٠٨
سورة الحشر : الآية ٥
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا مِهْرانُ، قال: ثنا سفيانُ، عن داودَ بنِ أبى
هندٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباس: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِِّنَةٍ﴾. قال: النَّخْلةِ
دونَ العَجْوةِ (١) .
وقال آخرون: النَّخْلُ كلُّه لِينَةٌ ؛ العَجْوةُ منه وغيرُ العَجْوةِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُّ حميدٍ ، قال: ثنا حكَامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ :
﴿مَا قَطَعْتُم مِّنْ لِِّنَةٍ﴾ . قال: النَّخْلةُ .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ
فى قولِهِ: ﴿ مَا قَطَّعْتُم مِّن لِّيِنَةٍ ﴾. قال: نَخْلةٍ. قال: نهَى بعضُ المهاجرين بعضًا
عن قَطْعِ النَّخْلِ ، وقالوا : إنما هى مَغانمُ المسلمين . ونزل القرآنُ بتصديقٍ مَن نَهى عن
قَطْعِه وتحليلٍ مَن قطَعه مِن الإِثْمِ ، وإِنما قَطْعُه وتَوْكُه بإذنِه(٢) .
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ أبي بُكَيْرٍ، قال: ثنا شريكٌ، عن أبى
إسحاقَ ، عن عمرٍو بنٍ ميمونٍ: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِِّنَةٍ﴾. قال: النَّخْلةِ(١).
حدَّثْنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿مَا
قَطَعْتُم مِّن لِيِنَةٍ ﴾. قال: اللِينةُ النَّخْلةُ؛ عجوةً كانت أو غيرَها، قال اللَّهُ: ﴿مَا
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٩٣/١٢ من طريق سماك عن داود به، بلفظ: ((وهى النخلة))، وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ١٩١/٦ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر بلفظ: ((وهى النخلة)).
(٢) تفسير مجاهد ص ٦٥٢، ومن طريقه البيهقى فى الدلائل ١٨٥/٣.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩١/٦ إلى عبد بن حميد.

٥٠٩
سورة الحشر : الآية ٥
قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ﴾ للنخلِ ) الذى قطَعوا مِن نَخْلِ النَّضيرِ حينَ غَدَرت النَّضيرُ.
وقال آخرون : هى لَونٌ مِن النَّخْلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّيِنَةٍ﴾. قال: اللِّينَةُ لَونٌ مِن
(٣)
النَّخْلِ(٣).
وقال آخرون : هى كِرامُ النَّخْلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا مِهْرانُ، قال: ثنا سفيانُ فى: ﴿ مَا قَطَعْتُم مِّن
لِيِنَةٍ ﴾. قال: مِن كرامٍ نَحْلِهم (٢).
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك قولُ مَن قال: اللِّينَةُ: النَّخْلةُ. وهى(٥) مِن ألوانٍ
النَّخْلِ ما لم تَكنْ عَجْوةٌ ، وإِيَّاها عنَى ذو الرُّمَّةِ بقولِه(٦) :
طِراقُ الخَوافى واقعٌ فوقَ لِينَةٍ()
نَدَى لَيلِهِ فى ريشِهِ يَتَرَفْرَقُ
(١) فى م: ((قال))، وفى ت ٢: ((للنخلة)).
(٢) ذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٢٤٤/٨.
(٣) ذكره البغوى فى تفسيره ٧٢/٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩١/٦ إلى المصنف.
(٤) ذكره البغوى فى تفسيره ٧٢/٨، والقرطبى فى تفسيره ٩/١٨، وأبو حيان فى البحر المحيط
٢٤٤/٨.
(٥) فى م: ((هن)).
(٦) تقدم البيت فى ١٧/ ٦٠٧.
(٧) فى الديوان، وفيما تقدم: ((ريعة)).

٥١٠
سورة الحشر : الآية ٥
٣٤/٢٨
أو كان بعضُ أهلِ العربيةِ مِن أهلِ البصرةِ يقولُ: اللِّينةُ مِنِ اللَّوْنِ ، واللِّيَانُ فى
الجماعةِ واحدُها اللِّينَةُ. قال: وإنما سُمِّيت لِينَةً لأنه فِعلةٌ(١) مِن فَعْلِ، وهو اللَّونُ،
وهو ضَرْبٌ مِن النَّخْلِ، ولكن لمّ انكسَر ما قبلَها انقلبت إلى الياءِ. وكان بعضُهم
يُنكِرُّ هذا القولَ ويقولُ: لو كان كما قال لجمَعوه: اللِّوانُ لا اللِّيَانُ.
وكان بعضُ نحويِّى الكوفةِ يقولُ: جَمْعُ اللِّينَةِ لِينٌ .
وإنما أُنزِلت هذه الآيةُ فيما ذُكرِ مِن أَجْلٍ أنْ رسولَ اللّهِ ◌ِ ◌ٍِّ لما قطَعِ نخلَ بنى
النَّضيرِ وحرَّقها، قالت بنو النَّضيرِ لرسولِ اللَّهِ مَّهِ: إنك كنتَ تَنْهى عن الفسادِ
وتَعِيبُه، فما بالك تقطَعُ نَخْلَنا وتُحرَّقُها؟ فَأَنزَل اللَّهُ هذه الآيةَ، فأخبَرهم أنَّ ما قَطَع مِن
ذلك رسولُ اللَّهِ عَلَّمِ أو ترَك، فعن أَمْرِ اللَّهِ فَعَل .
وقال آخرون: بل نزَل ذلك لاختلافٍ كان مِن١٢ْ المسلمين فى قَطْعِها وتَرْكِها .
ذكرُ مَن قال: نزَل ذلك لقولِ اليهودِ للمسلمين ما قالوا
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ بنُ الفضلِ ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ ، قال: ثنا
يزيدُ بنُ رُومانَ ، قال: لما نزَل رسولُ اللَّهِ مَ لِّ بهم، يعنى ببنى النَّضيرِ، تحصَّنوا منه فى
الحصونِ، فَأَمَر رسولُ اللَّهِ بِهِ بِقَطْعِ النَّخْلِ والتَّحْرِيقِ فيها، فنادَوْه: يا محمدُ ، قد كنتَ
تَنْهى عن الفسادِ وتَعِيئُه على مَن صنَعه، فما بالُ قَطْعِ النَّخْلِ وتَخْرِيقِها؟ فأنزل اللَّهُ: ﴿مَا
قَطَعُتُم مِّن ◌ِِّنَةٍ أَوْ تَرَكْتُوُهَا قَآئِمَةً عَلَىّ أُصُولِهَا فَبَإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْرِىَ الْفَسِقِينَ
(١) فى ت ٢، ت ٣: ((من فعيلة).
(٢) فى ت ٢، ت ٣: ((بين).
(٣) ذكره الزيلعى فى تخريج الكشاف ٤٣٨/٣ عن المصنف، والأثر فى سيرة ابن هشام ١٩١/٢، وأخرجه
البيهقى فى الدلائل ٣٥٥/٣ من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق عن عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن
عمرو بن حزم .

٥١١
سورة الحشر : الآية ٥
ذكرُ مَن قال : نزَل ذلك لاختلافٍ كان بينَ المسلمين فى أَمْرِها
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ مَا قَطَعْتُم مِّن
لِّنَةٍ﴾ الآية. أى: لِيَعِظَهم، فقطَع المسلمون يومئذٍ النَّخْلَ، وأمسك آخرون
كراهيةَ أنْ يكونَ فسادًا، فقالت اليهودُ : آللَّهُ أَذِن لكم فى الفسادِ ؟! فأنزل اللَّهُ: ﴿ مَا
قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ ﴾(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال : ثنا وَرقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قوله: ﴿ مَا قَطَعْتُم مِّن لِّنَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِعَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾. قال: نَهَى
بعضُ المهاجرين بعضًا عن قَطْعِ النَّخْلِ ، وقالوا: إنما هى مغانمُ المسلمين. ونزَل القرآنُ
بتصديقِ مَن نهَى عن قَطْعِه وتَحليلٍ مَن قَطَعه مِن الإثم ، وإِنما قَطْعُه وتَركُه بإذنِه(١) .
حدَّثنا سليمانُ بنُ عمرَ بنِ خالدٍ البرقىُ ، قال : ثنا ابنُ المباركِ ، عن موسى بنٍ
عقبةَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ ، قال: قطَع رسولُ اللَّهِ مِ لّهِ نَخْلَ بنى النَّضيرِ، وفى
ذلك نزَلت: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِينَةٍ ﴾ الآية . وفى ذلك يقولُ حسانُ بنُ ثابتٍ :
حَرِيقٌ بالبُوَيْرةِ مُسْتَطِيرُ(٣)
وهانَ على سَراةٍ بنى لُؤَىٍّ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩١/٦ إلى عبد بن حميد .
(٢) تفسير مجاهد ص ٦٥٢، ومن طريقه البيهقى فى الدلائل ٣/ ١٨٥، وأخرجه عبد الرزاق فى المصنف
١٩٨/٥، ١٩٩ بإسناده عن ابن جريج عن مجاهد، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٨/٦ إلى عبد بن
حميد وابن المنذر .
(٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٦٤٢)، ومسلم (١٧٤٦)، والبيهقى ٨٣/٩، وفى الدلائل
١٨٤/٣ من طريق ابن المبارك به، وأخرجه الشافعى ٢٤١/٢ (٤٠٠)، والحميدى (٦٨٥)، وأبو عبيد فى
الأموال (٢٠)، وأحمد ١٢٨/٨ (٤٥٣٢)، والبخارى (٣٠٢١)، والنسائى فى الكبرى (٨٦٠٩) من طريق
موسى بن عقبة به، وأخرجه الدارمى ٢/ ٢٢٢، وأبو داود (٢٦١٥)، والترمذى (١٥٥٢)، وابن ماجه =

٥١٢
سورة الحشر : الآيتان ٥، ٦
/وقولُه: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾. يقولُ: فبأَمْرِ اللَّهِ قَطَعْتم ما قطَعْتم منها(١)، وتَرَكْتم
ما تَرَكْتم، ولِيَغِيظَ بذلك أعداءَه ، ولم يكنْ فسادًا.
٣٥/٢٨
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ :
﴿ فَإِذْنِ اللَّهِ ﴾. أى: فبأَمْرِ اللَّهِ قُطِعَت، ولم يكن فسادًا، ولكن نِقْمَةً مِن اللَّهِ،
وِيُخْزِىَ الفاسقين(١).
وقولُه: ﴿ وَلِيُخْزِىَ الْفَسِقِينَ﴾: ولَيُذِلَّ الخارجين عن طاعةِ اللهِ عزَّ وجلَّ،
المخالفين أمرَه ونهيه، وهم يهودُ بنى النَّضيرِ.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَمَآ أَفَآءَ اَللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ
مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
٦
قَدِيرٌ
يقولُ تعالى ذكره: والذى ردَّ اللَّهُ على رسولِه منهم. يعنى مِن أموالٍ بنى
التَّضيرِ، يقالُ منه: فاء الشىءُ على فلانٍ ، إذا رجَع إليه، وأَفَأَتُه أنا عليه. إذا رَدَدْتُه
عليه . وقد قيل : إنه عُنِى بذلك أموالُ قُرِيظةً. ﴿ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا
رِكَابٍ﴾. يقولُ: فما أَوْضَعْتم فيه مِن خيلٍ ولا إبلٍ. وهى الرِّكابُ . وإنما وصَف
جلَّ ثناؤه الذى أفاءَه على رسولِه منهم بأنَّه لم يُوجَفْ عليه بخَيلٍ ؛ من أجْلٍ أنَّ
= (٢٨٤٥)، من طريق نافع به .
(١) سقط من : م .
(٢) سيرة ابن هشام ١٩٣/٢.

٥١٣
سورة الحشر : الآية ٦
المسلمين لم يَلْقَوا فى ذلك حربًا ، ولا كُلِّفوا فيه مُؤْنةً ، وإنما كان القومُ معهم وفى
بلدِهم، فلم يكنْ فيه إيجافُ خَيْلٍ ولا رِكابٍ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَمَآ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى
رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ الآية. يقولُ: ما قطَعْتم إليها
واديًا ، ولا سِرْتم إليها سيرًا، وإنما كان حوائطُ لبنى التَّضيرِ طُعْمَةً أَطْعَمها اللَّهُ رسولَه.
ذُكِر لنا أنَّ رسولَ اللَّهِ مَّ ◌ِلِ كان يقولُ: «أَيُّما قَرْيَةٍ أَغْطَتِ اللَّهَ ورسوله فهی للَّهِ
وَلِرَسُولِهِ، وَأَيُّمَا قَرْيَةٍ فَتَحها المسلمون عَنْوةٌ فإِنَّ اللَّهِ خُمُسَه وَلِرَسولِهِ، وما يَقِى غنيمةٌ
لِن قاتل عليها))(١).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأُعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ ، عن الزهرىِّ فى قوله :
﴿فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾. قال: صالَح النبِىُّ عَّهِ أَهْلَ فَدَكَ وقرى
قد سمَّاها لا أحْفَظُها، وهو محاصِرٌ قومًا آخرين، فأرسَلوا إليه بالصُّلْح. قال: ﴿فَمَّآ
أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ . يقولُ: بغيرِ قتالٍ . قال الزهرىُّ: فكانت بنو
النَّضيرِ للنبىِّ ◌َّهِ خالصةٌ، لم يَفْتَتِحوها عَنْوةً، / بل(٢) على صُلْح، فقَسَمها ٣٦/٢٨
النبىُّ عَلَِّ بينَ المهاجرين، لم يُعْطِ الأنصارَ منها شيئًا، إلا رَجُلَيْن كانت بهما
(٣)
حاجةٌ() .
(١) أخرج المرفوع البيهقى ١٣٩/٩ من طريق قتادة عن أبى رافع عن أبى هريرة مرفوعًا .
(٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) أخرجه أبو داود (٢٩٧١)، والبيهقى ٢٩٦/٦ من طريق ابن ثور به، وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره
٢٨٣/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٢/٦ إلى ابن المنذر. (تفسير الطبرى ٣٣/٢٢)

٥١٤
سورة الحشر : الآية ٦
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، قال: ثنى محمدُ بنُّ إسحاقَ ، عن يزيدَ بنِ
رُومانَ: ﴿ وَمَآ أَفّءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾. يعنى بنى النَّضيرِ، ﴿فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ
مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
قَدِيرٌ﴾.
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد
فى قولِه: ﴿فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾. قال: يُذَكِّرُهم ربهم أنه
نصَرهم وكفاهم بغيرِ كُرَاعُ(١) ولا عُدَّةٍ فى قريظةَ وخيبرَ، ما أفاء اللَّهُ على رسولِه من
قُرِيظةَ جعَلَها لُهاجِرةِ قريشٍ(٢) .
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال: ثنى عمِّى ، قال : ثنى أبى، عن
أبيه، عن ابنِ عباس قولَه: ﴿ وَمَآ أَقَّةَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ
خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾.
قال: أَمَرِ اللَّهُ عزَّ وجلَّ نبيَّه بالسيرِ إلى قريظةً والنَّضيرِ، وليس للمسلمين يومئذٍ كثيرُ
تَخَيْلٍ ولا رِكابٍ، فجعَل ما أصاب رسولُ اللَّهِ حَيْهِ يَحْكُمُ فيه ما أراد، ولم يكنْ
يومئذٍ خيلٌ ولا رِكابٌ يُوجَفُ بها . قال: والإِيجافُ: أن يُوضِعوا السَّيْرَ، وهى
لِرَسولِ اللَّهِ صَلٍ، فكان مِن ذلك خيبرُ وفَدَكُ وقرّى عَرَبِيةٌ، وَأَمَر اللَّهُ رسولَه أن يُعِدَّ
ليْبُعَ (٤) ، فأتاهَا رسولُ اللَّهِ ◌َِّيهِ فاحتواها كلَّها، فقال ناسٌ: هلَّا قَسَمها؟ فأنزَل اللَّهُ
(١) سيرة ابن هشام ١٩٣/٢.
(٢) الكُراع : اسم يجمع الخيل والسلاح . اللسان (ك رع).
(٣) تفسير مجاهد ص ٦٥٢.
(٤) يَتْبُع: هى بين مكة والمدينة، وهى من بلاد بنى ضمرة. معجم ما استعجم ٤/ ١٤٠٢.

٥١٥
سورة الحشر : الآيتان ٦، ٧
عزَّ وجلَّ عُذْرَه فقال: ﴿مَّ أَفَآءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَلِذِى
اُلْقُرْبَى وَاُلْيَتَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ﴾. ثم قال: ﴿وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ
وَمَا نَهَنَكُمْ عَنْهُ فَأَنْنَهُواْ ﴾ الآية (١).
حدِّثتُ عن الحسينِ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ ، قال: سمِعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قولِهِ: ﴿ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾. يعنى يومَ
قُريظةً .
وقولُه: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَمُ عَلَى مَن يَشَدَّ﴾. أَعْلَمك أنه كما سلَّط
محمدًا عَ لَّهِ على بنى النَّضيرِ، يُخْبِرُ بذلك جلَّ ثناؤه أنَّ ما أفاء اللّهُ عليه مِن أموالٍ
مَن ١) لم يُوجِفِ المسلمون بالخيلِ والرّكابٍ مِن الأعداءِ مما صالحوه عليه - له خاصةٌ
يعملُ فيه بما يَرى. يقولُ: فمحمدٌ(٣) عَّهِ إنما صار إليه أموالُ بنى التَّضيرِ بِالصُّلْحِ لا
عَنْوَةً فَتَقَعَ فيها القِسْمَةُ ، ﴿ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾. يقولُ: واللَّهُ على كلِّ
شىءٍ أراده ذو قدرةٍ ، لا يُعْجِزُه شىءٌ، وبقدْرتِه على ما يشاءُ سلّط نبيّه محمدًا عَ لّهِ
على ما سُلِّط عليه مِن أموالٍ بنى النَّضيرِ، فحازه عليهم .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ََّ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلَّهِ
وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْبَشَى / وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ كَ لَا يَكُونَ دُولَةٌ بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ ٣٧/٢٨
مِنْكُمْ وَمَآ ءَالَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَكُمْ عَنْهُ فَانْنَهُواْ وَأَتَّقُواْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ
الْعِقَابِ
٧
يعنى بقوله جلَّ ثناؤه: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ الذى ردَّ اللَّهُ
(١) ذكره البغوى فى تفسيره ٧٣/٨ مختصرا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٢/٦ إلى ابن مردويه.
(٢) سقط من: م، وفى ت ٢، ت ٣: ((ما)).
(٣) فى ت ٢، ت ٣: ((لمحمد)).

٥١٦
سورة الحشر : الآية ٧
عزَّ وجلَّ على رسولِه من أموالٍ مشركى القُرى .
واختلف أهلُ العلم فى الذى عُنِى بهذه الآيةِ مِن الأموالِ (١) ؛ فقال بعضُهم:
عُنِى بذلك الجِزْيَةُ والخَرَاجُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن أيوبَ ، عن عكرمةً
ابنِ خالدٍ ، عن مالكِ بنِ أوْسِ بنِ الحَدَثان ، قال: قرَأ عمرُ بنُ الخطابِ رضِى اللَّهُ
عنه: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ﴾ حتى بلغ: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
[التوبة: ٦٠]. ثم قال: هذه لهؤلاء. ثم قال: ﴿ وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمُتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ
خُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى﴾ الآية [الأنفال: ٤١]. ثم قال: هذه الآيةُ لهؤلاءٍ.
ثم قرأ: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ حتى بلَغْ: ﴿لِلْفُقَرَآءِ﴾،
﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّهُو الذَّارَ﴾، ﴿ وَالَّذِينَ جَءُو مِنْ بَعْدِهِمْ ﴾. ثم قال: اسْتَوْعَبَت
هذه الآيةُ المسلمين عامةً ، فليس أحدٌ إلا له فيها(٢) حقٌّ. ثم قال: لئن عشتُ ليأْتِينَّ
الراعىّ وهو "بِسَرْوِ حِغيرَ) نَصِيئُه، لم يَعْرَقْ فيها جَبِينُه(٤).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، قال: ثنا معمرٌ فى قولِه :
﴿مَّا أَفَءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾. قال(١): بلَغنى أنها الجِزْيةُ
(١) فى م: ((الألوان)).
(٢) سقط من: م، وفى ت١، ت٢: ((منها)).
(٣ - ٣) فى م، ت ٢، ت ٣: ((يسير حمره)). وسرو حمير: هو منازل حمير بأرض اليمن. معجم البلدان ٨٦/٣.
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٩٩/٨ عن المصنف ، وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٨٣/٢ عن معمر به ،
وأخرجه أبو عبيد فى الأموال (٤١)، وابن زنجويه فى الأموال (٨٤، ٧٦٢)، والبيهقى ٣٥٢/٦ من طريق أيوب
به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٣/٦ إلى عبد بن حميد وأبى داود فى ناسخه وابن المنذر وابن مردويه .
(٥) فى النسخ: ((حتى)). والمثبت من مصادر التخريج.

٥١٧
سورة الحشر : الآية ٧
والخَرَاجُ ؛ خَرَاجُ أهلِ القُرى (١).
وقال آخرون : عُنِى بذلك الغنيمةُ التى يُصِيبُها المسلمون من عدُوِّهم مِن أهلِ
الحربِ بالقتالِ عَنْوةٌ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ: ﴿ مَّآ
أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِرَسُولِ ﴾: ما يُوجِفُ عليه المسلمون بالخيل
والرِّكابٍ ، وفُتِحِ بالحَرْبِ عَنْوةٌ ﴿فَلِلَّهِ وَلِرَسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ
السَّبِيلِ كَى لَا يَكُونَ دُولَةٌ بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ وَمَآ ءَالَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَكُمْ
عَنْهُ فَأَنْتَهُواْ﴾. قال: هذا قَسْمٌ آخرُ فيما أُصِيب بالحَرْبِ بينَ المسلمين، على ما
وضَعه اللَّهُ عليه(٢).
وقال آخرون: عُنِى بذلك الغنيمةُ التى أُوْجَف عليها المسلمون بالخيلِ
والرّكابِ، وأَخِذت بالغَلَبَةِ(٢) . وقالوا: كانت الغنائمُ فى بُدوِّ الإسلامِ لهؤلاءِ الذين
سمّاهم اللَّهُ فى هذه الآياتِ دونَ الُوجِفين عليها ، ثم نُسِخ ذلك بالآيةِ التى فى سورةٍ
((الأنفالِ)) .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال : ثنا عبدُ الأعلى ، قال : ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ فى
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٨٤/٢ عن معمر به، وذكره القرطبى فى تفسيره ١٢/١٨ بنحوه، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ١٩٢/٦ إلى ابن المنذر.
(٢) سيرة ابن هشام ٢/ ١٩٤.
(٣) فى ت ٢، ت ٣: ((بالغيلة)).

٥١٨
سورة الحشر : الآية ٧
٣٨/٢٨
قوله: ﴿مَّ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَى
وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ ﴾. قال: / كان الفَىءُ فى هؤلاءِ، ثم نُسِخ ذلك فى سورةٍ
((الأنفالِ))، فقال: ﴿ وَأَعْلَمُوَأْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ, وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى
اُلْقُرْبَى وَالْيَتَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١]. فتَسَخت هذه الآيةُ ما
كان قبلَها فى سورةِ ((الحَشْرِ))(١)، (٢ ويجعِل الْحُمُسُ لمن٢) كان له الفَىُ فى سورةِ
((الحشرِ))، وكانت الغنيمةُ تُقْسَمُ خمسةَ أخماسٍ؛ "فأربعةُ أخماسٍ" لمن قاتل عليها،
ويُقْسَمُ الخُمُسُ الباقى على خمسةِ أخماسٍ؛ فخُمُسٌ للَّهِ وللرسولِ، وخُمُسٌ لقرابةٍ
رسولِ اللَّهِ وَ لَّهِ فى حياتِه، وخُمُسٌ لليتامى، وخُمُسٌ للمساكين، وخُمُسٌ لابنٍ
السبيلِ، فلما قضَى رسولُ اللَّهِ يَّهِ وَجّه أبو بكرٍ وعمرُ رضِى اللَّهُ عنهما هذين
السَّهْمين؛ سَهْمَ رسولِ اللّهِ مِّهِ وسَهْمَ قرابتِه، فحمَلا عليه فى سبيلِ اللَّهِ ، صدقةً
عن رسولِ اللّهِ عَه(٣).
وقال آخرون : عُنِى بذلك ما صالَح عليه أهلُ الحَرَبِ المسلمين من أموالهم .
وقالوا: قولُه: ﴿ََّ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلَلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآيات ، بيانُ
قَشْم المالِ الذى ذكّره اللَّهُ فى الآيةِ التى قبلَ هذه الآيةِ ، وذلك قولُه: ﴿ مَا أَفَاءَ اللَّهُ
عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾. وهذا قولٌ كان يقولُه
بعضُ المُتُفقِّهةِ مِن المتأخرين .
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أنَّ هذه الآيةَ حكمُها غيرُ حكم الآيةِ التى
قبلَها ، وذلك أنَّ الآيةَ التى قبلَها مالٌ جعَله اللَّهُ عزَّ وجلَّ لرسولِه ◌َظِّمِ خاصةً دونَ غيرِهِ ، لم
(١) فى م، ت ١: ((الأنفال)).
(٢ - ٢) سقط من: ت ٢، ت ٣.
(٣) تقدم تخريجه فى ١٨٩/١١، كما عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٢/٦، ١٩٣ إلى عبد بن حميد.

٥١٩
سورة الحشر : الآية ٧
يَجْعَلْ لأحدٍ فيه نصيبًا ، وبذلك جاء الأثرُ عن عمرَ بنِ الخطابِ رضِى اللَّهُ عنه .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمرٍ، عن الزهرىِّ، عن مالكِ
ابنِ أَوْسِ بنِ الحَدَثَانِ ، قال: أَرْسَل إلىَّ عمرُ بنُ الخطابِ رضى اللَّهُ عنه، فدخَلْتُ
عليه، فقال: إنَّه قد حضَر أهلُ أبياتٍ مِن قومِك، وإنا قد أَمَرْنا لهم برَضْخِ(١)،
فاقْسِمه بينهم . فقلتُ : يا أميرَ المؤمنين، مُؤْ بذلك غيرى. قال: اقْبِضْه أيُّها المرءُ . فبينما
أنا كذلك، إذ جاء يَرْفَأَ مولاه، فقال: عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ، والزبيرُ، وعثمانُ،
وسعدٌ يَشْتَأْذِنون. فقال: ائذَنْ لهم. ثم مكث ساعةً ، ثم جاء فقال: هذا علىّ والعباسُ
يَسْتَأْذِنان. فقال: ائذَنْ لهما . فلما دخَل العباسُ قال: يا أميرَ المؤمنين ، اقْضٍ بينى وبينَ
هذا الغادِرِ الخائنِ الفاجرِ (١). " وهما جاءاً) يَخْتصِمان فيما أفاء اللَّهُ على رسولِه من
أعمالٍ بنى النَّضيرِ، فقال القومُ: اقْضٍ بينهما يا أميرَ المؤمنين وأَرِع كلَّ واحدٍ منهما من
صاحبِه، فقد طالَت خصومتُهما . فقال: أنشُدُكم اللَّهَ الذى بإذنِه تقومُ السماواتُ
والأرضُ، أَتَعلَمون أنَّ رسولَ اللَّهِ مَ لِ قال: (( لا نُورَثُ، ما تَرَكْناه صَدَقَةٌ))؟ قالوا :
قد قال ذلك. ثم قال لهما: أتعلَمان أنَّ رسولَ اللّهِ عَ لِّ قال ذلك؟ قالا: نعم ؛ قال :
فسأُخْبِرُكم بهذا الفَىءٍ؛ إِنَّ اللَّهَ خصَّ نبيَّه ◌ِِّ بشىءٍ لم يُعْطِه غيرَه، فقال: ﴿ وَمَآ
أَفَآءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ . فكانت هذه
لِرَسولِ اللَّهِ وَ لِّهِ خاصةً، فواللهِ ما احتازها دونَكم، ولا استأثر بها دونَكم، ولقد
قسَمها عليكم حتى بَقِى منها هذا المالُ، فكان رسولُ اللَّهِ بِهِ يُنْفِقُ على أهلِه منه
سَنَتَهم ، ثم يَجْعَلُ ما بَقِى فى مالِ اللَّهِ(٤) .
(١) الرّضْخ: العطية القليلة. النهاية ٢ /٢٢٨.
(٢) فى ص، ت ٢، ت ٣: ((العاجز)).
(٣ - ٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((وهم أحسد)).
(٤) أخرجه النسائى (١١٥٧٥) عن محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه أبو داود (٢٩٨٤) من طريق ابن =

٥٢٠
سورة الحشر : الآية ٧
فإذا كانت هذه الآيةُ التى قبلَها مضَت، وذُكِر المالُ الذى خصَّ اللَّهُ به
٣٩/٢٨ رسولَه ◌ِِّ، ولم يَجْعَلْ لأحدٍ معه شيئًا، وكانت هذه الآيةُ خبرًا عن / المالِ الذى
جعَله اللَّهُ لأصنافٍ شتَّى - كان معلومًا بذلك أن المالَ الذى جعَله لأصنافٍ مِن خَلْقِه
غيرُ المالِ الذى جعَله للنبيِّ ◌َِّ خاصةً ولم يَجْعَلْ له شريكًا .
وقولُه: ﴿وَلِذِى الْقُرْبَ﴾. يقولُ: ولذى قرابةِ رسولِ اللهِ چلِّ مِن بنى هاشم
وبنى المطلِبِ، ﴿وَاَلْيَتَى﴾ وهم أهلُ الحاجةِ مِن أطفالِ المسلمين الذين لا مالَ
لهم، ﴿ وَالْمَسَكِيْنِ﴾ وهم الجامِعون فاقةٌ وذلَّ المسألةِ، ﴿ وَأَبْنِ السَّبِيلِ﴾ وهم
المُنْقَطَعُ بهم من المسافرين فى غيرِ معصيةِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ.
وقد ذكَرْنا الروايةَ التى جاءت عن أهلِ التأويلِ بتأويلٍ ذلك فيما مضَى مِن
(١)
كتابنا (١).
وقولُه: ﴿كَى لَا يَكُونَ دُولَةٌ بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنَكُمْ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: وجعَلنا ما
أفاء اللَّهُ على رسولِه مِن أهلِ القُرى لهذه الأصنافِ؛ كيلا يكونَ ذلك الفَىْءُ دُولةً
يَتَداوَلُه الأغنياءُ منكم بينهم ؛ يَصْرِفُه هذا مرَّةً فى حاجاتِ نفسِه، وهذا مرَّةً فى
أبوابِ البرِّ وسُبُلِ الخيرِ، فَيَجْعَلون ذلك حيث شاءوا ، ولكننا سَنَّا فيه سنَّةٌ لا تُغَيَّرُ ولا
تُبَدَّلُ .
واختلَفتِ القرأةُ فى قراءةٍ ذلك؛ فقرَأَتْه عامةُ قرأةِ الأمصارِ سوى أبى جعفرٍ
= ثور به، وأخرجه أبو عبيد فى الأموال (١٧)، وأحمد ٤٨٢/١ (٤٢٥)، وأبو عوانة (٦٦٦٨)، وابن حبان
(٦٦٠٨)، والبيهقى ٢٩٨/٦ من طريق معمر به، وأخرجه البخارى (٤٨٨٥)، ومسلم (١٧٥٧)، وأبو داود
(٢٩٦٣)، والترمذى (١٦١٠) من طريق الزهرى به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٣/٦ إلى عبد بن حميد.
(١) ينظر ما تقدم فى ١٩٢/٢، ١٩٣، ٨٢/٣ - ٨٤، ١٩٣/١١ - ١٩٦، ٥٠٩ - ٤٩٥/٢٠،٥١٦ -
٥٠٢.