Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ سورة الأحقاف : الآية ٩ ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلَا بِكُمْ﴾: فَأَنزَل اللَّهُ بعدَ هذا: ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَّقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾(١). حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحسين، عن يزيدَ، عن عكرمةَ والحسن البصرىِّ، قالا: قال فى ((حمّ الأحقاف)): ﴿وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلَا بِكُمْ إِنْ أَنَبِعُ إِلَّ مَا يُوحَى إِلَىَّ وَمَآ أَنَأْ إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾. فنسخَتها الآيةُ التى فى لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ﴾ الآية [الفتح: ٢،١]. سورةِ ((الفتحِ)): ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا فخرَج نبىُّ اللَّهِ مَِّ حينَ نزَلت هذه الآيةُ ، فبَشَّرهم بأنه غُفِرِ له ما تقدَّم مِن ذنبه وما تأخّر، فقال له رجالٌ مِن المؤمنين: هَنِيئًا لك يا نبيَّ اللَّهِ، قد عَلِمنا ما يُفعَلُ بك، فماذا يُفعَلُ بِنا؟ فأنزَل اللَّهُ، عزَّ وجلَّ، فى سورةِ ((الأحزابِ))، فقال: ﴿ وَيَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧]. وقال: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَاُلْمُؤْمِنَتِ جَثَّتٍ تَجْرِى مِن تَجِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللّهِ وَيُعَذِّبَ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَتِ الّآنِينَ ٥ فَوْزاً عَظِيمًا فِ بِاللَّهِ ﴾ الآية [الفتح: ٦،٥]. فبَيَّن اللَّهُ ما يَفْعَلُ به وبهم(٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِ وَلَ بِكُمْ ﴾: ثم دَرَى أو علِمٍ مِن اللَّهِ - عَمِ بعدَ ذلك ما يُفْعَلُ به؛ يقولُ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا نَقَدَّمَ مِن ذَنْيِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾. لَكَ فَتْحًا مُبِينًا حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ ، عن قتادةَ فى قوله: ﴿ وَمَاً (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٨/٦ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه. (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٨/٦ إلى المصنف. ١٢٢ سورة الأحقاف : الآية ٩ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلَا بِكُمْ﴾. قال: قد يُينٌّ له أنه قد غُفِرٍ مِن ذنبِه ما تقدَّم وما (١) تأخّر(١) . وقال آخرون: بل ذلك أمرٌ مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤه نبيّه عليه الصلاةُ والسلامُ أن يقولَه للمشركين مِن قومِه ، ويعلمَ أنه لا يَدْرِى إلامَ يصيرُ أمرُه وأمرُهم فى الدنيا؛ أيصيرُ أمرُه معهم أن يقتلوه أو يُخرِجوه مِن بينهم ، أو يؤمِنوا به فيَتَّبِعِوه ، وأمرُهم إلى الهلاكِ كما أُهلِكت الأممُ [٨١٣/٢ و] المُكذِّبةُ رُسُلَها مِن قبلِهم، أو إلى التصديقِ له فيما جاءهم به مِن عندِ اللَّهِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال : ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الهُذَلىُ ، عن الحسنِ فى قوله: ﴿وَمَآَ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِ وَلَا بِكُمْ﴾. فقال: أمَّا فى الآخرةِ فمعاذَ اللَّهِ، قد علِم أنه فى الجنةِ حينَ أُخِذ ميثاقُه فى الرسلِ، ولكن قال: ما أُدْرِى ما يُفعلُ بى ولا بكم فى الدنيا؛ أُخْرَجُ كما أُخرِجَت الأنبياءُ قَبْلى ، أو أُقْتَلُ كما / قُتِلت الأنبياءُ مِن قَبْلى، ولا أدْرِى ما يُفْعَلُ بكم؛ أُمَّتِى المُكذّبَةُ أم أُمْتِى المُصدِّقَةُ، أم أُمَّتَى المَرْمِيَّةُ بالحجارةِ مِن السماءِ قَذْفًا ، أم مخسوفٌ بها خَشْفًا ، ثم أُوحى إليه: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]. يقولُ: أَحَطْتُ لك بالعربِ ألا يقتُلوك. فعرَف أنه لا يُقْتَلُ، ثم أنزل اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِلْهُدَى وَدِينِ اَلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهٍ، وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: ٢٨]. يقولُ: أَشهَدَ لك على نفسِه أنه سيُظْهِرُ دينَك على الأديانِ، ثم قال له فى أمتِه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِهِمْ وَمَا كَانَ ٨/٢٦ (١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢١٥/٢، ٢١٦ عن معمر به. ١٢٣ سورة الأحقاف : الآية ٩ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣]. فأخبره اللَّهُ ما يصنَعُ به وما يصنَعُ (١) بامته . وقال آخرون : بل معنى ذلك : وما أدْرِى ما يُفْتَرَضُ علىَّ وعليكم ، أو ينزِلُ مِن حكم. وليس يعنى : ما أدْرِى ما يُفعلُ بى ولا بكم غدًا فى المعادِ ، مِن ثوابِ اللَّهِ مَن أطاعَه، وعقابِه مَن كَذَّبه . وقال آخرون : إنما أُمِر أن يقولَ هذا فى أمرٍ كان ينتظرُه من قِبَلِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ فى غيرِ الثوابِ والعقابِ . وأَولى الأقوالِ فى ذلك بالصحةِ وأَشْبَهُها بما دلَّ عليه التنزيلُ ، القولُ الذى قاله الحسنُ البصرىُّ، الذى رواه عنه أبو بكرِ الهُذَلیُّ . وإنما قلنا : ذلك أَوْلاها بالصوابِ ؛ لأن الخطابَ مِن مبتدأً هذه السورة إلى هذه الآيةِ ، والخبرَ، خرَج مِن اللَّهِ عزَّ وجلَّ خطابًا للمشركين، وخبرًا عنهم، وتوبيخًا لهم، واخْتجاجًا مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه لنبيّه عَّمه. فإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أن هذه الآيةَ أيضًا سبيلُها سبيلُ ما قبلَها وما بعدَها، فى أنها اخْتِجاجْ عليهم وتوبيخٌ لهم، أو خبرٌ عنهم. وإذا كان ذلك كذلك، فمحالٌ أن يقالَ للنبىِّ عَ لَّهِ: قُلْ للمشركين: ما أدْرِى ما يُفْعَلُ بى ولا بكم فى الآخرةِ. وآياتُ كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ فى تنزيله ووحيِه إليه مُتَتَابِعةٌ ، بأن المشركين فى النارِ مُخَلَّدون ، والمؤمنون به فى الجنانِ مُنَعَّمون ، وبذلك يُرَهِّبُهم مَرَّةً، ويُرَغِّبُهم أخرى، ولو قال لهم ذلك ، لقالوا له : فعلامَ نَتَّبِعُك إذن وأنت لا تَدْرِى إلى أىِّ حالٍ تصيرُ غدًا فى القيامةِ ؛ إلى خَفْضِ (١) أخرجه النحاس فى ناسخه ص ٦٦٥ من طريق أبى بكر الهذلى به مختصرًا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٨/٦ إلى المصنف بطوله . ١٢٤ سورة الأحقاف : الآيتان ٩، ١٠ ودَعَةٍ ، أم إلى شِدَّةٍ وعذابٍ ، وإنما اتِّباعُنا إياك إن اتَّبَعْناك، وتَصْدیقُنا بما تَدْعونا إليه ، رغبةً فى نِعمةٍ وكرامةٍ نصيبُها ، أو رهبةٌ مِن عقوبةٍ وعذابٍ نهرُبُ منه . ولكن ذلك کما قال الحسنُ : ثم بَینَّ اللهُ لنبيّه ◌ِمٍ ما هو فاعلٌ به ، وبمن کذَّب بما جاء بهمِن قومِه. وغيرِهم . وقولُه: ﴿إِنْ أَنَّعُ إِلَّا مَا يُوحَىّ إِلَىَ﴾. يقولُ تعالى ذكره: قُلْ لهم: ما أَتَّبِعُ() فيما آمُرُكم به وفيما أفعلُه مِن فعلٍ ، إلا وحىَ اللَّهِ الذى يُوحِيه إلىَّ، ﴿ وَمَآ أَنَأْ إِلَّا نَذِيرٌ مُِّينٌ﴾. يقولُ: وما أنا لكم إلا نذيرٌ، أنذرُ كم عقابَ اللَّهِ على كفرٍكم به، ﴿ ◌ُبِينٌ﴾ . يقولُ: قد أبانَ لكم إنذارَه ، وأظهرَ لكم دعاءَه إلى ما فيه نصيحتُكم . يقولُ : فكذلك أنا . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ أَزَهَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اُللَّهِ وَكَفَرْتُم بِء وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِيّ إِسْرَِّيلَ عَلَى مِثْلِهِ، فَامَنَ وَأَسْتَكْتٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى اُلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ٩/٢٦ / يقولُ تعالى ذكرُه: قُلْ يا محمدُ لهؤلاء المشركين القائِلين لهذا القرآنِ لَّ جاءهم: هذا سحرٌّ مُبيّنٌ: ﴿أَرَءَيْتُمْ ﴾ أيُّها القومُ، ﴿إِن كَانَ﴾ هذا القرآنُ ﴿مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ أنزَله علىَّ ﴿ وَكَفَرْتُمْ﴾ أنتم ﴿ِ﴾. يقولُ: وكذَّبتم أنتم به . وقولُه: ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِيّ إِسْرَّهِيلَ عَلَى مِثْلِهِ،﴾. اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِيّ إِسْرَِّيلَ﴾: وهو موسى بن عمرانَ عليه السلامُ ﴿ عَلَى مِثْلِهِ، ﴾. يعنى: على مثلِ القرآنِ. قالوا: ومِثْلُ القرآنِ الذى شهِد عليه موسى بالتَّصْديقِ التوراةُ . (١) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((إلا ما يوحى إلى)). ١٢٥ سورة الأحقاف : الآية ١٠ ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن عامٍ، عن مسروقٍ فى هذه الآية: ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِيّ إِسْرَّهِيلَ عَلَى مِثْلِهِ، ﴾ . فخاصَم به الذين كفروا مِن أهلِ مكةً، ﴿مِثْلِهِ﴾(١) : التوراةُ مثلُ القرآنِ، وموسى مثلُ محمدٍ [٨١٣/٢ظ] صلَّى اللهُ عليهما وسلَّم. حدَّثنا محمدُ بنُّ المثنى ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: سُئِل داودُ عن قولِه: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ﴾ الآية . قال داودُ : قال عامرٌ: قال مسروقٌ: واللَّهِ ما نزَلت فى عبدِ اللهِ بنِ سَلَامٍ، ما نزَلت إلا بمكةً، وما أسلَم عبدُ اللَّهِ إِلا بالمدينةِ، ولكنها خصومةٌ خاصَم محمدٌ عَ لَّهِ بها قومَه، قال: فنزَلت: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُ بِهِ، وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِىّ إِسْرَّهِيلَ عَلَى مِثْلِهِ، فَامَنَ وَأَسْتَكْبٌَّ﴾. قال: فالتوراةُ مثلُ القرآنِ، وموسى مثلُ محمدٍ عليهما السلامُ، فَآمَنوا بالتوراةِ وبرسولِهم، وكفَرتُ(٢) . حدّثنا أبو گُرَیب ، قال : ثنا ابنُ إدریس ، قال : سمعتُ داود بن أبی هندٍ ، عن الشعبىِّ، قال: أناسٌ يزعمون أن شاهدًا مِن بنى إسرائيلَ على مثلِه، عبدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ، وإنما أسلَم عبدُ اللَّهِ بنُ سَلَام بالمدينةِ، وقد أخبرنى مسروقٌ أن ((آل حم)) إنما نزَلت بمكةً، وإنما كانت مُحاجَّةَ رسولِ اللَّهِ مِِّ قومَه، فقال: ﴿ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾. يعنى القرآنَ، ﴿وَكَفَرْتُمْ بِهِ، وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِىّ إِسْرَّهِيلَ عَلَى مِثْلِهِ، ﴾. فَآمَن موسى ومحمدٌ عليهما السلامُ على الفرقانِ . حدَّثنى أبو السائبِ ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن داودَ، عن الشعبىِّ، قال: إن (١) سقط من: م. (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٩/٦ إلى المصنف وابن أبى حاتم . ١٢٦ سورة الأحقاف : الآية ١٠ ناسًا يزعمون أن الشاهدَ على مثلِه عبدُ اللَّهِ بنُ سَلامٍ ، وأنا أعلمُ بذلك، وإنما أسلَم عبدُ اللَّهِ بالمدينةِ، وقد أخبرنى مسروقٌ أن ((آل حم)) إنما نزَلت بمكةً، وإنما كانت مُحاجّةَ رسولِ اللَّهِ مَِّ لقومِه، فقال: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ﴾. يعنى الفرقانَ، ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾. فمثلُ التوراةِ الفرقانُ؛ التوراةُ شهِد عليها موسى، ومحمدٌ على الفرقانِ ، صلَّى اللهُ عليهما وسلَّم . حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَةَ، قال: أخبرنا داودُ، عن الشعبىِّ، عن مَشْروقٍ فى قولِهِ: ﴿ قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ﴾ الآية . قال: كان إسلامُ ابنِ سلَامٍ بالمدينةِ ، ونزَلت هذه السورةُ بمكةَ، إنما كانت خصومةٌ بينَ محمدٍ عليه ١٠/٢٦ السلامُ وبينَ قومِه، فقال: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ / اُللَّهِ وَكَفَرْتُ بِهِ، وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِيّ إِسْرَِّيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾. قال: التوراةُ مثلُ الفرقانِ، وموسى مثلُ محمدٍ ، فَآمَن به واستكبَرْتُم ، ثم قال : آمَن هذا الذى مِن بنى إسرائيلَ بنبيّه وكتابه، واستكبَرْتُم أنتم، فكَذَّبْتُم أنتم نبيَّكم وكتابَكم، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى﴾ إلى قولِه: هَذَا إِفْكٌ قَدِيرٌ﴾(١). وقال آخرون: عنَى بقولِه: ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِىَّ إِسْرَِّيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ عبدَ اللَّهِ بنَ سَلَامٍ . قالوا: ومعنى الكلام: وشهدِ شاهدٌ مِن بنى إسرائيلَ على مثلٍ هذا القرآنِ بالتَّصْدِيقِ. قالوا : ومثلُ القرآنِ التوراةُ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى يونسُ ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسفَ التِّنِيسِىُّ، قال: سمِعتُ مالكَ بنَ أنسٍ يحدِّثُ عن أبى النَّصْرِ، عن عامرِ بنِ سعدِ بنِ أبى وقّاصٍ ، عن أبيه ، قال : ماسمِعتُ (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٠/٦ إلى المصنف وسعيد بن منصور وابن المنذر مختصرا. ١٢٧ سورة الأحقاف : الآية ١٠ رسولَ اللَّهِ مَّهِ يقولُ لأحدٍ يَمْشِى على الأرضِ إنه مِن أهلِ الجنةِ ، إلا لعبدِ اللَّهِ بنِ سَلَامٍ. قال: وفيه نزَلت: ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ عَلَى مِثْلِهِ،﴾(١). حدَّثنا الحسينُ بنُ علىَّ الصُّدَائىُ، قال : ثنا أبو داود الطيالسىُّ ، قال : ثنا شعیبُ ابنُ صَفْوانَ ، قال: ثنا عبدُ الملكِ بنُ عُمَيرٍ، أن محمدَ بنَ يوسفَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ سَلامٍ، قال: قال عبدُ اللَّهِ بنُ سلام: أَنزل فيَّ: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَامَنَ وَأُسْتَكْبَّمٌ﴾(٤). حدَّثنى علىُّ بنُ سعيدٍ بنِ مَسْروقٍ الكِنْدىُّ، قال: ثنا أبو المحيَاةِ() يحيى بنُ يَعْلَى، عن عبدِ الملكِ بنِ عُمَيرٍ ، عن ابنِ أخى عبدِ اللهِ بنِ سَلامِ، قال: قال عبدُ اللَّهِ بنُ سَلامٍ: نزلَت فىَّ: ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِيّ إِسْرَِّيلَ عَلَى مِثْلِهِ، فَامَنَ وَأَسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى اُلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾(٤). حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی أبی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی ابی ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍٍ قولَه: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ الآية . قال: كان (١) أخرجه البخارى (٣٨١٢)، والفسوى فى المعرفة والتاريخ ٢٧٩/١، وابن منده فى الإيمان (٢٦٩)، وابن حبان (٧١٦٣)، والخطيب فى المدرج ١/ ٣٧٨، والبغوى فى شرح السنة (٣٩٩٠)، وفی تفسیره ٧/ ٢٥٥، وابن عساكر فى تاريخ دمشق ٢٩/ ١١٧، ١١٨، من طريق عبد الله بن يوسف به ، وأخرجه أحمد ١١٥،٥٩/٣ (١٤٥٣، ١٥٣٣)، ومسلم (٢٤٨٣)، والنسائى فى الكبرى (٨٢٥٢)، وابن منده فى الإيمان (٢٦٩)، وأبو زرعة فى تاريخه (١٩٢١)، والبزار ( ١٠٩٣، ١٠٩٤)، وأبو يعلى (٧٦٧، ٧٧٦)، وابن حبان (٧١٦٣)، والخطيب فى المدرج ١/ ٣٧٨، ٣٧٩، ٣٨١ - ٣٨٣، وابن عساكر فى تاريخ دمشق ١١٥/٢٩- ١١٨ من طريق مالك به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٩/٦ إلى ابن المنذر وابن مردويه. (٢) أخرجه البخارى فى التاريخ الصغير ٢٣١/١ من طريق الطيالسى به عن شعيب بن صفوان عن عبد الملك ابن عتبة به . (٣) فى ص: ((المحماه))، وفى م: ((محمد). وينظر تهذيب الكمال ٤٨/٣٢، ٤٩. (٤) أخرجه الترمذى (٣٢٥٦، ٣٨٠٣) عن على بن سعيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٩/٦ إلى ابن مردويه . ١٢٨ سورة الأحقاف : الآية ١٠ رجلٌ مِن أهلِ الكتابِ آمَن بمحمدٍ مَِّ، فقال: إنا نجِدُه فى التوراةِ. وكان أفضلَ رجلٍ منهم، وأعلمَهم بالكتابِ، فخاصَمَتِ [٨١٤/٢ و] اليهودُ النبىَّ مَ له، فقال: (( أَتَرْضَون أن يَحْكُمَ بينى وبينَكم عبدُ اللَّهِ بنُ سَلامٍ، أَتُؤْمِنون؟)). قالوا : نعم . فأرسَل إلى عبدِ اللهِ بنِ سَلام، فقال: ((أَتَشْهَدُ أنى رسولُ اللَّهِ مَكْتوبًا فى التوراةِ والإنجيلِ؟)). قال: نعم. فأعرَضت اليهودُ، وأسلَم عبدُ اللَّهِ بنُ سَلام، فهو الذى قال اللَّهُ جلَّ ثناؤه: ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِيّ إِسْرَّهِيلَ عَلَى مِثْلِهِ، فَامَنَ وَأَسْتَكْبَرٌَّ﴾ يقولُ: فَآمَن عبدُ اللَّهِ بنُ سَلامِ (١). حدَّثنى محمدُ بنُ عمٍو، قال : ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِيّ إِسْرَّهِيلَ عَلَى مِثْلِهِ،﴾. قال: عبدُ اللَّهِ بنُ (٢) سَلامٍ(). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ الآية: كنا نُحَدَّثُ أنه عبدُ اللَّهِ بنُ سَلام، آمَن بكتابِ اللَّهِ وبرسولِه وبالإسلام، و کان مِن أحبار اليهودِ . ١١/٢٦ / حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةً فى قوله: ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِىّ إِسْرَّهِيلَ عَلَى مِثْلِهِ،﴾. قال: هو عبدُ اللَّهِ بنُ (٣) سَلامٌ(). (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٩/٦ إلى المصنف وابن أبى حاتم وابن مردويه مختصرا . (٢) تفسير مجاهد ص ٦٠٢، وأخرجه ابن سعد ٢/ ٣٥٣، وابن عساكر فى تاريخ دمشق ١٣٠/٢٩، ١٣١ من طرق عن مجاهد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٩/٦ إلى عبد بن حميد . (٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢١٥/٢، وابن عساكر فى تاريخ دمشق ١٣٠/٢٩ من طريق معمر به. ١ ١٢٩ سورة الأحقاف : الآية ١٠ حُدِّثْتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبَيدٌ ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾: الشاهدُ عبدُ اللَّهِ بنُ سَلامِ، وكان مِن الأحبارِ مِن عُلماءٍ بنى إسرائيلَ. بَعَث رسولُ اللَّهِ صَاحِ إلى اليهودِ فأتَوه، فسألهم فقال: ((أَتَعْلَمون أنى رسولُ اللَّهِ ، تَجِدوننى مَكْتوبًا عندَ كم فى التوراةٍ؟)). قالوا: لا نعلَمُ ما تقولُ، وإنا بما جئتَ به كافرون. فقال: ((أىُّ رجلٍ عبدُ اللَّهِ بنُ سَلامِ عندَكم؟)). قالوا: عالِمُنا وخَيرُنا. قال: ((أَتَرْضَون به بينى وبينَكم؟)). قالوا: نعم. فأرسَل رسولُ اللَّهِ مَّهِ إلى عبدِ اللهِ بنِ سَلامٍ، فجاءه فقال: (( ما شهادتُك يا بنَ سَلام؟)). قال: أشهدُ أنك رسولُ اللَّهِ، وأن كتابَك جاء مِن عندِ اللَّهِ. فَآمَن وكفَروا، يقولُ اللَّهُ تبارك وتعالى: ﴿فَامَنَ وَأَسْتَكْبَّمْ﴾(١). حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسن، قال: بلَغَنى أنه لمّ أرادَ عبدُ اللَّهِ بنُ سَلام أن يُسْلِمَ قال: يا رسولَ اللَّهِ ، قد عَلِمَتِ اليهودُ أنى مِن عُلمائِهم، وأن أبى كان مِن عُلمائِهم ، وإنى أشهدُ أنك رسولُ اللَّهِ ، وأنهم يَجِدونك مكتوبًا عندَهم فى التوراةِ ، فأرسِلْ إلى فلانٍ وفلانٍ - ومَن سمَّاه مِن اليهودِ - وأخبِئْنى(٢) فى بيتك، وسَلْهم عنِّى وعن أبى، فإنهم سيُحَدِّثونك أنى أعلمُهم وأن أبى مِن أعلمِهم، وإنى سأُخرج إليهم ، فأَشهَدُ أنك رسولُ اللَّهِ ، وأنهم يَجِدونك مكتوبًا عندَهم فى التوراةِ ، وأنك بُعثتَ بالهُدى ودينِ الحقِّ. قال: ففعَل رسولُ اللَّهِ مَّهِ، فَخَبَّأه فى بيتِه وأرسَل إلى اليهودٍ فدخَلوا عليه، فقال رسولُ اللَّهِ عَ لَّهِ: ((ما عبدُ اللَّهِ بنُ سَلام فيكم؟)). قالوا: أَعْلَمُنا نفسًا، وأَعْلَمُنا أبًا. فقال (١) أخرجه الحاكم ٤١٤/٣ من طريق أبى معاذ به مختصرًا، وأخرجه ابن عساكر فى تاريخ دمشق ١١٣/٢٩، ١٣٠ من طريق جويبر، عن الضحاك، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٩/٦ إلى عبد حميد، (٢) فى ت ٢: ((وأحبارهم))، وفى ت ٣: ((وأحباهم)). ( تفسير الطبرى ٩/٢١ ) ١٣٠ سورة الأحقاف : الآية ١٠ رسولُ اللَّهِ عْظَهِ: ((أرَأَيْتُم إِن أَسْلَمَ تُشلِمون؟)). قالوا: لا يُسْلِمُ(١). ثلاثَ مِرارٍ، فدَعاه فخرَج ، ثم قال: أشهدُ أنك رسولُ اللَّهِ ، وأنهم يَجِدونك مكتوبًا عندهم فى التوراةٍ ، وأنك بُعِثتَ بالهُدى ودين الحقِّ. فقالت اليهودُ: ما كُنَّا نَخْشاك على هذا يا عبدَ اللهِ بنَ سَلام! قال: فخرَجوا كفارًا، فأنزل اللَّهُ عزَّ وجلَّ فى ذلك: ﴿ قُلْ أَرَءَ يْثُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ، وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ عَلَى مِثْلِهِ، فَامَنَ وَأُسْتَكْبَنٌ﴾ الآية(٢). حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَشَهِدَ ». قال : هذا عبدُ اللَّهِ بنُ سَلامِ ، شَاهِدٌ مِنْ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ عَلَى مِثْلِهِ، فَامَنَ وَأُسْتَكْبرٌّ شهِد أن رسولَ اللَّهِ مَ لَّهِ وكتابَه حَقٌّ، وهو فى التوراةِ حَقٌّ، فَآمَن واستكبَرْتُم ". حدَّثنى أبو شُرَحبيلَ الحِمْصِىُّ ، قال : ثنا أبو المغيرةِ ، قال : ثنا صفوانُ بنُ عمرو، عن عبد الرحمنِ بنِ جُبَيرِ بنِ نُفَيرٍ ، عن أبيه ، عن عوفٍ بنِ مالكِ الأشْجَعيِّ ، قال : انطلق النبيُّ عَظ ◌ِلّهِ وأنا معه، حتى دخَلنا كنيسةَ اليهودِ بالمدينةِ يومَ عيدٍ لهم ، فكَرِهوا دخولَنا عليهم ، فقال لهم رسولُ اللَّهِ عَلَّهِ: (( يا معشرَ اليهودِ، أَرُونى اثْنَى عِشَرَ رجلًا يَشْهَدون أنه لا إلهَ إلا هو وأن محمدًا رسولُ / اللَّهِ، يُخْبِطُ اللَّهُ عن كلِّ يَهُودیِّ تحتَ أديم السماءِ الغضبَ الذى غَضِبَ عليه)). قال: فأُسْكِتوا، فما أجابَه منهم أحدٌ ، ثم ثَلَّث فلم يُجِبْه أحدٌ ، فانصرف وأنا معه، حتى إذا كِدْنا أن نخرجَ، نادَى رجلٌ مِن خَلْفِنا: كما أنت يا محمدُ . قال: فأقبَل، فقال ذلك الرجلُ: أَّ رجلٍ تَعْلَمُونی ١٢/٢٦ (١) فى ت ٢، ت ٣: ((نسلم)). (٢) أخرجه ابن سعد - كما فى الدر المنثور ٦/ ٣٩ - ومن طريقه ابن عساكر فى تاريخ دمشق ١١٤/٢٩- والحارث بن أبى أسامة (١٠٣١ - بغية الباحث) من طريق عوف به، وعزاه السيوطى إلى عبد بن حميد . (٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٦٢/٧. ١٣١ سورة الأحقاف : الآية ١٠ فيكم يا معشرَ اليهودِ؟ قالوا: واللَّهِ ما نعلم أنه كان فينا رجلٌ [٨١٤/٢ظ] أعلمُ بکتابِ اللَّهِ ولا أفقهُ منك، ولا مِن أبيك، ولا مِن جَدِّك قبلَ أبيك. قال: فإنى أشهدُ باللَّهِ أنه النبىُ الذى تَجِدونه فى التوراة والإنجيلِ. قالوا: كذبتَ. ثم رَدُّوا عليه قولَه وقالوا له شرًّا، فقال لهم رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((كَذَبْتُم لن يُقبَلَ قولُكم، أمَّا آنِفًا فتُثْنُون عليه مِن الخيرِ ما أثْنَيْتُم، وأمَّا إذ آمَن كَذَّبْتُموه، وقلتُم ما قلتُم، فلن يُقبلَ قولُكم)). قال: فخَرَجنا ونحن ثلاثةٌ ؛ رسولُ اللَّهِ وَه، وأنا، وعبدُ اللَّهِ بنُ سَلامِ، فأنزل اللَّهُ فيه: ﴿ قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ﴾(١) الآية. والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندَنا أن الذى قاله مسروقٌ فى تأويل ذلك أشبهُ بظاهرِ التنزيلِ؛ لأن قولَه: ﴿قُلْ أَرَهَيْنُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ، وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِيّ إِسْرَِّيلَ عَلَى مِثْلِهِ،﴾ . فى سياقٍ توبيخ اللّهِ تعالى ذكرُه مُشرکی قریشٍ، واحتجاجًا عليهم لنبيّه ◌َلِّ . وهذه الآيةُ نظيرةُ سائرِ الآياتِ قبلَها ، ولم يَجْرِ لأَهلِ الكتابِ ولا لليهودِ قبلَ ذلك ذكر فتُوجَّهَ هذه الآيةُ إلى أنها فيهم نزلَت ، ولا دَلّ على انصرافِ الكلامِ عن قَصَصِ الذين تقدَّم الخبرُ عنهم معنًى، غيرَ أن الأخبارَ قد وَرَدَت عن جماعةٍ مِن أصحابٍ رسولِ اللَّهِ وَّلِ بأن ذلك عُنِى به عبدُ اللَّهِ بنُ سَلامِ، وعليه أكثرُ أهلِ التأويلِ ، وهم كانوا أعلمَ بمعانى القرآنِ ، والسببِ الذى فيه نزَل ، وما أُرِيدَ به ، فتأويلُ الكلام إذ كان ذلك كذلك: وشهِد عبدُ اللَّهِ بنُ سَلامٍ، وهو الشاهدُ مِن بنى إسرائيلَ، ﴿عَلَى مِثْلِهِ،﴾ . يعنى: على مثلِ القرآنِ، وهو التوراةُ ، وذلك شهادتُه أن (١) أخرجه أحمد ٢٥/٦ (الميمنية)، وأبو يعلى فى مسنده - كما فى الإتحاف بذيل المطالب العالية (٥٣٩٩) - وابن حبان (٧١٦٢)، والطبرانى ٤٦/١٨ (٨٣)، والحاكم ٤١٥/٣، وابن عساكر فى تاريخ دمشق ١١٢/٢٩ من طريق أبى المغيرة به . ١٣٢ سورة الأحقاف : الآيتان ١٠، ١١ محمدًا مكتوب فى التوراة أنه نبيٌ ، تَجِدُه الیھودُ مكتوبًا عندهم فى التوراة ، كما هو مكتوبٌ فی القرآن أنه نبيّ . وقولُه: ﴿فَامَنَ وَأَسْتَكْرٌ﴾. يقولُ: فَآمَن عبدُ اللَّهِ بنُ سَلامٍ، وصدَّق بمحمدٍ عَ لَّه، وبما جاء به مِنِ عِندِ اللَّهِ، واسْتَكْبَرْتُم أنتم على الإيمانِ بما آمَن به عبدُ اللَّهِ ابنُ سَلامٍ معشرَ اليهودِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى اُلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ: إِن اللَّهَ لا يوفِّقُ لإصابةِ الحقِّ، وهَذْي الطريقِ المستقيم ، القومَ الكافرين الذين ظلموا أنفسهم بإيجابِهم لها سَخَطَ اللَّهِ بكفرهم به . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ ءَامَنُوا لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيَّةٍ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ، فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيرٌ يقولُ تعالى ذكرُه: وقال الذين جَحَدوا نبوةً محمدٍ عَلَّ مِن يهودِ بنى إسرائيلَ، للذين آمنوا به: لو كان تَصْدِيقُكم محمدًا على ما جاءكم به خيرًا، ما ١٣/٢٦ سبَقْتُمونا إلى التصديقِ به. وهذا التأويلُ على مذهبٍ / مَن تأوَّل قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِيّ إِسْرَِّيلَ عَلَى مِثْلِهِ،﴾. أنه معنىٌ به عبدُ اللَّهِ بنُ سَلامٍ . فأما على تأويلِ مَن تأوَّل أنه ◌ُنى به مُشركو قريشٍ، فإنه ينبغى أن يوجّهَ تأويلُ قولِه: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْرً مَّا سَبَقُونَاٌ إِلَيْهٍ﴾. أنه ◌ُنِى به مُشركو قريشٍ، وكذلك كان يتأوَّلُه قتادةُ، وفى تأويلِهِ إِيَّه كذلك تركٌ منه تأويلَه قولَه: ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِىّ إِسْرَّهِيَلَ عَلَى مِثْلِهِ،﴾. أنه معنىٌّ به عبدُ اللَّهِ بنُ سَلامٍ. ذكرُ الرواية عنه بذلك حدَّثنا ابنُ عبدِ الأُعلى ، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عِن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْرً مَّا سَبَقُونَاً إِلَيْهٍ﴾. قال: قال ذاك أناسٌ مِن ١ ١٣٣ سورة الأحقاف : الآيتان ١١ ، ١٢ المشركين؛ نحن أعزُّ، ونحن ونحن، فلو كان خيرًا ما سبَقَنا إليه فلانٌ وفلانٌ . فإن اللَّهَ يختصُّ برحمتِه مَن يشاءُ(١) . حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْرً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهٍ ﴾. قال: قد قال ذلك قائلون مِن الناسِ، كانوا أعزَّ منهم فى الجاهليةِ ، قالوا: واللَّهِ لو كان هذا خيرًا ما سبَقَنا إليه بنو فلانٍ وبنو فلانٍ . ويختصُّ اللَّهُ برحمتِه مَن يشاءُ، ويُكرِمُ اللَّهُ برحمتِه مَن يشاءُ ، تبارك وتعالى . وقولُه: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ،﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا لم يَبْصُروا بمحمدٍ وبما جاء به مِن عندِ اللَّهِ مِن الهُدَى، فيَرْشُدوا به الطريقَ المستقيمَ، ﴿ فَسَيَقُولُونَ هَذَاَ إِفٌَّ قَدِيمٌ﴾. يقولُ: فسيقولون: هذا القرآنُ الذى جاء به محمدٌ عَ لِّ أكاذيبُ مِن أخبارِ الأوَّلين قديمةٌ . كما قال جلَّ ثناؤُه مخبرًا عنهم: ﴿ وَقَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ اَكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُعْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةٌ وَأَصِيلًا ﴾ [الفرقان: ٥]. [٨١٥/٢و] القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿وَمِن قَبْلِهِ، كِثَبُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةٌ ١٣ وَهَذَا كِتَبٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ يقولُ تعالى ذكرُه: ومِن قبلِ هذا الكتابِ ﴿ كِتَبُ مُوسَىَ﴾، وهو التوراةُ ، ﴿إِمَامًا ﴾ لبنى إسرائيلَ، يَأْتَقُّون(٢) به، ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ لهم أنزلناه عليهم. وَخَرَج الكلامُ مَخْرِجَ الخبرِ عن الكتابِ بغيرِ ذكرٍ تمامِ الخبرِ، اكتفاءً بدلالةِ الكلامِ على تمامِه ، وتمامُه: ومِنْ قَبلِه كِتابُ مُوسَى إمامًا ورَحْمٌ أَنزَلناه عليه ، وهذا كتابٌ أَنزَلناه لسانًا عربيًّا . اختلف فى تأويلِ ذلك وفى المعنى الناصبِ ﴿لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ أهلُ العربيةِ؛ (١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢١٦/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٠/٦ إلى عبد بن حميد. (٢) فى ص، ت ٢، ت ٣: ((يأتمرون)). 1 ١٣٤ سورة الأحقاف : الآية ١٢ - ١٤/٢٦ فقال بعضُ نحوِّى البصرةِ: نُصِب ((اللسانُ)) و((العربىُّ)) لأنه مِن صفةِ ((الكتاب))، فانتَصَب على الحالِ ، أو على فعلِ مُضْمَرٍ، كأنه قال: أعنى لسانًا عربيًّا. قال: وقال بعضُهم: على: ﴿ مُصَدِّقٌ﴾. جعَل الكتابَ مُصَدِّقَ اللسانِ . فعلى قولٍ مَن جعَل اللسانَ نصبًا على الحالِ ، وجعَله مِن صفةِ الكتابِ ، ينبغى أن يكونَ تأويلُ الكلام : وهذا كتابٌ بلسانٍ عربيٍّ، / مُصَدِّقُ التوراةِ كتابٍ موسى ، بأن محمدًا للَّهِ رسولٌ، وأن ما جاء به مِن عندِ اللَّهِ حقٌّ . وأما القولُ الثانى الذى حكَيناه عن بعضِهم أنه جعَل الناصبَ للسانِ ﴿ مُصَدِّقٌ﴾، فقولٌ لا معنى له؛ لأن ذلك يصيرُ إذا يُؤَوَّلُ كذلك، إلى أن الذى يصدَّقُ القرآنُ نفسُه، ولا معنى لأن يُقالَ: وهذا كتابٌ يُصَدِّقُ نفسَه . لأن اللسانَ العربيَّ هو هذا الكتابُ، إلا أن يُجعلَ اللسانُ العربىُّ محمدًا عليه السلام، ويُوَجَّهَ تأويلُه إلى: وهذا كتابٌ، وهو القرآنُ، يصدِّقُ محمدًا، وهو اللسانُ العربىُّ . فيكونُ ذلك وجهًا مِن التأويلِ. وقال بعضُ نحوِّى الكوفةِ: قولُه: ﴿لِّسَانًا عَرَبِيًّا﴾. مِن نعتِ ((الكتابِ))، وإنما نُصب لأنه أُرِيدَ به : وهذا كتابٌ يُصدِّقُ التوراةَ والإنجيلَ لسانًا عربيًّا. فخَرج ﴿لَّسَانًا عَرَبِيًّا﴾ مِن ((يُصَدِّقُ))؛ لأنه فعلٌ، كما تقولُ: مَرَرْتُ برجلٍ يقومُ مُحْسِنًا، ومررتُ برجلٍ قائم مُحسِنًا. قال: ولو رُفِع ((لسانٌ عربىٌّ))، جاز على النعتِ لـ ((الكتاب)). وقد ذُكِر أن ذلك فى قراءةٍ ابنٍ مسعودٍ : ( وهذا كتابٌ مُصَدِّقٌ لِما بينَ يدَیه لسانًا عربيًّا)(١) فعلى هذه القراءةِ يتوجَّهُ النصبُ فى قولِه: ﴿ِّسَانًا عَرَبِيًّا﴾ مِن وجهين؛ أحدُهما، على ما بيَّنثُ مِن أن يكونَ اللسانُ خارجًا مِن قولِه : ﴿ مُصَدِّقٌ﴾. والآخرُ، أن يكونَ قطعًا مِن ((الهاءٍ)) التى فى ( بينَ يدَيه). (١) والقراءة شاذة ، ينظر معانى القرآن للفراء ٣/ ٥١. 1 ١٣٥ سورة الأحقاف : الآية ١٢ والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أن يكونَ منصوبًا على أنه حالٌ مما فى مُصَدِّقٌ﴾ مِن ذكرِ الكتابِ؛ لأن قولَه: ﴿مُصَدِّقٌ﴾ فعلٌ، فتأويلُ الكلامِ إذ كان ذلك كذلك : وهذا القرآنُ يُصَدِّقُ كتابَ موسى بأن محمدًا نبىٌّ مرسَلٌ، لسانًا عربيًّا . وقولُه: ﴿لُِّنْذِرَ اُلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾. يقولُ: لينذِرَ هذا الكتابُ الذى أنزلناه إلى محمدٍ عليه الصلاةُ والسلامُ، الذين ظلموا أنفسهم بكفرِهم باللّهِ ، بعبادتِهم غيرَه . وقولُه: ﴿وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ: وهو بُشْرَى للذين أطاعُوا اللَّهَ، فأحسنوا فى إيمانِهم وطاعتهم إِيَّاه فى الدنيا ، فحَسُن الجزاءُ مِن اللَّهِ لهم فى الآخرةِ على طاعتهم إياه . وفى قوله: ﴿وَيُشْرَى﴾ وجهان مِن الإعرابِ؛ الرفعُ على العطفِ على الكتابِ بمعنى: وهذا كتابٌ مُصَدِّقٌ وبُشْرَى للمُحْسِنين . والنصبُ على معنى: لُنْذِرَ الذين ظلموا ويُبَشِّرَ. فإذا جُعِل مكانَ ((يُبَشِّرَ)) ((وَبُشْرَى)) أو ((وبشارةً)) نُصِبَتْ، كما تقولُ: أَتَيتُك لأَزُورَك وكرامةٌ لك وقضاءً لحقِّك. بمعنى: لأَزُورَك وأُكرِمَك وأقضىَ حقَّك. فتُنصَبُ الكرامةُ والقضاءُ بمعنِّى مضمرٍ . واختلفت القرأةُ فى قراءةٍ: ﴿لِيُنْذِرَ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الحجازِ: (لِتُنْذِرَ) بالتاءِ، بمعنى: لتنذرَ أنت يا محمدُ . وقرأته عامةُ قرأةِ العراقِ بالياءِ ؛ بمعنى : ليُنذرَ الكتابُ (١) . وبأىِّ القراءتَين قرَأ ذلك القارئُ فمُصيبٌ . (١) قراءة التاء قرأ بها نافع وابن كثير - فى رواية البزى - وابن عامر، وقراءة الياء قرأ بها ابن كثير - فى رواية قنبل - وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائى. السبعة لابن مجاهد ص ٥٩٦، والتيسير ص ١٦١. ١٣٦ سورة الأحقاف : الآيات ١٣ - ١٥ القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَلِمُواْ فَلَاَ خَوْفٌ أُوْلَكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ خَلِينَ فِيَهَا جَزَاءً بِمَا كَانُواْ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ . ١٤ يَعْمَلُونَ يقولُ تعالى ذكرُه : إن الذين قالوا: ربّنا اللهُ الذى لا إلهَ غيرُه، ثم اسْتَقاموا على ١٥/٢٦ تصديقهم / بذلك، فلم يَخْلِطوه بشِركٍ، ولم يخالِفوا اللَّهَ فى أمرِهِ ونَهْيِهِ: فلا خوفٌ عليهم مِن فزع يومِ القيامةِ وأهواله، ولا هم يحزنون على ما خَلَّفوا وراءَهم بعدَ مماتهم . وقولُه: ﴿ أُوْلَكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ ﴾ . يقولُ تعالى ذكره : هؤلاء الذين قالوا هذا القولَ واسْتَقاموا، أهلُ الجنةِ [٨١٥/٢ظ] وسكّانُها، ﴿خَلِينَ فِيهَا﴾. يقولُ: ما كِئين فيها أبدًا، ﴿جَزَآءُ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: ثوابًا مِنَّا لهم، آتَيناهم ذلك على أعمالهم الصالحةِ التى كانوا فى الدنيا يعملونها . القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿وَوَضَّيْنَا الْإِنْسَنَ بِوَلِدَيْهِ إِحْسَنًّا (١) حَتَّهُ أُ كُرْهَا وَوَضَعَتْهُ كُرُهًّاً وَحَمْلُ وَفِصَلُ ثَلَثُونَ شَهْرًّاً حَتَّىَ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةٌ قَالَ رَبِّ أَوَزِعْنِيَ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ أَلَِّيِّ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى وَلِدَنَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَلِحًا تَرْضَلُهُ وَأَصْلِحْ لِ فِ ذُرِّيَّتِىٌّ إِنِّ تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ١٥ يقولُ تعالى ذكرُه: ووصَّينا ابنَ آدمَ بوالدَيه الحُسْنَ فى صُحْبتِه إياهما أيامَ حياتِهما ، والبِرَّ بهما فى حياتِهما ، وبعدَ مماتِهما . واختلفت القرأةُ فى قراءةٍ قولِه: (حُسْنًا)؛ فقرأَته عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ (حُسْنًا) بضَمِّ الحاءِ ، على التأويلِ الذى وصفتُ . (١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( حسنًا)). وهما قراءتان . (٢) وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وابن عامر. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٥٩٦. ١٣٧ سورة الأحقاف : الآية ١٥ وقرَأ ذلك عامةُ قرأةٍ الكوفةِ: ﴿إِحْسَنًا﴾ بالألفِ ، بمعنى: ووصَّيناه بالإحسانِ إليهما . وبأىِّ ذلك قرَأ القارئُّ فمصيبٌ؛ لتقاربِ معانى ذلك، واستفاضةٍ القراءةِ بكلِّ واحدةٍ منهما فى القرأةِ . وقولُه: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهَا وَوَضَعَنْهُ كُرُهًا﴾ . يقولُ تعالى ذكرُه : ووَصَّينا الإنسانَ بوالديه إحساناً بِرًّا بهما؛ لِما كان منهما إليه حَمْلًا ووليدًا وناشِئًا. ثم وصَف جل ثناؤه ما لديه مِن نعمةِ أمِّه ، وما لاقَت منه فى حالٍ حملِه ووضعِهِ ، ونَّهَه على الواجبٍ لها عليه مِن البرّ، واستحقاقِها عليه مِن الكرامةِ، وجميلِ الصُّخبةِ، فقال: ﴿ حَلَتْهُ أُمُهُ﴾. يعنى فى بطنِها، ﴿كُرْهَا﴾. يعنى: مشقةً، ﴿ وَوَضَعَتْهُ كُرُهًا﴾. يقولُ: وولَدته كُرْهًا . یعنی: مشقةً . كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهَا وَوَضَعَتْهُ كُرُّهًا﴾. يقولُ: حمَلَته مشقةً، ووضَعَته مشقةً. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ والحسنِ فى قولِه: ﴿ حَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهَا وَوَضَعَتْهُ كُرُهَاً﴾ . قالا : حمَلَته فى مشقةٍ، ووضَعَته فى (٢) مشقةٍ(٢) . حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال : ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿حَمَتْهُ أُمُّهُ كُرْهَا﴾. قال: مشقةٌ عليها(٣). واختلَفت القرأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿ كُرْهَا﴾؛ فقرأته / عامةُ قرأةِ المدينةِ ١٦/٢٦ (١) وهى قراءة عاصم وحمزة والكسائى . السبعة لابن مجاهد ص ٥٩٦. (٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢١٦/٢ عن معمر به . (٣) تفسير مجاهد ص ٦٠٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٠/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. ١٣٨ سورة الأحقاف : الآية ١٥ والبصرةِ: (كَرْهًا) بفتح الكافِ. وقرأته عامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿كُرْهَا﴾ بضَمِّها (١) . وقد بيَّنتُ اختلافَ المختلفِين فى ذلك قبلُ إذا فُتح وإذا ضُمَّ ، فى سورةِ ((البقرةِ))، بما أغنَى عن إعادته فى هذا الموضعِ(٢). والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أنهما قراءتان معروفتان ، مُتقاربتا المعنى، فبأيَتِهما قرَأ القارئُّ فِمُصيبٌ . وقولُه: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَلُ ثَثُونَ شَهْرًّاً﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وحَمْلُ أُمّه إِيَّهِ جَنينًا فى بطنِها، وفِصالُها إِيَّاه مِن الرَّضاع وفَطْمُها إِيَّاه شربَ اللبنِ، ثلاثون شهرًا . واختلفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿ وَفِصَلُ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ غيرَ الحسنِ البصرىِّ: ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَلُهُ﴾. بمعنى: فاصَلَتْه أمُّه فِصالًا ومُفاصلةً . وذُكر عن الحسن البصرىِّ أنه كان يقرؤُه: (وحَمْلُهُ وفَضْلُهُ) بفتح الفاءِ بغيرِ ألفٍ (٢) ، بمعنى: وفَضْلُ أمُّه إِيَّاه . والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندَنا ما عليه قرأةُ الأمصارِ؛ لإجماع الحجةِ مِن القرأةِ عليه ، وشُذُوذٍ ما خالفه . وقولُه: ﴿ حََّ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ . اختلف أهلُ التأويلِ فى مبلغ حدٍّ ذلك مِن السنينَ ؛ فقال بعضُهم : هو ثلاثٌ وثلاثون سنةً . (١) قرأ بفتح الكاف كل من ابن كثير ونافع وأبى عمرو، وقرأ بضمها كل من عاصم وابن عامر وحمزة والكسائى . ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٥٩٦. (٢) تقدم فى ٦٤٦/٣. (٣) هى قراءة يعقوب، وهو من العشرة. ينظر النشر ٢/ ٢٧٩، وإتحاف فضلاء البشر ص ٢٤٢، وينظر البحر المحيط ٨/ ٦١. ١٣٩ سورة الأحقاف : الآية ١٥ ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال : ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ عثمانَ بنِ ◌ُثَيْمِ ، عن مجاهدٍ ، عن ابنِ عباسٍ ، قال : أَشُدُّه : ثلاثٌ وثلاثون سنةً ، واسْتِواؤُه: أربعون سنةً، والعمرُ الذى أعذَر اللّهُ فيه إلى ابنِ آدمَ: ستون(١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأُعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿ حَتَّى إِذَا يَغَ أَشُدَّهُ﴾. قال: ثلاثًا وثلاثين(٢) . وقال آخرون : هو بلوغُ الخُلُم . [٨١٦/٢ و] ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا مُجالدٌ، عن الشعبىِّ، قال: الأُشُدُّ : الحُلُمُ ، إذا كُتبتْ له الحسناتُ، وكُتبتْ عليه السيئاتُ(٣). وقد بَيَّنا فيما مضَى الأَشُدَّ جمعَ شَدٍّ، وأنه تَنَاهِى قُوَّتِه واسْتوائِه (٤) . وإذا كان ذلك كذلك، كان الثلاثُ والثلاثون به أشبهَ مِن الحُلُم ؛ لأن المرءَ لا يبلغُ فى حالٍ حُلُمِه كمالَ قُواه ونهايةَ شِدَّتِهِ ، فإن العربَ إذا ذكَرَت مثلَ هذا مِن الكلام ، فعطَفَت ببعضٍ على بعضٍ، جعَلَت كِلا الوقتَين قريبًا أحدُهما مِن صاحبِهِ، كما قال جلّ (١) تقدم تخريجه فى ٦٧/١٣، وأخرجه ابن الأنبارى فى الأضداد ص ٢٢٤، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٥١/٩ من طريق ابن إدريس به ، وأخرجه ابن مردويه فى تفسيره - كما فى نصب الراية ١٦٦/٤ - من طريق عبد الله بن عثمان به، بلفظ: ((تسعا وثلاثين سنة))، وأخرجه الطبرانى فى الأوسط (٦٨٢٩) من طريق عبد الله بن عثمان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس . (٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢١٧/٢ عن معمر به . (٣) تقدم فى ٩/ ٦٦٤. (٤) تقدم فى ٩/ ٦٦٣. ١٤٠ سورة الأحقاف : الآية ١٥ ثناؤُه: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْفَ مِن تُلُنِى أَلَّيْلِ وَنِصْفَهُ﴾ [المزمل: ٢٠]. ولا تكادُ تقولُ : أنا أعلم أنك تقومُ قريبًا مِن ساعةٍ مِن الليلِ وكُلَّه. ولا : أخذتُ قليلًا مِن مالٍ أو كُلَّه. ولكن تقولُ: أخَذتُ عامةَ مالى أو كلُّه. فكذلك ذلك فى قوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّمُ وَبَلَغَ أَرْبَعِيْنَ سَنَّةً﴾. لا شكَّ أن نَسَقَ / الأربعين على الثلاثِ والثلاثين أحسنُ وأشبهُ ، إذ كان يُرَادُ بذلك تقريبُ أحدِهما مِن الآخرِ، مِن النَّسَقِ على الخمسَ عشرةَ أو الثمانِ عشرةً . ١٧/٢٦ وقولُه: ﴿ وَبَغَ أَرْبَعِينَ سَنَّةً﴾. ذلك حينَ تكامَلَت حُجَّةُ اللَّهِ عليه، وسَرَّتْ(١) عنه جَهالةُ شبابِهِ، وعَرَف الواجبَ للَّهِ مِن الحقِّ فى بِرٌّ والديه . كما حدَّثنا بشرّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَبَلَغَ أَرْبَعِيْنَ سَنَّةَ﴾: وقد مضَى مِن سیّ عملِه . حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ : ﴿وَيَغَ أَرْبَعِينَ سَنَّةً قَالَ رَبٍ أَوْزِعْنِىّ﴾ حتى بلَغ: ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: وقد مضی مِن سئُ عملِه ما (٢) مضَى(٢). وقولُه: ﴿ قَالَ رَبٍ أَوَزِعِنِىّ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ أَلَّتِىِّ أَنْعَمْتَ عَلَّ وَعَلَى وَلِدَىَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه : قال هذا الإنسانُ الذى هَداه اللَّهُ لرُشْدِهِ، وعَرَف حقَّ اللَّهِ عليه فيما ألزَمه مِن بِّ والدَيه : ﴿ رَبِّ أَوَزِعْنِىّ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾. يقولُ : أَغْرِنی بشُكْرِ نعمتِك التى أنعمتَ علىَّ فى تعريفِك إيَّاى توحيدَك، وهِدايتِك لى للإقرارِ بذلك، والعملِ بطاعتِك - ﴿ وَعَلَى وَلِدَىَّ﴾ مِن قَبْلى، وغيرِ ذلك مِن نِعَمِك علينا، وألهِمْنى ذلك. وأصلُه مِن: وَزَعْتُ الرجلَ على كذا . إذا دفَعْتَه عليه . (١) فى م: ((سير)). وسرت: زالت وانكشفت. اللسان (س ر ی). (٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢١٧/٢ عن معمر به .