Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
سورة الجاثية : الآية ١٤
نِعِمَ اللَّهِ ، أو نِقمَ اللَّهِ .
حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ(١) عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾. قال: لا يُبالون(٣) نِعمَ اللَّهِ(١) .
وهذه الآيةُ منسوخةٌ بأمرِ اللَّهِ بقتال المشركين. وإنما قُلْنا: هى منسوخةٌ؛
لإجماعِ أهلِ التأويلِ على أن ذلك كذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك
قد ذكرنا الروايةَ فى ذلك عن ابنٍ (٤) عباسٍ .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ فى قوله: ﴿قُل لِّلَّذِينَ
ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لَا يَرْحُونَ أَيَّامَ الَّهِ﴾. قال: نسَخَتها ما فى ((الأنفالِ)):
﴿ فَإِمَّا نَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧]. وفى ((براءةَ)):
﴿وَقَائِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَفَّةً كَمَا يُقَئِلُونَكُمْ كَافَّةٌ ﴾ [التوبة: ٣٦]. أمَر بقتالِهم
حتى يَشْهَدوا ألَّ إلهَ إلا اللَّهُ وأن محمدًا رسولُ اللَّهِ .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً فى قوله : ﴿ قُل
لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ الَّهِ﴾. قال: نسختها: ﴿فَاقْتُلُواْ
اَلْمُشْرِكِينَ﴾ [ التوبة: ٥].
(١ - ١) سقط من: ت ٣.
والأثر فى تفسير مجاهد ص ٦٠٠، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤/٦ إلى أبى داود فى ناسخه وابن المنذر.
(٢) بعده فى م: ((جميعا)).
(٣) غير منقوطة فى: ص، وفى ت ١، ت ٢: (( ينالون)).
(٤) بعده فى م: (( أبی )).
(٥) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢١٢/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥/٦ إلى ابن
الأنبارى فى المصاحف .
( تفسير الطبرى ٦/٢١ )

٨٢
سورة الجاثية : الآية ١٤
مُحدِّثْتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ ، قال: سمِعتُ
١٤٥/٢٥ الضحاكَ يقولُ فى قوله: / ﴿قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اَللَّهِ﴾.
قال: هذا منسوخٌ أمَر اللَّهُ بقتالِهم فى سورةِ ((براءةَ))(١).
حدّثنا ابنُ حمیدٍ ، قال: ثنا حكّام، قال: ثنا عَنْتَسةُ ، عمن ذكره ، عن أبى
صالحٍ: ﴿قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾. قال : نسختها التى
(١)
ج
فى ((الحجّ)): ﴿أَذِنَ لِلَّذِينَ يُقَكَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِّمُواْ﴾
[ الحج: ٣٩].
حدَّثنى يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿قُل لِلَّذِينَ
ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اَللَّهِ﴾. قال: هؤلاء المشركون. قال: وقد
نُسِخ هذا، وفُرِض جهادُهم والغلظةُ عليهم()
وُجُزِم قولُه: ﴿يَغْفِرُواْ﴾. تشبيهًا له بالجزاءِ والشرطِ، وليس به، ولكن
لظهورِه فى الكلام على مثالِهِ، فَعُرِّب(١) تعريبه، وقد مضَى البيانُ عنه قبلُ(٢).
واختلفت القرأةُ فى قراءةٍ قوله: ﴿ لِيَجْزِئَ قَوْمًا﴾؛ فقرَأه بعضُ قرأةِ المدينةِ
والبصرةِ والكوفةِ: ﴿لِيَجْزِىَ﴾ بالياءِ(٤) على وجهِ الخبرِ عن اللَّهِ أنه يَجْزِيهم ويُثيثُهم .
وقرَأَ ذلك بعدُ عامةُ قرأةِ الكوفيين : (لِنَجْزِىَ) بالنونِ (١) على وجهِ الخبرِ من اللَّهِ عن
نفسِه. وذُكِر عن أبى جعفر القارئ أنه كان يَقْرَؤُه : (لِيُجْزَى قَوْمًا) على مذهبٍ ما
لم يُسَمَّ فاعلُه(١) ، وهو على مذهبٍ كلام العربِ لحنّ، إلا أن يكونَ اراد : لُجْزَى
(١) ينظر التبيان ٩/ ٢٥٠.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فعرف)).
(٣) ينظر ما تقدم فى ١/ ٥٥٧، ٥٥٨.
(٤) هى قراءة ابن كثير ونافع وعاصم وأبى عمرو ويعقوب. النشر ٢٧٨/٢.
(٥) هى قراءة ابن عامر وحمزة والكسائى وخلف . المصدر السابق.
(٦) المصدر السابق .

٨٣
سورة الجاثية : الآيتان ١٥،١٤
الجزاءُ قومًا . بإضمارِ الجزاءِ، وجَعْلِه مرفوعًا لِـ (يُجْزَى)، فيكونُ وجهًا من القراءةِ
وإن كان بعيدًا .
والصوابُ من القولِ فی ذلك عندنا أن قراءته بالیاءِ والنون ، على ما ذكرتُ من
قرأةِ قراءةِ الأمصارِ ، جائزةٌ بأىِّ تَيْنك القراءتين قرَأ القارئُ . فأما قراءتُه على ما ذكرتُ
عن أبى جعفرٍ، فغيرُ جائزةٍ عندِى لمعنيين؛ أحدُهما ، أنها (١) خلافٌ لما عليه الحجةُ
من القرأةِ ، وغيرُ جائزٍ عندِى خلافُ ما جاءت به مستفيضًا فيهم . والثانى، بُعْدُها
من الصحةِ فى العربيةِ إلّا على استكراهِ الكلامِ على غيرِ المعروفِ من وجهِه (١.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ثُمّ
إِلَى رَبَّكُمْ تُرْجَعُونَ
١٥
يقولُ تعالى ذكرُه : مَن عمِل من عبادِ اللَّهِ بطاعتِه، فانتهى إلى أمرِه، وانزجر
لنهيِهِ - فلنفسِه عمِل ذلك الصالحَ من العملِ، وطلَب خلاصِها من عذابِ اللَّهِ
أطاع(٣) ، لا لغيرِ ذلك؛ لأنه لا يَنْفَعُ ذلك غيرَه، واللَّهُ عن عملٍ كلٌّ عاملٍ غنىٌ،
﴿ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا﴾. يقولُ: ومن أساء عملَه فى الدنيا، بمعصيتِه فيها ربّه،
وخلافِه فيها أمرَه ونهيَه ، فعلى نفسِه جنَى ؛ لأنه أُوبَقَها بذلك، وأكسبها به سُخْطَه ،
ولم يضرّ أحدًاً" سِوى نفسِه. [٨٠٧/٢ و] ﴿ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾. يقولُ: ثم
أنتم أيُّها الناسُ أجمعون إلى ربِّکم تَصِیرون من بعد مماتِکم، فیُجازِی المحسنَ
منكم بإحسانه ، والمسیءَ بإساءته، فمن ورَد علیه منکم بعمل صالح، ◌ُوزِیَ من
(١) فى م: ((أنه )).
(٢) قال ابن الجزرى فى النشر ٢٧٨/٢ عن قراءة أبى جعفر: وكذا قرأ شيبة، وجاءت أيضًا عن عاصم. وهذه
القراءة حجة على إقامة الجار والمجرور وهو (بما) مع وجود المفعول به الصريح وهو (قوما) مقام الفاعل كما ذهب
إليه الكوفيون وغيرهم.
(٣) بعده فى م: ((ربه)).
(٤) فى ت ١، ت ٣: (( أحد)).

٨٤
سورة الجاثية : الآيات ١٥ - ١٧
الثوابِ صالحاً، ومن ورَد عليه منكم بعملٍ سيِّئُّ جُوزِى من الثوابِ سَيِّئًا .
١٤٦/٢٥
/ القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَا بَنِىّ إِسْرَّهِيلَ اُلْكِتَبَ وَاَلْحُكْمَ وَالنُّبُوَةَ
وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الَّطَِّبَتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد آتينا يا محمدُ، ﴿بَنِىّ إِسْرَِّيلَ اَلْكِتَبَ ﴾. يعنى:
التوراةَ والإنجيلَ، ﴿ وَاَلْحُكْمَ﴾. يعنى الفهمَ بالكتابِ، والعلمَ بالسُّنَنِ التى لم تَنْزِلْ
فى الكتابِ، ﴿ وَالنُّبُوَّةَ﴾. يقولُ: وجعَلْنا منهم أنبياءَ ورسلًا إلى الخلقِ،
( وَرَزَقْتَهُم مِّنَ اَلَطَِّّتِ﴾. يقولُ: وأطعَمْناهم من طيباتِ أرزاقِنا، وذلك ما أطعَمَهم
من المنِّ والسلوَى، ﴿ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾. يقولُ: وفضَّلْناهم على عالَمی
أهلِ زمانِهم فى أيامٍ فرعونَ وعهدِه ، فى ناحيتهم بمصرَ والشامِ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَءَاتَِّنَهُمْ بَيِّنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِّ فَمَا أَخْتَلَفُواْ إِلَّا مِنْ
بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ
يَخْتَلِفُونَ
١٧
يقولُ تعالى ذكره : وأعطَيْنا بنى إسرائيلَ واضحاتٍ من أمرِنا بتنزيلِنا إليهم
التوراةَ، فيها تفصيلُ كلِّ شيءٍ، ﴿فَمَا أَخْتَلَفُواْ إِلَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا
بَيْنَهُمْ﴾. طلبًا للرياساتِ، وتركًا منهم لبيانِ اللَّهِ تبارك وتعالى فى تنزيلِه .
وقولُه : ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَئِمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَ لّهِ: إن ربَّك يا محمدُ يَقْضِى بينَ المختلفين من بنى
إسرائيلَ بغيًا بينَهم، يومَ القيامةِ، فيما كانوا فيه فى الدنيا يَخْتَلِفون بعدَ العلمِ الذى
أتاهم ، والبيانِ الذى جاءهم منه، فيُفْلِحُ المحِقَّ حينَئذٍ على المبطِلِ بفصلِ الحُكم
بينَهم .

٨٥
سورة الجاثية : الآيتان ١٨، ١٩
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ ثُمَّ جَعَلْتَكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ اُلْأَمْرِ فَتَّعْهَا وَلَا
نَتَّبِعْ أَهْوَآءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ الَّ
إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الَّلِمِينَ
١٩
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍِ وَاللَّهُ وَلِىُّ الْمُنَّفِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَ لَهِ: ثم جَعَلْناك يا محمدُ، من بعدِ أنبياءٍ (١)
بنى إسرائيلَ الذين وصَفتُ لك صفتَهم ﴿ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ﴾. يقولُ: على
طريقةٍ وسنةٍ ومِنهاج من أمرِنا الذى أمَرنا به مَن قبلَك من رسلِنا، ﴿فَتَّعْهَا﴾ .
يقولُ: فَاتَّبِع تلك الشريعةَ التى جعَلْناها لك، ﴿ وَلَا نَتَّبِعْ أَهْوَءَ الَّذِينَ لَا
يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: ولا تَتَّبِع ما دعاك إليه الجاهِلون باللّهِ الذين لا يَعْرِفون الحقَّ من
الباطلِ فتعملَ به فَتَهْلِكَ إن عمِلت به .
/ وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
١٤٧/٢٥
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أیی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباس: ﴿ثُمَّ جَعَلْتَكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَأَتَّعْهَا﴾. قال:
يقولُ: على هدّى من الأمرِ وبينةٍ(٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَكَ
عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَتَّعْهَا﴾: والشريعةُ الفرائضُ والحدودُ والأمرُ والنهىُ،
﴿ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ ثُمَّ
(١) غير منقوطة فى: ص، وفى م: ((الذى آتينا)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥/٦ إلى المصنف.

٨٦
سورة الجاثية : الآيات ١٨ - ٢١
جَعَلْنَكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ﴾. قال: الشريعةُ الدينُ. وقرَأ: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ
الدِّينِ مَا وَضَّى بِهِ، نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ [الشورى: ١٣]. قال: فنوحٌ أوَّلُهم،
وأنت آخرهم (١).
وقولُه: ﴿إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن
هؤلاء الجاهِلين بربِّهم الذين يَدْعونك يا محمدُ إلى اتِّباع أهوائهم، لن يُغْنوا عنك إِن
أنت اتَّبَعتَ أهواءهم ، وخالَفت شريعةَ ربِّك التى شرَعها لكَ - من عقابِ اللَّهِ شيئًا ،
فِيَدْفَعوه عنك إن هو عاقبك، ويُنقِذوك منه .
وقولُه: ﴿وَإِنَّ اُلَّلِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾. يقولُ: وإن الظالمين بعضُهم
أنصارُ بعضٍ، وأعوانُهم على [٨٠٧/٢ظ] الإيمانِ باللَّهِ(١) وأهلِ طاعتِه، ﴿ وَاللَّهُ وَلِىُّ
الْمُنَّقِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكره: واللَّهُ يلِى مَن اتَّقاه بأداءِ فرائضِه واجتنابٍ
معاصِيه، بكفايتِهِ ودفاع مَن أراده بسوءٍ. يقولُ جلَّ ثناؤه لنبيّه عليه الصلاةُ
والسلامُ: فَكُنْ من المتقين، يَكْفِك(٢) اللَّهُ ما بغاك وكادك به هؤلاء المشركون، فإنه
ولىُّ مَن اتَّقاه ، ولا يَعْظُمُ عليك خلافُ مَن خالَف أمرَه وإن كثُر عددُهم؛ لأنهم لن
يَضُرُّوك ما كان اللَّهُ ولَّك وناصرَك .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هَذَا بَصَِّرُ لِلنَّاسِ وَهُدَّى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُواْ السَّيِّئَاتِ أَنْ تَجْعَلَهُمْ كَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
يُوقِنُونَ ل®َ)
الصَّلِحَتِ سَوَآءَ تَّحْيَهُمْ وَمَمَاتُهُمَّ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ
يقولُ تعالى ذكره: هذا الكتابُ الذى أَنزَلْناه إليك يا محمدُ، ﴿بَصَِّرُ
(١) ينظر تفسير القرطبى ١٦٤/١٦، والبحر المحيط ٤٦/٨.
(٢) سقط من: ت ٢، ت ٣.
(٣) فى ت ٣: (( يكفيك)).

٨٧
سورة الجاثية : الآيتان ٢٠، ٢١
لِلنَّاسِ﴾ يُتْصِرون به الحقَّ من الباطلِ، ويَعْرِفون به سبيل الرشادِ . والبصائرُ جمعُ
بصيرةٍ .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك (١ كان ابنُ زيدٍ يقولُ(١).
ذكر(٢) ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿هَذَا
بَصََِّرُ لِلنَّاسِ وَهُدَّى وَرَحْمَةٌ﴾. قال: القرآنُ. قال: هذا كلَّه إنما هو فى القلبِ.
قال: والسمعُ والبصرُ) فى القلبِ. وقرَأ: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِنْ تَعْمَى
اٌلْقُلُوبُ الَّتِى فِ الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. وليس ببصرِ الدنيا ولا بسمعها .
/ وقولُه: ﴿وَهُدَّى﴾. يقولُ: ورشادٌ، ﴿ وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾
بحقيقةِ صحةٍ هذا القرآنِ ، وأنه تنزيلٌ من اللَّهِ العزيزِ الحكيم. وخصَّ جل ثناؤه
المُوقِنِينَ(٤) بأنه لهم بصائرُ وهدى ورحمةٌ ؛ لأنهم الذين انتفَعوا به دونَ من كذَّب به
من أهلِ الکفرِ، فکان علیه عمّی وله حزنًا .
١٤٨/٢٥
وقولُه: ﴿أَمّ حَسِبَ الَّذِينَ أَجْتَرَحُواْ السَِّئَاتِ ﴾. (يقولُ تعالى ذكرُه: أم ظنَّ
الذين اجترَحوا السيئاتِْ) من الأعمالِ فى الدنيا، فكذَّبوا رُسلَ اللَّهِ، وخالفوا أمرَ
ربِّهم ، وعبَدوا غيرَه - أن نَجْعَلَهم فى الآخرةِ كالذين آمنوا باللّهِ وصدَّقوا رسلَه وعمِلوا
الصالحاتِ فأطاعوا اللَّهَ، وأخلصوا له العبادةَ، دونَ ما سِواه من الأندادِ والآلهةِ ؟!
(١ - ١) فى ت ١: ((قال أهل التأويل)).
(٢) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((من قال)).
(٣) بعده فى ت١: ((فى القرآن)).
(٤) فى ت ٢، ت ٣: (( المؤمنين)).
(٥ - ٥) سقط من: ت ٢، ت ٣.
٠,

٨٨
سورة الجاثية : الآية ٢١
كلَّ ، ما كان اللَّهُ لِيَفْعَلَ ذلك، لقد ميَّز بينَ الفريقين، فجعَل حزبَ الإيمانِ فى الجنةِ ،
وحزبَ الكفرِ فى السعيرِ .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً : ﴿ أَمْ حَسِبَ
اُلَّذِينَ أَجْتَرَحُواْ السَّيِّئَاتِ﴾ الآية: لعَمْرِى لقد تفرّق القومُ فى الدنيا، وتفرَّقوا عندَ
الموتِ ، فتبايَنوا فى المصيرِ .
وقولُه: ﴿ سَوَآءُ تَّخْيَهُمْ وَمَمَانُهُمّ﴾. اختلَفت القرأةُ فى قراءةٍ قولِه:
سَوَآءَ﴾ ؛ فقرَأت ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ قرأةِ الكوفةِ: (سَوَاءٌ)
بالرفع (١)، على أن الخبرَ مُتَناهٍ عندَهم عندَ قولِهِ: ﴿كَذِينَ ءَامَنُواْ﴾. وجعَلوا(٢)
خبرَ قولِه: ﴿ أَنْ ◌َّْعَلَهُمْ﴾ قولَه: ﴿كَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾. ثم
ابتدَءوا الخبرَ عن استواءِ حالٍ محيا المؤمنِ ومماتِه ، ومحيا الكافرِ ومماتِه، فرفَعوا قولَه:
( سَوَاءٌ) على وجهِ الابتداءِ بهذا المعنى . وإلى هذا المعنى وجَّه تأويلَ ذلك جماعةٌ من
أهلِ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ
قوله: ( سَوَاءمَحْیاهُمْ وتَماتُهُمْ). قال : المؤمنُ فى الدنيا والآخرةِ مؤمنٌ، والكافئفى
الدنيا والآخرةِ كافرٌ().
(١) هى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وابن عامر وعاصم فى رواية أبى بكر. السبعة لابن مجاهد ص ٥٩٥.
(٢) فى ت ١: (( جعل)).
(٣) تفسير مجاهد ص ٦٠٠.

٨٩
سورة الجاثية : الآية ٢١
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا حسينٌ، عن شيبانَ ، عن ليثٍ فى قوله: ( سَوَاءٌ
مَحْياهُمْ وَمَاتُهُمْ). قال: بُعِث المؤمنُ مؤمنًا حيًّا وميتًا، والكافرُ كافرًا حيًّا وميتًا.
وقد يَحْتَمِلُ الكلامُ إذا قُرِئ: (سواءٌ) رفعًا وجهًا آخرَ غيرَ هذا المعنى الذى
ذكَّرْناه عن مجاهدٍ وليثٍ ، وهو أن يُوجّه إلى: أم حسِب الذين اجترَحوا السيئاتِ أن
نجعَلَهم والمؤمنين سواءً فى الحياةِ والموتِ، بمعنى: أنهم لا يَسْتَوون. ثم يُرْفَعُ (سواءٌ)
على هذا المعنى ، إذ كان لا يَنْصَرِفُ، كما يُقالُ: مررَتُ برجلٍ خيرٌ منك أبوه ، و:
حسبُك أخوه. فرفَع ((حسبُك))، و((خيرٌ)) إذ كان فى مذهبِ الأسماءِ، ولو وقَع
موقعَهما فعلٌ فى لفظِ اسم لم يَكُنْ إلا نصبًا، فكذلك قولُه: (سواءٌ).
وقَرَأْ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿سَوَآءَ ﴾ نصبًا (١)، بمعنى: أحَسِبوا [٨٠٨/٢و]
أن نجعَلَهم والذين آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ سواءً.
والصوابُ من القولِ فى ذلك عندى أنهما قراءتان معروفتان فى قرَأَةِ الأمصارِ ،
قد قرأ بكلِّ واحدةٍ منهما أهلُ العلم بالقرآنِ ، صحيحتا المعنى ، فبأيتِهما قرَأ القارئُ
فمصیبٌ .
/ واختلف أهلُ العربيةِ فى وجهِ نصبٍ قولِه: ﴿سَوَآءَ ﴾ ورفعِه ؛ فقال بعضُ
نحوِّى البصرةِ: (سَوَاءٌ مَحْيَاهُمْ وَمَاتُهُمْ) رفعٌ. وقال بعضُهم: إن المحيا والمماتَ
للكفارِ كلَّه. قال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ أَجْتَرَحُواْ السَّيِّئَاتِ أَنْ تَّْعَلَهُمْ كَذِينَ ءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ ﴾. ثم قال: سواءٌ محيا الكفارِ ومماتُهم. أى: محياهم محيا
سَوْءٍ(٢)، ومماتُهم١) مماتُ سَوْءٍ . فرُفِع ((السواءُ)) على الابتداءِ. قال: ومن فسّر
١٤٩/٢٥
(١) هى قراءة حمزة والكسائى وحفص عن عاصم. السبعة لابن مجاهد ص ٥٩٥.
(٢ - ٢) سقط من: ت ٣.
(٣) فى م، ت ١: (( سواء)).

٩٠
سورة الجاثية : الآية ٢١
المحيا والمماتَ للكفارِ والمؤمنين، فقد يَجوزُ فى هذا المعنى نصبُ ((السواءِ)) ورفعُه؛
لأن من جعَل ((السواءَ)) مستويًا، فيَنْتَغى له فى القياسِ أن يُجْرِيَه على ما قبلَه؛ لأنه
صفةٌ. ومن جعَله الاستواءَ، فيَنْبَغِى له أن يَرْفَعَه لأنه اسمٌ، إلا أن يَنْصِبَ المحيا
والمماتَ على البدلِ، ويَنْصِبَ ((السواءَ)) على الاستواءِ، وإن شاء رفَع ((السواءَ)) إذا
كان فى معنى (( مستوٍ))، كما تقولُ: مرَرتُ برجلٍ خيرٌ منك أبوه. لأنه صفةٌ لا
يُصْرَفُ، والرفعُ أجودُ .
وقال بعضُ نحوثِّى الكوفةِ(١): قولُه: ﴿سَوَاءَ تَّخْيَهُمْ﴾ بنصبٍ (سواء))
وبرفعِه، والمحيا والمماتُ فى موضع رفع بمنزلةٍ قولِه: رأيتُ القومَ سواءً صغارُهم
وكبارُهم. بنصبٍ ((سواء))؛ لأنه يَجْعَلُه فعلًا لما عاد على الناس من ذكرِهم. قال:
وربما جعَلت العربُ ((سواء)) فى مذهبٍ اسم بمنزلةِ ((حسبك))، فيقولون: رأيتُ
قومَك سواءً صغارُهم وكبارُهم. فيكونُ كقولك : مررتُ برجلٍ حسبُك أبوه .
قال: ولو جعَلت مكانَ ((سواء)) ((مستوٍ)) لم يُرْفَعْ، ولكن تَجْعَلُهُ مُتَّبِعًا لما قبلَه،
مخالفًا لـ ((سواءٍ))؛ لأن ((مستوٍ))(١) من صفةِ القوم، ولأن ((سواءً)) كالمصدرِ،
والمصدرُ اسمُ. قال: ولو نصَبت المحيا والمماتَ كان وجهًا. يُريدُ: أن نَجْعَلَهم سواءً
فی محياهم ومماتهم .
وقال آخرُ(١) منهم: المعنى: أنه لا يُساوِى مَن اجترَح السيئاتِ المؤمنَ فى
المحيا(٤) ولا المماتِ. إِلَّا(٥) أنه وقَع موقِعَ الخبرِ، فكان خبرًا لـ ((جَعَلْنا)). قال:
(١) هو الفراء فى معانى القرآن ٣/ ٤٧.
(٢) فى ص، م، ت ١: (( مستوى)).
(٣) فى م: ((آخرون )).
(٤) فى م، ت ٣: (( الحياة)).
(٥) فى م، ت ٢: ((على)).

٩١
سورة الجاثية : الآيتان ٢١ ،٢٢
والنصبُ للأخبارِ (١)، كما تقولُ: جعَلت إخوتَك سواءً؛ صغيرَهم وكبيرَهم.
ويجوزُ أن يُؤْفَعَ؛ لأن ((سواءً)) لا يَنْصَرِفُ. وقال: مَن قال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ
اجْتَرَحُواْ السَّيِّئَاتِ أَنْ تَجْعَلَهُمْ كَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ فجعَل
كَلَّذِينَ﴾ الخبرَ، استأنَف بـ (( سواءٍ)) ورفَع ما بعدَها، وإن نصَب ((المحيا
والمماتَ)) نصَب ((سواءً)) لا غيرَ.
وقد تقدَّم بيانُنا الصوابَ من القول فى ذلك .
وقولُه: ﴿سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: بئْسَ الحكمُ الذى(١)
حسِبوا (٢) أنَّا نَجْعَلُ الذين اجترَحوا السيئاتِ والذين آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ ، سواءً
محياهم ومماتُهم .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ
نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
٢
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿ وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ للعدلِ والحقِّ، لا
لما حسِب هؤلاء الجاهلون باللّهِ؛ من أنه يَجْعَلُ مَن اجترَح السيئاتِ ، فعصاه وخالَف
أمرَه، كالذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ فى المحيا والمماتِ ، إذ كان ذلك من فعلٍ غيرِ
أهلِ العدلِ والإنصافِ ، يقولُ جل ثناؤه: فلم يَخْلُقِ اللَّهُ السماواتِ والأرضَ للظلمِ
والجورِ، ولكنا خلَقْناهما للحقِّ والعدلِ، ومن الحقِّ أن نُخالِفَ بينَ حكمِ المسيء
والمحسنِ فى العاجلِ والآجلِ .
/ وقولُه: ﴿وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾. يقولُ تعالى ذكره: ١٥٠/٢٥
(١) فى ص: ((الأخبار)).
(٢) فى ص، ت ١: ((الذين)).
(٣) فى ت ٣: ((حكموا)).

٩٢
سورة الجاثية : الآيتان ٢٢، ٢٣
وليُثيبَ اللَّهُ كلَّ عاملٍ بما عمِل من عملٍ (١)، خَلَقَ السماواتِ والأرضَ؛ المحسنَ
بالإحسانِ ، والمسىءَ بما هو أهلُه، لا لِتَبْخَسَ المحسنَ ثوابَ إحسانِهِ، ونَحْمِلَ عليه
مُجُرْمَ غيرِهِ فتُعاقِبَه، أو ◌َجْعَلَ للمسىءٍ ثوابَ إِحسانٍ غيرِهِ، فَتُكْرِمَهُ(١) ، ولكن لنَجْزِىَ
كلَّ بما كسبت يداه، وهم لا يُظْلَمون جزاءً أعمالهم .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَفَرََّيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَنَهُ وَأَضَلَّهُ اَللَّهُ عَلَى عِلٍْ وَخَتَمَ
عَلَى سَمْعِهِ، وَقَلْبِهِ، وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ، غِشَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ
٢٣
اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ أَفَعَيْتَ مَنِ أَتَّخَذَ إِلَهَمُ هَوَنَهُ﴾؛ فقال
بعضُهم : معنى ذلك : أفرأيت من اتخذ دينه پهواه ، فلا يَهْوَی شيئًا إلا رکبه ؛ لأنه لا
يُؤْمِنُ باللَّهِ ، ولا يُحرِّمُ ما حرَّم ، ولا يُحِلُّ(٢) ما أحلَّ(٤)، إنما ديتُه ما هوِيته(٥) نفسه
يَعْمَلُ به .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىّ ، عن ابنِ عباسٍ
فى قوله: ﴿ أَفَعَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَمُ [٨٠٨/٢ظ] هَوَنَهُ﴾. قال: ذلك الكافر ، اتخذ
دينَه بغيرِ هدّى من اللَّهِ ولا برهانٍ(٦) .
(١) سقط من: ت٢، ت٣.
(٢) فى ت ٣: ((فيلزمه)).
(٣) فى م: ((يحلل))، وفى ت ٢: ((يجعل)).
(٤) فى م: (( حلل)).
(٥) فى ت ١: ((عملته)).
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥/٦ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم واللالكائى فى السنة والبيهقى
فى الأسماء والصفات .

٩٣
سورة الجاثية : الآية ٢٣
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأُعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ فى قولِه :
﴿ أَفَرَءَيْتَ مَنِ أَّخَذَ إِلَهَمُ هَوَنُ﴾. قال: لا يَهْوَى شيئًا إلا ركِبه، لا يخافُ اللَّهَ(١).
وقال آخرون : بل معنى ذلك : أفرأَنْتَ مَن اتخَذ معبودَه ما هوِيتْ عبادتَه نفسُه
من شىءٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا يعقوبُ ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: كانت
قريشْ تَعْبُدُ العُزَّى - وهو حجرٌ أبيضُ - حينا من الدهرِ، فإذا وجَدوا ما هو أحسنُ
منه، طرَحوا الأَوَّلَ وعبّدوا(٢) الآخرَ، فأنزل اللّهُ: ﴿ أَفَرَءَيْتَ مَنِ أَّخَذَ إِلَهَمُ هَوَنُهُ﴾(١).
وأولى التأويلين فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: أفرأيتَ يا محمدُ
مَن اتخَذ معبودَه هواه، فيَعْبُدُ ما هَوِى من شىءٍ دونَ إليهِ الحقِّ الذى له الألوهةُ من كلِّ
شىءٍ؟ لأن ذلك هو الظاهرُ من معناه دونَ غيرِه .
وقولُه: ﴿ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وخذَله عن مَحَجَّةٍ
الطريقِ وسبيلِ الرشادٍ ، فى سابقٍ علمِه، على علم منه بأنه لا يَهْتَدى ولو جاءته كلُّ
آیة .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
/ ذكرُ مَن قال ذلك
١٥١/٢٥
حدَّثنى علىّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ ، عن ابنِ
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢١٢/٢ عن معمر به.
(٢) فى ت ٢، ت ٣: ((عبد).
(٣) تفسیر سفیان ص٢٧٥ عن جعفر به .

٩٤
سورة الجاثية : الآية ٢٣
عباسٍ: ﴿ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِ﴾. يقولُ: أضلَّ اللَّهُ فى سابقٍ علمِه(١).
وقولُه: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ، وَقَلِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكره: وطبَع على سمعِه أن
يَسْمَعَ مواعظَ اللَّهِ وَآَىَ كتابِهِ ، فيَعْتَبِرَ بها ويَتَدَبََّها ، ويَتَفَكّرَ فيها ، فيَعْقِلَ ما فيها من
النورِ والبيانِ والهُدَى .
وقولُه: ﴿وَقَلِهِ﴾. يقولُ: وطبَع أيضًا على قلبِه، فلا يَعْقِلُ به شيئًا، ولا
يَعِی به حقًّا .
وقولُه: ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ، غِشَوَّةً﴾. يقولُ: وجعَل على بصرِهِ غشاوةً أن
يُْصِرَ به حججَ اللَّهِ ، فيَشْتَدلَّ بها على وحدانيته، ويَعْلَمَ بها ألَّ إلهَ غيرُه.
واختلَفت القرأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِِءِ غِشَةَ﴾ ؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ
المدينةِ والبصرةِ وبعضُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿ غِشَوَةَ﴾ بكسرِ الغينِ، وإثباتِ ألفٍ فيها(٢)،
على أنها اسمٌ . وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (غَشْوَةً) بمعنى أنه غَشاه شيئًا فى دفعةٍ
واحدةٍ ومرةٍ واحدةٍ؛ بفتح الغينِ بغيرِ ألفٍ ١ . وهما عندِى قراءتان صحيحتان ،
فبأيتِهما قرَأ القارئُّ فمصيبٌ .
وقولُه: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فمَن يُوفِّقُه لإصابةِ
الحقِّ، وإبصارٍ مَحَّةِ الرشدِ، بعدَ إِضلالِ اللَّهِ إِياه؟ ﴿ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أيُّها الناسُ،
فَتَعْلَموا أن من فعَل اللَّهُ به ما وصَفْنا فلن يَهْتَدِىَ أبدًا، ولن يَجِدَ لنفسِه وليًّا مُؤْشِدًا .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى الإتقان ٤٣/٢- واللالكائى فى السنة ٤٩١/٢ (١٠٠٣)،
والبيهقى فى الأسماء والصفات (٢٣٤) من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥/٦ إلى
ابن المنذر.
(٢) هى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وابن عامر وعاصم. السبعة لابن مجاهد ص ٥٩٥.
(٣) هى قراءة حمزة والكسائى . المصدر السابق.

٩٥
سورة الجاثية : الآية ٢٤
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا هِىَ إِلَّ حَانُنَ الدُّنْيَا نَمُوتُ وَغَيَا وَمَا يُهْلِكُآَ إِلَّا
٢٤
الذَّهْرُّ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلَيْرٌ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه : وقال هؤلاء المشرِكون الذين تقدَّم خبرُه عنهم: ما حياةٌ()
إلا حياتنا الدنيا التى نحن فيها ، لا حياةَ سِواها. تكذيبًا منهم بالبعثِ بعدَ المماتِ .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَقَالُواْ مَا هِىَ
إِلَّا حَيَانُنَا الدُّنيَا﴾: إِى(٢) لِعَمْرِى، هذا قولُ مشرِكى العربِ() .
وقولُه: ﴿نَمُوتُ وَنَخْيَا﴾. نموتُ نحن ويحيا أبناؤنا بعدَنا. فجعَلوا حياةَ أبنائِهم
بعدَهم حياةً لهم ؛ لأنهم منهم وبعضُهم ، فكأنهم بحياتِهم أحياءٌ، وذلك نظيرُ قولٍ
الناسِ: ما مات مَن خَلَّف ابنًا مثلَ فلانٍ. لأنه بحياةٍ ذكرِه به (١٤ كأنه حىٍّ غيرُ ميِّتٍ .
وقد يَحْتَمِلُ وجهًا آخرَ؛ وهو أن يكونَ معناه: "نحيا ونموتُ" . على وجهِ
تقديم الحياةِ قبلَ المماتِ، كما يُقالُ: قُمْتُ وقعَدتُ. بمعنى : قَعَدتُ وقُمْتُ .
والعربُ تَفْعَلُ ذلك فى الواوِ خاصةً ، إذا أرادوا الخبرَ عن شيئين أنهما كانا أو يكونان ،
ولم تَقْصِدِ الخبرَ عن كونِ أحدِهما قبلَ الآخرِ، تُقدِّمُ المتأخرَ حدوثًا على المتقدِّمِ
حدوثُه منهما أحيانًا ، فهذا من ذلك ؛ لأنه لم يَقْصِدْ فيه إلى الخبرِ عن كونِ /الحياةِ ١٥٢/٢٥
قبلَ المماتِ، فقدَّم ذكرَ المماتِ قبلَ ذكرِ الحياةِ ، إذ كان القصدُ إلى(١) الخبرِ عن أنهم
يكونون مرّةً أحياءً وأخرى أمواتًا .
(١) فى ت ٣: ((هى)).
(٢) سقط من: ت ٢.
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢١٢/٢ عن معمر، عن قتادة نحوه.
(٤) سقط من: ت ٢.
(٥ - ٥) فى ت ٢: ((يحيى ويميت)).
(٦) فى ت ٢: ((عن)).

٩٦
سورة الجاثية : الآية ٢٤
وقولُه: ﴿ وَمَا يُهْلِكُآَ إِلَّا الدَّهْرُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن هؤلاءِ
المشرِكين أنهم قالوا: وما يُهْلِكُنَا فيُفْنِينَا إِلا مَوُ الليالي والأيام وطولُ العمرِ. إنكارًا
منهم أن یکونَ لھم ربِّ يُغنِهم وتُهلِكُهم .
وقد ذُكِر أنها فى قراءةٍ عبدِ اللَّهِ: ( ومَا يُهْلِكُنَا إِلَّ دَهْرٌ يَمُوَ)(١)
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا [٨٠٩/٢ور] عیسى ،
وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيحِ، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرَ ﴾. قال: الزمانُ(٢).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأُعلى ، قال : ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً فى قوله: ﴿ وَمَا
يُهْلِكُآَ إِلَّ الدَّهْرُ﴾: قال ذلك مشرِكو قريشِ ﴿ وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾: إلا
(٣)
العمرُ() .
وذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت من أجلِ أن أهلَ الشركِ كانوا يقولون: الذی یُھْلِگنا
ويُفْنِینا الدهر والزمان. °ثم یشُون ما يُغْنِیھم وُھلگھم، وهم تِرَون أنهم يَشْبُون
بذلك الدهرَ والزمانَ) ، فقال اللَّهُ عز وجل لهم: أنا الذى أُفْنِيكم وأُهْلِكُكم، لا
الدهرُ والزمانُ، ولا علمَ لكم بذلك .
(١) وهى قراءة شاذة، قال أبو حيان فى البحر المحيط ٤٩/٨: وقرأ عبد الله ((إلا دهر)) وتأويله: إلا دهر يمر.
وينظر مختصر الشواذ لابن خالويه ص ١٣٩.
(٢) تفسير مجاهد ص ٦٠٠، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢١٢/٢ عن معمر به.
(٤ - ٤) سقط من: ت ٢، ت ٣.

٩٧
سورة الجاثية : الآية ٢٤
ذكرُ "الرواية بذلك عمن قاله ١)
حدَّثْنا أبو كريب ، قال : ثنا ابنُ عيينةَ، عن الزهرىِّ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، عن
أبى هريرةَ، عن النبيِّ عَّهِ، قال: ((كان أهلُ الجاهليةِ يقولون: إنما يُهْلِكُنا الليلُ
والنهائُ(٢)؛ هو الذى يُهْلِكُنا ويُمِيتُنا ويُحْيِينا. فقال اللَّهُ فى كتابه: ﴿ وَقَالُواْ مَا هِىَ إِلَّا
حَيَانُنَ الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَخْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلَّا الدَّهْرُ ﴾)). قال: فيَسُبُّون الدهرَ، فقال اللَّهُ تبارَك
وتعالى: ((يُؤْذِينى ابنُ آدَمَ؛ يَسُبُّ الدهرَ، وأنا الدهرُ، بِيَدِىَ الأمرُ، أَقُلِّبُ الليلَ
(٣)
والنهارَ))(٣) .
حدَّثنا عمرانُ بنُ بكارِ الكَلَاعِىُّ ، قال : ثنا أبو رَوْح، قال : ثنا سفيانُ بنُ عيينةً ،
عن الزهرىِّ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ عَ ◌ِّ نحوَه .
حدَّثنى يونسُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: ثنى يونسُ بنُ
يزيدَ (٢) ، عن ابنٍ شهابٍ، قال: أخبرنى أبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال : قال
أبو هريرةَ: سمِعتُ رسولَ اللَّهِ مَّ ◌َهِ قال: ((قال اللَّهُ تعالى: يَسُبُّ ابنُ آدَمَ الدهرَ، وأنا
الدهرُ، بيَدِىَ الليلُ والنهارُ))(٥).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن العلاءِ بنِ
(١ - ١) فى ت ٢، ت ٣: ((من قال ذلك)).
(٢) بعده فى م، ت ١: (( و)).
(٣) أخرجه الدارقطنى فى العلل ٨١/٨ من طريق سفيان به، وقوله: ((كان أهل الجاهلية ... فيسبون الدهر)). موقوف
على سفيان كما فى صحيح ابن حبان (٥٧١٥)، والمستدرك ٢/ ٤٥٣، وأخرج المرفوع منه الحميدى (١٠٩٦)،
وأحمد ١٨٧/١٢ (٧٢٤٥)، والبخارى (٤٨٢٦)، ومسلم (٢/٢٢٤٦)، وأبو داود (٥٢٧٤)، والنسائى فى
الكبرى (١١٤٨٧)، وابن أبى حاتم - كما فى تفسير ابن كثير ٢٥٤/٧ - والبيهقى ٣٦٥/٣ من طريق سفيان به .
(٤) فى ت ٢: ((زيد)).
(٥) أخرجه مسلم (١/٢٢٤٦)، والنسائى فى الكبرى (١١٤٨٦)، والبيهقى ٣٦٥/٣ من طريق ابن وهب
به ، وأخرجه البخارى (٦١٨١) من طريق يونس بن يزيد به .
( تفسير الطبرى ٧/٢١ )

٩٨
سورة الجاثية : الآيتان ٢٤ ، ٢٥
عبد الرحمنِ، عن أبيه، عن أبى هريرةَ، أن النبىَّ مَّامٍ قال: ((يقولُ اللَّهُ: استقرَضتُ
عبدِى فلم يُعْطِنى، وسبَّنى عبدِى، يقولُ: وادَهْراه. وأنا الدهرُ))(١).
١٥٣/٢٥
/ حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ (١)، عن الزهرىِّ، عن أبى
هريرةَ، عن النبيِّ ◌َّهِ ((إِنَّ اللَّهَ قال: لا يَقُولَنَّ أحدُكم: يا خيبةَ الدهرِ؛ فإنى أنا
الدهرُ. أقلِّبُ ليله ونهارَه، وإذا شِئْتُ قبَضتُهما))(١) .
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةً، عن هشامٍ، (4)عن ابنٍ سيرينَ) ، عن أبى
هريرةَ، قال: لا تَسُبُوا الدهرَ، فإن اللَّهَ هو الدهرُ(٥).
﴿ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلٍَّّ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُونَ﴾ . يقولُ تعالى ذكرُه : وما لهؤلاء
المشركين القائلين: ما هى إلا حياتنا الدنيا نموتُ ونحيا، وما يُهْلِكُنا إلا الدهرُ. بما
يقولون من ذلك ﴿مِنْ عٌِّ﴾. يَعْنى: من يقينٍ علم؛ لأنهم يقولون ذلك تخرّصًا
بغيرِ خبرٍ أتاهم من اللَّهِ ، ولا برهانٍ عندَهم بحقيقته. ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُونَ﴾. يقولُ
جل ثناؤُه : ما هم إلا فى ظنٍّ من ذلك وشكُّ. يُخْبِرُ عنهم أنهم فى خَيْرةٍ من
اعتقادِهم حقيقةَ ما يَنْطِقون من ذلك بألسنتِهم .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَقُّنَا بَيْنَتٍ مَا كَانَ حُبَّتَهُمْ إِلَّآ أَنْ
٢٥
قَالُواْ أَنْتُواْ بِكَابَآَيِنَآَ إِن كُمْ صَدِّقِينَ
(١) أخرجه أحمد ٣٦٨/١٣ (٧٩٨٨)، والبخارى فى خلق أفعال العباد (٣٤٣)، وابن خزيمة (٢٤٧٩)،
والحاكم ٤١٨/١ من طريق ابن إسحاق به، وأخرجه ابن أبى عاصم فى السنة (٥٩٨) من طريق العلاء به
مختصرًا .
(٢) بعده فى النسخ: ((عن قتادة)). وينظر مصدر التخريج .
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢١٢/٢ عن معمر به .
(٤ - ٤) سقط من النسخ ، والمثبت كما تقدم فى ٥٩٦/١٠، وهو كذلك فى مصدر التخريج .
(٥)أخرجهمسلم(٥/٢٢٤٦) من طریق جریر ، عن هشام ، عن محمد بن سیرین ، عن أبى هريرة ، عن النبى.

٩٩
سورة الجاثية : الآيتان ٢٥ ، ٢٦
يقولُ تعالى ذكره : وإذا تُتْلَى على هؤلاء المشركين المكذّبِين بالبعثِ آياتنا
بأن اللَّهَ باعثُ خلقِه من بعدٍ مماتِهم، فجامِعُهم يومَ القيامةِ عندَه للثوابِ والعقابِ .
﴿ بَيْنَتٍ﴾ . يعنى: واضحاتٍ جلياتٍ، تَنْفى الشكَّ عن قلبٍ(١) أهلِ التصديقِ باللَّهِ
فى ذلك، ﴿مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلََّ أَنْ قَالُواْ أَثْتُواْ بِتَابَآَيْنَآ إِن كُمْ صَدِقِينَ﴾. يقولُ جلّ
ثناؤه: لم يَكُنْ لهم حجةٌ على رسولِنا الذى يَتْلُو ذلك عليهم إلا قولَهم له (١): اثينا(١)
بآبائِنا(٤) الذين قد هلكوا، أحياءً، وانْشُرْهم لنا إن كنتَ صادقًا فيما تَتْلو علينا
وتُخْبِرُنا، حتى نصدٌقَ بحقيقةِ ما تقولُ بأن اللَّهَ باعثُنا من بعدٍ مماتِنا، ومُخْيِينا من
بعدِ فنائِنا .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحِيَكُمْ ثُمَ يُمِتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ
لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
٢٦
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَ لَّه: قُلْ يا محمدُ لهؤلاء المشركين المكذِّبين
بالبعثِ ، القائلين لك: ائتنا بآبائنا إن كنتَ(١) صادقًا: اللَّهُ أيُّها المشركون يُحْيِيكم ما
شاء أن يُحْيِيَكم فى الدنيا، ثم يُميتُكم فيها إذا شاء، ﴿ثُمَّ يَحْمَعَكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ ( لَا
رَيْبَ فِيهِ﴾. يقولُ: ثم ٢ يَجْمَعُكم جميعًا أوَّلَكم وآخرَ كم، [٨٠٩/٢ظ] وصغيرَ كم
وكبيرَ كم، ﴿ إِلَ يَوْمِ الْقِيَمَةِ﴾. يقولُ: ليوم القيامةِ، يَعْنى أنه يَجْمَعُكم جميعًا أحياءٌ
(١) سقط من: ت ١.
(٢) فى ت ١: ((لهم))، وسقط من: ت ٢، ت ٣.
(٣) فى ت ٢، ت ٣: ((ائتوا)).
(٤) بعده فى ت ٢، ت ٣: ((إن كنتم صادقين أى)).
(٥) فى ص، ت ٢: ((من)).
(٦) بعده فى ت ٢: ((من الصادقين إن كنت))، وفى ت ٣: ((من الصادقين أى كنت)).
(٧ - ٧) فى م: ((يعنى أنه)).

١٠٠
سورة الجاثية : الآيات ٢٦ - ٢٨
ليومِ القيامةِ، ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ ﴾. يقولُ: لا شكَّ فيه . يقولُ : فلا تَشُكّوا فى ذلك،
فإن الأمرَ كما وصَفتُ لكم، ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: ولكن أكثرَ
الناسِ الذين هم أهلُ تكذيبٍ (١) بالبعثِ لا يَعْلَمون حقيقةَ ذلك، وأن اللَّهَ مُخْيِيهم من
بعدٍ مماتِھم .
/ القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ
يَوْمَيِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ
٢٧
١٥٤/٢٥
يقولُ تعالى ذكره: ولَّهِ سلطانُ السماواتِ السبع والأرضِ، دونَ ما (٢)
تدعُونه(٣) له شريكًا، وتعبدونه من دونِه، والذى(٤) تدعُونه(٥) من دونه من الآلهة
والأندادِ فى مُلكِه وسلطانِه، جارٍ علیه حكمه، فکیف یکونُ ما كان كذلك له
شریگًا ؟ أم کیف تعبدونه، وتتژُ کون عبادةً مالکِکم ومالكِ ما تعبدونه من دونه ؟
﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ويومَ تجىءُ الساعةُ التى يَنْشُرُ اللَّهُ فيها
الموتى من قبورهم، ويجمعُهم لموقفِ العرضِ، ﴿يَخْسَرُ الْمُطِلُونَ﴾. يقولُ:
يُغْبَُ(١) فيها الذين أبطَلوا فى الدنيا فى أقوالهم ودعواهم للَّهِ شريكًا، وعبادتهم آلهةً
دونَه ، بأن يفوزَ بمنازلهم من الجنةِ المحقُّون، ويُعدَلوا بها منازلَ من النارِ كانت
للمُحِقِّين، فجُعِلت لهم بمنازلهم(١) من الجنةِ ، ذلك هو الخسرانُ المبينُ.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَتَرَى كُلَّ أُمٍَّ جَائِيَةٌ كُلُّ أُمَةٍ تُدْعَّ إِلَى كِنَبِهَا الْيَوْمَ
(١) فى ت ٣: (( التكذيب)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((من)).
(٣) فى ت ٢، ت ٣: ((يدعون)).
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( الذين)).
(٥) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: (( تدعون)).
(٦) فى ت ١: (( يفتن)).
(٧) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((منازلهم)).