Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ سورة غافر: الآيتان ٣٣ ، ٣٤ ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح ، عن مجاهد قولَه: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾. قال: فارِّينَ غيرَ مُعْجِزِين(١). وقولُه: ﴿ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصٍِ﴾. يقولُ: ما لكم مِن اللَّه مانعٌ يَمْتَعُكم، وناصرٌ ینصُرُكم . وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ مَا لَكُمْ مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصٍِ ﴾ : أى مِن ناصرٍ(٧). / وقولُه: ﴿ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾. يقولُ: ومَن يَخْذُلْه اللَّهُ فلم ٦٣/٢٤ يُؤَفِّقْه لرُشْدِه ، فماله مِن مُوَفِّقٍ يُوفِّقُه له . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَ كُمّ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَتِ فَا زِلْتُمُ فِي شَكٍّ مِّمَا جَآءَكُم بِهُ حَتَّىَ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ، رَسُولًاً ٣٤ كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ یقولُ تعالی ذ کژه : ولقد جاءَ کم یوسفُ بنُ يعقوب ، یا قومٍ ، مِن قبلِ موسی بالواضِحاتِ مِن حُجَجِ اللَّهِ. (١) تفسير مجاهد ص٥٨٣ . (٢) ينظر البحر المحيط ٧ / ٤٦٤. ( تفسير الطبرى ٢١/٢٠ ) ٣٢٢ سورة غافر : الآ يتان ٣٤ ، ٣٥ كما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ ﴾ . قال : قبلٍ موسى . وقولُه: ﴿فَازِلْتُمْ فِ شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُم بٌِ﴾. يقولُ: فلم تَزَالوا مُؤْتابين فيما أتاكم به يوسفُ مِن عندِ ربِّكم، غيرَ مُوقِنى القلوبِ بحقيقتِه، ﴿ حَتَّى إِذَا هَلَكَ ﴾. يقولُ: حتى إذا مات يوسفُ قلتم أيُّها القومُ: لن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بعدٍ يوسفَ إليكم رسولًا بالدُّعاءِ إلى الحقِّ، ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾. يقولُ: [٧٤٦/٢و] هكذا يَصُدُّ اللَّهُ عن إصابةِ الحقِّ وقصدِ السبيلِ مَن هو كافرٌ به، ﴿ قُرْتَابُ ﴾ شادٌّ فى حقيقةِ أخبارٍ رسلِه . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُجَدِلُونَ فِيّ ءَايَتِ اَللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَنْهُمُّ كَبُرَ مَقْتًّا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلّ قَلْبٍ مُتَكَبٍِّ جَبَّارٍ ٣٥ يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ المؤمنِ مِن آلٍ فرعونَ: ﴿ الَّذِينَ يُجَدِلُونَ فِىّ ءَايَتِ اَللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَنْهُمّ﴾ . فقوله: ﴿ الَّذِينَ ﴾ مَرْدُودٌ على ﴿مَنْ﴾ فى قولِهِ: ﴿مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾. وتأويلُ الكلام: كذلك يُضِلُّ اللَّهُ أهلَ الإسرافِ والغُلُوٌّ فى ضَلالِهم ، بكفرِهم باللّهِ واجْتِرائِهم على معاصيه، المرتابين فى أخبارِ رسلِه، الذين يُخاصِمون فى حُجَجِه التى أَتَتَّهم بها رسلُه؛ ليُدْحِضوها بالباطلِ مِن الحُجَجِ، ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَنَهُمّ ﴾ . يقولُ: بغيرِ حُجَّةٍ أَثَتْهم مِن عندِ ربِّهم يَدْفَعون بها حقيقةَ الحُجَجِ التى أَتَتْهم بها الرسلُ، و﴿ الَّذِينَ﴾ - إذا كان معنى [٢/٤٤و] الكلام ما ذَكَوْنا - فى # إلى هنا ينتهى الخرم فى مخطوط الأصل والذى بدأ فى ص٢٧٦ . ٣٢٣ سورة غافر : الآية ٣٥ موضعٍ نصبٍ رَدًّا على ﴿مَنْ﴾ . وقولُه: ﴿كَبُرَ مَقْنًا عِندَ اللَّهِ﴾. يقولُ: كبر ذلك الجدالُ الذى يُجادِلُونَه فى آياتِ اللَّهِ مقتًا عندَ اللَّهِ، وعندَ الذين آمنوا باللّهِ، وإنما نُصِبَ قولُه: ﴿مَقْنًا﴾، ◌َِ فى قوله: ﴿كَثُرَ﴾. مِن ضميرِ الجِدالِ، وهو نظيرُ قولِه: ﴿ كَبُرَتْ كَلِمَةٌ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَهِهِمْ﴾ [الكهف: ٥]. فنَصَب ﴿كَلِمَةُ﴾ مَنْ نَصَبها؛ لأنه جعَل فى قوله: ﴿ كَبُرَتْ﴾ ضميرَ قولِهِم: ﴿ أَتَّخَذَ اُللَّهُ وَلَدًا ﴾ [الكهف: ٤]. وأما مَن لم يُضْمِرْ ذلك فإنه رفَع الكلمةَ . وقولُهُ: ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اَللَّهُ عَلَى كُلِّ فَلْبٍ مُتَكَبٍِّ جَّارٍ﴾. يقولُ: كما طبَع اللَّهُ على قلوبٍ / المسرفين الذين يُجادِلون فى آياتِ اللَّهِ بغيرِ سلطانٍ أتاهم، ٦٤/٢٤ كذلك يَطْبَعُ اللَّهُ على كلِّ قلبٍ متكبِّرٍ على اللَّهِ أن يُوَحِّدَه ويُصَدِّقَ رسَلَه، جَبَّارٍ﴾. يَغْنى: مُتَعَظِّمٍ عن اتِّبَاعِ الحقِّ . واخْتَلَفتِ القرأةُ فى قراءةِ ذلك ؛ فقَرَأَتْه عامةُ قرأةِ الأمصارِ ، خلا أبى عمرو بنٍ العلاءٍ(١): ﴿عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَبِرٍ ﴾. بإضافةِ ((القلبِ)) إلى ((المتكبرِ))، بمعنى الخبرِ عن أن اللَّهَ طبَع على قلوبِ المتكبّرين كلِّها، ومَن كان ذلك قراءته، كان قولُه: جَبَّارٍ ﴾ مِن نعتِ ﴿ مُتَکٍَّ وقد رُوِى عن ابنِ مسعودٍ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: (كذلكَ يَطْبَعُ اللَّهُ على قلبٍ كُلِّ " (٢) مُتَكَبٍِّ جَبَّارٍ) . حدَّثنى بذلك ابنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ ، قال: ثنى حجاجٌ، عن هارونَ ، (١) قرأ أبو عمرو: (على كلٌّ قلبٍ متكبرٍ) بتنوين قلبٍ، واختلف فى ذلك عن ابن عامر. النشر ٢٧٣/٢. (٢) مختصر الشواذ ص ١٣٣. ٣٢٤ سورة غافر : الآيات ٣٥ - ٣٧ أنه كذلك فى حرفٍ ابنٍ مسعودٍ (١). وهذا الذى ذُكِر عن ابن مسعودٍ مِن قراءتِه ، يُحَقِّقُ قراءةَ مَن قرأ ذلك بإضافةٍ ((قَلْب)) إلى ((المتكبرِ))؛ لأن تقديمَ ((كُلّ)) قبلَ ((القلبِ))، وتأخيرَها بعدَه، لا يُغَيُّ المعنَى، بل مَعْنَى ذلك فى الحالتينْ واحدٌ. وقد حُكِى عن بعضِ العربِ سَماعًا: هو يُرَجّلُ شعرَه يومَ كلِّ جمعةٍ . يَغْنى: كلَّ يومٍ جمعةٍ. وأما أبو عمرٍو فقرَأ ذلك بتنوينٍ ((القلبٍ)) وتَرْكِ إضافته إلى ((متكبرٍ))، وجعَل ((المتكبرَ)) و((الجبارَ)) مِن صفةِ((القلبِ)). وأَوْلَى القراءتَيْ فى ذلك عندى بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأَه بإضافةِ ((القلبِ)) إلى ((المتكبرِ))؛ لأن التكبُّرَ فِعْلُ الفاعلِ بقلبهِ، كما أن القاتلَ إذا قتَل قتيلاً، وإن كان قَتَلَه بيدِه، فإن الفِعْلَ مضافٌ إليه، وإنما القلبُ جارِحَةٌ مِن جَوارح المتكبرِ، وإن كان بها التَّكَبُّرُ، فإن الفعلَ إلى فاعِلِهِ مضافٌ ، نظيرُ الذى قُلْنا فى القتلِ. وذلك وإن كان كما قُلْنا فإن الأَخْرَى غيرُ مَدْفوعةٍ؛ لأن العربَ لا تَمْتَنِعُ(٢) أن تقولَ: بَطَشَتْ يدُ فلانٍ ، ورَأَتْ عَيْناهُ كذا ، وفَهِم قلبُه . فتُضِيفُ الأفعالَ إلى الجوارح، وإن كانتْ فى الحقيقةِ لأصحابِها . القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَهَمَنُ أَبْنٍ لِ صَرْحًا لَّعَلِىّ أَبْلُغُ أَسْبَبَ السَّمَوَتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّمُ كَذِبًا ٣٦ الْأَسْبَبَ وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوَهُ عَمَلِهِ، وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِّ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِى تَبَابٍ ٣٧ يقولُ تعالى ذكره : وقال فرعونُ - لمَّاً وعظَه المؤمنُ مِن آلِه بما وعظَه به، وزجره عن قتلٍ موسى نبيّ اللَّهِ، وحَذَّره مِن بأس اللَّهِ على " قَتْلِهِ إِنْ قَتَلَهُ" ما حذَّره - لوزيرِهِ (١) أخرجه أبو عبيد فى فضائل القرآن ص ١٨٣ عن الحجاج به . (٢) فى م: ((تمنع)). (٣ - ٣) فى م: ((قيله اقتله)). ٣٢٥ سورة غافر: الآيتان ٣٦، ٣٧ وزيرِ السَّوءِ هامانَ: ﴿ يَهَمَنُ أَبْنِ لِ صَرْحًا﴾. يعنى بِناءً. وقد بَنا معنَى الصَّرْحِ فيما مضى بشواهدِه(٢، بما أغْنَى عن إعادته فى هذا الموضعِ. ﴿لَّعَلِىّ أَبْلُغُ أَسْبَابَ السَّمَوَتِ﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى معنى الأسبابِ فى ٣٦ الأَسْبَبَ هذا الموضع؛ [٢/٤٤ظ] فقال بعضُهم: أسبابُ السماواتِ: طُرُقُها . / ذكرُ مَن قال ذلك ٦٥/٢٤ حدَّثنا أحمدُ بنُ هشام، قال: ثنا " عُبَيدُ اللَّهِ بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن الشدِّىِّ، عن أبى صالح: ﴿أَسْبَبَ السَّمَوَتِ ﴾. قال: طُرُقَ السماواتِ(٣). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ: ﴿ أَبْلُغُ اُلْأَسْبَبَ أَسْبَبَ السَّمَوَتِ﴾. قال: طُرُقَ السماواتِ (٤). وقال آخرون : عَنَى بأسبابِ السماواتِ أبوابَ السماواتِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَهَمَنُ أَبْنِ لِ صَرْحًا﴾. وكان أوَّلَ مَن بنَى بهذا الآجرّ وطَبَخَه، ﴿لَّعَلِىّ أَبْلُغُ اُلْأَسْبَبَ أَسْبَابَ السَّمَوَتِ﴾. أى: أبوابَ السماواتِ (٥). ٣٦ (١) ينظر ما تقدم فى ٨١/١٨ - ٨٤، ٢٥٥، ٢٥٦. (٢ - ٢) فى م، ت ٢، ت ٣: ((عبد الله)). (٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥١/٥ إلى عبد بن حميد. (٤) ينظر التبيان ٩/ ٧٦. (٥) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٠٥/١ عن بشر به، وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٩١، ١٨١ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥١/٥ إلى عبد بن حميد. ٣٢٦ سورة غافر: الآيتان ٣٦، ٣٧ وقال آخرون: بل عَنَى به مَنْزِلَ السماءِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبی ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَّعَلَّىَ أَبْلُغُ اَلْأَسْبَبَ أَسْبَبَ السَّمَوَتِ﴾. قال: مَنْزِلَ السماءِ . وقد بَيَّنًا فيما مضى قبلُ(١) ، أن السبب هو كلُّ مَا تُشْبِّبَ به إلى الوصولِ إلى ما يُطْلَبُ؛ مِن حبلٍ وسُلَّمٍ وطريقٍ ، وغيرِ ذلك . فَأَوْلَى قولٍ بالصوابِ فى ذلك أن يقالَ : مَعْناه : لَعَلِّى أثْلُغُ مِن أسبابٍ السماواتِ أسبابًا أَتَسَبَّبُ بها إلى رؤيةِ إليهِ موسى ، طُرُقًا كانت تلك الأسبابُ منها ، أو أبوابًا ، أو منازلَ ، أو غير ذلك . وقولُه: ﴿فَطَّلِعَ إِلَّ إِلَهِ مُوسَى﴾. اخْتَلَفتِ القرأةُ فى قراءةِ قولِه : فَأَطَّلِعَ﴾ ؛ فقرأَتْ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ : ( فَأَطَّلِعُ) بضَمِّ العينِ، رَدًّا به على قوله: ﴿ أَبْلُغُ اَلْأَسْبَبَ﴾، وعطفًا به عليه (٢) . وذُكِر عن حُميدٍ الأعرجِ أنه قَرَأْه : ( فَأَطَّلِعَ﴾(١). نصبًا، جوابًا لـ ((لعل))(٤)، وقد ذكَر الفَرَّاءُ أن بعضَ العربِ (٥) أَنْشَدَه(٥) : (١) تقدم فى ٣٧١/١٥ - ٣٧٤، ٣٨١، ٣٨٤، ٤٧٨/١٦ - ٤٨٢. (٢) قرأ عاصم فى رواية حفص عنه: ﴿فَأَطَّلِعَ﴾ نصبًا، وقرأ الباقون وعاصم فى رواية أبى بكر عنه: ( فأطَّلِعُ) رفعًا. السبعة لابن مجاهد ص ٥٧٠، وينظر النشر ٢٧٣/٢ . (٣) ينظر تفسير البغوى ٧/ ١٤٩، وتفسير القرطبى ١٥/ ٣١٥، والبحر المحيط ٤٦٥/٧. (٤) فى ص، م، ت٢، ت٣: ((لعلى)). (٥) معانى القرآن للفراء ٩/٣، وينظر شرح شواهد المغنى للسيوطى ٤٥٤/١. ٣٢٧ سورة غافر : الآية ٣٧ عَلَّ(١) صُرُوفَ الدَّهْرِ أَو دُولاتِها يُدِلْنَنَا اللَّهَّةَ مِن لَمَّاتِها فَتَسْتَرِيحَ النَّفْسُ مِن زَفْراتِها ٦٦/٢٤ / فنَصَب ((تستريحَ)) على أنها جوابٌ لـ ((لَعَلَّ)). والقراءةُ التى لا أَسْتَجِيزُ غيرَها الرفعُ فى ذلك؛ لإجماع الحُجَّةِ من القرأةِ عليه . وقولُه: ﴿وَإِ لَأَظُنُهُ كَذِبْ﴾. يقولُ: وإنى لأَُُّ موسى كاذبًا فيما يقولُ ويَدَّعى مِن أن له فى السماءِ ربًّا أَرْسَلَه إلينا . وقولُه: ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوْهُ عَمَلِهِ،﴾. يقولُ اللَّهُ تعالى ذكره: وهكذا زَيَّن اللَّهُ لفرعونَ حينَ عَتا عليه وتَّد قبيحَ عملِه ، حتى سَوَّلَتْ له نفسُه بلوغَ أسبابِ السماواتِ ؛ لِتَطَّلِعَ إلی إلهِ موسى . وقولُه: ﴿ وَصُدَ عَنِ السَّبِيلِ﴾. اخْتَلَفتِ القرأةُ فى قراءةٍ ذلك ؛ فقَرَتْه عامةٌ قرأَةِ البصرةِ(٢) والكوفةِ: ﴿ وَصُدَ عَنِ السَّبِيلِ﴾ بضمِّ الصادِ، على وجهِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه(٣) . كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾. قال: فُعِل ذلك به، زُيِّن له سوءُ عملِه، وصُدَّ عن السبيلِ". (١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((على)). والدُّولات: جمع دُولَة. وهو ما يُتداوَل. وكذلك الغَلَبة. ويُدلننا: ينصُرننا. واللَّمَّة: الشِّدَّة. ينظر شرح شواهد المغنى ٤٥٤/١، وتاج العروس (ز ف ر). (٢) فى النسخ: ((المدينة)). وهو خطأ دلت عليه مصادر القراءات ، وينظر ما سيأتى بعد قليل. (٣) هى قراءة عاصم وحمزة والكسائى ويعقوب وخلف. النشر ٢/ ٢٢٣. (٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥١/٥ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد. ٣٢٨ سورة غافر : الآية ٣٧ وقرّأ ذلك حُميدٌ وأبو عمرٍو وعامةُ قرأَةِ المدينةِ(١): (وَصَدَّ) بفتح الصادِ ، بمعنى : وأغْرَض فرعونُ عن سبيلِ اللَّهِ التى ابْتُعِثَ بها موسى اسْتِكْبارًا(٢). [٣/٤٤و] والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان فى قرأَةِ الأمصارِ ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُّ فمصيبٌ . وقولُه: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِ تَبَابٍ ﴾ . يقول تعالى ذكرُه : وما احتيالُ فرعونَ الذى كان يَحْتَالُه للاطلاع إلى إِلهِ موسى، إلا فى خَسارٍ وذَهابٍ مالٍ وغَبْنٍ؛ لأنه ذهَبَتْ نفقتُه التى أَنْفَقَها على الصَّرْح باطلًا، ولم يَتَلْ بما أَنفَق شيئًا مما أرادَه ، فذلك هو الخَسارُ والتَّبَابُ . وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنی علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِ تَبَابٍ﴾. يقولُ: فى خُسرانٍ(١). حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهد قولَه : ﴿فِ تَبَابٍ ﴾. قال : خَسارٍ ". حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا كَيْدُ (١) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((البصرة)). (٢) هى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وابن عامر وأبى جعفر. السبعة ص ٥٧١، النشر ٢٢٣/٢. (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى الإتقان ٤١/٢ - من طريق أبى صالح به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥١/٥ إلى ابن المنذر . (٤) تفسير مجاهد ص٥٨٣، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥١/٥ إلى عبد بن حميد. ٣٢٩ سورة غافر : الآيات ٣٧ - ٣٩ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِى تَبَابٍ﴾. أى: فى خَسارٍ وضلالٍ(١). حدَّثنی يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله : ﴿ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِ تَبَابٍ﴾. قال: التَّابُ والضَّلالُ واحدٌ. / القولُ فى تأويل قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَقَالَ الَّذِى ءَامَنَ يَقَوْمِ أَتَّبِعُونِ ٦٧/٢٤ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴿ يَقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا مَتَحُ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ ٣٩ ◌ِهِىَ دَارُ الْقَرَارِ يقولُ تعالى ذكرُهُ مُخبرًا عن المؤمنِ باللَّهِ مِن آلٍ فرعونَ: ﴿وَقَالَ الَّذِىّ ءَامَنَ﴾ مِن قومٍ فرعونَ لقومه: ﴿يَقَوْمِ أَتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾. يقولُ : إن اتََّعْتُمونى فقَبِلْتم منى ما أقولُ لكم، بَنْتُ لكم طريقَ الصوابِ الذى تَرْشُدون إذا أخَذْتم فيه وسَلَكْتُموه، وذلك هو دينُ اللَّهِ الذى ابْتَعَث به موسیَ، (٢) يَقَوْمِ " إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا مَتَحٌ﴾. يقولُ لقومِه: ما هذه الحياةُ(٣) العاجلةُ التى عُجِّلَتْ لكم فى هذه الدارِ ، إلا متاعٌ تَسْتَمْتِعون بها إلى أجلٍ أنتم بالغوه، ثم تموتون وتزولُ عنكم، ﴿ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِىَ دَارُ الْقَرَارِ ﴾. يقولُ : وإن الدارَ الآخرةَ هى (٤) دارُ القرارِ التى تَشْتَقِرُون فيها فلا تموتون ولا تزولُ عنكم . يقولُ : فلها فاعْمَلوا، وإياها فاطْلُبُوا . وبنحوِ الذى قُلْنا فى معنى قولِه: ﴿ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِىَ دَارُ الْقَرَارِ ﴾. قال (١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٨١/٢ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥١/٥ إلى عبد بن حميد . (٢ - ٢) فى م: ((يقول)). (٣) بعده فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((الدنيا)). (٤) فى م: ((وهى)). ٣٣٠ سورة غافر: الآيتان ٣٩ ، ٤٠ أهلُ التأويلِ. ذکرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِىَ دَارُ الْقَرَارِ﴾: اسْتَقَرَّتِ الجنةُ بأهلِها، واستقرَّتِ النارُ بأهلِها(١). القولُ فى تأويلِ قولِه عزَّ وجلّ: ﴿ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةُ فَلَا يُجْزَىَ إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ، يقولُ : مَن عمِل بمعصيةِ اللَّهِ فى هذه الحياةِ الدنيا ، فلا يَجْزيه اللَّهُ فى الآخرةِ [٣/٤٤ظ] إلا سيئةً مثلَها، وذلك أن يعاقبَه بها، ﴿ وَمَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَرَ﴾. يقولُ: ومَن عمِل بطاعةِ اللَّهِ فى الدنيا، وأَتَّر لأمرِه ، وانتهى فيها عمّا نهاه عنه؛ مِن رجل أو امرأةٍ، وهو مؤمنٌ باللَّهِ، ﴿فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يقولُ : فالذين يعملون ذلك مِن عبادِ اللَّهِ يدخلون فى الآخرةِ الجنةَ . وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةٌ فَلَا يُجْزَىَ إِلَّ مِثْلَهَا﴾. أى: شِرْكًا، السيئةُ عندَ قتادةَ شركٌ، ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾؛ أى: خيرًا، ﴿مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِرٌ﴾(١). /وقولُه: ﴿يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيّرِ حِسَابٍ﴾. يقولُ: يرزقُهم اللَّهُ فى الجنةِ مِن ٦٨/٢٤ (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥١/٥ عبد بن حميد. ٣٣١ سورة غافر : الآيات ٤٠ - ٤٢ ثمارِها، وما فيها مِن نعيمِها ولذّاتِها ، بغيرِ حسابٍ . كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ يُرْزَقُّونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. قال: لا واللهِ ما هُناكُم مِكيالٌ ولا مِيزانٌ(١). القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿ وَيَقَوْمِ مَا لِىّ أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَوَةِ وَتَدْعُونَنِى إِلَى النَّارِ جَ تَدْعُونَنِىِ لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ، مَا لَيْسَ لِى بِهِ، عِلْمٌ وَأَنَاْ أَزْعُوكُمْ ٤٢ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّرِ يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ هذا المؤمنِ لقومِه مِن الكفرةِ: ﴿مَا لِىّ أَدْعُوكُمْ﴾ "يا قومٍ ) ﴿إِلَى النَّجَوَةِ﴾ مِن عذابِ اللَّهِ وعقويته ، بالإيمانِ به واتّباع رسولِه موسى، وتصديقه فيما جاءكم به من عندِ ربِّهُ(١، ﴿ وَتَدْعُونَفِىَ إِلَ النَّارِ﴾. يقولُ: وتدعوننى إلى عملِ أهلِ النارِ . وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد قولَه: ﴿مَا لِىّ أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَوَةِ﴾. قال: الإيمانِ بِاللَّهِ(٤). حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله : ﴿ مَا لِىّ (١) تتمة الأثر السابق . (٢ - ٢) سقط من: م. (٣) فی ت ٢، ت ٣: (( ربكم)) . (٤) تفسير مجاهد ص ٥٨٣، ومن طريقه الفريابى - كما فى تغليق التعليق ٢٩٩/٤ - وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥١/٥ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد. ٣٣٢ سورة غافر : الآيات ٤١ - ٤٣ أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَوَةِ وَتَدْعُونَفِىَ إِلَى النَّارِ﴾. قال: هذا مؤمنُ آلٍ فرعونَ. قال: يدعونه إلى دينهم والإقامةِ معهم" . وقولُه: ﴿ تَدْعُونَنِ لِأَكْفُرَ بِاللّهِ﴾. يقولُ لهم: تدعونى إلى أن أكفرَ باللّهِ)، ﴿ وَأُشْرِكَ بِهِ، مَا لَيْسَ لِى بِهِ، عِلْمٌ﴾. يقولُ: وأُشرِكَ باللَّهِ فى عبادتِه أوثانًا ، لستُ أعلمُ أنه يصلُحُ لى عبادتُها وإشراكُها فى عبادةِ اللَّهِ؛ لأن اللَّهَ لم يأذنْ لى فى ذلك بخبرٍ ولا عقلٍ . وقولُه: ﴿ وَأَنَأْ أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَِّ ﴾. يقولُ: وأنا أدعوكم إلى عبادةِ العزيزِ فى انتقامِه ممّن كفَر به ، الذى لا يمنعُه إذا انتقم من عدوٍّ له شىءٌ ، الغفارِ لمن تاب إليه بعدَ معصيتِه إياه، بعفوه ١ عنه، فلا يضرُّه شىءٌ مع عفوه عنه ، يقولُ: فهذا الذى هذه الصفةُ صفتُه، فاعبدوا ؛ لا ما لا ضُرَّ عندَه ولا نفعَ . القولُ فى تأويل قولِه جلَّ وعزَّ : ﴿لَا جَرَوَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِيّ إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِ الذُّنْيَا وَلَا فِ اُلْآَخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَبُ النَّارِ يقولُ تعالى ذكره : حقًّا أن الذى تدعوننى إليه من الأوثان ، [٤/٤٤ و] ليس له دعاء فى الدنيا ولا فى الآخرةِ ؛ لأنه جمادٌ لا ينطِقُ، ولا يفهَمُ شيئًا . ٦٩/٢٤ /وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح، عن مجاهدٍ (١) ينظر التبيان ٩/ ٧٩. (٢ - ٢) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ٣٦. (٣) فى م: ((لعفوه)). ٣٣٣ سورة غافر : الآية ٤٣ قولَه: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِ الدُّنْيَا﴾. قال: الوثَنُ؛ ليس بشيءٍ(١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَ جَرَوَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِيّ إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِ الدُّنْيَا وَلَا فِ الْأَخِرَةِ﴾. أی: لا يضرُّ ولا ينفعُ (١). حدَّثنا محمدٌ ، قال: ثنا أحمدُ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ فى قوله : ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِ الدُّنْيَا﴾. ( يقولُ: هذا الصنمُ لا يستجيبُ لأحدٍ فى الدنيا" ﴿ وَلَا فِ اْآَخِرَةِ﴾(٤). وقولُه: ﴿ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾. يقولُ: وأن مرجعَنا ومنقلبَنا بعدَ مماتِنا إلى اللَّهِ، ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَبُ النَّارِ﴾. يقولُ: وأن المشركين باللّهِ المتعدِّين حدودَه ، القَتَلةَ النفوسَ التى حرّم اللَّهُ قتلَها ، هم أصحابُ نارٍ جهنمَ، عندَ مرجعِنا إلى اللَّهِ . وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ، على اختلافٍ منهم فى معنى المسرفين فى هذا الموضع؛ فقال بعضُهم: هم سفَّا كو الدماءِ بغيرِ حقِّها . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا حكامٌ ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن القاسم بنٍ أبى بَزَّةً، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَبُ (١) تفسير مجاهد ص ٥٨٣، ومن طريقه الفريابى - كما فى التغليق ٢٩٩/٤ -، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥١/٥ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد . (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥١/٥ إلى عبد بن حميد. (٣ - ٣) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣. (٤) بعده فى ت١: ((لأنه جماد)). والأثر ذكره البغوى فى تفسيره ١٥٠/٧، وابن كثير فى تفسيره ١٣٥/٧ . ٣٣٤ سورة غافر : الآية ٤٣ النَّارِ﴾. قال: السفَّاكون(١) الدماءَ بغيرِ حِلِّها (٢). حدَّثنا علىُّ بنُ سهلٍ ، قال : ثنا حجاجُ، عن ابنٍ جريج ، عن مجاهدٍ فی قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَبُ النَّارِ﴾. قال: هم السفَّاكون للدماءِ بغيرِ حقِّها . حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ﴾. قال: السفَّاكون الدماءَ بغيرِ حقِّها، ﴿هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ (٢). حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَأَنَّ اُلْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَبُ النَّارِ ﴾. قال: سمّاهم اللَّهُ مسرفين؛ فرعونَ ومَن معه . وقال آخرون : هم المشركون . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَبُ النَّارِ﴾. أى: المشركين(٤). وقد بيَّنا معنى الإسرافِ فيما مضى قبلُ(٥) بما فيه الكفايةُ مِن إعادتِه فی هذا (١) فى ت ٢، ت ٣: ((السافكون)). (٢) فى ص، م، ت١: (( حقها)). (٣) تفسير مجاهد ص ٥٨٣، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥١/٥ إلى الفريانى وسعيد بن منصور وعبد بن حميد . (٤) تفسير عبد الرزاق ٢ / ١٨١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥١/٥ إلى عبد بن حميد. (٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣. ٣٣٥ سورة غافر : الآيات ٤٣ - ٤٥ الموضع(١). (١) /وإنما اخترنا فى تأويلِ ذلك فى هذا الموضع ما اخترنا؛ لأَن قائلَ هذا القولِ ٧٠/٢٤ لفرعونَ وقومِه ، إنما قصد به فرعونَ؛ لكفرِهُ(١) ، وما كان همّ به من قتلٍ موسى ، وكان فرعونُ عاليًا عاتيًا فى كفرِهِ باللَّهِ ، سفَّاكًا للدماءِ التى كان محرَّمًا عليه سفكُها، وكلُّ ذلك مِن الإسرافِ ، فلذلك اخترنا ما اخترنا مِن التأويلِ فى ذلك . القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ وَأَفَوِّضُ أَمْرِى إِلَى فَوَقَدْهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ وَحَاقَ بِثَالِ اَللَّهُّ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ٤٥ فِرْعَوْنَ سُوَءُ الْعَذَابِ يقولُ تعالى ذكرُه مخبِرًا عن قيلٍ هذا المؤمنِ مِن آلٍ فرعونَ لفرعونَ وقومِه : فستذكرون أيُّها القومُ [٤/٤٤ ] إذا عاينتم عقابَ اللَّهِ قد حلَّ بكم، (٣ ولقِيتم ما٢ لِقِيتموه - صِدْقَ ما أقولُ، وحقيقةَ ما أُخبرُكم به ، من أن المسرفين هم أصحابُ النارِ . كما حدَّثنی يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قولِه : فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ﴾ . فقلتُ له: أذلك فى الآخرةِ ؟ قال : نعم . وقولُه: ﴿ وَأُفَوِّضُ أَمْرِى إِلَى اللهِ﴾. يقولُ: وَأُسلِم أمرِى إلى اللَّهِ، وأجعلُه إليه ، وأتوكلُ عليه ، فإنه الكافى مَنْ تَوَكَّلَ عليه . وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿ وَأَفَوَّضُ (١) ينظر ما تقدم فى ٦ / ١١٩، ٤٠٨، ٤٠٩. (٢) سقط من : الأصل . (٣ - ٣) فى الأصل: ((إذا)). ٣٣٦ سورة غافر : الآيتان ٤٤، ٤٥ أَمْرِىّ إِلَى اللَّهِ﴾. قال: أجعلُ أمرى إلى اللَّهِ. وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِلْعِبَادِ﴾. يقولُ: إن اللّهَ عالِمٌ بأمورٍ عبادِهِ، ومَنِ المطيعُ منهم له والعاصى ، والمستحقُّ جميلَ الثوابِ، والمستوجِبُ سيِّئَ العقابِ. وقولُه: ﴿فَوَقَنْهُ اللَّهُ سَيِّئَاتٍ مَا مَكَرُواْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فدفَع اللَّهُ عن هذا المؤمنِ مِن آلٍ فرعونَ بإيمانِه به وتصديقه (١) رسولَه موسى - مَكْرُوهَ ما كان فرعونُ ينالُ به أهلَ الخلافِ عليه مِن العذابِ والبلاءِ، فنجَّاه منه . (٢ وذُكِر أنه نجا مع موسى من الغرقِ". ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَوَقَدَهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ﴾. قال: وكان قبْطِيًّا مِن قومٍ فرعونَ، فنجا مع موسى. قال: وذُكِر لنا أنه كان بين يدَىْ موسى يومَئذٍ يسيرُ ويقولُ: أين أَمِرتَ يا نبيَّ اللَّهِ؟ فيقولُ له موسىَ : أمامَك. فيقولُ له المؤمنُ: وهل أمامى إلا البحرِ؟! فيقولُ موسى: أما (٣) واللَّهِ / ما ◌َذَبتُ ولا كُذِئْتُ. ثم يَسيرُ ساعةً ويقولُ: أين أُمرتَ يا نبيَّ اللَّهِ؟ فيقولُ: أمامَك. فيقولُ: وهل أمامى إلا البحرُ؟! فيقولُ: لا واللهِ ما كَذَبتُ ولا كُذِبْتُ. حتى ( انتهى إلى٤) البحرِ(٥)، فانقلَق اثْنَىْ عشرَ طريقًا ، لكلِّ سبطٍ طريقٌ(٦). ٧١/٢٤ وقولُه: ﴿وَحَاقَ بِثَالٍ فِرْعَوْنَ﴾. يقولُ: وحلَّ بآلٍ فرعونَ، ووجَب عليهم. (١) فى م، ت ١: ((تصديق). (٢ - ٢) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل)). (٣) فى م: ((لا)). (٤ - ٤) فى ص، ت٢، ت٣: (( أتى إلى))، وفى م: ((أتى على))، وفى ت١: (( أتى)). (٥) بعده فى م: ((بعصاه)). (٦) تفسير عبد الرزاق ١٨١/٢ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥١/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر . ٣٣٧ سورة غافر : الآيتان ٤٥ ، ٤٦ وعَنَى بـ: ﴿ءَالٍ فِرْعَوْنَ﴾. فى هذا الموضع تُبَّاعَه وأهلَ طاعتِهِ مِن قومِه . كما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ فی قولٍ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿ وَحَاقَ بِثَالٍ فِرْعَوْنَ سُوَّءُ الْعَذَابِ﴾. قال: قومٍ فرعونَ . وعنَى بقوله: ﴿سُوَءُ الْعَذَابِ﴾: ما ساءَهم مِن عذابِ اللَّهِ ، وذلك نارُ جهنمَ . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ ٤٦ السَّاعَةُ أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ اُلْعَذَابِ يقولُ تعالى ذكرُه مبيًّا عن سوء العذابِ الذى حلّ بهؤلاء الأشقياءِ مِن قوم فرعونَ : ذلك الذى حاق بهم من سوءِ عذابِ اللَّهِ ﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ . وإذا كان ذلك معناه كانت النارُ مرفوعةً بالردِّ على السوءِ إن شئتَ، وإن شئتَ بالراجعِ من ذكرِه فى قولِه: ﴿عَلَيْهَا ﴾ . قيل: عنى بقولِه: ﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾. أنهم لما هلكوا وغرَّقهم اللَّهُ، مُجُعِلت أرواحهم فى أجوافٍ طَيْرِ سودٍ ، فهى تُعرَضُ [١٥/٤٤] على النارِ كلّ يومٍ مرّتين؛ ﴿ غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ إلى أن تقومَ الساعةُ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ ، عن أبى قيسٍ، عن الهُزَيلِ بنِ شُرحبيلَ، قال: أرواحُ آلٍ فرعونَ فى أجوافٍ طيرٍ سُودٍ ، تَغْدو وتَرُوحُ على النارِ ، وذلك عرضُها(٣) . (١ - ١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣. (٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢: ((الهذيل))، وفى ت ٣: ((الهذلى)). وينظر تهذيب الكمال ١٧٢/٣٠. (٣) تفسير سفيان ص ٢٦٣، ومن طريقه ابن أبى شيبة ١٦٥/١٣، ١٦٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥١/٥ إلی هناد وعبد بن حميد . ( تفسير الطبرى ٢٢/٢٠) ٣٣٨ سورة غافر : الآية ٤٦ حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ، قال: بلَغنى أن أرواحَ قوم فرعونَ فى أجوافٍ طيرٍ سُودٍ ، تُعرَضُ على النارِ غدوًّا وعشيًّا، حتى تقومَ و(١) الساعة حدَّثنا عبدُ الكريم بنُ أبي عميرٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ محمدِ الفَزَارىُّ البَلْخِىُّ، قال : سمِعتُ الأوزاعيَّ وسأَله رجلٌ فقال: رحِمك اللّهُ، رأينا طيورًا تخرُجُ مِن البحرِ ، تأخذُ ناحيةَ الغربِ ، بِيضًا، فوجًا فوجًا، لا يَعلَمُ عددَها إلا اللَّهُ، فإذا كان العشئُ رجَع مثلَها سودٌ(١). قال: وفَطِنتم إلى ذلك؟ قال(١): نعم. قال: إن ذلك(٤) لطيورٌ فى حواصلِها أرواحُ آلٍ فرعونَ، يُعرَضُون على النارِ غدوًّا وعشيًّا ، فترجع إلى وكورِها وقد احترقتْ رِياشُها، وصارت سوداءَ، فتَنْبُتُ عليها مِن الليلِ ریاشٌ بیضٌ، وتتناثر السودُ، ثم تغدُو، ويُعرَّضُون على النارِ غدوًّا وعشيًّا، ثم ترجعُ إلى وكورِها، فذلك دأبُهم فى الدنيا، فإذا كان يومَ القيامةِ، قال اللّهُ: ﴿أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾. قال (١): وكانوا يقولون: إنهم ستُّمائة ألفٍ مقاتلٍ (١). حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: ثنى حرملةُ، عن سليمانَ بنِ حميدٍ، قال : سمِعتُ محمدَ بنَ كعب القرظيَّ يقولُ: ليس فى الآخرةِ ليلٌ ولا نصفُ نهارٍ ، وإنما هو بُكرةٌ وعشيٍّ، وذلك فى القرآنِ فى آلٍ فرعونَ: ﴿ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾، وكذلك قال لأَهلِ الجنةِ: ﴿ لَّمْ رِزْقُهُمْ فِيَهَا بَّكْرَةً (١) ينظر تفسير البغوى ٧/ ١٥١. (٢) فى م: ((سودا)). (٣) فى م، ت ١: ((قالوا)). (٤) فى م: ((تلك)). (٥) فى م، ت ١: ((الطيور)). (٦ - ٦) فى ص، ت١، ت٢: ((يتناثر السواد))، وفى ت ٣: ((تتناثر السواد)). (٧) فى م: ((قالوا)). (٨) أخرجه ابن أبى الدنيا فى من عاش بعد الموت (٤٨) من طريق حماد به. ٣٣٩ سورة غافر : الآية ٤٦ وَعَشِيًّا﴾(١) [مريم: /وقيل: عُنِى بذلك: أنهم يُعرَضون على منازلهم فى النارِ؛ تعذيبالهم، غدوًّا وعشيًّا. ٧٢/٢٤ ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾. قال: يُعرَضون عليها صباحًا ومساءً، يُقالُ لهم: يا آلَ فرعونَ ، هذه منازلُكم. توبيخًا ونقمةً وصَغارًا لهم(٧). حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾. قال: ما كانت الدنيا (١) . وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ أن يُقالَ : إن اللهَ أخبَر أن آلَ فرعونَ يُعرَضون على النارِ غدوًّا وعشيًّا. وجائزٌ أن يكونَ ذلك العرضُ على النارِ على نحو ما ذكرناه عن الهُزيلِ بنِ شُرحبيلَ ومَن قال مثلَ قولِه، وأن يكونَ كما قال قتادةُ ، ولا خبرَ بذلك يُوجِبُ الحجةَ بأن ذلك المعنىُّ به ؛ فلا قولَ فى ذلك إلا ما دلَّ عليه ظاهرٌ القرآنِ، وهو أنهم يُعرَضون [٥/٤٤ظ] على النارِ غدوًا وعشيًّا. وأصلُ الغدوِّ والعشئّ) مصادرُ جُعِلت أوقاتًا . وكان بعضُ نحوِّى البصرةِ يقولُ فى ذلك: إنما هو مصدرٌ، كما تقولُ : أتيتُه ظلامًا . جعَله ظرفًا وهو مصدرٌ. قال: ولو قلتَ: موعدُك غدوةٌ. أو: موعدُك (١) ينظر تفسير القرطبى ٣١٩/١٥، والبحر المحيط ٧/ ٤٦٨. (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥٢/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. (٣) تفسير مجاهد ص ٥٨٣، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥٢/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. (٤) فى ص، م، ت١، ت٢، ت ٣: ((الهذيل))، وينظر ما تقدم فى ص ٣٣٧. (٥) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( ويوم تقوم الساعة)). ٣٤٠ سورة غافر : الآية ٤٦ ظلامٌ . فرفعتَه، كما تقولُ : موعدُك يومُ الجمعةِ . لم يَحسُنْ؛ لأن هذه المصادر وما أشبَهَها مِن نحوٍ ((سَحَر))، لا تُجعَلُ إلا ظرفًا. قال: والظرفُ كلُّه ليس بمتمكّنٍ. وقال نحوِيو (١) الكوفةِ: لم نسمَعْ(٢) فى هذه الأوقاتِ، وإن كانت مصادرَ، إلا التعريبَ؛ موعدُك يومٌ، وموعدُك صباحٌ وروائحٌ، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [ سبأ: ١٢]. فرفَع، وذكّروا أنهم سمِعوا: إنما الطيلسانُ شهرانِ. قالوا: ولم نسمَعُْ(٢) فى الأوقاتِ النكراتِ إلا الرفعَ، إلا قولَهم: إنما سخاؤُك أحيانًا . وقالوا: إنما جاز ذلك ؛ لأنه بمعنَى: إنما سخاؤُك الحينَ بعدَ الحينِ . فلما كان تأويلُه الإضافةَ نُصِب . وقولُه: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ . اختلَفتِ القرأةُ فى قراءةِ ذلك ؛ فقرأته عامةُ قرأةِ الحجازِ والعراقِ ، سوى عاصم وأبى عمرٍوَ: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدِْظُوْاْ ءَالَ فِرْعَوْنَ﴾. بفتح الألفِ مِن ﴿أَدْخِلُواْ﴾ فى الوصلِ والقطعُ ، بمعنى الأمرِ بإدخالهم النارَ. وإذا قُرِئ ذلك كذلك كان الآلُ(٤) نصبًا بوقوع ﴿أَدْخِلُواْ﴾ عليه. وقرأ ذلك عاصمٌ وأبو عمرٍو: ( ويومَ تَقُومُ السَّاعَةُ ادخُلُوا). ( على وجهِ الأمرِ لآلٍ فرعونَ بالدخولِ إذا قامت الساعةُ، بوصلٍ الألفِ وسقوطِها فى الوصلِ مِن اللفظِ، وبضمِّها إذا ابتُدِئ بعدَ الوقفِ على الساعةِ(١). ومَن قرأ ذلك كذلك كان الآلُ(٤) على قراءته نصبًا بالنداءِ؛ لأن معنى الكلامِ على قراءتِه : ادْخُلُوا يا آلَ فرعونَ أشدَّ العذابِ . (١) فى ص، ت٢، ت٣: ((نحوى))، وفى ت ١: ((بعض نحوبى)). (٢ - ٢) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((يسمع)). (٣) هى قراءة نافع وحمزة والكسائى وعاصم فى رواية حفص. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٥٧٢. (٤) فى الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((الأول)). (٥ - ٥) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣. (٦) وهى قراءة ابن كثير وأبى عمرو وابن عامر وعاصم فى رواية أبى بكر. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٥٧٢.