Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
سورة ص: الآيتان ٢٣ ، ٢٤
لى(١).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ ، قال: سمعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبِيدٌ ، قال: سمعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ وَعَزَّنِ فِ الْخِطَابِ﴾. قال: إن تَكلَّم كان أنْيَنَ منى،
وإن بطَش كان أشدَّ منى، وإن دَعا كان أكثرَ منى (١) .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ قَالَ لَقَدْ ظَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَئِكَ إِلَى نِعَامِهِ، وَإِنَّ
كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَبْغِ بَعْضُهُمْ عَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِّ وَقَلِلٌ مَّا هُمُّ
٢٤
وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَثَّهُ فَأَسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَكِعًا وَأَنَابَ
/يقولُ تعالى ذكرُه: قال داودُ للخَصْم المتظلِّم مِن صاحبِه: لقد ظَلَمك ١٤٥/٢٣
"صاحبُك بسؤالِه" نعجتَك إلى نعاجه .
وهذا مما حُذِفتْ منه («الهاءُ))، فأَضِيفَ بسقوطِ ((الهاءِ)) منه إلى المفعولِ به،
ومثلُه قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿لَّا يَسْعَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: ٤٩]. والمعنى:
مِن دُعائِه بالخيرِ. فلما أُلْقِيت ((الهاءُ)) مِن الدعاءِ، أُضِيفَ إلى الخيرِ، وأُلُّقِىَ مِن الخيرِ
((الباءُ))، وإنما كَنَى بالنعجةِ هلهنا عن المرأةِ، والعربُ تفعلُ ذلك(٤)، ومنه قولُ
(٥)
الأعشى (٥) :
قد كنتُ رائِدَها وشاِ مُحاذِرٍ
حَذَرًا يُقِلُّ بِعَيْنِه إِنْفَالَهَا(٢)
(١) يأتى مطولا فى ص ٧١ .
(٢) ذكره البغوى فى تفسيره ٨٠/٧، والقرطبى فى تفسيره ١٧٤/١٥، وأبو حيان فى البحر المحيط ٣٩٢/٧،
بنحوه .
(٣ - ٣) فى ص، ت١: ((بسؤال)).
(٤) ينظر معانى القرآن ٤٠٤/٢ .
(٥) ديوان الأعشى ص ٢٧ .
(٦) رائدها: تتعلق هذه الكلمة بالبيت الذى قبله، يتكلم عن أرض أصابها المطر كأنها لما أزهرت نُشِر عليها =

٦٢
سورة ص : الآية ٢٤
يَعْنى بالشاةِ : امرأةً رجلٍ يَحْذَرُ الناسَ عليها .
وإنما يَعْنى: لقد ظَلَمَكُ(١) بسؤالٍ امرأتِك الواحدةِ إلى التسع والتسعين مِن
نسائه .
وقولُه: ﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخَلَآِ لَتْفِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ . يقولُ : وإن کثیرًا مِن
الشركاءٍ لَيَتَعَدَّى بعضُهم على بعضٍ، ﴿إِلَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ باللهِ ﴿وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ﴾. يقولُ: وعمِلوا بطاعةِ اللهِ ، وانْتَهَوْا إلى أمرِهِ ونَهْيِهِ ، ولم يَتَجاوَزُوه،
﴿ وَقَلِلُ مَّاهُمُّ﴾ وفى ((ما)) التى فى قوله: ﴿ وَقَلِلٌ مَّاهُمُّ﴾ وجهان؛ أحدُهما : أن
تكونَ صلةً بمعنى: وقليلٌ هم، فيكونَ إِثْباتُها وإخراجها مِن الكلامِ لا يُفسِدُ معنى
الكلام. والآخَرُ: أن تكونَ اسمًا ، و((هم)) صلةً لها ، بمعنى: وقليلٌ ما تجِدُهم .
كما يُقالُ: قد كنتُ أَحْسَبُك أعقلَ مما أنت. فتكونَ ((أنت)) صلةً لـ ((ما))،
والمعنى: كنتُ أَحسبُ عقلك أكثرَ مما هو. فتكونُ ((ما)) والاسمُ مصدرًا، ولو لم
" ثُرِدِ "المصدرَ لكان الكلامُ بـ ((مَنْ))؛ لأن ((مَن)) التى تكونُ للناسِ وأشباهِهم.
ومَحْكِيٌّ عن العربِ: قد كنتُ (+أراكَ أعقلَ منك). مثلَ كلمةٍ(٥): قد كنتُ أرى
أنه غيرُ ما هو. بمعنى: كنتُ أراه على غيرِ ما رأيتُ .
ورُوِى عن ابنِ عباسٍ فى ذلك ما حدَّثنى علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنى معاويةٌ ،
= برود زاهية الألوان . وشاة محاذِرٍ ... إغفالها: يعنى ورُبَّ شاةٍ محاذِرٍ حذرًا يجعل - فى عينه - غفلته عنها
قليلة . ينظر ديوان الأعشى ص ٢٦، ٢٧ .
(١) فى م: ((ظلمت)) .
(٢ - ٢) فى ص، ت١: ((يرد المصادر)).
(٣ - ٣) سقط من: ت٣.
(٤ - ٤) سقط من : ت١ .
(٥) فى م، ت٢، ت٣: ((ذلك و)).

٦٣
سورة ص : الآية ٢٤
عن علىّ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿ وَقَلِلٌ مَّا هُمُّ﴾. يقولُ: وقليلٌ الذين هم (١)
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿إِلَّا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِّ وَقَلِلٌ مَّا هُمُّ﴾. قال: قليلٌ مَن يَتَّقَى(١).
فعلى هذا التأويلِ الذى تَأْوَّله ابنُ عباسٍ ، مَعْنَى الكلامِ : إلا الذين آمنوا وعملوا
الصالحاتِ، وقليلٌ الذين هم كذلك. بمَغْنَى : الذين لا يَبْغِى بعضُهم على بعضٍ ، و
((ما )) على هذا القول بمعنى ((مَنْ)).
وقولُه: ﴿ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَّهُ﴾. يقولُ: وعلِم داودُ أنما ابتَلَيْناه .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَظَنَّ
دَاوُودُ﴾: علِم داودُ(١) .
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أبى رجاءٍ، عن الحسنِ :
﴿وَظَنَّ دَاوُدُ(٤) أَنَّمَا فَهُ﴾. قال: ظَنّ أنما ( ابْتُغِى بذلكْ)(٦).
/حدَّثنى علىّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ ١٤٦/٢٣
عباس: ﴿ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَنَّهُ﴾: اخْتَبَوْناهُ(١).
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٣/٥ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم.
(٢) فى م: ((لا يبغى)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٣/٥ إلى المصنف.
(٤) بعده فى ت٢: (( وعلم داود)).
(٥ - ٥) فى م: ((ابتلى بذاك))، وفى ص، ت١: ((ابتغى بذاك)). والمثبت موافق لما فى مخطوطة الدر المنثور.
(٦) بعده فى م: (( حدثنى على قال ثنا أبو صالح قال ثنى معاوية عن على ابن عباس: ﴿وظن داود أنما
فتناه﴾. قال: ظن أنما ابتلى بذاك)).
وأثر الحسن هذا، عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٣/٥ إلى المصنف، ووقع فى مطبوعة الدر المنثور:
((قتادة)) مكان ((الحسن))، ووقع فى لفظ مطبوعته كذلك: ((ابتلى))، وجاء هذان على الصواب فى مخطوطته .
(٧) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى تغليق التعليق ٣١/٤ - من طريق أبى صالح به ، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٣/٥ إلى ابن المنذر.

٦٤
سورة ص : الآية ٢٤
والعربُ تُوجَّهُ الظنَّ - إذا أدخَلَتْه على الإخبارِ - كثيرًا ، إلى العلم الذى هومِن
غيرِ وَجْهِ العيانِ .
وقولُه: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾. يقولُ: فسأل داودُ ربَّه غفرانَ ذنبِهِ، ﴿ وَخَرَّ
رَاكِعًا﴾. يقولُ: وَخَرَّ ساجدًا للهِ، ﴿وَأَنَابَ﴾. ( يقولُ: ورجع إلى رِضا ربُّه،
وتابَ مِن خطيئتِهِ .
واخْتُلِف فى سببِ البَلاءِ الذى ابْتُلى به نبىُّ اللهِ داودُ عَلَه ؛ فقال بعضُهم: كان
سببُ ذلك أنه تَذَكَّر ما أعطَى اللهُ إبراهيمَ وإسحاق ويعقوبَ مِن مُسْنِ الثناءِ الباقى
لهم فى الناسٍ، فَتَمَنَّى مثلَه، فقيل له: إنهم امْتُحِنوا فصَبَروا. فسَأل أن يُبْتَلى
كالذى ابْتُلُوا، ويُعْطَى كالذى أعْطُوا إن هو صبّر .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿ وَهَلْ أَنَئِكَ نَبَؤُاْ الْخَصْمِ إِذْ نَسَوَّرُواْ الْمِحْرَابَ ﴾. قال: إن
داودَ قال : يا ربِّ قد أعطيتَ إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ مِن الذِّكرِ مَا لَوَدِدتُ(٢) أنك
أعطيتَنى مثلَه(٢) . قال اللهُ: إنى ابْتَيْثُهم بما لم أَبْتَلِكَ به، فإن شئتَ ابتليتُك بمثلٍ
[٧٠٨/٢ و] ما ابتليتُهم به، وأعطيتُك كما أعطيتُهم. قال: نعم . قال له : فاعْمَلْ حتى
أرَى بلاءَك. فكان ما شاءَ اللهُ أن يكونَ ، وطال ذلك عليه ، فكاد أن يَنْساه ، فبينًا هو
فى مِحْرابِهِ، إذ وقعَت عليه حمامةٌ(٤) فأرادَ أن يأخُذَها، فطارتْ إلى كُوَّةِ المحرابِ،
(١ - ١) فى ص، ت١: ((يعنى)).
(٢) فى ت١، والدر المنثور: ((لو وددت)).
(٣) فى مخطوطة الدر المنثور: ((مثلهم)).
(٤) بعده فى م: ((من ذهب)).

٦٥
سورة ص : الآية ٢٤
فذهَب ليأخذَها ، فطارت، فاطَّلَع مِن الكُوَّةِ، فَرَأى امرأةً تغتسلُ، فَنزَل نبىُّ اللـهِ مَّه
مِن المحرابِ، فأرسَل إليها فجاءَتْه، فسألها عن زوجِها وعن شأنِها(١) ، فأخبَرَتْه
أن زوجَها غائبٌ، فكتَب إلى أميرٍ تلك السَّرِيَّةِ(٢) أن يُؤْمِّرَه على السَّرايا؛ لِيَهْلِكَ
زوجها، ففعَل، فكان يُصابُ أصحابُه ويَنْجو، وربما نُصِروا، وإن اللهَ عزّ وجلّ
لمّا رأى الذى وقَع فيه داودُ، أرادَ أن يَسْتَنْقِذَه، فبينما داودُ ذاتَ يومٍ فى
محرابِهِ، إذ تَسوَّر عليه الخَصْمان مِن قِبَلِ وجهِه، فلمَّا رآهما وهو يقرأ، فزِع
وسكَت، وقال: لقد استُضْعِفتُ فى مُلْكِى، حتى إن الناسَ يَتَسَوَّرون علىَّ
مِخْرابى. قالا له: ﴿لَا تَخَفَّ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾، ولم يَكُنْ لنا بُدِّ
مِن أن نأتيَك، فاسمَعْ مِنَّا. قال أحدُهما: (إِنَّ هذا أخى له تسع وتسعون نعجةً
أَنْثَى ولىَ نعجةٌ واحدةٌ فقال أَكفلْنيها )(٣)؛ يريدُ أن يُتَمِّمَ بها مائةً) ، ويَتْؤُكّنى
ليس لى شىءٌ، ﴿وَعَزَّنِ فِى الْخِطَابِ﴾. قال: إن دعوتُ ودَعا كان أكثرَ منى(٥)،
وإن بطَشَتُ وبطَش كان أشدَّ منى. فذلك قولُه: ﴿ وَعَزَّنِ فِ الْخِطَابِ﴾. قال له
داودُ : أنت كنتَ أحوجَ إلى نعجتِك منه، ﴿ لَقَدْ ظَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَئِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾
إلى قولِه: ﴿وَقَلِلٌ مَّاهُمُّ﴾. ونَسِىَ نفسَه عَلَهِ، فنظَرَ المَلَكان أحدُهما إلى الآخرِ ،
حينَ قال ذلك ، فتبسَّم أحدُهما إلى الآخرِ، فَرَآه داودُ، فظَنَّ (١) أنما فُتِنِ، ﴿فَأَسْتَغْفَرَ
رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ أربعين ليلةً، حتى نَبَتَت الخُضْرةُ مِن دموع عينَيه، ثم
(١) فى ص، ت١: ((شأنه)).
(٢) فى ص، ت١: ((القرية)). وينظر الأثر القادم فى الصفحة التالية.
(٣) هى قراءة ابن مسعود. مختصر الشواذ ص ١٣٠ .
(٤ - ٤) فى ص، ت١: ((يتم بها مائة))، وفى مطبوعة الدر المنثور: ((يتم مائة)).
(٥) سقط من: م، ت٢، ت٣ .
(٦) فى ص، م: ((وظن)).
( تفسير الطبرى ٥/٢٠ )

٦٦
سورة ص : الآية ٢٤
شدَّد اللهُ له مُلْكَهُ(١)(٢).
١٤٧/٢٣
/حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ الْمُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ فى قوله: ﴿ وَهَلْ أَتَئِكَ نَبَؤُّأْ الْخَصْمِ إِذْ نَسَوَُّواْ الْمِحْرَابَ﴾. قال: كان داودُ
قد قَسَم الدهرَ ثلاثةَ أيامٍ ؛ يومًا (١) يَقْضِى فيه بينَ الناسِ ، ويومًا (٢) يَخْلو فيه لعبادةِ ربِّه،
ويومًا(١٢) يَخْلو فيه لنسائِه، وكان له تسع وتسعون امرأةٌ ، وكان فيما يَقْرأُ مِن الكتبِ ،
أنه كان يجدُ فيه فضلَ إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ ، فلما وجَد ذلك فيما يقرأُ مِن
الكتبٍ، قال: يا ربِّ، أَرَى(٥) الخيرَ كلَّه قد ذهَب به آبائى الذين كانوا قبلى، فأعْطِنى
مثلَ ما أعطيتَهم ، وافْعَلْ بى مثلَ ما فعلتَ بهم . قال: فأوحَى اللهُ إليه: إن آباءَكُ ابْتُلُوا
بتَلايا لم تُبْتَلَ بها؛ ابتُلِى إبراهيمُ بِذَبْحِ ابنِهِ ، وابْتُلِى إسحاقُ بِذَهابٍ بصره، وابتُلِی
يعقوبُ بحُزْنِه على يوسفَ ، وإنك لم تُبْتَلَ مِن ذلك بشىءٍ . قال: يا ربِّ ابْتَلِى بمثلِ ما
ابتليتَهم به، وأعطِنى مثلَ ما أعطيتَهم. قال: فأُوحِى إليه: إنك مُجْتَلَّى، فاخْتَرِسْ.
قال: فمكَث بعدَ ذلك ما شاء اللهُ أن يَمْكُثَ، إذ جاءَه الشيطانُ قد تَمَثَّل فى صورةٍ
حمامةٍ مِن ذهبٍ، حتى وقَع عندَ رِجلَيْهِ وهو قائمٌ يُصَلِّى. قال: فمَدَّ يدَه ليأخُذَه
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠١/٥ إلى المصنف.
(٢) قال الحافظ ابن كثير فى تفسيره ٥١/٧ عند كلامه على هذه الآيات : قد ذكر المفسرون هلهنا قصة أكثرها
مأخوذ من الإسرائیلیات ، ولم يثبت فيها عن المعصوم حدیث يجب اتباعه، ولکن روی ابن أبى حاتم هنا حديثا
لا يصح سنده ؛ لأنه من رواية يزيد الرقاشى عن أنس ، ويزيد وإن كان من الصالحين ، لكنه ضعيف الحديث
عند الأئمة ، فالأولى أن يقتصر على مجرد تلاوة هذه القصة - يعنى ابنُ كثير: تلاوة نصها من القرآن الكريم -
وأن يُرَدَّ عِلْمُها إلى الله عز وجل؛ فإن القرآن حق ، وما تضمن فهو حق أيضا .
وسيسوق المصنف روايات أُخّر بإسناده عن السدى ووهب بن منبه وغيرهما ، ومن ضمنها رواية يزيد الرقاشى
عن أنس المذكورة فى كلام ابن كثير .
(٣) فى ص، م، ت١: ((يوم)).
(٤) فى م، ت١: ((يوم)).
(٥) فى م، ت٢، ت٣: ((إن)).

٦٧
سورة ص : الاية ٢٤
فتَنَخَّى ، فَتَبِعَهُ فتَبَاعَد، حتى وقَع فى كُوَّةٍ، فذهَب ليأخُذَه فطارَ مِن الكُوَّةِ ، فنظَر أين
يقعُ فِيَبْعَثَ فى أثرِه. قال: فأبْصَر امرأةٌ تغتسلُ على سطح لها ، فرأى امرأةً مِن أجملٍ
الناسِ خَلْقًا، فحانَتْ منها التفاتةٌ فأبصَرَتْه٢١ ، فألقَتْ شعرَها فاسْتَتَرَتْ به. قال: فزادَه
ذلك فيها رغبةً ، قال: فسأل عنها فأُخبر أن لها زوجًا ، وأن زوجَها غائبٌ بِمَسْلَحَةٍ كذا
وكذا. قال: فبعث إلى صاحبِ المَسْلَحَةِ يَأْمُرُه(٢) أن يَبْعَثَ أهریا إلى عدوٌ كذا وكذا،
قال: فبعثه ففُتِح له . قال: وكتب إليه بذلك، فكتب إليه أيضًا: أن ابعَثْه إلى عدوّ كذا
وكذا، أشدَّ منهم بأسًا. قال: فبعثه ففُتِح له أيضًا. قال: فكتب إلى داودَ بذلك. قال:
فكتب إليه : أن ابعَثْه إلى عدوٌ كذا وكذا . فبعثه. قال: فقُتِل المرةَ الثالثةَ. قال: وتَزَوَّج
امرأته ، فلَمَّا دخَلَتْ عليه لم تَلْبَثْ عندَه إلا يسيرًا حتى بعَث اللهُ مَلَكَيْن فى صورةٍ
إِنْسِيَّيْن، فَطَلَبا أن يَدْخُلا عليه، فَوَجَداه فى يومِ عبادتِه، فمَنَعَهما الحرسُ أن
يدخُلا " عليه، فتَسَوَّرا) عليه المحرابَ. قال: فما شَعَر وهو يُصلِّى إذ هو بهما بينَ
يَدَيه جالسَيْن. قال: ففَزِع منهما، فقالا: ﴿لَا تَخَفٌّْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ
فَأَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ﴾؛ يقولُ: لا تَحِفْ(٥). ﴿ وَأَهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الْصِرَطِ﴾؛
إلى عدلِ القضاءِ. قال: فقال: قُصَّا علىَّ قصتَكما. قال: فقال أحدُهما: ﴿إِنَّ
هَذَآ أَخِى لَهُ تِسْعُ وَتَسْعُونَ نَجْجَةً وَلِىَ نَعْجَهُ وَحِدَةٌ ﴾، فهو يريدُ أن يأخذَ نَعْجَتِى فَيُكْمِلَ
بها نِعاجَه مائةً . قال: فقال للآخرِ: ما تقولُ؟ فقال: إن لى تسعًا وتسعين نعجةً،
ولأخى هذا نعجةٌ واحدةٌ ، فأنا أريدُ أن آخُذَها منه فأُكْمِلَ بها نِعاجى مائةً . قال :
(١ - ١) سقط من: ص، ت١.
(٢) سقط من : م .
(٣ - ٣) فى م: ((فتسوروا)).
(٤) فى ص، ت٢، ت٣: ((إذا)).
(٥) فى ص، م، ت٢، ت٣، والمستدرك: ((تخف)).

٦٨
سورة ص : الآية ٢٤
وهو كارٍةٌ؟ "قال: وهو كارِةُ . قال: إذنْ لا نَدَعُك وذاك. قال: ما أنت على ذلك
بقادرٍ . قال : فإن ذهبتَ ترومُ ذلك، أو تريدُ ذلك(٢)، ضَرَبْنا منك هذا وهذا(" وهذا).
وفَشَر أسباطُ؛ طرَفَ الأنفِ، (وأصلَ الأَنفِ)، والجبهةَ. قال: يا داودُ، أَنت
أحقُّ أن يُضربَ منك هذا وهذا وهذا؛ [٧٠٨/٢ظ] حيث لك تسع وتسعون(4)
امرأةً ، ولم يَكُنْ لأهريا إلا امرأةٌ واحدةٌ ، فلم تَزَلْ به تُعرِّضُه للقتلِ حتى قَتَلْتَهُ(٥)،
وتزوَّجتَ امرأته. قال: فنظَر فلم يَرَشيئًا ، فعَرَف ما قد وقَع فيه ، وما قد ابتُلى به . قال :
فخَرَّ ساجدًا. قال: فبكى. قال: فمكث يَيْكى ساجدًا أربعين يومًا ، لا يرفعُ رأسَه إلا
١٤٨/٢٣ الحاجةٍ " لا بُدَّ) منها، ثم يقعُ ساجدًا يَتْكى، ثم يَدْعو، حتى نبَت العُشْبُ مِن دموعِ
عينَيْه. قال: فأوحَى اللهُ إليه بعدَ أربعين يومًا: يا داودُ، ارْفَعْ رَأْسَك، فقد غفرتُ لك.
فقال: يا ربّ، كيف أعلمُ أنك قد غفرتَ لى، وأنت حَكَمٌ عَدْلٌ لا تَجِيفُ فى
القضاءِ؛ إذا جاءَ أهرياً) يومَ القيامةِ آخِذًا رأسَه بيمينه أو بشمالِه ، تَشْخُبُ أوداجه دمًا
فى قِبَلِ عرشِك يقولُ: يا ربِّ، سَلْ هذا فيمَ قَتَلَنى؟ قال: فأوحَى ("اللهُ إليهُ: إذا كان
ذلك دَعَوتُ أهريا، فأسْتَوهِبُك منه، فيَهَبُّك لى، فأَتِئُه بذلك الجنةَ . قال: ربِّ، الآنَ
علمتُ أنك قد غفرتَ لى. قال: فما استطاعَ أن يملأَّ عينَيْه مِن السماءِ حَياءٌ مِن ربِّه
حتى قُبِض ◌َ(٦).
(١ - ١) سقط من: ت٢، ت٣. وبعده فى ص، م: ((قال وهو كاره)).
(٢) سقط من : م .
(٣ - ٣) ليست فى تاريخ المصنف .
(٤) بعده فى م: (( نعجة)).
(٥) فى تاريخ المصنف: ((قتل)).
(٦ - ٦) سقط من النسخ . والمثبت من تاريخ المصنف .
(٧ - ٧) فى ص، ت١: ((جاءك هريا))، وفى م: ((جاءك أهريا)).
(٨ - ٨) فى ص، م، ت٢، ت٣: ((إليه)).
(٩) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٧٩/١، وأخرجه الحاكم ٥٨٦/٢، ٥٨٧ من طريق أسباط به .

٦٩
سورة ص : الآية ٢٤
حدَّثنى علىٌّ بنُ سهلٍ ، قال : ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ یزیدَ بنِ
جابرٍ ، قال : ثنى عطاءٌ الخراسانيُ ، قال: نقَش داودُ خطيئته فى كفّه لكيلا يَنْساها ،
فكان ("إذا رَّآها) خفَقَتْ يدُه واضطَرَبَتْ(١).
وقال آخرون: بل كان ذلك لعارضٍ كان عرَض فى نفسِه، مِن ظنِّ أنه يُطِيقُ
يومًا (٢) أن يُتِمَّ يومًا لا يُصيبُ فيه حَوْبَةٌ ، فابْتُلى بالفتنةِ التى ابتُلى بها فى اليومِ الذى
طَمِع فى نفسِه بإتمامِه بغیرِ إصابةٍ ذنبٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن مَطَرٍ، عن الحسنِ : إن داودَ
جَزَّأَ الدهرَ أربعةً أجزاءٍ؛ يومًا لنسائِه، ويومًا لعبادِه، ويومًا لقضاءِ بنى إسرائيلَ،
ويومًا لبنی إسرائیلَ ، يُذا کژُهم ويُذا کژُونه ، ويُتکِیھم ويُێکونه ، فلما كان يومُ بنی
إسرائيلَ قال: ذَكِّروا . فقالوا : هل يَأْتى على الإنسانِ يومٌ لا يُصيبُ فيه ذنبًا؟ فأَضْمَر
داودُ فى نفسِه أنه سيُطِيقُ ذلك، فلَمَّا كان يومُ عباديِه، غَلَّق (٥) أبوابَه، وأَمَر أن لا
يُدْخَلَ عليه أحدٌ ، وأكَبَّ على التوراةِ، فبينما هو يقرؤُها إذا(١) حمامةٌ مِن ذهبٍ فيها
مِن كلِّ لونٍ حسنٍ، قد وقَعَتْ بِينَ يَدَيْهِ، فأُهْوَى إِليها ليأخذَها . قال: فطارَتْ فوقَعَتْ
غيرَ بعيدٍ ، مِن غيرِ أن تُؤْيِسَه مِن نفسِها. قال: فما زالَ يَتْبَعُها حتى أشْرفَ على امرأةٍ
(١ - ١) فى ص: ((مما إذا رآها))، وفى ت١: ((مهما رآها))، وفى ت٢، ت٣: ((مما إذا أراها)).
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٨١/١. وأخرجه ابن المبارك فى الزهد (٤٨٩ - زيادات الحسين) ، وأبو
نعيم في الحلية ١٩٦/٥ من طريق الوليد به نحوه .
(٣) سقط من : م .
(٤) الحَوبة ، بفتح الحاء ، وتُضَمّ: الإثم. ينظر النهاية ٤٥٥/١ ، وتاج العروس (ح وب).
(٥) فى م: ((أغلق)).
(٦) فى م: ((فإذا)). وفى ت١: ((إذ))، وهو موافق لما فى مطبوعة الدر المنثور.

٧٠
سورة ص : الآية ٢٤
تَغْتَسِلُ، فأعْجَبَه خَلْقُها وحُسْنُها . قال: فَلَمَّا رأتْ ظِلَّه فى الأرضِ، ◌َلََّتْ نفسَها
بشَعْرِها ، فزادَه ذلك أيضًا إعجابًا بها ، وكان قد بعَث زوجَها على بعضٍ جيوشِه ،
فكتَب إليه أن يسيرَ إلى مكان كذا وكذا. مكانٌ إذا سارَ إليه لم يَرْجِعْ. قال: ففعَل
فَأُصِيب، فخَطَبها فتَزَوَّجها. قال (١) : وقال قتادةُ: بَلَغَنا أنها أمُّ سليمانَ . قال: فبينَما
هو فى المحرابِ إذ تَسوَّر الملكان عليه، وكان الخَضْمان إذا أَتَوْه يَأْتونه مِن بابِ المحرابِ،
فَفَزِع منهم حينَ تَسَوَّروا المحرابَ، فقالوا: ﴿لَا تَخَفّْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى
بَعْضٍ﴾. حتى بلَغ: ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾. أى: لا تَمِلْ، ﴿ وَأَهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الْصِرَطِ﴾.
أى: أعدلِهِ وخَيْرِهِ، ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِى لَهُ تِسْعُ وَتَسْعُونَ نَعْجَةً ﴾، وكان لداودَ تسعٌ
وتسعون امرأةً ، ﴿ِسّعُ وَنَسْعُونَ نَعْجَةً﴾. قال: وإنما كان للرجلِ امرأةٌ واحدةٌ .
فَقَالَ أَكْفِلْنِيَهَا وَعَزَّنِ فِى الْخِطَابِ﴾. أى: ظلَمنى وقهرنى. فقال: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ
بِسُؤَالِ نَعْجَئِكَ إِلَى نِعَاجِهِ،﴾ إلى قولِهِ: ﴿ وَقَلِلٌ مَّا هُمُّ﴾. ﴿ وَظَنَّ دَاوُودُ﴾: فعلِم
داودُ أنما صُمِدَ(١) له، أى: مُنِى به ذلك. فخَرَّ راكعا وأناب . قال : وكان فى حديثٍ
مَطَرٍ، أنه سجَد أربعين ليلةً ، حتى أُوحَى اللهُ إليه : إنى قد غفرتُ لك. قال: ربِّ ،
١٤٩/٢٣ كيف (١) تغفرلى / وأنت حَكَمُ عدلٌ لا تظلمُ أحدًا؟ فقال: إنى أَقْضِيك له، ثم أستوهِبُه
دمَك، أو ذنبَك(٤)، ثم ◌ُثِيُه حتى يرضَى. قال : الآنَ طابَت نفسى ، وعلمتُ أنك قد
(٥)
غفرتَ لى(٥) .
(١) القائل: ((وقال قتادة )) هو سعيد الراوى عن مطر.
(٢) فى تاريخ المصنف: ((أَضْمِر)). وصُمِد له: الصَّفْد: القَصْد. صَمَدَه يَصْمُدُه صَعْدًا، وصَمَدَ إليه ،
كلاهما : قَصَدَه. وأَضْمَرَه: أخفاه . ينظر تاج العروس (ص م د)، (ض م ر).
(٣) فى م: ((وكيف)).
(٤) فى ص، ت١: ((ذنبه)).
(٥) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٨٢/١ دون قوله: ((قال: وكان فى حديث مطر أنه سجد ... إلخ))،
وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٦١/٢ - ١٦٣، والمروزى فى تعظيم قدر الصلاة (٢١) من طرق عن
الحسن بنحوه. وذكره السيوطى فى الدر المنثور ٣٠١/٥، ٣٠٢ بنحوه، وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

٧١
سورة ص : الآية ٢٤
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سَلَمَةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ ، عن بعضٍ
أهلِ العلمِ، عن وهبٍ بِنِ مُنَبِّهِ اليَمَانِيّ، قال: لَّ اجْتَمَعتْ بنو إسرائيلَ على داودَ ،
أنزل اللهُ عليه الزَّبورَ، وعَلّمه صَنْعَةَ الحديدِ فألَانَه له ، وأَمَر الجبالَ والطيرَ أَن يُسَبِّحْن
معه إذا سبَّح، ولم يُعْطِ اللهُ - فيما يَذْكُرون - أحدًا مِن خلقِه مثلَ صوتِه، كان إذا قرَأَ
الزبورَ - فيما يَذْكُرون - تَدْنو له الوحوشُ (١)، حتى يأخُذَ بأعناقِها، وإنها لَمُصِيخَةٌ
تَسْمعُ(١ لصوتِه، وما صنعَت الشياطينُ المزاميرَ والبَرابطَ والصُّنُوجَ(١) ، إلا على أصنافٍ
صوته، و کان شديد الاجتهاد ، ( دائب العبادة ، (°فأقام فى بنى إسرائيلَ یحکمُ فيهم
بأمرِ اللهِ نبيًّا مُسْتَخْلفًا، [٧٠٩/٢و] وكان شديدَ الاجتهادِ) مِن الأنبياء)، كثيرَ
البكاء١ٍ ، ثم عرّض مِن فتنةِ تلك المرأةِ ما عرَض له، وكان له مِحْرابٌ يَتَوَخَّدُ فيه لتلاوةِ
الزَّبورِ ، ولصلاتِه إذا صلَّى، وكان أسْفَلَ منه جُنَئِنَةٌ لرجلٍ من بنى إسرائيلَ، ( وكان)
عندَ ذلك الرجلِ المرأةُ التى أصابَ داودُ فيها ما أصابَهُ(٨) .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن بعضٍ أهلٍ
العلمِ، عن وهبٍ بنِ مُنَبِّهٍ ، أن داودَ حينَ دخَل محرابَه ذلك اليومَ قال: لا يدْخُلَنَّ
(١) فى ت٢، ت٣: ((الوحش)). وهو موافق لأحد نسخ تاريخ المصنف، كما ذكره محققُه فى حاشيته.
(٢) فى ص، ت٢، ت٣: ((تستمع)). ومصيحة: مستمعة منصتة. ينظر تاج العروس (ص ى خ) .
(٣) البَرَابط: جمع بَرْبَط . والبربط هو العود، من آلات الملاهى. والصنوج: جمع صَنْج. والصنج: شىءٌ يُتخذ
من صُفْرٍ يُضْرَب أحدُهما على الآخَر، وهو أيضًا آلةٌّ ذو أوتار يُضْرَب بها. ينظر تاج العروس (بربط)، (ص ن ج).
(٤ - ٤) سقط من : ت٢ .
(٥ - ٥) ليس فى تاريخ المصنف .
(٦) بعده فى تاريخ المصنف: (( وكان كما وصفه الله عز وجل لنبيه محمد عليه السلام فقال: ﴿ واذكر عبدنا
داود ....... يسبحن بالعشى والإشراق﴾: يعنى بذلك ذا القوة)). وهو آخر لفظ الأثر فى التاريخ.
(٧ - ٧) فى م: ((كان)).
(٨) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٧٨/١، ٤٧٩ مختصرا نحوه، وأخرجه المروزى فى تعظيم قدر الصلاة
(٢٠) من طريق إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق قوله .

٧٢
سورة ص : الآية ٢٤
علىَّ محرابى اليومَ أحدٌ حتى الليلِ، ولا يَشْغَلْنِى شىءٌ عما خَلَوتُ له حتى أُمْسِىَ .
ودخَل مِحْرابَه ونشَرِ زَبورَه يَقْرَؤُه، وفى المحرابِ كُوَّةٌ تُطْلِعُه على تلك الجُنِينةِ ، فَتَيْنَا
هو جالسٌ يقرأْ زبورَه، إذ أقبلَت حمامةٌ مِن ذهبٍ ، حتى وقَعَتْ فى الكُوَّةِ ، فرفَع
رأسَه فَرَّآها ، فأعْجَبَتْه. ثم ذكر ما كان قال؛ لا يَشْغَلُه شىءٌ عما دخَل له، فتَكّس
رأسَه وأقْبَل على زَبورِهِ، فَتَصَوَّبَتِ الحمامةُ، للبلاءِ والاختبارِ، مِن الكُوَّةِ، فوقَعَتْ
بينَ يدَيْه، فتناوَلَها بيدِه فاسْتَأْخَرَتْ غيرَ بعيدٍ ، فاتَبَعَها، فَتَهَضَت إلى الكُوَّةِ،
فتناولها فى الكُوَّةِ فتصَوَّبتْ إلى الجُنينةِ ، فَأَتْبَعَها بصرَه أين تَقَعُ، فإذا المرأةُ جالسةٌ
تَغْتَسلُ، بهيئةِ اللهُ أعلمُ بها فى (١الجمالِ والحُشْنِ والخَلْق١ِ). فيَزْعُمون أنها لمَّا رَأَتْه
نَقَضَتْ رأسَها فوارَتْ به جسدَها منه، واختطَفَتْ قلبَه، ورجع إلى زبورِه ومجلسِه
وهى مِن شأنِه، لا يُفارِقُ قلبَه ذكرُها، وتَمَادَى بهِ البلاءُ حتى أغزَى زوجَها، ثم أمَر
صاحبَ جيشِهُ(١ - فيما يزعُمُ أهلُ الكتابِ - أن يُقدِّمَ زوجَها للمهالكِ ، حتى أصابَه
بعضُ ما أرادَ به مِن الهلاكِ ، ولداودَ تسع وتسعون امرأةٌ ، فلمَّا أَصِيب زوجُها خطّبها
داودُ ، فتَكَحَها ، فبعث اللهُ إليه وهو فى محرابِهِ مَلَكَيْنِ يَخْتَصمان إليه ، مثلاً يَضْرِبُه له
ولصاحبِه ، فلم يُرَعْ داودُ إلا بهما واقفَيْن على رأسِه فى محرابِه، فقال: ما أدْخَلَكما
علىَّ؟ قالا: لا تَخَفْ، لم ندخُلْ لبأسٍ ولا لريبةٍ، ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾
فجِثْناك لتَقْضِىَ بينَنا، ﴿ فَأَحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَأَهْدِنَا إِلَى سَوَآءِ الصِّرَطِ﴾.
أى: احْمِلْنا على الحقِّ، ولا تُخالِفْ بنا إلى غيرِهِ. قال المَلَكُ الذی یتکلُّمُ عن أوربا
ابنِ حنانيا، زوجِ المرأةِ: ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِى﴾. أى: على دينى، ﴿لَهُ تِسْعُ وَتَسْعُونَ نَّْجَةٌ
وَلِىَ نَعْجَةٌ وَحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيَهَا﴾. أى: احمِلْنى عليها، ثم ﴿وَعَزَّنِ فِ الْخِطَابِ﴾ .
أى قهَرنى فى الخطابِ، وكان أقوى منى هو وأعزَّ، فحازَ نَعْجتى إلى نعاجِه،
(١ - ١) فى ص: ((الجمال والخلق))، وفى ت١: ((الجمال)).
(٢) فى ص، ت١: ((الجيش)).

٧٣
سورة ص : الآية ٢٤
وترَكنى لا شىءَ لى. فغَضِب داودُ، فنظَر إلى خَصْمِه الذى لم يتكلَّمْ ، فقال : لئن
كان صدَقنى ما يقولُ لأُضْرِبِنَّ بينَ عينيك بالفأسِ . ثم ارْعَوَى داودُ فعرّف أنه هو
الذى يُرادُ؛ بما صنَع فى امرأةٍ أوريا، فوقَع / ساجدًا تائبًا مُنِيبًا باكيًا، فسجد أربعين ١٥٠/٢٣
صباحًا صائمًا لا یأكُلُ فيها ولا يشربُ ، حتى أنْتت دمعه اخَضِرَ تحتَ وجهِه، وحتی
أَنْدَب السجودُ فى لحم وجهِه، فتابَ اللهُ عليه، وقَبِل منه. فيَزْعُمون أنه قال :
أى ربِّ هذا غفرَتَ ما جنيتُ فى شأنٍ (١) المرأةِ، فكيف بدمِ القتيلِ المظلومِ؟
فقيل له : يا داودُ - فيما زعَم أهلُ الكتابِ - أمَا إن ربَّك لم(٢) يَظْلِمْه بدمِه،
ولكنَّه سيسألُهُ إِيَّك فيُعْطِيه، فَيَضَعُه عنك. فلما فُرُّج عن داودَ ما كان فيه،
رسَم (٢) خطيئته فى كفّه اليُمنى؛ بطنِ راحتِه، فما رفَع إلى فِيهِ طعامًا ولا شرابًا قَطُّ إلا
بكَى إذا رآها، وما قامَ خطيبًا فى الناسِ قطّ إلا نشَر راحتَه، فاستقبَل بها الناسَ، لِيَرَوْا
رسمَ(٣) خطيئته فى يدِه (٤).
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال : ثنا ابنُ إدريسَ، قال : سمِعتُ لَيْئًا يذكر عن
مجاهدٍ قال: لمَّ أصابَ داودُ الخطيئةَ حَرَّ للهِ ساجدًا أربعين يومًا، حتى نبَت مِن دموعٍ
عينَيَه مِن البَقْلِ ما غَطَّى رأْسَه، ثم نادَى: ربِّ قَرِح الجبينُ، وجَمَدتِ العينُ، وداودُ
لم يُرْجَعْ إليه فى خطيئتِه شىءٌ . فنُودِى: أجائعٌ فَتُطْعَمَ، أم مريضٌ فتُشْفَى ، أم مظلومٌ
فيُنْتَصَرَ لك؟ قال : فتَحَب نَحْبةً هاجَ كلَّ شيءٍ كان نَبَت ، فعندَ ذلك غُفِرِ له،
وكانت خطيئتُه مكتوبةً بكفِّه يقرؤُها ، وكان يؤتَى بالإِناءِ ليشربَ فلا يشربُ إلا ثلثَّه
أو نصفَه، وكان يذكُرُ خطيئته، فيَنْتَحِبُ (٥) النَّحْبةَ تكادُ مفاصلُه يزولُ بعضُها مِن
(١) فى ص، ت١: ((حق)).
(٢) فى ص: ((لن)).
(٣) فى ت٢، ت٣: ((وشم)).
(٤) أخرجه المروزى فى تعظيم قدر الصلاة (٢٠) من طريق إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق قوله .
(٥) فى ص، م، ت٢، ت٣: ((فينحب)).

٧٤
سورة ص : الآية ٢٤
بعضٍ، ثم ما يُمُّ شرابَهُ(١) حتى يملأَه مِن دموعِه، وكان يقالُ: إن دمعةً
داودَ تَعْدِلُ دمعةً الخلائقِ، ودمعةً آدمَ تعدلُ دمعةً داودَ ودمعةً الخلائقِ .
قال: [٧٠٩/٢ظ] فهو يجىءُ يومَ القيامةِ خطيئْتُه مكتوبةٌ بكفِّه، فيقولُ: ربِّ
ذنبى ذنبى، قَدِّمْنى. قال: فَيُقَدَّمُ، فلا يَأْمَنُ، فيقولُ: ربِّ أَخِّرْنى. فيُؤَخّرُ فلا
(٢)
يأمنُ(٢).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرنى ابنُ لَهيعةً، عن
أبى صخرٍ، عن يزيدَ الرَّقاشِىِّ، عن أنسٍ بنِ مالكِ، سمِعه يقولُ: سمعتُ
رسولَ اللهِ عَّمِ يقولُ: ((إن داودَ النبيَّ ◌َّلِ حينَ نظَر إلى المرأةِ فَأُهِمَّ، قطَع على
بنى إسرائيلَ بَعْثًا(١) فأوصَى صاحبَ البعثِ فقال: إذا حضَر العدوُّ، فقَرّبْ فلانًا بينَ
يَدَى التابوتِ . وكان التابوتُ فى ذلك الزمانِ يُسْتَنْصَرُ به ؛ مَن قُدِّمَ بينَ يَدَى التابوتِ
لم يَرْجِعْ حتى يُقْتَلَ أو يَنْهَزِمَ عنه الجيشُ، فقُتِل زوج المرأةِ ، ونزَل المَلَكان على داودَ
يَقُصَّانِ عليه قصتَه، فقَطِن داودُ ، فسجَد، فمكث أربعين ليلةً ساجدًا، حتى نبَت
الزرعُ مِن دموعِه على رأسِه، وأكَلَت الأرضُ جَبينَه، وهو يقولُ فى سُجُودِه - فلم
أَخْصِ مِن الرَّقاشِيِّ إلا هؤلاء الكلماتِ -: رَبِّ، زَلَّ داودُ زَلَّةٌ أَبْعَدَ مِمَّا() بينَ المشرقِ
والمغربِ ) ، إن لم تَرْحَمْ ضعفَ داودَ وتَغْفِرْ ذنبَه، جعلتَ ذنبَه حديثًا فى
(١) فى تاريخ المصنف: ((شربه)).
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٨٣/١. وأخرجه ابن أبى شيبة ٥٥٢/١١، وهناد فى الزهد (٤٥٤) - من
طريق ليث به نحوه مطولا . وذكره السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٤/٥ بنحوه ، وعزاه إلى عبد الله بن أحمد فى
زوائد الزهد .
(٣) سقط من النسخ والدر المنثور، والمثبت من تاريخ المصنف . وقطع بعثا : أى أفْرَدَ قومًا يَبْعَثُهم فى الغزو
ويُعَيِّنُهم من غيرهم. ينظر النهاية ٨٢/٤ .
(٤) فى م: ((ما)).
(٥) بعده فى ت٢، وتفسير البغوى: ((رب)).

٧٥
سورة ص : الآيات ٢٤ - ٢٦
الخُلُوفِ مِن بعدِه. فجاءه جبريلُ مِن بعدِ أربعين (١) ليلةً، فقال: يا داودُ إن الله
قد غفَر لك الهَمَّ الذى هَمَمْتَ به . فقال داودُ: قد(٢) علِمتُ أن الربَّ قادرٌ على
أن يغفرَ لىّ الهَمَّ الذى هَمَمْتُ به، وقد عرَفتُ أن اللهَ عَدْلٌ لا يميلُ، فكيف
بفلانٍ إذا جاء يومَ القيامةِ فقال: يا ربِّ دَمِى الذى عندَ داودَ؟ فقال جبريلُ : ما
سألتُ ربَّك عن ذلك، ولئن شئتَ لأُفْعَلَنَّ. قال: نعم. فعَرَج جبريلُ وسجَّد
داودُ، فمكث ما شاء اللهُ، ثم نزَل فقال: قد سألتُ اللهَ / يا داودُ عن الذى ١٥١/٢٣
أُرْسَلْتَنى فيه. فقال: قُلْ لداودَ : إن اللهَ يَجْمَعُكما يومَ القيامةِ فيقولُ: هَبْ لى
دمَك الذى عندَ داودَ. فيقولُ: هو لك يا ربِّ. فيقولُ: فإن لك فى الجنةِ ما
شئتَ وما اشتهيتَ عِوَضًا))(٣).
حدَّثنى علىُّ بنُ سهلٍ، قال : ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ ، قال : ثنا ابنُ جابرٍ ، عن عطاءٍ
الخراسانيّ، أن كتابَ صاحبِ البعثِ جاء يَنْعِى مَن قُتِل، فَلَمَّا قَرَأ داودُ نَغْىَ رجلٍ
منهم رجَّع (٤)، فلمَّا انتَهى إلى اسمِ الرجلِ قال: كتب اللهُ على كلِّ نفسٍ الموتَ. قال:
فلما انْقَضَتْ عِدَّتُها خَطَبها .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكٌ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ
يَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةٌ فِ اَلْأَرَضِ فَأَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا
مَشَابٍ
تَنَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ
(١) فى م: ((الأربعين)).
(٢) سقطت من م، ت٢ ، ت٣ .
(٣) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٨٣/١، ٤٨٤، وأخرجه البغوى فى تفسيره ٨٢/٧ من طريق المصنف به .
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٠/٥، ٣٠١ بنحوه مُضعِّفا إسناده إلى الحكيم الترمذى فى نوادر الأصول
وابن أبى حاتم . وينظر ما تقدم فى صفحة ٦٦ .
(٤) رجُّع: قال: إنا لله وإنا إليه راجعون. يقال منه: رجع واسترجع. النهاية ٢٠٢/٢، والوسيط (رج ع).

٧٦
سورة ص : الآية ٢٥
شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحِسَابِ
٢٦
يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكٌ﴾: فَعَفَوْنا عنه، وصَفَخْنا له عن أن
تُؤَاخِذَه بخطيئتِهِ وذنبِه ذلك، ﴿ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾. يقولُ: وإن له عندَنا لَلْقُرْبَةَ
منَّا يومَ القيامةِ .
وبنحوِ الذى قلنا فى قولِه: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكٌ﴾ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
" حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ
ذَلِكٌ﴾: الذنبَ(٢).
وقولُه: ﴿وَحُسْنَ مَعَادٍ﴾. يقولُ: مَرْجعٍ ومُنْقَلَبٍ ينقلبُ إليه يومَ
القيامةِ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك(١)
حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَحُسْنَ مَثَابٍ﴾.
أى : حُسْنَ مصيرٍ .
(١ - ١) سقط من: ص، ت١. وسقط من ت٢ قوله: ((حدثنا بشر، قال)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٦/٥ إلى المصنف.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٦/٥ إلى المصنف بلفظ: ((حسن المنقلب)).

٧٧
سورة ص : الآيتان ٢٥، ٢٦
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ قولَه: ﴿وَحُسْنَ
مَثَابٍ﴾. قال: حسنَ المُتْقَلَبِ(١).
وقولُه: ﴿ يَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةٌ فِ اَلْأَرْضِ﴾. يقولُ تعالى ذكره : وقلنا
لداودَ: يا داودُ إنا اسْتَخْلَفْناك فى الأرضِ، مِن بعدِ مَن كان قبلَك مِن رُسُلِنا، حَكَمًا
بينَ أهلِها .
كما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ: ﴿إِنَّا
جَعَلْتَكَ خَلِيفَةً﴾: مَلَّكَه فى الأرضِ .
"وقولُه:(٢) ﴿فَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِ﴾. يقولُ(٢) : بالعدلِ والإنصافِ،
﴿ وَلَا تَنَّبِعِ الْهَوَى﴾. يقولُ: ولا تُؤْثِرْ هَواك، فى قضائِك بينَهم، على العدلِ
والحقُِّ) فيه، فتَجُورَ عن الحقِّ، ﴿ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ﴾. / يقولُ : فيميلَ بك
أَتِباعُك هَواك، فى قضائِك ، على العدلِ والعملِ بالحقِّ - عن طريقِ اللهِ الذى جعَله
لأهلِ الإِيمانِ به ، فتكونَ مِن الهالِكِين بضَلالِك عن سبيلِ اللهِ .
١٥٢/٢٣
وقولُه: ﴿إِنَّ الَِّينَ يَضِلُونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ
اْحِسَابِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين يميلون عن سبيلِ اللهِ، وذلك: الحقُّ الذى
شرَعه لعبادِه وأمَرهم بالعملِ به، فيجورُون عنه فى الدنيا - لهم فى الآخرةِ ، يومَ
الحسابِ ، عذابٌ شديدٌ على ضلالِهم عن سبيلِ اللهِ ؛ ﴿بِمَا نَسُواْ ﴾ أمرَ اللهِ. يقولُ:
(١) تقدم تخريجه فى ٢٦٧/٥، بزيادة: ((وهى الجنة)).
(٢ - ٢) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.
(٣) فى م، ت ٢، ت ٣: ((يعنى)).
(٤ - ٤) فى م، ت ٢، ت٣: ((الحق والعدل)).

٧٨
سورة ص : الآيات ٢٦ - ٢٩
بما ترَكوا القضاءَ بالعدلِ، والعملَ بطاعةِ اللهِ ﴿يَوْمَ الِسَابِ﴾(١). و(٢) (( يومَ
الحسابِ)) مِن صلة العذاب الشديدِ .
وبنحوِ الذى قلنا فى تأويلٍ ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
[٠/٢ ٧١م] حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا العَوَّامُ،
عن عكرمةَ فى قولِه: ﴿ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ . قال : هذا مِن التقديم
والتأخيرِ، يقولُ: لهم يومَ الحسابِ عذابٌ شديدٌ بما نشوا(٢) .
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ قولَه: ﴿بِمَا نَسُواْ
يَوْمَ الْحِسَابِ﴾. قال: نشوا: تركوا(٤).
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَآءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَطِلًا ذَلِكَ ظَنُ
أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ
٢٧
الَِّينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ
كِتَبُ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبَرَةٌ لِيَنَّبَّرُواْ
٢٨
كَالْمُفْسِدِينَ فِىِ الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارٍ
٢٩
ءَايَتِهِ، وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ
يقولُ تعالى ذكره: وما خلَقنا السماءَ والأرضَ وما بينَهما عَبَثًا ولعبًا(٥)، ما
خَلَقناهما إلا ليُعْمَلَ فيهما بطاعتِنا، ويُنتهى إلى أمْرِنا ونَهْينا .
(١ - ١) لیس فی: م، ت ٢، ت ٣.
(٢) سقط من: م.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٦/٥ إلى المصنف.
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٧/ ٥٤.
(٥) فى م: ((لهوا)).

٧٩
سورة ص : الآيات ٢٧ - ٢٩
﴿ ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. يقولُ: ((إِن ظنًّا) أنا خلَقنا ذلك باطلًا وَلَعِبًّا ظَرُّ
الذين كفروا باللهِ فلم يوحّدوه، ولم يعرِفوا عظمته، وأنه لا ينبغى(١) أن يَعْبَثَ، فيَيقَّنوا
بذلك أنه لا يخلُقُ شيئًا باطلًا، ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ ﴾. يعنى: مِن نارٍ جهنمَ .
وقولُه: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِ اْأَرْضِ﴾.
يقولُ: أنجعَلُ(٢) الذين صدَّقوا الله ورسولَه وعمِلوا بما أمَر اللهُ به، وانتَهَوا عمانهَاهم،
كَالْمُفْسِدِينَ فِ الْأَرْضِ﴾. يقولُ: كالذين يُشرِكون باللهِ ويعصُونه ويُخالِفون أمرَه
ونهيَه، ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ﴾. يقولُ: الذين اتقَّوا اللهَ بطاعتِه وراقَبوه، فحَذِروا
معاصيه، ﴿كَاَلْفُجَّارِ﴾. يعنى: كالكفارِ (*) المُنْتَهِكِين حرماتِ اللهِ .
وقولُه: ﴿كِنَبُ أَنزَلْنَهُ إِلَيْكَ﴾. يقول تعالى ذكرُه / لنبيِّه محمدٍ عَ له: ١٥٣/٢٣
" وهذا القرآنُْ) كتابٌ أنزلناه إليك يا محمدُ مباركٌ، ﴿لِيَّبَّرُوْ ءَبَيِّهِ﴾. يقولُ:
ليتَدبَّروا حُجَجَ اللَّهِ التى فيه، وما شرَع فيه مِن شرائعِه، فيتَّعِظوا ويعملوا به .
واختلفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامةُ القرأةِ: ﴿ لِيَّبَّرُواْ﴾ بالياءِ،
يعنى: ليتَدَبَّرَ هذا القرآنَ مَن أَرَسلناك إليه مِن قومِك يا محمدُ . وقَرأه أبو جعفرٍ
وعاصمٌ: (لِتَدَبَُّوا آياتِه) بالتاءِ (١)، بمعنى: لَتَدبَّرَه(٧) أنت يا محمدُ وأتباعُك.
(١ - ١) فى م: ((أى ظن))، وفى ت ٢، ت ٣: ((أى ظنا)).
(٢) بعده فى ت ٢: ((له)).
(٣) فى ت ٢: ((أم نجعل)).
(٤) فى ت ٢: ((كالفجار)).
(٥ - ٥) لیس فی: ص، ت ١.
(٦) قراءة ﴿ليدبروا﴾ بالياء وتشديد الدال هى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو وابن عامر وعاصم والكسائى
ويعقوب وخلف، وقراءة (لتدَبروا) بالتاء وتخفيف الدال هى قراءة أبى جعفر وجاء كذلك عن عاصم فى رواية
الكسائى وحسين عن أبى بكر، وينظر السبعة لابن مجاهد ص ٥٥٣، والبحر المحيط ٣٩٥/٧، ٣٩٦،
والنشر فى القراءات العشر ٢/ ٢٧٠، والإتحاف ص ٢٢٩.
(٧) فى ت ٢، ت ٣: ((لتتدبر)).

٨٠
سورة ص : الآيات ٢٩ - ٣٣
وأولى القراءتَين عندَنا بالصوابِ فى ذلك أن يقال : إنهما قراءتان مَشْهورتان
صَحيحتا المعنى ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ .
﴿ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبِ﴾. يقولُ: وليعتبرَ أولو العقول والحِجا ما فى هذا
الكتابِ مِن الآياتِ ، فَيَرْتدعوا عما هم عليه مُقيمون مِن الضلالةِ، ويَنْتَهُوا إلى ما
دَلَّهم عليه مِن الرشادِ وسبيلِ الصوابِ .
وبنحوِ الذى قلنا فى معنى قوله: ﴿أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ قال أهلُ التأويلِ.
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿أُوْلُواْ
اُلْأَلْكَبِ﴾. قال: أَولو العقولِ مِن الناسِ.
وقد بَيَّنا ذلك فيما مضَى قبلُ بشواهدِه، بما أغنَى عن إعادتِه فى هذا
الموضع(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَنَّ نِعْمَ الْعَبْدُّ إِنَّهُ:
فَقَالَ إِنَّ أَحْيَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ
(٣١
أَوَّابُ ﴿٣) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِىّ الصَّفِنَتُ اٌلِيَادُ
عَن ذِكْرِ رَبِ حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ
رُدُوهَا عَلَّ فَطَفِقَ مَسْتَمَا بِالسُّوقِ
(٣٢
وَالْأَعْنَاقِ
يقولُ تعالى ذكره: ﴿ وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَنَّ﴾ ابنَه ولدًا، "﴿نِعْمَ اُلْعَبْدُّ !
يقولُ(٣) : نعم العبدُ سليمانُ، ﴿ إِنَّهُ: أَوََّبُ﴾. يقولُ: إنه رجَاحْ إلى طاعةِ اللَّهِ،
(١) ينظر ما تقدم فى ١٢٣/٣.
(٢ - ٢) سقط من: ص، ت ١.