Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
سورة يس : الآية ٥٥
وقال آخرون : بل عُنِى بذلك أنهم فى نعمةٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قوله: ﴿ إِنَّ أَضْحَبَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِ شُغُلٍ﴾. قال: فى نعمةٍ ().
وقال آخرون : بل معنى ذلك أنهم فى شُغُلٍ عما فيه أهلُ النارِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
[١٢٠/٣٦ظ] حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ ، قال: ثنا مَرْوانُ ، عن جوَییرٍ، عن
أبى سَهْلٍ، عن الحسنِ فى قولِ اللهِ : ﴿ إِنَّ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ﴾ الآية. قال شَغَلهم
النعيمُ عما فيه أهلُ النارِ مِن العذابِ (١) .
حدَّثنا نصرُ بنُ علىِّ الْجَهْضَمِىُّ، قال : ثنا أبى، عن شُعْبةَ، عن أبانِ بنِ تَغْلِبَ ،
عن إسماعيلَ بنِ أبى خالدٍ: ﴿ إِنَّ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ﴾ الآية. قال: فى شُغُلِ عما يَلْقَى
(٣)
أهلُ النارِ() .
وأَولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ أن يقالَ كما قال الله جل ثناؤه: ﴿إِنَّ
أَصْحَبَ الْجَنَّةِ﴾ وهم أهلُها، ﴿فِ شُغُلٍ فَلَكِهُونَ﴾ بنِعَمِ بأنهم() فى شُغُلٍ ، وذلك
(١) تفسير مجاهد ٥٦١. ومن طريقه الفريابى فى تفسيره - كما فى تغليق التعليق ٢٩١/٤ - وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٦/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٦/ ٥٦٨. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٦/٥ إلى عبد بن حميد والمصنف
وابن المنذر .
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٦/ ٥٦٨.
(٤) فى م: (( تأتيهم)) .

٤٦٢
سورة يس : الآية ٥٥
الشُّغُلُ الذى هم فيه نعمةٌ ، وافتضاضُ أبكارٍ ، ولَهْوٌ ، وَلَذَّةٌ، وشُغُلٌ عما يَلْقَى أهلُ
النار .
وقد اختلفت القَرَأَةُ فى قراءةٍ قوله: ﴿فِ شُغُلِ﴾ ؛ فقرأت ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ ،
وبعضُ البَصْريين على اختلافٍ عنه فيه : ( فى شُغْلِ ) بضمِ الشين وتسكينِ الغينِ (١).
وقد رُوِى عن أبى عمرٍو الضمُّ فى الشين والتسكينُ فى الغين ، والفتح فى الشينِ
والغينِ جميعًا ( فى شَغَلٍ) .
وقَرأ ذلك بعضُ أهلِ المدينةِ والبصرةِ وعامةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: ﴿فِ شُغُلٍ﴾
بضمِّ الشينِ والغينِ(١).
والصوابُ فى ذلك عندى قراءتُه بضَمِّ الشينِ والغينِ، أو بضمٌّ الشينِ وسكونِ
الغين ، بأىِّ ذلك قرَأَه القارئُ / فهو مصيبٌ؛ لأن ذلك هو القراءةُ المعروفةُ فى قرأةِ
الأمصارِ مع تقارُبِ معنّتيهما .
١٩/٢٣
وأما قراءتُّه بفتح الشينِ والغينِ فغيرُ جائزةٍ عندى ؛ لإجماع الحجةِ مِن القرأةِ
[١٢٠/٣٦ ظ] على خلافِها.
واختلفوا أيضًا فى قراءةٍ قولِه: ﴿ فَكِّهُونَ﴾ ؛ فقرأت ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ :
فَكِّهُونَ﴾ بالألفِ. وذُكر عن أبى جعفرِ القارئ أنه كان يقرؤُه: ( فَكِهُونَ ) بغيرِ
(٢)
ألفٍ(٢).
(١) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: (شُغْل) ساكنة الغين - وروى أبو زيد وعلى بن نصر عن أبى عمرو:
(شُغْل) و﴿ شُغُل﴾ - وقرأ الباقون (شُغُل) بضم الشين والغين. السبعة ص ٥٤١، ٥٤٢. وقراءة أبى عمرو
بفتح الشين والغين فى الإملاء للعكبرى ٢/ ١١٠، وإعراب القرآن للنحاس ٧٢٨/٢، والكشاف ٣٢٧/٣،
ومعجم القراءات القرآنية ٢١٤/٥. وهى قراءة شاذة .
(٢) ينظر النشر ٢٦٥/٢، ٢٦٦.

٤٦٣
سورة يس : الآية ٥٥
والصوابُ مِن القراءةِ فى ذلك عندى قراءةُ مَن قرأَه بالألفِ (١) ؛ لأن ذلك هو
القراءةُ المعروفةُ .
واختلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك ؛ فقال بعضُهم: معناه: فَرِحون .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىّ، قال : ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿فِ شُغُلٍ فَكِهُونَ﴾ . يقولُ: فَرِحون(٢) .
وقال آخرون : معناه : عَجِبون .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ :
فَلَكِهُونَ﴾. قال: عَجِبون(٣) .
واختلف أهلُ العلم بكلامِ العربِ فى ذلك ؛ فقال بعضُ البَصْريين منهم : الفَكِهُ
الذى يَتَفكّهُ. وقال : تقولُ العربُ للرجلِ إذا كان يَتَفكّهُ بالطعامِ أو بالفاكهةِ أو
بأعراضِ الناسِ : إن فلانًا لفَكِةٌ بأعراضِ الناسِ. قال: ومَن قَرأها: ﴿فَكِهُونَ ﴾
جعَله كثيرَ الفواكهِ ، صاحبَ فاكهةٍ . واستشهَدَ لقولِه ذلك ببيتِ الخُطَيئةِ (٥):
(١) القراءتان كلتاهما صواب .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى الإتقان ٣٩/٢ - من طريق أبى صالح به .
(٣) تفسير مجاهد ص ٥٦١. ومن طريقه الفريابى فى تفسيره - كما فى تغليق التعليق ٤ / ٢٩١.
(٤) فى الأصل، ت ١: (( الفاكهة)).
(٥) ديوانه ص ١٦٨.

٤٦٤
سورة يس : الآيات ٥٥ - ٥٨
ـكَ لَابِنّ بالصيفِ تامِرْ
[١٢١/٣٦ و] ودَعَوتَني وزَعَمْتَ أن
أى: عندَه لَبَنٌ كثيرٌ، وتمرٌ كثيرٌ، وكذلك عاسلٌ، ولاحِمٌ، وشاحمٌ(٣) .
وقال بعضُ الكُوفيّين : ذلك بمنزلةٍ : حاذِرون وحَذِرون(١) .
وهذا القولُ الثانى أشبهُ بالكلمةِ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿هُمْ وَأَزْوَجُهُمْ فِى ◌ِلَلٍ عَلَى الْأَرَّآيَكِ
سَلَمٌ قَوْلاً مِّن رَّدٍ
oV
◌َهُمْ فِيهَا فَكِهَةٌ وَلَهُم مَا يَدَّعُونَ
مُتَّكِئُونَ (٥٦
رَحِيمٍ
/قال أبو جعفرٍ رحمه اللهُ: يعنى تعالى ذكرُه جميعًا بقوله: ﴿ هُمْ﴾ أصحابَ
الجنةِ ، ﴿ وَأَزْوَجُهُمْ﴾ مِن أهلِ الجنةِ فى الجنةِ.
٢٠/٢٣
كما حدَّثنى الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى
نَجِيحِ عن مجاهدٍ قولَه: ﴿هُمْ وَأَزْوَجُهُمْ فِ ظِلَالٍ﴾. قال: حلائلُهم فى ظُلَلٍ(٤) .
واختلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأُ ذلك بعضُهم : (فِى ظُلَلٍ ) بمعنى : جمعُ
ظُلَّةٍ، كما تُجْمَعُ الُلَّةُ حُلَلًا.
وقَرَّأَه آخرون: ﴿فِ ظِلَلٍ﴾. وإذا قُرِئ ذلك كذلك كان له وجهان ؛
أحدُهما : أن يكونَ مُرادًا به جمعُ الظلّ الذى هو بمعنى الكِنِّ ، فيكونُ معنى الكلام
حينئذٍ : [١٢١/٣٦ ظ] هم وأزواجهم فى كِنِّ لا يَضْحَون لشمسٍ كما يَضْحَى لها أهلُ
(١) كذا فى م، ت ١، ت ٢، ومجاز القرآن. وفى الأصل: ((وغررتنى))، وفى الديوان: ((أغررتنى)).
(٢) مجاز القرآن ٢/ ١٦٣، ١٦٤.
(٣) معانى القرآن ٢/ ٣٨٠.
(٤) تفسير مجاهد ص ٥٦١. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٦/٥ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم.
(٥) فى م، ت ١، ت ٢: ((الظلل)).

٤٦٥
سورة يس : الآية ٥٦
الدنيا؛ لأنه لا شمسَ فيها. والآخرُ: أن يكونَ مرادًا به جمعُ ظُلَّةٍ، فيكونُ وجهُ
جمعِها كذلك نظيرَ جمعِهِم الخُلَّةَ فى الكثرةِ الخِلالَ، والقُلَّةَ القِلالَ(١).
وقولُه: ﴿عَلَى الْأَرَآيَكِ مُتَّكِّمُونَ﴾. فالأرائكُ هى الحِجالُ(٢) فيها الشُرْرُ
والفُرْشُ، واحدتُها أريكةٌ . وكان بعضُهم يَزْعُمُ أن كلَّ فِراشِ أريكةٌ، ويَستَشْهِدُ
لقولِه ذلك بقولٍ ذى الثُمَّةِ (٢) :
يُباشِوْنَ بالَغَزَاءِ مَسَّ الأرائِكِ
کانتما
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی یعقوبُ ، قال: ثنا هُشَیم ، قال : أخبرنا مُصَینٌ، عن مجاهدٍ ، عن
ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿عَلَى الْأَرَّآيِكِ مُتَّكِّمُونَ﴾. قال: هى الشُّرُرُ فى
الحِجَالِ .
حدَّثنا هَنَّادٌ ، قال : ثنا أبو الأحوصِ، عن حُصَينٍ، عن مجاهدٍ فی قولِ اللهِ :
عَلَى الْأَرَآئِكِ مُتَكِّفُونَ﴾. قال: الأرائكُ: الشررُ عليها الحِجالُ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال ثنا سفيانُ، قال: ثنا محُصَيْنٌ، عن
مجاهدٍ فى قوله: ﴿عَلَى الْأَرَآئِكِ﴾. قال: الأرائكُ: الشّرُرُ فى الحِجالِ(٤).
(١) قرأ حمزة والكسائى: (ظُلَل) بضم الظاء من غير ألف. وقرأ الباقون: ﴿ظِلال﴾ بكسر الظاء وبألف بعد
اللام. ينظر الكشف ٢١٩/٢، وحجة القراءات ص ٦٠١.
(٢) الحجال والحَجَل: جمع الحَجَلَة، وهو موضع يزين بالثياب والستور والأسرة للعروس. تاج العروس (ح ج ل).
(٣) ديوانه ١٧٢٩/٣. وتقدم فى ١٥/ ٢٥٦.
(٤) تفسير الثوری ص ٢٥١.
( تفسير الطبرى ٣٠/١٩ )

٤٦٦
سورة يس : الآيات ٥٦ - ٥٨
حدّثنا أبو السائب ، قال : ثنا ابنُ إدريس ، قال : أخبرنا حُصَینٌ ، عن مجاهدٍ فی
قولِه: ﴿عَلَى الْأَرَابِكِ﴾. قال: سُرُرٌ عليها الحِجَالُ .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا المعتمرُ، عن أبيه، قال: زعَم محمدٌ أن عكرمةَ
قال: [١٢٢/٣٦و] الأرائكُ: الشُرُرُ فى الحِجالِ(١).
٢١/٢٣
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن أبى رجاءٍ، قال : سَمِعتُ الحسنَ وسأَله
رجلٌ عن الأرائكِ/، فقال: هى الحِجالُ. وأهلُ اليمنِ يقولون : أريكةُ فلانٍ.
وسَمِعتُ عكرمةَ وسُئِل عنها، فقال: هى الحِجالُ على الشُّؤْرٍ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿عَلَى الْأَرَآبِكِ
مُتَكِّئُونَ﴾. قال: هى الحِجالُ فيها الشُورُ(٢) .
وقولُه: ﴿لَمْ فِهَا فَكِهَةٌ﴾. يقولُ: لهؤلاء - الذين ذكَرهم اللهُ تبارك
وتعالى مِن أهلِ الجنةِ - فى الجنةِ فاكهةٌ، ﴿ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾. يقولُ: ولهم فيها ما
يَتَمَنَّون. وذُكر عن العربِ أنها تقولُ: ادَّع(٢) علىَّ ما شئتَ. أى: تَمَنَّ علىَّ ما
شئتَ .
وقولُه: ﴿سَلَمُ قَوْلًا مِن رَّدٍ رَحِيمٍ ﴾ . وفی رفع ﴿ سَلَمٌ﴾ وجهان فى قولٍ
بعضٍ نحوِّى الكوفةِ ؛ أحدُهما : أن يكونَ خبرًا لـ ﴿مَا يَدَّعُونَ﴾، فيكونَ معنى
الكلام: ولهم فيها(٤) ما يَدَّعون مُسَلَّمٌ لهم خالصٌ. وإذا وُجِّه معنى الكلامِ إلى
ذلك ، كان القولُ حينئذٍ منصوبًا، توكيدًا خارجًا مِن السلام، كأنه قيل: ولهم فيها
(١) ينظر تفسير ابن كثير ٦ / ٥٦٩.
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٤٥/٢ عن معمر عن قتادة به .
(٣) فى الأصل: ((ادعى))، وفى م: ((دع)).
(٤) ليست فى : م، ت١ ، ت ٢.

٤٦٧
سورة يس : الآية ٥٨
ما يدَّعون مسلَّمْ خالصٌ حقًّا، كأنه قيل : قاله قولًا . والوجهُ الثانى: أن يكونَ قولُه :
﴿سَلَمٌ﴾ مرفوعًا على المدحِ، بمعنى: هو سلامٌ لهم قولًا مِن اللهِ. وقد ذُكر أنها فى
قراءةِ عبدِ اللهِ: (سَلامًا قَوْلًا)(١) على أن الخبرَ مُتَنَاهِ عندَ قوله: ﴿وَم ◌َا
يَدَّعُونَ﴾، ثم نصَب (سَلامًا) على التوكيدِ، بمعنى: مُسَلَّمًا قولًا .
وكان بعضُ نحويِّى البصرة يقولُ: انتَصَب [١٢٢/٣٦ ظ] ﴿قَوْلًا ﴾ على البدلِ
مِن اللفظِ بالفعلِ ، كأنه قال : أقولُ ذلك قولًا . قال : ومَن نصَبها نصَبها على خبرٍ
المعرفةِ على قولِهِ: ﴿ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ﴾ .
والذى هو أولى بالصوابِ - على ما جاء به الخبرُ عن محمدِ بنِ كعبٍ
القُرَظِىِّ - أن يكونَ: ﴿سَلَمٌ) خبرًا لقوله: ﴿وَلَهُم مَّا يَذَّعُونَ﴾، فيكونُ
معنى ذلك : ولهم فيها ما يدَّعون، وذلك هو سلامٌ مِن اللهِ عليهم، بمعنى :
تسليمٌ مِن اللهِ، ويكونُ ﴿سَلَهٌ﴾ ترجمةً عما يدَّعون، ويكونُ القولُ خارجًا
مِن قوله : ﴿سَلَمٌ﴾ .
وإنما قلتُ ذلك أُولى بالصوابِ ؛ لما حدَّثنا به إبراهيمُ بنُ سعيدِ الجوهرىُّ ، قال:
ثنا أبو عبد الرحمنِ المقرِئُ ، عن حَرْمةً، عن سليمانَ بنِ حُمَيدٍ ، قال: سمعتُ
محمدَ بنَ كعبٍ يحدِّثُ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ، قال : إذا فرَغ اللهُ مِن أهلِ الجنةِ وأهلِ
النارِ ، أقبَل ◌َمْشِى فى ظُلَلٍ مِن الغَمامِ والملائكةِ، فَقِفُ على أول أهلِ درجةٍ ، فيُسَلِّمُ
عليهم، فيَرُدُّون عليه السلامَ، وهو فى القرآنِ: ﴿سَلَمٌ قَوْلاً مِّن رَّدٍ رَّحِيمٍ﴾،
فيقولُ: سَلُوا. فيقولون: ما نسألُك؟ وعِزَِّك وجلالِك لو أنك قَسَمْتَ بينَنا أرزاقَ
الثَّقَلَين لأطعَمْناهم وسَقَيناهم وكَسَوناهم. فيقولُ: سَلُوا. فيقولون : نسألُك
رضاك . فيقولُ: رِضائى أحَلَّكم دارَ كَرامتى . فيَفْعَلُ ذلك بأهلِ كلِّ درجةٍ حتى
(١) ينظر مختصر الشواذ ص ١٢٦، والبحر المحيط ٣٤٣/٧.

٤٦٨
سورة يس : الآية ٥٨
ينتهىَ . قال: ولو أن امرأةً مِن الحُورِ العِينِ اطّلعَت (١)، لأطفَأ ضوءُ سِوارَيها الشمسَ
والقمرَ، فكيف بالمُسَوَّرةِ(١) .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنا حَرْمَلةُ، عن سليمانَ بنِ
حُمَيدٍ ، قال: سمعتُ محمدَ بنَ [١٢٣/٣٦و] كعبِ القُرَظِيَّ يحدِّثُ عمرَ بنَ عبد
العزيزِ، قال: إذا فرَّغ اللهُ مِن أهلِ الجنةِ وأهلِ (٣) النارِ، أقبَل فى ظُللٍ مِن الغَمامِ
والملائكةِ. قال: فيُسَلِّمُ على أهلِ الجنةِ، فيَرُدُّون عليه السلامَ. قال القُرّظىُّ: وهذا
فى كتابِ اللهِ: ﴿سَلَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍ زَحِيمٍ ﴾ فيقولُ: سَلُونى. فيقولون: ماذا
نسألُك أى ربِّ؟ قال: بل سَلُونى. / قالوا: نسألُك أى ربِّ رضاك . قال: رضائی
أَخَلْكم دارَ كرامتى. قالوا: ياربِّ، وما الذى نسألُك؟ فوعزَّتِك وجلالِك وارتفاعٍ
مكانِك، لو قَسَمتَ علينا رزقَ النَّقَلَين لأَطعَمناهم ولأسقَيناهم ولألبَسْناهم
ولأُخْدَمناهم، لا يَتْقُصُنا ذلك شيئًا. قال: إِن لدىَّ مزيدًا. قال: فيفعلُ اللهُ ذلك
بهم فى دَرَجِهم ، حتى يستوىَ فى مجلسِه . قال : ثم تأتيهم التحفُ مِن اللهِ تَحْمِلُها
إليهم الملائكةُ . ثم ذكَر نحوَه(٤) .
حدَّثنا ابنُ سنانِ القَزَّازُ، قال: ثنا أبو عبدِ الرحمنِ ، قال: ثنا حَرْملةُ ، قال : ثنا
سليمانُ بنُ مُمَيدٍ ، أنه سمِع محمدَ بنَ كعبِ القُرَظِيَّ يحدِّثُ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ،
(١) فى م: ((طلعت)).
(٢) أخرجه اللالكائى فى اعتقاد أهل السنة (٧٧١) من طريق أبى عبد الرحمن المقرئ ببعضه. وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ٢٦٧/٥ إلى المصنف وأبى نصر السجزى فى الإبانة.
* سقطت اللوحة [ ١٢٣ ظ ، ١٢٤ و] من مصورة الأصل.
(٣) سقط من: م، ت ٢.
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٥٧٠/٦ عن المصنف .
٢٢/٢٣

٤٦٩
سورة يس : الآيات ٥٨ - ٦١
قال : إذا فرَّغ اللهُ مِن أهلِ الجنةِ وأهلِ النارِ ، أقْبَل ◌َمْشِى فى ظُلَلٍ مِن الغَمامِ ويقفُ.
قال: ثم ذكَر نحوَه، إلا أنه قال: فيقولون: فماذا نسألُك يا ربِّ؟ فوعزَّتِك
وجلالِك وارتفاع مكانك، لو أنك قسمتَ علينا أرزاقَ الثقلين؛ الجنِّ والإنسِ،
لأُطعَمْناهم ولسقَيناهم ولأُخدَمْناهم، مِن غيرٍ أَن يَنتقِصَ ذلك شيئًا مما عندَنا. قال :
بلى فسَلُونى . قالوا : نسألُك رضاك. قال: رِضائى أحلَّكم دارَ كرامتى. فيفعلُ هذا
بأهلِ كلِّ درجةٍ ، حتى ينتهىَ إلى مجلسِه . وسائرُ الحديثِ مثلُه . فهذا القولُ الذى
قاله محمدُ بنُ كعبٍ، يُنْبِئُ عن أن ﴿سَلَمٌ﴾ بيانٌ عن قولِه: ﴿مَا يَذَّعُونَ﴾، وأن
((القولَ)) خارجٌ مِن ((السلامِ)).
وقولُه : ﴿مِّن رَّدٍّ رَحِيمٍ ﴾ . یعنی : رحیم بھم، إذ لم یعاقِئھم بما سلَف لھم
مِن جزم فی الدنيا .
(٥٩) أَلَمْ أَعْهَذْ
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَمْتَزُواْ أَلْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ
إِلَيْكُمْ يَبَنِيّءَادَمَ أَن لَّا تَعْبُدُواْ الشَّيْطَنَّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ فُّبِينٌ (٦٥) وَأَنِ اعْبُدُونِي
هَذَا صِرَطُ مُسْتَقِيمٌ
٦١
يعنى بقولِه: ﴿ وَآَمْتَزُواْ﴾: تَمَيَّزوا، وهى افتَعلوا، مِن مازَ يَمِيزُ، وفعَل
يفعلُ، منه : امتازَ يمتازُ امتيازًا .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَمْتَزُواْ أَلْيَوْمَ
أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾. قال: عُزِلوا عن كلِّ خيرٍ(١).
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٧/٥ إلى عبد بن حميد والمصنف وابن أبى حاتم .

٤٧٠
سورة يس : الآيات ٥٩ - ٦١
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدِ المحارِيئُّ، عن إسماعيلَ بنِ
رافعٍ، عمَّن حدَّثه، عن محمدِ بنِ كعبِ القُرَظِيِّ، عن أبى هريرةَ، أن رسولَ اللهِ عَ لَائه
قال: ((إذا كان يومُ القيامةِ أمَر اللهُ جهنم، فيَخْرُجُ [١٢٤/٣٦ ظ] منها عُنُقٌ سَاطِعٌ
مُظْلِمٌ، ثم يقولُ: ﴿ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَبَنِيّ ◌َادَمَ أَن لَّا تَعْبُدُواْ الشَّيْطِنَّ إِنَّهُ
وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ
٦١
) وَأَنِ اعْبُدُونِيْ هَذَا صِرَطْ مُسْتَقِيمٌ
٦
لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ
هَذِهِ، جَهَنَُّ الَّتِى كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ ، امْتَازُوا
جِيلًا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ
اليومَ أيُّها المجرمون. فيَتَمَيَّزُ الناسُ وَيَجْثُون، وهى قولُ اللهِ: ﴿ وَتَرَى كُلَّ أُمَّتِ جَائِيَّةٌ
كُّ أُمَِّ تُدْعَىَ إِلَى كِتَبِهَا الْيَوْمَ تْزَوَنَ مَا كُ تَعْمَلُونَ﴾))(١) [الجاثية: ٨
/فتأويلُ الكلام إذن: وتَمَيَّزوا من المؤمنين اليومَ أيُّها الكافرون باللهِ، فإنكم
وارِدون غيرَ مَوْرِدِهم، وداخلون غيرَ مَدْخَلِهم .
٢٣/٢٣
وقولُه: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَبَنِيّ ءَادَمَ أَن لَّا تَعْبُدُواْ الشَّيْطَنَّ إِنَّهُ لَكُمْ
عَدُوٌّ قُّبِينٌ﴾، وفى الكلامِ متروكٌ استُغْنِى بدلالةِ الكلام عليه منه، وهو: ثُم يقالُ:
﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَنَبَنِىّ ءَادَمَ﴾ . يقولُ: ألم أُوصِكم وآمُؤْكم فى الدنيا ألا تَعْبُدوا
الشيطانَ، فتُطِيعوه فى معصيةِ اللهِ؟! ﴿ إِنَُّ لَكُمْ عَدُوٌّ شُبِينٌ﴾. يقولُ: وأقولُ
لكم : إن الشيطانَ لكم عدوٌّ مبينٌ، قد أبان لكم عداوتَه، بامتناعِه من السجودِ
لأبيكم آدمَ ؛ حسدًا منه له على ما كان اللهُ أعطاه من الكرامةِ، وغُرورَه إياه ، حتى
أخرجه وزوجته من الجنةِ .
وقولُه: ﴿ وَأَنِ أَعْبُدُونِيّ هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾. يقولُ: وألم أَعْهَدْ إليكم أن
اعْبُدونى دونَ كلِّ ما سواى من الآلهةِ والأندادِ، وإياى فأطِيعوا؛ فإن إخلاصَ
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٥٧١/٦ عن المصنف. وهو جزء من حديث طويل تقدم تخريجه فى
٦١١/٣ - ٦١٣.

٤٧١
سورة يس : الآيات ٦١ - ٦٤
عبادتى، وإفرادَ طاعتى، ومعصيةَ الشيطانِ، هو الدينُ الصحيحُ، والطريقُ
المستقيمُ ؟!
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَضَلَّ [١٢٥/٣٦و] مِنْكُمْ جِلًا كَثِيًّاً أَفَلَمْ
أَصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ
(٦٣)
هَذِهِ جَهَنَُّ الَتِى كُمْ تُوعَدُونَ(
تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ
(٦٤
تَكْفُرُونَ
قال أبو جعفرٍ رحمه اللهُ: يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًا
كَثِيرًا﴾: ولقد صَدَّ الشيطانُ منكم خلقًا كثيرًا عن طاعتى وإفرادى بالألوهةِ ، حتى
عبَدوه ، واتَّخَذوا من دونى آلهةً يَعْبُدونها .
كما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًا كَثِيرًا﴾. قال: خلقًا(١).
واختَلَفت القَرَأَةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامةُ قَرَأةِ المدينةِ وبعضُ الكُوفيين :
رْ جِيلًا﴾ بكسرِ الجيم وتشديدِ اللامِ . وكان بعضُ المكيّين وعامةُ قرأةِ الكوفة
يَقْرَءُونه : ( حُبُلًا) بضمّ الجيمِ والباءِ وتخفيفِ اللامِ. وكان بعضُ قرأةِ البصرةِ يَقْرَؤُه :
( جُبْلًا) بضمِّ الجيم وتسكين الباءِ(١). وكلُّ هذه لغاتٌ معروفاتٍ؛ غيرَ أنى لا أحبُّ
القراءةَ فى ذلك إلّ بإحدَى القراءتين اللتين إحداهما بكسرِ الجيمِ وتشديدِ اللامِ ،
والأخرى : ضُّ الجيم والباءِ وتخفيفِ اللام؛ لأن ذلك هى القراءةُ التى عليها عامةٌ
(١) تفسير مجاهد ص ٥٦١.
(٢) قرأ نافع وعاصم: ﴿جِيلًا﴾ بكسر الجيم والباء تشديد اللام، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائى: (جُبُلًا)
بضم الجيم والباء، وقرأ أبو عمرو وابن عامر: ( مُجبْلًا) بضم الجيم وتسكين الباء. ينظر حجة القراءات
ص ٦٠١، ٦٠٢.

٤٧٢
سورة يس : الآيات ٦٢ - ٦٥
قَرَأَةِ الأمصارِ .
وقولُه: ﴿ أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ﴾. [١٢٥/٣٦ ظ] يقولُ: أفلم تكونوا تَعْقِلون أيُّها
المشركون - إذ أَطَعتم الشيطانَ فى عبادةٍ غيرِ اللهِ - أنه لا يَنْبَغِى لكم أن تُطِيعوا
عدوَّكم وعدوَّ اللهِ، وتَعْبُدوا غيرَ اللهِ. وقولُه: ﴿هَذِهِ، جَهَُّ الَّتِى كُنُمْ
تُوعَدُونَ﴾. يقولُ : هذه جهنمُ التى كنتم تُوعَدون بها فى الدنيا على كفرِ كم باللهِ،
وتكذيِكم رسلَه ، فكنتم بها تُكَذِّبون . وقيل : إن جهنمَ أولُ بابٍ من أبوابٍ النارِ .
وقولُه: ﴿أَصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾. يقولُ: احتَرِقوا بها اليومَ
ورِدُوها . يعنى باليومٍ: يومَ القيامةِ، ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾. يقولُ: بما كنتم
تَجْحَدونها فى الدنيا، وتُكَذِّبون بها .
/القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىَ أَفْوَهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيِهِمْ
وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
(٦٥
٢٤/٢٣
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللهُ: يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿اَلْيَّوْمَ نَخْتِمُ عَلَّ
أَفْوَهِهِمْ﴾: اليومَ نطبعُ على أقْواهِ المشركين، وذلك يومَ القيامةِ، ﴿ وَتُكَلِّمُنَآ
أَيْدِيهِمْ﴾ بما عمِلوا فى الدنيا مِن مَعاصى اللهِ، ﴿ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمٍ﴾. قيل: إن
الذى ينطقُ مِن أرجلهم أفخاذُهم مِنِ الرِّجْلِ اليُسرى، ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ فى
الدنيا مِن الآثام .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
[٢٦/٣٦ ١ و] ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال : ثنا يونسُ بنُ عُبَيدٍ ، عن
محُمَيدِ بنِ هلالٍ ، قال: قال أبو بُرْدةَ، قال أبو موسى: يُدْعَى المؤمنُ للحسابِ يومَ

٤٧٣
سورة يس : الآية ٦٥
القيامةِ ، فَيَعْرِضُ عليه ربُّه عملَه فيما بينَه وبينَه، فيعترفُ، فيقولُ: نعم أى ربِّ،
عمِلتُ عمِلتُ عمِلتُ . قال: فيغفرُ اللهُ له ذنوبَه، ويسترُه منها، فما على الأرضِ
خليقةٌ يَرى مِن تلك الذنوبِ شيئًا، وتَبْدو حسناتُه، فودَّ أن الناسَ كلَّهم يَرَونها ،
ويُدْعَى الكافر والمنافقُ للحسابِ ، فَيَعرِضُ عليه ربُّه عملَه فيَجْحَدُه، ويقولُ : أى
ربِّ، وِزَّتِك لقد كتب علىَّ هذا المَلَكُ ما لم أعملْ. فيقولُ له المَلَكُ: أمَا عمِلتَ
كذا فى يومٍ كذا فى مكانٍ كذا؟ فيقولُ: لا وعِزَّتِك، أى ربِّ، ما عملتُه. فإذا فعَل
ذلك خُتِم على فِيهِ . قال الأشعرىُّ : فإنى أحسَبُ أوَّلَ ما ينطقُ منه لَفَخِذَه اليُمْنى.
ثم تَلا: ﴿ اَلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَ أَفْوَدِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُواْ
يَكْسِبُونَ ؟
حدّثنا أبو گُریبٍ ، قال : ثنی یحیی ، عن أبى بكرِ بنِ عَيَّاشٍ ، عن الأعمشِ ، عن
الشعبىِّ ، قال : يقالُ للرجلِ يومَ القيامةِ: عمِلتَ كذا وكذا. فيقولُ: ما عملتُ .
فيُخْتَمُ على فِيهِ ، وتنطقُ جَوارحُه، فيقولُ لجوارحِه: أَبْعَدَ كُنَّ اللهُ، ما خاصَمتُ إلا
(٢)
فیکنّ(٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿اَلْيَوْمَ نَخْتِهُ
عَلَ [١٢٦/٣٦ ظ] أَفْوَهِهِمْ﴾ الآية . قال: قد كانت خصوماتٌ وكلامٌ، فكان هذا
آخِرَه، وخُتِم على أفواهِهم(١) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عوفٍ الطائىُ (٤) ، قال: ثنا ابنُ المباركِ، عن ابنِ عَيَّاشٍ، عن
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٥٧٣/٦ عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٧/٥ إلى المصنف
وابن أبى حاتم .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٨/٥ إلى المصنف.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٨/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبى حاتم.
(٤) فى الأصل: ((الطى)).

٤٧٤
سورة يس : الآيات ٦٥ - ٦٧
ضَمْضَمٍ بِنِ زُرْعةً، عن شُرَيحِ بنِ عُبَيدٍ ، عن عقبةً بنٍ عامٍ، أنه سمع النبيَّ عَ لِّ
يقولُ: ((أوَّلُ شَىْءٍ يتكلمُ مِن الإنسانِ يومَ يختمُ اللهُ على الأفواهِ، فَخِذُه مِن رِجْلِه
(١)
الیُسْرَی))
.
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىَ أَعْيُنِمْ فَأَسْتَبَقُواْ
وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا
(٦٦
الصِرَاطَ فَأَنَّى يُنْصِرُونَ
٦٧
أُسْتَطَعُواْ مُضِيًّا وَلَا يَزَجِعُونَ
/قال أبو جعفرٍ رحِمه اللهُ: اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويل قوله: ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ
لَطَمَسْنَا عَلَ أَعْيُنِهِمْ فَأَسْتَبَقُواْ الصِّرَاطَ﴾؛ فقال بعضُهم: عنَى بذلك: ولو نشاءُ
لأَعْمَيناهم عن الهُدى، وأَضْلَلْناهم عن قَصْدِ الحُجَّةِ(٢).
٢٥/٢٣
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىّ ، قال: ثنا أبو صالح ، قال : ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىَّ أَعْيُنِهِمْ﴾. يقولُ: أَضْلَلتُهم وأعمَيتُهم عن
(٣)
الهدى
[١٢٧/٣٦و] وقال آخرون: معنى ذلك: ولو نشاءُ لترَكْناهم عُمْيًا .
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٥٧٣/٦ عن المصنف وأخرجه ابن أبى عاصم فى الأوائل (٥٣) والطبرانى
٣٣٣/١٧ (٩٢١)، وابن أبى حاتم - كما فى تفسير ابن كثير ٥٧٢/٦ - من طريق إسماعيل بن عياش
به، وأخرجه أحمد ٦٠٢/٢٨ (١٧٣٧٤) من طريق إسماعيل بن عياش به موصولًا ، عن شريح بن عبيد،
عمن حدثه عن عقبة، وينظر علل ابن أبى حاتم ٨٧/٢ وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٧/٥ إلى ابن
مردويه .
(٢) فى م، ت ١: ((المحجة)).
(٣) أخرجه البيهقى فى الأسماء والصفات (٣٠٨) من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٦٨/٥ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .

٤٧٥
سورة يس : الآية ٦٦
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا) ابنُ عُلَيَّةَ، عن أبى رجاءٍ، عن الحسنِ فى قولِه :
﴿ وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَىَ أَعْيُنِهِمْ فَأَسْتَبَقُواْ الْصِرَاطَ فَّى يُبْصِرُونَ﴾. قال: لو
يشاءُ لطَمَس على أعينهم فترَكهم عُمْيًّا يتردّدون(٢) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ
لَطَمَسْنَا عَلَ أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُواْ الصِّرَاطَ فَّى يُبْصِرُونَ﴾. يقولُ: ولو شِئْنا
لترَكْنَاهم عُمْيًّا يتردّدون(٣) .
وهذا القولُ الذى ذكّرناه عن الحسنٍ وقتادةَ أشبهُ بتأويلِ الكلام ؛ لأن الله إنما
تهدَّد به قومًا كفارًا، فلا وجهَ لأن يقالَ وهم كفارٌ: لو نشاءُ لأُضْلَلْناهم. وقد
أَضَلَّهم، ولكنه قال: لو نشاءُ لعاقَتْناهم على كفرِهم، فطَمَسْنا على أعينِهم
فصَيَّرْناهم عُمْيًّا لا يُتْصِرون طريقًا ، ولا يَهْتَدون له . والطَّفْسُ على العينِ: هو ألَّ
يكونَ بينَ جَفْنَى العينِ غَرٍ؛ وذلك هو الشِّقُّ الذى يكونُ بينَ الجفنين، كما تَطْمِسُ
الريحُ الأثَرَ، يقالُ : أعمى مطموسٌ وطَمِيسٌ.
وقولُه: ﴿فَاسْتَبَقُواْ الصِّرَاطَ﴾. يقولُ: فابتَدَروا الطريقَ.
کما حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثناعیسی ، وحدّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
(١ - ١) سقط من: الأصل.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٨/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبى حاتم، وينظر تفسير ابن كثير
٥٧٣/٦.
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٤٥/٢ عن معمر عن قتادة به .

٤٧٦
سورة يس : الاية ٦٦
قولَه: ﴿ فَأَسْتَبَقُواْ الصِّرَاطَ﴾. قال: الطريقَ(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَسْتَبَقُواْ
الصِّرَاطَ﴾. أى: الطريقَ(١) .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى [١٢٧/٣٦ظ]
قوله: ﴿ فَأَسْتَبَقُواْ الصِّرَاطَ ﴾. قال: الصِّراطُ : الطريقُ .
وقولُه: ﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾. يقولُ: فأىَّ وَجْهٍ يُنْصِرون أن يَسْلُكوه مِن
الطرقِ ، وقد طَمَسْنا على أعينهم !
كما حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثناعيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿فَ يُبْصِرُونَ﴾ وقد طمَشْنا على أعينهم (١).
وقال الذين وجهوا تأويلَ قوله: ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىَّ أَعْيُنِهِمْ﴾ إلى أنه
معنىٍّ به العَمَى عن الهدَى: تأويلُ قولِه: ﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾: فأنّى يَهْتَدون
ـلحقٌّ.
٢٦/٢٣
/ ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی علىّ، قال: ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ، عن علىٍّ ، عن ابنِ
عباسٍ: ﴿فََّ يُبْصِرُونَ﴾. يقولُ: فكيف يَهْتَدون(٤) !
(١) تفسير مجاهد ص ٥٦١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٨/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.
(٢) تفسير ابن كثير ٦/ ٥٧٣.
(٣) تفسير مجاهد ص ٥٦١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٨/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.
(٤) أخرجه البيهقى فى الأسماء والصفات (٣٠٨) من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٦٨/٥ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .

٤٧٧
سورة يس : الآيتان ٦٧،٦٦
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَأَّى يُبْصِرُونَ﴾. يقولُ: لا يُصِرون الحقَّ(١).
وقولُه: ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولو
نشاءُ لأُقْعَدْنا هؤلاء المشركين مِن أرجلهم فى منازلهم، ﴿فَمَا اسْتَطَاعُواْ مُضِيًّا وَلَا
يَزَّجِعُونَ﴾. يقولُ: فلا يستطيعون أن يَمْضُوا أمامَهم، ولا أن يرجعوا وراءَهم.
وقد اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم بنحوِ الذى قلنا فى
ذلك .
[١٢٨/٣٦ و] ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةً، عن أبى رجاءٍ، عن الحسنِ: ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ
لَمَسَخْنَهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾. قال: لو نشاءُ لأَقْعَدْناهم(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَلَوْ نَشَاءُ
لَمَسَخْنَهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾. أى: لأَقْعَدْناهم على أرجلِهم، ﴿فَمَا أُسْتَطَعُواْ
مُضِيًّا وَلَا يَجِعُونَ﴾: فلم يستطيعوا أن يَتقدَّموا ولا يتأخّروا (٢).
وقال آخرون : بل معنى ذلك: ولو نشاءُ لأهلكناهم فى منازلهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی أُبی ، قال : ثنی عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
(١) تفسير ابن کثیر ٦/ ٥٧٣.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٨/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبى حاتم بلفظ: لجعلناهم كسحا
لا یقومون. وینظر تفسیر ابن کثیر ٥/ ٥٧٣.
(٣) أخرج الجزء الأول منه عبد الرزاق فى تفسيره ١٤٥/٢ بنحوه، وأما الجزء الآخر فعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٦٨/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد، وينظر تفسير ابن كثير ٦/ ٥٧٣.

٤٧٨
سورة يس : الآيات ٦٧ - ٧٠
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا أَسْتَطَاعُواْ
مُضِيًّا وَلَا يَجِعُونَ﴾. يقولُ: ولو نشاءُ أهلَكْناهم فى مساكِنِهِم(١).
والمكانةُ والمكانُ بمعنَى واحدٍ، وقد بَيَّنَّا ذلك فيما مضى قبلُ(٢).
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ تُعَِّرْهُ نُنَكِسْهُ فِ الْخَلْقِّ أَفَلَاَ
وَمَا عَلَّمْنَهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِى لَهُّ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْءَانٌ مُّبِينٌ
يَعْقِلُونَ [َ
لِيُنْذِرَ مَن كَانَ حَيَّا وَيَحِنَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَفِرِينَ
٧٠
[١٢٨/٣٦ط] قال أبو جعفر رحمه اللهُ: يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَمَن تُعَجِّرْهُ﴾
فَتَمُدَّله فى العُمُرِ، ﴿ نُنَكِّسْهُ فِ الْخَلْقِ﴾. يقولُ: نُدُّه إلى مثلِ حالِه فى الصِّبامِن
الهَرَمِ والكِبَرِ، وذلك هو النَّكسُ فى الخلقِ، فيصيرُ لا يعلمُ شيئًا بعدَ العلم الذى كان
يعلمُه .
وبالذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَنْ تُعَجِّرْهُ
نُنَكِّسْهُ فِ اْخَلْقِ﴾. يقولُ: مَن تَخُدَّ له فى العُمُرِ نُتَكِّشْه فى الخلقِ، لكيلا يعلمَ بعدَ
علمٍ شيئًا، يعنى الهَرَمَ (١) .
/ واختلفت القرأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿ نُنَكِسْهُ﴾؛ فقَرأه عامةُ قرأةِ المدينةِ
٢٧/٢٣
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٨/٥ إلى المصنف وابن أبى حاتم، وذكره ابن حجر فى تغليق التعليق
٢٩٢/٤ عن المصنف، وزاد فيه: والمكانة والمكان واحد. وهو من كلام المصنف.
(٢) ينظر ما تقدم فى ٩ / ٥٦٧.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٨/٥ إلى المصنف وابن أبى حاتم.

٤٧٩
سورة يس : الآية ٦٨
والبصرةٍ وبعضُ الكوفيّين: (نَنْكُسْهُ) بفتح النونِ الأُولى وتَشْكينِ الثانيةِ(١). وقرأته
عامَّةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿ نُنَكِّسْهُ﴾ بضمِّ النونِ الأولى وفتح الثانية وتشديد
الكافٍ(٢) .
والصوابُ من القولِ فى ذلك أنهما قراءتان مشهورتان فى قرأةِ الأمصارِ ،
فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ ، غيرَ أن التى عليها عامةُ قرأةِ الكوفيّين أعجبُ إلىّ؛
لأن التنكيسَ مِن اللهِ فى الخلقِ إنما هو حالٌ بعدَ حالٍ ، وشىءٌ بعدَ شىءٍ ، فذلك
(٣تأكيدُ التشديد) .
وكذلك اختلفوا فى قراءةِ قولِه: ﴿ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ﴾؛ فقرأته قرأةٌ(٤) المدينةِ:
( أَفَلا تَعْقِلُونَ ) بالتاءِ على وَجْهِ الخطابِ (١). وقرأته قرأةُ الكوفةِ بالياءِ على الخبرِ (١)،
وقراءةُ ذلك بالياءِ أشبهُ بظاهرِ التنزيلِ ؛ لأنه احتجاجٌ مِن اللهِ على المشركين الذين قال
لهم(٧): ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا [١٢٩/٣٦و] عَلَىَ أَعْيُنِهِمْ﴾ فإخراج ذلك خبرًا على
نحوِ ما خُرِّج قولُه: ﴿ لَطَمَسْنَا عَلَىَ أَعْيُنِهِمْ﴾ أعجبُ إلىَّ، وإن كان الآخرُ غيرَ
مدفوعٍ .
ويعنى تعالى ذكره بقولِه: ﴿ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ﴾: أفلا يعقلُ هؤلاء المشركون
قُدْرَ اللهِ علی ما یشاءُ مُعاینتهم ما يُعاینون مِن تَضْریفِ خلقِه فیما شاء وأحبَّ ، مِن
(١) وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وابن عامر والكسائى. السبعة لابن مجاهد ص ٥٤٣.
(٢) وهى قراءة عاصم وحمزة . إتحاف فضلاء البشر ص ٢٢٥.
(٣ - ٣) فى م، ت ١: (( تأیید للتشديد)) .
(٤) بعده فى الأصل: ((عامة)).
(٥) وهى قراءة نافع. السبعة لابن مجاهد ص ٥٤٣.
(٦) وهى قراءة ابن كثير وأنى عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائى. المصدر السابق.
(٧) سقط من: م، ت ١.

٤٨٠
سورة يس : الآيتان ٦٨، ٦٩
صِغَرٍ إلى كِبَرٍ، ومِن تَنْكيسٍ بعدَ كِبَرٍ فى هَرَمٍ ؟
وقولُه: ﴿وَمَا عَلَّمْنَهُ الشِّهْرَ وَمَا يَلْبَغِى لَهٍُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما عَلَّمْنا
محمدًا الشعرَ، وما ينبغى له أن يكونَ شاعرًا .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَمَا
عَلَّمْتَهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِى لَهٍُ﴾. قال: قيل لعائشةَ: هل كان رسولُ اللهِ عَلٍ يَتَمَثَّلُ
بشىءٍ مِن الشِّعْرِ؟ قالت : كان أبغضَ الحديثِ إليه ، غيرَ أنه كان يتمثَّلُ ببيتٍ أخى
بنى قيسٍ ، فيجعلُ آخرَه أوَّلَه، وأوَّلَه آخرَه، فقال له أبو بكرٍ: إنه (١) ليس هكذا . فقال
نبُّ اللهِ: ((إِنِّى واللهِ ما أنا بشاعرٍ، ولا يَنْتَغى لى))(١).
وقولُه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما هو إلا ذكرٌ. يعنى بقولِه:
﴿إِنْهُوَ ﴾ . أى(٢) : محمدٌ، ﴿ إِلَّا ◌ِگرٌ ﴾ لكم أيُّها الناسُ، ذّرَ كم اللهُ يارسالِه
إِيَّاه إليكم، ونَّهَكم به على حَظّكم، ﴿وَقُرْءَانٌ مُبِينٌ﴾ . يقولُ : وهذا الذى جاءكم
به محمدٌ قرآنٌ مبينٌ، يقولُ: يَبِينُ لمَنْ تَدَبَّره بعقلِ ولُبِّ ، أنه تنزيلٌ مِن اللهِ ، أنزله إلی
محمدٍ ، وأنه ليس بشِعْرٍ ولا سَجْعٍ كاهنٍ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقُرْءَانٌ
مُّبِينٌ﴾. قال: هذا القرآنُ(٤) .
(١) فى الأصل: ((لله أنت)).
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ١٤٥، ١٤٦ عن معمر عن قتادة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٦٨/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم. والبيت المقصود هو قول طرفة:
ويأتيك بالأخبار من لم تزود
ستبدی لك الأیام ما کنت جاهلا
(٣) فى الأصل، ت ١: ((يا)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٨/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبى حاتم.