Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
سورة الأحزاب : الآية ٧٢
عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحِْلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ .
قال: إن الله عرَض عليهن الأمانةَ؛ أن يفترضَ علیھن الدین، ویجعلَ لھن ثوابًا
وعقابًا ، ویَسْتأمنھنَّ علی الدین، فقلن: لا ، نحن مسخّراتٌ لأُمرك ، لا نريدُ ثوابًا
ولا عقابًا. قال رسولُ اللهِ عَّهِ: ((وعَرَضَها اللهُ على آدمَ، فقال: بينَ أُذُنى
وعاتِقى)). قال ابنُ زيدٍ: فقال اللهُ له: أمَّا إذا تَحَثَّلتَ هذا، فسأُعِينُك؛ أجعلُ
لبصرِك حجابًا ، فإذا خشيتَ أن تنظرَ إلى ما لا يحلُّ لك، فأرخ عليه حجابَه، وأجعلُ
للسانِك بابًا وغَلَقًا، فإذا حَشِيتَ فأغِلِقْ، وأجعلُ لفَرْجِك لباسًا، فلا تَكْشِفْه إلَّا على
ما أحللتُ لك(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا
اُلْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ / وَالْأَرْضِ وَاَلِْبَالِ﴾. يعنى به الدينَ " والفرائضَ والحدودَ: ٥٦/٢٢
﴿ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾. قيل لهن: احمِلْتَها تُؤَدِّين حقَّها. فقُلْنَ: لا
نُطِيقُ ذلك، ﴿ وَجَلَهَا الْإِنسَنُّ إِنَّهٍُ كَنَ ظَلُوْمًا جَهُولًا﴾. قيل له : أتحمِلُها؟ قال :
نعم . قيل: أتؤدِّى حقّها؟ قال: نعم. قال اللهُ: ﴿ إِنَُّ كَانَ ظَلُوْمًا جَهُولًا﴾ عن
ي(٣)
حقِّها (٣).
وقال آخرون : بل عنَى بالأمانةِ فى هذا الموضع أماناتِ الناسِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا تميمُ بنُ المنتصرِ، قال: ثنا إسحاقُ، عن شَرِيكٍ، عن الأعمشِ، عن
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٧٨/٦، ٤٧٩ عن المصنف.
(٢ - ٢) سقط من: ت ٢.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٥/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.

٢٠٢
سورة الأحزاب : الآية ٧٢
عبدِ اللهِ بنِ السائبِ ، عن زاذانَ ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، عن النبيِّ ◌َّ لِ أنه قال:
((القَتْلُ فى سبيلِ اللهِ يُكَفِّرُ الذنوبَ كلَّها، أو قال: يكفِّرُ كلَّ شىءٍ إلا الأمانةَ، ◌ُؤْتَی
بصاحبِ الأمانةِ ، فيُقالُ له : أدّ أمانتك. فيقولُ: أى ربِّ، وقد ذهَبَت الدنيا؟
ثلاثًا . فيقالُ : اذهبوا به إلى الهاويةِ . فُذْهَبُ به إليها ، فيهْوِی فیها حتى ينتهىَ إلى
قَعْرِها ، فيَجِدُها هناك كهيئتِها، فيَحْمِلُها ، فيَضَعُها على عاتقِه، فيَصْعَدُ بها إلى
شَفِيرِ جهنمَ ، حتى إذا رأى أنه قد خرَج، زَلَّت ، فهَوَى فى أثَرِها أبدَ الآبِدين)) .
قالوا: والأمانةُ فى الصلاةِ، والأمانةُ فى الصوم، ( والأمانةُ فى الوضوءِ) ، والأمانةُ
فى الحديثِ، وأشدُّ ذلك الودائعُ، فَلَقِيتُ البَرَاءَ فقلتُ: ألا تسمعُ إلى ما يقولُ
أخوك عبدُ اللهِ؟ فقال: صَدَق(٢).
قال شریٹ : وثنی عیاشِ العامِریُّ، عن زاذانَ ، عن عبدِ الله بن مسعودٍ، عن
النبيِّ عَِّ بنحوِه، ولم يذكرِ الأمانةَ فى الصلاةِ، وفى كلِّ شىءٍ.
حدَّثنی یونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : قال ابنُ زيدٍ : أخبرنى عمرُو بنُ
الحارثِ ، عن ابن أبى هلالٍ، عن أبى حازمٍ ، قال: إن اللهَ عرَض الأمانةَ على سماءٍ
الدنيا ، فأبت ، ثم التى تَليها ، حتى فرغ منها ، ثم الأرضين ثم الجبالِ ، ثم عرَضها على
آدمَ، فقال: نعم، بينَ أَذُنى وعاتِقى. فثلاثٌ آمُرُكُ بهن، فإنهنَّ لك عونٌ؛ إنى
جعلتُ لك بصرًا وجعلتُ لك شُفْرِينَ(٤) فغُضَّهماً) عن (°كلِّ شيءٍ نهيتُك عنهْ)،
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) أخرجه الطبرانى (١٠٥٢٧)، وعنه أبو نعيم فى الحلية ٢٠١/٤ من طريق تميم بن المنتصر به، وأخرجه أبو
نعيم فى الحلية ٢٠١/٤ من طريق شريك به موقوفًا .
(٣ - ٣) سقط من: م، ت ١.
(٤) الشُّفر: حرف كل شىء، وشفر الجفن حرفه الذى ينبت عليه الهدب. الوسيط (ش ف ر).
(٥ - ٥) سقط من النسخ، والمثبت من الدر المنثور.

٢٠٣
سورة الأحزاب : الآية ٧٢
وجعلتُ لك لسانًا بينَ لَحَيْين، فَكُفَّه عن كلِّ شيءٍ نَهَيتُك عنه٢ ، وجعلتُ لك فَوْجًا
وَوارِيتُه، فلا تكشِفْه إلى ما حرَّمتُ عليك(٢).
وقال آخرون: بل ذلك إنما ◌ُنى به ائتمانُ آدمَ ابنَه قابيلَ على أهلِه وولدِه ، وخيانةُ
قابیلَ إياه فى قتلِه أخاه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ فى خبرٍ ذكرَه [٦٣٩/٢و] عن أبى مالكِ، وعن أبى صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ،
وعن مُرّةَ الهمدانيٌ، عن ابنٍ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ عَ لِّ، قال:
(١((كان لا يولَدُ لآدمَ مولودٌ إلا وُلِد معهَ جاريةٌ، فكان يزوِّجُ غلامَ هذا البطنِ جاريةَ
هذا البطنِ الآخرِ، ويزوِّجُ جاريةَ هذا البطنِ غلامَ هذا البطنِ الآخرِ ، حتى وُلِد له
ابنانٍ ، يقالُ لهما : قابيلُ، وهابيلُ. وكان قابيلُ صاحبَ زَرْعٍ، وكان هابيلُ
صاحبَ ضَرْعٍ، وكان قابيلُ أكبرَهما ، وكان له أختٌّ أحسنُ من أختِ هابيلَ ، وإن
هابيل طلَب أن يَنْكِحَ أختَ قابيلَ، فأتَى عليه، وقال: هى أختى / وُلِدتْ معى، ٥٧/٢٢
وهى أحسنُ من أختِك، وأنا أحقُّ بأختى أن أتزوجَها . فأمَرِه أبوه أن يزوِّجَها هابيلَ ،
فأتَى عليه ، وإنهما قرَّبا قُربانًا إلى اللهِ أَيُّهما أُحقُّ بالجاريةِ، وكان آدم يومئذٍ قد غاب
عنهما، ("أتى لمكةً) ينظرُ إليها، قال اللهُ لآدمَ: يا آدمُ، هل تعلمُ أن لى بيتًا فى
الأرضِ؟ قال: اللهم لا . قال : إن لى بيتًا بمكةَ فَتِهِ . فقال آدمُ للسماءِ: احفَظى
(١ - ١) سقط من: ت ٢.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٥/٥ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٣ - ٣) فى م: ((أى بمكة))، وفى ت ٢: ((بمكة)).

٢٠٤
سورة الأحزاب : الآية ٧٢
ولَدِى بالأمانةِ . فَأَبَت ، وقال للأرضِ ، فأَبَت ، فقال للجبالِ ، فأَبَت ، فقال لقابيلَ ،
فقال: نعم. تذهبُ وترجعُ، وتجدُ أهلَك كما يسُرُّك . فلما انطلَق آدمُ وقرَّبا قربانًا ،
وكان قابيلُ يفخرُ عليه فيقولُ : أنا أحقُّ بها منك، هى أختى، وأنا أكبرُ منك ، وأنا
وصىُّ والدى. فلما قرَّبا، قَرَّب هابيلُ جَذَعَةٌ سمينةً، وقَرَّب قابيلُ(١) محُزْمةَ سُنْبلٍ،
فوجَد فيها سُنبلةً عظيمةً، ففَرَكها فأكَلها ، فنزلَت النارُ، فأُكَلَت قُرْبَانَ هابِيلَ،
وتركَت قُرِبانَ قابيلَ، فغضِب وقال: ﴿لِأَقْتُلَكٌ﴾ حتى لا تنكحَ أختى. فقال
هابيلُ: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ اُلْمُنَّقِينَ لَبِنْ بَسَطَتَ إِلَّ يَدَكَ لِنَقْتُلِ مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ
يَدِىَ إِلَيَّكَ لِأَقْتُلَكَّ إِنَّ أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ﴾ إلى قولِه: ﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ
نَفْسُمُ قَلْلَ أَخِيهِ ﴾ [المائدة: ٢٧ - ٣٠]. فطلَبه ليقتُلَه، فراغَ الغلامُ منه فى رءوسٍ
الجبالِ، وأتاه(١) يومًا مِن الأيامِ، وهو يَرْعَى غنمَه فى جبلٍ وهو نائمٌ ، فرفَع صخرةٌ،
فَشَدَخِ بها رأسَه فمات، وترَكه بالعَراءِ، ولا يعلمُ كيف يُدْفَنُ، فبعث اللهُ غُرابَين
أُخَوين(٢) ، فاقْتَلا، فقتل أحدُهما صاحبه، فحفَر له، ثم حَثًا عليه، فلما رَآه قال :
يَوَيَّلَتِىَ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَبِ فَأُوَرِىَ سَوْءَةَ أَخِى﴾ [المائدة: ٣١].
فهو قولُ اللهِ تبارك وتعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَبًا يَبْحَثُ فِىِ اَلْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ
يُؤَرِى سَوْءَةَ أَخِيةٍ﴾ [المائدة: ٣١]. فرجَع آدمُ، فوجَد ابنَه قد قتَل أخاه ، فذلك حينَ
يقولُ: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ ().
وأَولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ ما قاله الذين قالوا : إنه ◌ُنِى بالأمانةِ فى هذا
الموضعِ جميعُ معانى الأماناتِ فى الدينِ، وأماناتِ الناسِ. وذلك أن اللهَ لم يَخُصَّ
(١) فى م: ((هابيل)). وهو خطأ طباعى.
(٢) فى ت ٢: ((لقاه)).
(٣) سقط من: ت ١.
(٤) ذكره القرطبى فى تفسيره ٢٥٤/١٤، وأبو حيان فى البحر المحيط ٢٥٤/٧.

٢٠٥
سورة الأحزاب : الآيتان ٧٢، ٧٣
بقولِه: ﴿عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾. بعضَ معانى الأماناتِ لِما وصَفنا .
وبنحوِ قولِنا قال أهلُ التأويلِ فى معنى قولِ اللهِ: ﴿ إِنَّمُ كَانَ ظَلُوْمًا جَهُولًا﴾
•
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ: ﴿إِنَّهُ كَانَ
ظَلُومًا جَهُولًا﴾. يعنى قابيلَ حينَ حمَل أمانةَ آدمَ لم يحفَظْ له أهلَه(١).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيرِىُّ، قال: ثنا سفيانُ ، عن رجلٍ ، عن
الضحاكِ فى قوله: ﴿ وَحَلَهَا الْإِنسَنَّ﴾. قال: آدمُ، ﴿ إِنَُّ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ .
قال : ظلومًا لنفسِه ، جهولاً فيما احتَمل فيما بينَه وبينَ ربِّه .
حدَّثنا علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنى معاويةُ ، عن علىّ ، عن ابنِ عباسٍ :
﴿ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوْمًا جَهُولًا﴾: غِرّا(٢) بأمرِ الله(٣) .
/ حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا ٥٨/٢٢
جَهُولًا﴾. قال: ظلومًا لها - يعنى للأمانةِ - جهولاً عن حقِّها(٤).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اَللّهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ
وَالْمُشْرِكِتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِّ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا
يقولُ تعالى ذكره: وحَمَل الإنسانُ الأمانةَ كيما يعذِّبَ اللهُ المنافقين فيها ،
(١) ذكره القرطبى فى تفسيره ٢٥٤/١٤ بنحوه .
(٢) فى م: ((غر)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى الإتقان ٢/ ٣٧ - وابن الأنبارى فى الأضداد ص ٣٨٩، ٣٩٠
من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٤/٥، ٢٢٥ إلى ابن المنذر.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٥/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.

٢٠٦
سورة الأحزاب : الآية ٧٣
الذين يُظهِرون أنهم يؤدُّون فرائضَ اللهِ ، مؤمنين بها ، وهم مستسِرُّون الكفرَ بها ،
والمنافقاتِ، والمشرِكين باللهِ فى عبادتِهم إيَّه الآلهةَ والأوثانَ، والمشركاتِ،
﴿وَيَتُبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ فيرجِعَ بهم إلى طاعتِهِ، وأداءِ الأماناتِ
التى ألزَمهم إياها حتى يؤدُّوها، ﴿ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لذنوبِ المؤمنين والمؤمِناتِ ،
بسترِه عليها وتركِه عقابَهم عليها، ﴿ رَّحِيمًا﴾ أن يعذُّبَهم عليها بعدَ توبتهم منها .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
[٦٣٩/٢ظ] حدَّثنا سؤَّارُ بنُ عبدِ اللهِ العَنْبَرِىُّ، قال: ثنى أبى، قال: ثنا أبو
الأشهبِ ، عن الحسنِ أنه كان يقْرَأَ هذه الآيةَ: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾. حتى ينتهىَ: ﴿لِيُعَذِّبَ اَللَّهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ
وَالْمُشْرِكَتِ﴾. فيقولُ: (( اللذانِ خاناها، اللذانِ) ظلَماها؛ المنافقُ والمشركُ(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ
اٌلْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكِتِ﴾: هذان اللذانِ خاناها، ﴿ وَبَوَبَ اللَّهُ
عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾: هذانِ اللذانِ أَذَّياها، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا
رَّحِيمًا﴾ (٢).
آخرُ تفسيرِ سورة الأحزابِ، وللهِ الحمدُ والمنةُ
(١ - ١) فى ت ١، ت ٢: ((مما الله إن خافاهما الله إن)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٦/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٥/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.

٢٠٧
سورة سبأ : الآية ١
بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ
[١/٣٦ظ] تفسير سورةٍ سباً
(*)
القولُ فى تأويل قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ
اُلْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِىِ الْآَخِرَةَّ وَهُوَ اَلْحَكِيمُ الْخَيْرُ
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللهُ: يقولُ تعالى ذكرُه: الشكرُ الكاملُ والحمدُ التامُ كلُّه،
للمعبودِ الذى هو مالكُ جميعٍ ما فى السماواتِ / السبع، وما فى الأرضين السبعِ، ٥٩/٢٢
دونَ كلِّ ما ( يُعبَدُ مِن دونِه) ، ودونَ كلِّ شىءٍ سواه، لا مالكَ لشيءٍ من ذلك
غيرُه، بالمعنى (١) الذى هو به مالكٌ جميعَه. ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِى الْآَخِرَةَّ﴾. يقولُ : وله
الشكرُ الكاملُ فى الآخرةِ ، كالذى هو له (٢) فى الدنيا العاجلةِ ؛ لأن منه النعمَ كلَّها ،
على كلِّ مَنْ فى السماواتِ والأرضِ فى الدنيا، ومنه يكونُ ذلك فى الآخرةِ ،
فالحمدُ للهِ خالصًا، دونَ " كلِّ أحدٍ" سواه، فى عاجلِ الدنيا، وآجلِ الآخرةِ ؛ لأن
النعمَ كلَّها من قِبَلِه، لا يَشرَكُه فيها أحدٌ من دونِهِ، وهو الحكيمُ فى تدبيرِه خلقَه
وصرفِه إياهم فى تقديرِه ، خبيرٌ بهم ، وبما يُصلحُهم ، وبما عمِلوا، وما هم عاملوه،
محيطٌ بجميع ذلك .
وبنحوِ الذى قلنا فى [٢/٣٦و] ذلك قال أهلُ التأويلِ.
(*) من هنا يبدأ الجزء السادس والثلاثون من مخطوط خزانة القرويين المشار إليها بـ ((الأصل)).
(١ - ١) فى م، ت ٢، ت ٣: ((يعبدونه))، وفى ت ١: (( يعبد دونه)).
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فالمعنى)).
(٣) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ذلك)).
(٤ - ٤) فى م، ت ١، ت ٢: ((ما)).

٢٠٨
سورة سبأ : الآيتان ٢،١
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ
اْخَيرُ﴾: حكيمٌ فى أمرِهِ، خبيرٌ بخلقِه(١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِ الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ
مِنَ السَمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللهُ: يقولُ تعالى ذكره: يعلمُ ما يدخُلُ فى الأرضِ وما
يغيبُ " فيها من شىءٍ. من قولهم: وَلَجْتُ فى كذا. إذا دخلتَ فيه، وكما قال
(٣)
الشاعر(٣):
رأيْتُ القَوَافِيَ يَتَّلِّجْنَ مَوالِجًا تَضَايَقُ عَنْهَا(٤) أنْ تَوَلَُّها(*) الإِبَرْ
يعنى بقولِه: يَتَّلجن موالجا : يدخلن مداخلَ .
﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾. يقولُ: وما يخرجُ من الأرضِ، ﴿ وَمَا يَنْزِلُ مِنَ
السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾. يعنى: وما يَصعَدُ فى السماءِ، وذلك خبرٌ من اللهِ أنه
العالمُ الذى لا يخفَى عليه (١) شىءٌ فى السماواتِ والأرضِ، مما ظهَر فيها وما بطَن،
﴿ وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾. يقولُ: وهو الرحيمُ بأهلِ التوبةِ مِن [٢/٣٦ظ] عبادِه أن
يعذِّبَهم بعد توبتهم ، الغفورُ لذنوبهم إذا تابوا منها .
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٢٦/٢ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٦/٥ إلى
عبد بن حميد وابن المنذر .
(٢) فى الأصل: ((يصيب)).
(٣) البيت لطرفة بن العبد، وهو فى ديوانه ص ١٦١.
(٤) فى النسخ: ( عنه)) .
(٥) فى النسخ: ((تولجه)).
(٦) فى الأصل: ((عنه)).

٢٠٩
سورة سبأ : الآية ٣
القولُ فى تأويلِ قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْلَا تَأْتِنَا السَّاعَةُ قُلْ بَى وَرَبٍِ
لَتَأْتِنَّكُمْ عَلِمِ الْغَيْبٍ لَا يَعُْبُ عَنْهُ / مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَتِ وَلَا فِىِ اُلْأَرْضِ وَلَ
أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَّ أَكْبَرُ إِلَّا فِ كِتَبٍ مُبِينٍ
٦٠/٢٢
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللهُ: يقولُ تعالى ذكرُه : ويستعجلُك يا محمدُ الذين
جحَدوا قُدرةَ اللهِ على إعادةِ خلقِه بعدَ فنائِهم، لهيئتهم التى كانوا بها مِن قبلٍ
فنائِهم ، مِن قومِك ، بقيامِ الساعةِ ، "فقالوالك: لا تأتينا الساعةُ). استهزاءً بوعدِك
إياهم ذلك، وتكذيبًا لخبرِك، قُلْ لهم: بلى لتأتينَّكم(٢) ورِّى، قسمًا به لتأتيَنَّكم
الساعةُ . ثم عادَ جلَّ جلالُه ()إلى الثناءِ) على نفسِه وتمجيدِها، فقال: ﴿عَلِمِ
الْغَيْبِّ﴾ .
واختلَفَت القرأةُ فى قراءةِ ذلك ؛ فقرأتْه عامةُ قرأةِ المدينةِ : (عالمُ الغيبِ ) على
مثالِ ((فاعل))، بالرفع على الاستئنافِ (٥)، إذ دخَل بينَ قولِه: ﴿وَرَبِّ﴾ وبينَ قولِه :
(عالمُ الغيبِ ) كلامٌ حائلٌ بينَه وبينَه . وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ، ﴿عَلِمِ
اٌلْغَيْبِّ(﴾ على مثالِ ((فاعل))، غيرَ أنهم خفَضوا ﴿عَلِمِ﴾(١) ردًا منهم له على
[٣/٣٦و] قوله: ﴿وَرَبِى﴾ إذ كان مِن صفتِه (٨). وقرأ ذلك بعدُ(٤) عامةُ قرأةِ الكوفةِ:
(١) فى م: ((بهيئتهم)) .
(٢ - ٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) فى م، ت ٢: ((تأتيكم))، وفى ت ١، ت ٣: (( تأتينكم)).
(٤ - ٤) فى م: ((بعد ذكره الساعة))، وفى ت ١: ((إلى الساعة)).
(٥) هى قراءة نافع وابن عامر. السبعة ص ٥٢٦.
(٦) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٧ - ٧) سقط من: ت ٢.
(٨) هى قراءة ابن كثير وأبى عمرو وعاصم. المصدر السابق.
(٩) فى م، ت ٢، ت ٣: ((بقية)).
( تفسير الطبرى ١٤/١٩ )

٢١٠
سورة سبأ : الآية ٣
(علَّام الغيبِ) على مثالٍ ((فَقَال))، وبالخفضِ ردًّا لإعرابِه على إعرابٍ قولِه:
﴿ وَرَبِ﴾. إذ كان مِن نَعْتِه (١).
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندَنا أن كلَّ هذه القراءاتِ الثلاثِ قراءاتٌ
مشهورةٌ فى قرأةِ الأمصارِ ، مُتقارباتُ المعانى ، فبأيَّتِهِن قَرَأْ القارئُ فمصيبٌ ، غيرَ أن
أعجبَ القراءاتِ إلىّ فى ذلك إلىّ أن أقرأ بها: (علَّام الغيبِ ) على القراءةِ التى
ذكرناها عن عامةٍ قرأةِ أهلِ الكوفةِ .
فأما اختيارى (علَّام الغيبِ (١)) على ﴿عَلِمِ ﴾؛ فلأنها أبلغُ فى المدح، وأما
الخفضُ فيها ؛ فلأنها مِن نعتِ الربِّ، وهو فى موضعِ الجرِّ، وعَنى بقولِه: (علَّام
الغَيْبِ ): علَّم ما يغيبُ عن أبصارِ الخلقِ، فلا يَراه أحدٌ؛ إمَّ مما (١) لم يُكوِّنْه مما
سيكوِّنُه، أو مما(٤) قد كوَّنه، فلم يَطَّلِعْ عليه أحدٌ(٥) غيرُه، وإنما وصَف جلّ وعزّ فى
هذا الموضع نفسه بعلمِه الغيبَ ؛ إعلامًا منه خلقه أن الساعةَ لا يعلمُ وقتَ مجيئها
أحدٌ سِواه، وإن كانت جائيةً، فقال النبيِّه محمدٍ مَ له: قُلْ للذين كفَروا بربّهم: بلى
وربِّى لتأتينّكم الساعةُ ، ولكنه لا يعلمُ وقتَ (٦() إتيانِها غيرُ علَّامٍ) الغيوبِ، الذى
لا يعزُبُ عنه مثقالُ ذرَّةٍ .
ويعنى جلَّ ثناؤه بقولِه : ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾ : لا يغيبُ عنه، ولكنه ظاهرٌ له .
وبنحوِ الذى قلنا فى تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ .
(١) هى قراءة حمزة والكسائى. المصدر السابق.
(٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ما)).
(٤) فى م: ((ما)).
(٥) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أحدا)).
(٦ - ٦) فى م: ((مجيئها أحد سوى علام))، وفى ت ٢، ت ٣: ((مجيئها أحد سواه)).
(٧ - ٧) فى ت ١: ((مجيئها أحد سواه)).

٢١١
سورة سبأ: الآيتان ٣ ، ٤
ذكرُ مَن قال ذلك
[٣/٣٦ط] حدَّثنا علىّ، قال: ثنا أبو صالح، قال : ثنى معاويةُ ، عن علىِّ ، عن
ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿لَا يَعَزُبُ عَنْهُ﴾. يقولُ: لا يغيبُ عنه(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قولِ اللهِ: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾. قال: لا يغيبُ عنه (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ
ذَرَّقِ﴾. أى: لا يغيبُ عنه(٣).
وقد بيَّنَّا ذلك بشواهدِه فيما مضى، بما أغنَى عن إعادتِه فى هذا الموضع .
/ وقولُه: ﴿مِثْقَالُ ذَرَّقٍ﴾. يعنى: زِنَةَ ذَرَّةٍ، ﴿فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِى ٦١/٢٢
اُلْأَرْضِ﴾. يقولُ تعالى ذكره: لا يغيبُ عنه شىءٌ، مِن زِنَةِ ذرَّةٍ فما فوقَها وما
دونَها، أين كان ذلك؛ فى السماواتِ، ولا فى الأرضِ، ﴿وَلَّ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ
وَلَّ أَكْبَرُ﴾. يقولُ: ولا يعزُبُ عنه أصغرُ مِن مثقالٍ ذَرَّةٍ ولا أكْبَرُ منه، ﴿ إِلَّا فِ
كِتَبٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ: هو مثبَتٌ فى كتابٍ ، يَبِينُ للناظرِ فيه أن الله جلَّ وعزَّقد
أثبته وأخصاه وعلِمه، فلم يعزُبْ عنه(٥) علمُه .
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿لِيَجْزِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
(١) تقدم تخريجه فى ٢٠٨/١٢.
(٢) تفسير مجاهد ص ٥٥٣ . ومن طريقه الفريابى - كما فى تغليق التعليق ٢٨٨/٤.
(٣) ينظر ابن كثير ٦/ ٤٨٣.
(٤) ينظر ما تقدم فى ٢٠٦/١٢ - ٢٠٨.
(٥) فى م: ((عن)).

٢١٢
سورة سبأ : الآيتان ٤، ٥
الصَّالِحَتِّ أُوْلَئِكَ لَمُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌّ كَرِيمٌ
قال أبو جعفرٍ ، رحمةُ الله عليه : [٤/٣٦و] يقول تعالى ذكره: أثبت ذلك فى
الكتابِ المبينِ، كى يُثِيبَ الذين آمنوا باللهِ ورسولِه، وعمِلوا بما أمرهم اللهُ ورسولُه
به، وانَتَهوا عما نَهاهم عنه - على طاعتهم ربَّهم، ﴿أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾ .
يقولُ جلَّ ثناؤه : لهؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ مغفرةٌ مِن ربِّهم لذنوبِهم،
﴿ وَرِزْقُ كَرِيمٌ﴾ . يقولُ: وعيشٌ هنىءٌ يومَ القيامةِ فى الجنةِ .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُم
مَغْفِرَةٌ﴾: لذنوبِهم، ﴿وَرِزْقُ كَرِيمٌ﴾: فى الجنةِ(١).
القولُ فى تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿ وَلَّذِينَ سَعَوْ فِىّ ءَايَِنَا مُعَجِزِينَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ
٥
عَذَابٌ مِّن رَّجْزِ أَلِيمٌ
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللـهُ: يقولُ تعالى ذكرُه : أَثْبَتَ ذلك فى الكتابِ،
لِيَجْزِئَ "الذين آمنوا" ما وصَف، ولِيَجْزِىَ الذين سَعَوا فى آياتِنا مُعاجِزين. يقولُ:
وكى يُثِيبَ(٢) الذين عملوا فى إبطالٍ أدلَّتِنا وحُجَجِنا مُفاوِتِينَ(٤) ويحسَبون أنهم
يَشْبِقوننا بأنفسِهم ، فلا نقدرُ عليهم ، ﴿ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ﴾. يقولُ: هؤلاء لهم
عذابٌ مِن شديدِ العذابِ الأليمِ . ويعنى بالأليمِ المُوجِعَ.
وبنحوِ الذى قلنا فى تأويلٍ ذلك قال أهلُ التأويلِ .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٦/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.
(٢ - ٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (المؤمنين)).
(٣) فى الأصل، ت ٢، ت ٣: ( يثبت)).
(٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((معاونين)).

٢١٣
سورة سبأ : الآيتان ٥، ٦
ذكرُ مَن قال ذلك
[٤/٣٦ظ] حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ سَعَوْ
فِىّ ءَكِنَا مُعَجِزِينَ﴾. أى: لا يُعْجِزون، ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزِ أَلِيمٌ﴾.
قال: الرِّجْزُ سوءُ العذابِ ، الأليمُ المُوْجِعُ(١).
حدَّثنى يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قولِ اللهِ :
وَالَّذِينَ سَعَوْ فِىّ ءَايَتِنَا مُعَجِزِينَ﴾. قال: جاهدِين ليُهْبِطوها أو يُتْطِلوها . قال :
وهم المشركون. وقرَأ: ﴿لَا تَسْمَعُواْ لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ
تَغْلِبُونَ﴾ (١٢) [فصلت: ٢٦)
/ القولُ فى تأويل قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿ وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ الَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ ٦٢/٢٢
مِن رَّبِّكَ هُوَ اُلْحَقَّ وَيَهْدِىّ إِلَى صِرَطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ
قال أبو جعفرٍ رحمه اللهُ : يقولُ تعالى ذكرُه : أثبتُّ ذلك فى كتابٍ مبينٍ لِيُجْزَى
الذين آمنوا، والذين سعَوْا فى آياتِنا، ما قد بيّن لكم(٢) ، وليَرى الذين أوتوا العلمَ .
فـ ((يَرَى)) فى موضع نصبٍ عطفًا به على قوله: ((يَجْزِى)). فى قوله : ﴿لِيَجْرِىَ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ ﴾. وعنَى بالذين أوتوا العلمَ مُسلِمةَ أهلِ الكتابِ؛ كعبدِ اللهِ بنِ سَلَامٍ،
ونُظَرائِه الذين قد قَرءوا كتبَ اللهِ التى أنزلها قبلَ الفرقان ، یقول تعالی ذ کرُه : ولیری
هؤلاء الذين أوتوا العلمَ بكتابِ اللهِ ، الذى هو التوراةُ ، الكتابَ الذی أُنزل إليك يا
محمدُ مِن ربِّك هو الحقَّ .
(١) أخرج أوله عبد الرزاق فى تفسيره ١٢٦/٢ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٦/٥
إلی عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) ينظر تفسير أبى حيان ٢٥٩/٧.
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((لهم)).

٢١٤
سورة سبأ : الآيتان ٦ ، ٧
وقيل: عنَى بالذين أُوتوا العلمَ (١أصحابَ رسولِ اللهِ عَ لَه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ
أُوتُواْ الْعِلْمَ الَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ اُلْحَقَّ﴾. قال: أصحابُ [٥/٣٦و]
(٢)
محمدٍ ().
وقولُه: ﴿وَيَهْدِىّ إِلَى صِرَطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾. يقولُ: وُؤْشِدُ مَن اتَّبِعَه ،
وعمِل بما فيه إلى سبيلِ اللهِ، ﴿اَلْعَزِيزِ﴾ فى انتقامِهِ مِن أعدائِه، ﴿اَلْحَمِيدِ﴾ عندَ
خلقِه ؛ بأيَادِيه عندَهم، ونِعَمِه لديهم . وإنما يعنى أن الكتابَ الذى أنزل إلى(٢) محمدٍ
يَهْدى إلى الإسلامِ .
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ نَذُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ
إِذَا مُزْقْتُمْ كُلَّ مُعَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللهُ: يقولُ تعالى ذكره : وقال الذين كفروا باللهِ وبرسولِه
محمدٍ عَلِ، مُتَعجِّبين مِن وعدِه إيَّهم البعثَ بعدَ المماتِ، بعضُهم لبعضٍ: ﴿هَلْ
نَذُلُكُرُ﴾ أيُّها الناسُ، ﴿عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِقْتُمْ كُلَّ مُعَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ
جَدِيدٍ﴾. يقولُ: يخبركم أنكم بعدَ تَقَطُّعِكم فى الأرضِ بِلَى(٤)، وبعدَ مصيرٍ كم
فى الترابِ رُفاتًا، عائدون كهيئتِكم(٥) قبلَ المماتِ خلقًا جديدًا.
(١ - ١) سقط من: الأصل.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٦/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٣) فى م: ((على)).
(٤) فى م: (( بلاء)).
(٥) فى ت ٢، ت ٣: ((لهيئتكم)).

٢١٥
سورة سبأ : الآيتان ٧ ، ٨
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ هَلْ نَذُلُكُرْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِقْتُمْ كُلَّ مُعَزَّقٍ ﴾. قال: ذلك مُشركو
قُريشٍ [٥/٣٦ظ] والمشركون مِن الناسِ، ﴿يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِقْتُمْ كُلَّ مُعَزَّقٍ﴾: إذا
أكَلَتْكُم الأرضُ، وصِرْتُم رُفاتًا وعظامًا، وقطَّعَتْكم السباُ والطيرُ، ﴿إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ
جَدِيدٍ﴾ ستُخْيَون وتُبْعَثُون(١) .
/ حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿هَلْ ٦٣/٢٢
تَذُلُكُمُ عَلَى رَجُلٍ﴾ إلى: ﴿خَلْقِ جَدِيدٍ﴾. قال: يقولُ: ﴿ إِذَا مُزِقْتُمْ﴾: إذا بَلِيتُم
وكنتم عظامًا وترابًا ورُفاتًا، ذلك ﴿ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾، ﴿ إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ .
وقال: ﴿ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِقَّتُمْ كُلَّ مُعَزَّقٍ إِنَّكُمْ﴾ فَكَسَر ((إن)) ولم يُعمِلْ
﴿ يُنَبِّئُكُمْ﴾ فيها، ولكن ابتدأ بها (٢)؛ لأن النبأَ خبرٌ وقولٌ، فالكسرُ فى ((إن)) لمعنى
الحكاية فى قوله: ﴿ يُنَبِّئُكُمْ﴾. دونَ لفظِهِ، كأنه قيل: يقولُ لكم: ﴿إِنَّكُمْ لَفِى
خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. ويجوزُ كسرها لدخولِ اللام فى الخبرِ، كما قال: ﴿إِنَّ رَبَّهُم
بِهِمْ يَوْمَيِذٍ لَّخَبِيرٌ﴾ [العاديات: ١١]؛ لأن اللامَ إذا دخَلتْ فى الخبرِ كسَرتِ
٣)
المفتوح .
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿أَفْتَرَ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَم ◌ِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا
يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ فِىِ الْعَذَابِ وَالضَّلَلِ الْبَعِيدِ
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللهُ : يقول تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيل هؤلاء الذين كفَروا
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٢٦/٢ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٦/٥ إلى
عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ابتداء)).
(٣ - ٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.

٢١٦
سورة سبأ : الآية ٨
به ، وأنكروا البعثَ بعدَ المماتِ، بعضُهم لبعضٍ، مُعْجَبِين مِن رسولِ اللهِ عَ لَّ فى
وعدِه إِيَّاهم ذلك: أَقْتَرَى هذا [٦/٣٦و] الرجلُ الذى يَعِدُنا (أَنّا بعدَ(١) أن تُمَرَّقَ كلَّ
تَّقٍ فى خلقٍ جديدٍ ، على اللهِ كذبًا ، فَتَخَلَّقَ عليه بذلك باطلًا مِن القول، وتَخَرَّصَ
عليه قولَ الزورِ، ﴿أَمَ يِهِ، جِنَّةٌ﴾؟ يقولُ: أم هو مجنونٌ، فيتكلّمَ بما لا معنى له؟
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قالوا تَكّذييًا :
﴿ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾؟ قال: قالوا : إِمَّا أن يكونَ یکذِبُ على اللهِ ،
پهِ.
جِنَّةٌ﴾؟ وإما أن يكونَ مجنونًا، ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ الآية(٢).
حدَّثنی يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ: ثم قال بعضُهم
لبعضِ: ﴿أَفْتَرَ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمَ بِهِ، جِنَّةٌ﴾: أرجلٌ(٢) مجنونٌ فيتكلَّمَ بما لا
يعقِلُ؟ فقال اللهُ: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلْآَخِرَةِ فِى الْعَذَابِ وَالضَّلَلِ الْبَعِيدِ﴾.
وقولُه: ﴿بَلِ اٌلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلْآَخِرَةِ فِى الْعَذَابِ وَالضَّلَلِ الْبَعِيدِ﴾. يقولُ
تعالى ذكرُه: ما الأمرُ كما قال هؤلاء المشركون فى محمدٍ عَّ ◌َله وظَنُّوه به ، مِن أنه
افتَرى على اللهِ كذبًا، أو أن به جِنَّةً، لكن الذين لا يؤمنون بالآخرةِ مِن هؤلاء
المشركين فى عذابِ اللهِ فى الآخرةِ، وفى الذهابِ البعيدِ عن طريقِ الحقِّ وقصدٍ
(١ - ١) فى الأصل: ((أبعد)).
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٢٦/٢ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٦/٥ إلى
ابن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((الرجل)).

٢١٧
سورة سبأ : الآية ٨
السبيلِ، فهم مِن أجلِ ذلك يقولون فيه ما يقولون .
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ : قال الله عزَّ وجلَّ:
بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةٍ فِى الْعَذَابِ وَالضَّلَلِ [٦/٣٦ظ] اٌلْبَعِيدِ﴾، وأمره أن
يحلِفَ (١ لهم ليعتبروا)، وقرأ: ﴿قُلٌ بَلَى وَرَقِي ◌َنْتُعَنُنَّ﴾. [التغابن: ٧] الآيةَ كلَّها ، وقَرأ
أيضًا: ﴿بَلَى وَرَبِّ لَتَأْتِنَّكُمْ﴾ .
وقُطعت ((الألفُ)) مِن قوله: ﴿أَفْتَرَى﴾ فى القطع والوصلِ ، ففُتِحت ؛ لأنها
ألفُ استفهام. فأما ((الألفُ)) التى بعدَها، التى هى ألفُ ((افتعل)) (١) ، فإنها ذهبَت ؛
لأنها خفيفةٌ زائدةٌ تسقُطُ فى اتصالِ الكلامِ، ونظيرُها: ﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ
أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦٣]، و﴿ بِيَدَىَّ أَسْتَكْبَرْتَ﴾ [ص: ٧٥]، و﴿ أَصْطَفَى
الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات: ١٥٣]، وما أشبه ذلك، ولا يجوزُ كسرُ الألفِ فى
شىءٍ من ذلك ؛ لأن دلالةَ الاستفهامِ تسقطُ من الكلام إذا كَسَرْتَ وخالفتَ هيئته .
قولُه: ﴿ءَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ آلْأُنْثَيَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤]، و﴿ءَالْكَانَ ﴾ [يونس: ٩١]
وما أشبه ذلك٣)، / وطُوَّلَتْ هذه، ولم تُطَوَّلْ تلك؛ لأن ألفَ(٤) ﴿ءَآلْئَنَ﴾
و﴿ءَالذَّكَرَيْنِ﴾ كانت مفتوحةٌ، فلو أُسقطت لم يكنْ بينَ الاستفهامِ والخبرِ فرقٌ،
فُعِل التطويلُ فيها فرقًا بين الاستفهامِ والخبرِ، والألفُ من ﴿ أَفْتَرَى﴾ كانت
مكسورةً ) وألفُ الاستفهام مفتوحةٌ ، فكانتا مفترقتين بذلك ، فأغنى ذلك دلالةً على
الفرقِ ، من التطويلِ .
٦٤/٢٢
(١ - ١) فى الأصل: ((له لتبعثن)).
(٢) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أفعل)).
(٣ - ٣) سقط من ت ١، ت ٢، وفى م: ((وأما ألف ﴿آلآن﴾ و﴿ الذكرين﴾)).
(٤) سقط من: م، ت ٢.
(٥ - ٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.

٢١٨
سورة سبأ : الآية ٩
القولُ فى تأويل قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿ أَفَمَّ يَرَوْاْ إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ
الشَمَاءِ وَالْأَرْضَِّ إِن نَّشَأْ نَخْسِفَ بِهِمُ الْأَرْضَ [٧/٣٦و] أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًّا مِنَ
٩
السَّمَاءِ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِبٍ
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللهُ: يقولُ تعالى ذِكرُه: أفلم يَنظُرْ هؤلاء المكذِّبون بالمَعَادٍ ،
الجاحدون البعثَ بعدَ المماتِ، القائلون لرسولِنا محمدٍ عَ الَه: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ
كَذِبًا أَ بِهِ، ◌ِنَّةٌ﴾ - إلى ما بينَ أيديهم وما خلفَهم مِن السماءِ والأرضِ، فيعلَموا
أنهم حیث کانوا ، فإِنَّ أرضی وسمائی محيطٌ بهم ؛ مِن بین أیدبهم ومِن خلفهم ،
وعن أيمانهم ، وعن شمائِلهم ، فيرتدعوا عن جهلهم ، وينزجِروا عن تكذيبهم بآياتنا
حِذَارًا أن نأمرَ الأرضَ فَتُخْسَفَ بهم، أو السماءَ فُتُشْقِطَ عليهم قِطَعًا؟! فإِنَّا إِن نَشَأْ
أن نَفعلَ ذلك بهم فعَلنا .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا
بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. قال: لينظُروا (١) عن أيمانِهم، وعن شمائِلِهم، كيف
السماءُ قد أحاطَت بهم! ﴿ إِن نَّشَأْ غَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ كما خسَفْنا بَمَن كان
قبلَهم، ﴿أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِّنَ السَّمَاءِ﴾: أى قِطعًا مِن السماءِ().
وقولُه : ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ ◌ُنِيبٍ﴾ . يقولُ تعالى ذكرُه : إِنَّ فى
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ينظرون)).
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٢٦/٢ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٦/٥ إلى
عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم مطولًا .

٢١٩
سورة سبأ : الآيات ٩ - ١١
إحاطَةِ السماءِ والأرضِ بعبادِ اللهِ ﴿ لَيَةً﴾. يقولُ: لدَلالَةٌ، ﴿لَّكُلِّ عَبْدٍ
مُنِيبٍ﴾. [٧/٣٦ظ] يقولُ: لكلِّ عبدٍ أناب إلى ربِّه بالتوبةِ، ورجع إلى معرفةٍ
توحيدِه، والإقرارِ بربوبيته، والاعترافِ بوحدانيته١) ، والإذعانِ لطاعتِه، على أنَّ
فاعلَ ذلك لا يَتِنِعُ عليه فعلُ شيءٍ أراد فِعْلَه، ولا يتعذَّرُ عليه فعلُ شيءٍ شاءَه .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَّةً
لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾. والُنِيبُ : المُقُبلُ التائبُ(٢).
/ القولُ فى تأويل قوله عزَّ وجلَّ: ﴿ وَلَقَدْ ءَانِيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَجِبَالُ أَوِّبِىِ مَعَهُم ٦٥/٢٢
أَنِ أَعْمَلْ سَبِغَتٍ وَقَّذِّرْ فِ السَّرْدِّ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا إِنَِّ
وَالظَّيْرِّ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ
بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللهُ: يقولُ تعالى ذِكرُه: ﴿ وَلَقَدْ ءَانِيْنَا﴾: ولقد أعطَينا
داودَ منا فضلًا، وقلنا للجبالِ: ﴿يَجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُ﴾: سبّحى معه إذا سبَّح.
والتأويبُ عندَ العربِ: الرجوعُ ومَبِيتُ الرجلِ فى منزِلِه وأهلِه ، ومنه قولُ الشاعرِ(٣):
ويَوْمُ سَيْرٍ إلى الأُعْداءِ تَأْوِيبٍ
[٨/٣٦ر] يَوْمانِ يَوْمُ مَقاماتٍ وَأَنْدِيَةٍ
أى رجوعٍ. وقد كان بعضُهم يقرؤُهُ(٤) : (اوبِى مَعَهُ). من آبَ يئوبُ،
بمعنى : تصرَّفى معه . وتلك قراءةٌ لا أستجيزُ القراءةَ بها؛ لخلافِها قراءةَ الحُجَّةِ .
(١ - ١) سقط من: الأصل.
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٢٦/٢ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٦/٥ إلى
عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٣) هو سلامة بن جندل، والبيت فى المفضليات ص ١٢٠، ومجاز القرآن ١٤٢/٢، ولسان العرب (أ و ب).
(٤) هى قراءة الحسن البصرى وهى شاذة ، بهمزة وصل وسكون الواو. ينظر إتحاف فضلاء البشر ص ٢٢٠.

٢٢٠
سورة سبأ : الآية ١٠
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنى سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ ، قال: ثنى محمدُ بنُ الصَّلتِ ، قال: ثنا أبو
كُدَيْنَةَ، وحدثنا محمدُ بنُ سنانِ القَزّزُ، قال: ثنا الحسينُ(١) بنُ الحسنِ الأشقرُ،
قال: ثنا أبو كُدينةَ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ أَوِّبِىِ مَعَهُ﴾.
قال: سَبِّحى معه(٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى ، قال: ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه : ﴿ يَجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُ﴾ . يقولُ: سَبّحی معه.
حدَّثنا أبو عبدِ الرحمنِ العلائىُ، قال: ثنا مِشْعرٌ، عن أبى محُصَينٍ، عن أبى
عبد الرحمنِ: ﴿ يَجِبَالُ أَوِّبِىِ مَعَهُمْ﴾. قال: سَبُّحى (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حَكَامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن أبى إسحاقَ ، عن أبى
مَيسرةً: ﴿يَجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُمْ﴾. قال: سَبِّحى معه . بلسانِ الحبشةِ(٤) .
حدَّثنى يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبوعىُّ ، قال : ثنا فُضيلٌ، عن منصورٍ ، عن مجاهدٍ
فى قولِه : ﴿ يَجِبَالُ أَوِّبِىِ مَعَمُ﴾ . قال : سَبِّحی معه .
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((الحسن)). وينظر تهذيب الكمال ٣٦٦/٦.
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٥٥٩/١١ من طريق أبى كدينة به .
(٣) بعده فى الأصل: (( معه).
والأثر أخرجه ابن أبى شيبة ٥٥٩/١١ من طريق مسعر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٧/٥ إلى
عبد بن حميد .
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٥٦٠/١١ من طريق أبى إسحاق به .