Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١
سورة الأحزاب : الآية ٥٩
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَّ الِ: يأيُّها النبيُّ قُلْ لأزواجِك وبناتِك ونساءٍ
المؤمنين، / لا يتشَبَّهْنَ بالإماءِ فى لباسِهنَّ، إذا هُنَّ خَرَجنَ من بيوتِهِنَّ لحاجَتِهِنَّ، ٤٦/٢٢
فكشَفْنَ شُعورَهنَّ وؤُجوهَهنَّ، ولكن ليُدِنين عليهنَّ من جَلابِهِنَّ. لئلا يَعرِضَ لهنَّ
فاسِقٌ ، إذا علم أنهنَّ حرائرُ، بأذّى من قولٍ .
ثم اختلف أهلُ التأويلِ فى صفةِ الإِدناءِ الذى أمَرَهُنَّ اللَّهُ به ؛ فقال بعضُهم: هو
أن يُغَطِينَ وُجُوهَهنَّ وَرُءُوسَهنَّ، فلا يُبْدِينَ منهنَّ إلا عينًا واحدةٌ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿يَأَيُهَا النَّبِىُّ قُل لِأَزْوَِكَ وَبَنَائِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن
جَبِيبِهِنَّ﴾: أمَر اللَّهُ نساءَ المؤمنين إذا خرَجنَ من بيوتِهنَّ فى حاجةٍ ، أن يُغَطِّينَ
وجوهَهنَّ من فوقِ رُءُوسِهِنَّ بالجلابيبِ، ويُيدِينَ عينًا واحدةً(١).
حدَّثنى يعقوبُ ، قال : ثنا ابنُ عُلَیةً ، عن ابنِ عونٍ ، عن محمدٍ ، عن عَبیدةً فى
قولِه: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَِكَ وَبَنَائِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَ مِن
جَبِيِهِنَّ﴾. فَلَبِسَها عندَنا ابنُ عونٍ، قال: ولَيِسها عندَنا محمدٌ، قال محمدٌ:
ولَبِسَها عندِى عَبيدةُ . قال ابنُ عونٍ بردائِه، فتقنَّع به، فغطّى أَنفَه وعينَه اليسرى،
وأخرج عينه اليمنى، وأدنى رداءَه من فوقٍ حتى جعَله قريبًا من حاجبه أو على
(٢)
الحاجب(١).
(١) ذكره البغوى فى تفسيره ٣٧٦/٦، وابن كثير فى تفسيره ٤٧١/٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٢١/٥ إلى المصنف وابن أبى حاتم وابن مردويه.
(٢) ذكره البغوى فى تفسيره ٣٧٦/٦، وابن كثير فى تفسيره ٤٧١/٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٢١/٥ إلى المصنف والفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم من طريق ابن سيرين به .
١٨٢
سورة الأحزاب : الآية ٥٩
حدَّثنی يعقوبُ ، قال : ثنا هشيمٌ ، قال : أخبرنا هشامٌ ، عن ابنٍ سيرينَ ، قال :
سألتُ عَبيدةَ عن قولِه: ﴿قُل لِّأَزْوَِكَ وَبَنَانِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن
ج
جَلَكِيبِهِنَّ﴾. قال: فقال بثوبِهِ، فغطَّ رأسَه ووجْهَه، وأبرز ثوبَه عن إحْدَى
(١)
عَيْنَيْه (١) .
وقال آخرون : بل أَمِوْن أن [٦٣٦/٢و] يَشدُدْنَ جلابِيبَهنَّ على جباهِهِنَّ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَِكَ وَبَنَائِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ
يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَبِيِهِنَّ﴾. إلى قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ . قال:
كانت الحُرّةُ تلبَسُ لباسَ الأَمَةِ، فأمَر اللَّهُ نساءَ المؤمنين أن يُدنينَ عليهنَّ من
جَلايِهِنَّ، وإدناءُ الجلبابِ: أن تَقَنَّعَ وتَشُدَّ على جبينِها(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَّأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل
لِّأَزْوَجِكَ وَيَنَائِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. أخَذ اللَّهُ عليهنَّ إذا خرَجنَ أن يَقَنَّعْنَ على
الحواجبِ ؛ ﴿ ذَلِكَ أَدْنَىَ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾، وقد كانتِ المملوكةُ إذا مَرَّت
تناوَلوها بالإيذاءِ، فنهَى اللَّهُ الحرائرَ أن يتشَبَّهنَ بالإماءِ(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَبِيِهِنَّ﴾: يتجَلْبَيْنَ، فيُعلَمُ أنهنَّ حرائرُ، فلا يَعْرِضُ
(١) ذكره الطوسى فى التبيان ٣٢٧/٨، وأبو حيان فى البحر المحيط ٧/ ٢٥٠.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢١/٥ إلى المصنف وابن أبى حاتم وابن مردويه.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢١/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.
١٨٣
سورة الأحزاب : الآيات ٥٩ - ٦١
لهنَّ فاسقٌ بأذِى، من قولٍ ولا ربيةٍ (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا حكّام، عن عنبسةَ، عمَّن حدَّثه، عن أبى صالحٍ،
قال: قدِمِ النبىُّ عَ لَّهِ المدينةَ على غيرِ منزلٍ، فكان نساءُ النبيِّ عَ ◌ّهِ وغيرُ هنَّ إذا كان
الليلُ خرَجْنَ/ يقضِينَ حوائجَهنَّ، وكان رجالٌ يجلِسون على الطريقِ للغزَلِ ،
فأنزل اللَّهُ: ﴿ يَّأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَجِكَ وَبَنَائِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن
جَبِهِنَّ﴾: يَقَتَّعْنَ بالجلبابِ ، حتى تُعرَفَ الأمةُ من الحرّةِ (٣).
٤٧/٢٢
وقولُه: ﴿ذَلِكَ أَدْنَ أَنْ يُمْرَفْنَ فَلَ يُؤْذَيْنٌ ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه : إدناؤُهنَّ
جلابيبهنَّ إذا أدنَيْنَها عليهنَّ أَقَرَبُ وأَحرَى أَن يُعْرَفنَ ممن مَرَرن به، ويعلَموا أنهنَّ لسْنَ
بإماءٍ ، فيتنكّبُوا عن أذاهنَّ بقولٍ مكروهٍ، أو تَعرُّضِ بريبةٍ. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾
لِما سلَف منهنَّ؛ من تركِهِنَّ إدناءَهنَّ الجلابيبَ عليهنَّ، ﴿رَّحِيمًا﴾ بهنَّ أن
يُعاقِبَهنَّ بعدَ توبتِهنَّ، بإدناءِ الجلابيبِ عليهنَّ.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَّيْنِ لَّمْ يَلْنَهِ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضُ
وَالْمُرْجِفُونَ فِى الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُحَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّ قَلِيلًا
مَّلْعُونِین
٦٠
أَيْنَمَا تُقِفُواْ أُخِذُواْ وَقُتِلُواْ تَفْتِيلًا
يقولُ تعالى ذكره : لئن لم ينتَهِ أَهلُ النفاقِ ، الذين يَسْتَسِرُّون الكفرَ ويُظهِرون
الإِيمانَ ، ﴿ وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾. يعنى: رِيبةٌ من شهوةِ الزِّنا، وحُبِّ
الفجورِ .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
(١) تفسير مجاهد ص ٥٥٢، وذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٧١/٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٢/٥
إلى الفريابى وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢١/٥ إلى المصنف.
١٨٤
سورة الأحزاب : الآية ٦٠
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُّ عمرو بنٍ علىٍّ ، قال : ثنا أبو عبدِ الصمدِ ، قال : ثنا مالكُ بنُ
دينارٍ، عن عكرِمةَ فى قولِه: ﴿لَّيِن لَّمْ يَذَهِ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ .
((١)(٢)
قال: هم الزُّناةُ((4) .
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا " عبدُ الأَعْلَى، قال: ثنا سعيدٌ"، عن قتادةَ():
﴿ وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ . قال : شهوةُ الزِّنا.
قال : ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهدىٍّ، قال: ثنا أبو صالح الثمارُ، قال: سمِعتُ
عكرِمةَ فى قوله: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾. قال: شهوةُ الزُّنا(٦).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ عمن حدَّثه، عن أبى صالح :
وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ . قال: الزُّناةُ .
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿لَّپِن لَّمْ
يَنَهِ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ الآية، قال: هؤلاء صِنفٌ من المنافقين،
وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أصحابُ الزِّنا، قال: أهلُ الزِّنا مِن أهلِ النفاقِ الذين
يَطلبونَ النساءَ، فيبتَغون الزَّنا. وقرَأ: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِى فِ قَلِهِ.
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٢٣/٢، وابن أبى شيبة ٣٣/٤، ٣٤ من طريق مالك بن دينار به ، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٢/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) بعده فى ت ١: ((حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا أبو عبد الصمد القمى، قال: ثنا مالك بن دينار، عن
عكرمة نحوه ) .
(٣ - ٣) فى ت ٢: ((أبو عبد الصمد القمى، قال: حدثنا مالك)).
(٤) بعده فى ت ٢: ((عن عكرمة)).
(٥ - ٥) فى ت ١، ت ٢: ((محمد بن صالح)).
(٦) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٢٤/٢ من طريق إسماعيل بن شروس عن عكرمة بلفظ: ((الزناة)).
١٨٥
سورة الأحزاب : الآية ٦٠
مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢]. قال: والمنافقون أصنافٌ عشَرةٌ فى ((براءةَ))، قال: فالذين
فى قلوبهم مرضٌ صِنفٌ منهم ؛ مرَضّ من أمرِ النساءِ .
/ وقولُه: ﴿ وَالْمُرْحِفُونَ فِىِ الْمَدِينَةِ﴾. يقولُ: وأهلُ الإرجافِ فى المدينةِ ٤٨/٢٢
بالكذب والباطل .
وكان إرجافُهم فيما ذُكِر، كالذى حدَّثنى بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا
سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَّيِنِ لَّمْ يَلْنَهِ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ
فِى الْمَدِينَةِ﴾ الآية، الإرجافُ: الكذبُ الذى كان نافَقَه أهلُ النفاقِ ، وكانوا
يقولون: أتاكم عَدَدٌ وعُدَّةٌ . وذُكِر لنا أن المنافقين أرادوا أن يُظهروا ما فى قلوبهم من
النفاقِ ، فأوعَدهم اللَّهُ بهذه الآيةِ؛ قوله: ﴿لَيْنِ لَّرْ يَنْتَهِ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم
قَرَضٌ﴾ الآية . فلما أوعَدهم اللَّهُ بهذه الآيةِ، كتَموا ذلك وأسرُّوه .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِى الْمَدِينَةِ﴾: هم أهلُ النفاقِ أيضًا الذين يُرْجِفون برسولِ اللَّهِ مَّه
وبالمؤمنين .
وقولُه: ﴿ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾. يقولُ: لتُسلِّطنَّك عليهم، ولنُحَرِّشَنَّك بهم.
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی علىّ ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنی معاویةُ ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾. يقولُ: لنُسلِّطنَّك عليهم(١).
(١) علقه البخارى (٢٣٥/٨ - فتح)، وذكره ابن حجر فى تغليق التعليق ٢٨٦/٤ عن المصنف بسنده، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٣/٥ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم.
١٨٦
سورة الأحزاب : الآيتان ٦٠، ٦١
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾
أى: لنحمِلَنَّك عليهم، [٦٤٣/٢ظ] لنُحرِّشَنَّك بهم (١) .
قولُه: ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾. يقولُ: ثم لننفِيَنَّهم عن مدينتك
فلا يَسْكنون معك فيها إلا قليلاً من المدةِ والأجلِ، حتى ننفيَهم عنها، فتُخرِجَهم
منها .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ لَا
يُحَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾: أى بالمدينةِ(١).
وقولُه: ﴿مَّلْعُونِينٌ أَيْنَمَا نُقِفُواْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَفْتِيلًا﴾. يقولُ تعالى
ذكرُه: مَطرودِينَ مَنْفِيِّين، ﴿أَيْنَمَا نُقِفُواْ﴾. يقولُ: حيثُما لُقُوا من الأرضِ.
﴿ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ﴾ لكفرِهم باللَّهِ ﴿تَفْتِيلًا﴾ .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَّلْعُونِينَ﴾: على
كلِّ حالٍ ، ﴿ أَيْنَمَا تُقِفُواْ أُخِذُواْ وَفُتِلُواْ تَفْتِيلًا﴾ إذا هم أَظهَروا النفاقَ)(١).
ونصْبُ قولِه: ﴿مَّلْعُونِينٌ﴾. على الشئْم(٢)، وقد يجوزُ أن يكونَ القليلُ
من صفةِ الملعونين، فيكونَ قولُه: ﴿مَّلْعُونِينٌ﴾ مردودًا على القليلِ، فيكونُ
معناه: ثم لا يُجاوِرُونك فيها إلا أقلَّاءَ، مَلْعونين، يُقَتَلون حيثُ أُصِيبوا(٣).
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٢/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.
(٢) فى ت ٢: ((الشك)).
(٣) ينظر معانى القرآن للفراء ٣٣٨/٢.
١٨٧
سورة الأحزاب : الآيتان ٦٢ ، ٦٣
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلٌ وَلَنْ تَجِدَ
٦٢
لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا
/ يقولُ تعالى ذكره: سُنَّةَ اللَّهِ فِى الَّذِين خَلَوْا(١) قَبْلَ هؤلاء المنافقين الذين فى ٤٩/٢٢
مدينةِ رسولِ اللهِ مَّلمِ معه، من ضُرَباءِ هؤلاء المنافقين، إذا هم أظهروا نفاقَهم، أن
يُقَتِّلَهم تَقْتِيلًا، ويلعنهم لعنًا كثيرًا .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ فِي
الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلٌ ﴾ الآية. يقولُ: هكذا سنةُ اللَّهِ فيهم ، إذا أظهروا النفاقَ(٢).
وقولُه: ﴿ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه
محمدٍ عَ لَّه: ولن تجدَ يا محمدُ لسنةِ اللَّهِ التى سَنَّها فى خلْقِه تغييرًا، فأيقِنْ أنه غيرُ
مُغِيرٍ فى هؤلاء المنافقين سنَّتَه .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ يَسْتَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ
وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا
(٦٣
يقولُ تعالى ذكره : يسألُك الناسُ(٢)، يا محمدُ، عن الساعةِ؛ متى هى
قائمةٌ ؟ قلْ لهم: إنما علمُ الساعةِ عندَ اللَّهِ ، لا يعلمُ وقتَ قيامِها غيرُه. ﴿ وَمَا يُدْرِيكَ
لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾. يقولُ: وما أُشْعَرك يا محمدُ ، لعلَّ قيامَ الساعةِ يكونُ
(١) بعده فى م: ((من)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٢/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٣) سقط من: ت ٢.
١٨٨
سورة الأحزاب : الآيتان ٦٣ - ٦٨
منك قريبًا ، قد قَرُبَ وقتُ قيامِها، ودنا حينُ مجيئها .
خَالِدِينَ
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ اُلْكَفِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا
٦٥
فِيهَا أَبَدَّا لَّا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا
يقولُ تعالى ذكره : إِنَّ اللَّهَ أبعَدَ الكافرين به من كلِّ خيرٍ، وأقصاهم عنه .
وَأَعَدَّ لَمُمْ سَعِيْرًا﴾. يقولُ: وأعدَّ لهم (١) فى الآخرةِ نارًا تَتَّقِدُ وتَتَسَعَُّ،
لِيُصْلِيَّهموها. ﴿ خَلِينَ فِهَا أَبَدَا﴾. يقولُ: ماكئين فى السعيرِ أبدًا، إلى غيرِ
نهايةٍ. ﴿لَّا يَجِدُونَ وَلِيًّا﴾ يتولاهم، فيَسْتنقذَّهم من السعيرِ التى أصلاهموها اللَّهُ
﴿ وَلَا نَصِيرًا﴾ ينصرُهم، فينجِّيَهم من عقابِ اللَّهِ إياهم .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ يَقُولُونَ يَيْتَنَآَ
أَطَعْنَا اَللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَاْ
٦٦
يقولُ تعالى ذكره: لا يجدُ هؤلاء الكافرون وليًّا ولا نصيرًا فى يوم تُقَلَّبُ
وجوهُهم فى النارِ، حالًا بعدَ حالٍ ، يقُولُونَ، وتلك حالُهم فى النارِ: يا ليتنا كنَّا(١)
أَطَعْنا اللَّهَ فى الدنيا، وأطعنا رسولَه فيما جاءنا به عنه من أمرِه ونهيه؛ فكنَّا مع أهلِ
الجنةِ فى الجنةِ ، يالها حسرةٌ ونَدامةً ، ما أعظمَها وأجلَّها .
/القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَقَالُواْ رَبَّنَاً إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا
٥٠/٢٢
٦٧
رَبَّنَآ ءَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَمْنَّا كَبِيرًا
السَّبِيلَا
٦٨
يقولُ تعالى ذكره: وقال الكافرون يومَ القيامةِ فى جهنمَ : ربّنا إنا أَطَعنا أثْمَّتَنَا
فى الضلالةِ وكبراءَنا فى الشركِ، ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾. يقولُ: فأزَالونا(٣) عن
(١) بعده فى ت ٢: ((سعيرا).
(٢) سقط من: م، ت ١.
(٣) فى ت ٢: ((فاذلونا)).
١٨٩
سورة الأحزاب : الآيتان ٦٧، ٦٨
مَحَجَّةِ الحقِّ، وطريقِ الهُدى، والإيمانِ بك، والإقرارِ بوحدانيتك، وإخلاصٍ
طاعتِك فى الدنيا، ﴿ رَبَّنَآ ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾. يقولُ: عَذِّئهم مِن
العذابِ مِثْلَى عذابِنا الذى تُعذِّبُنا، ﴿ وَاَلْعَنْهُمْ لَعْنَا كَبِيرًا﴾. يقولُ: وأُخْزِهم خِزْيًا
کبیرًا .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا
سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾. أى: رُءُوسَنا فى الشرِّ والشركِ(١).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ إِنَّ
أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَءَنَا﴾. قال: هم رءوسُ الأمم الذين أضَلَّوهم. قال: ﴿سَادَتَنَا
وَكُبَرَآءَنَا﴾ واحدٌ .
وقرأتْ عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿سَادَتَنَا﴾(١) . ورُوِى عن الحسنِ البصرىِّ:
(سادَاتِنا) على الجماعُ . والتوحيدُ فى ذلك هى القراءةُ عندَنا؛ لإجماع الحجةِ
مِن القرأةِ عليه .
واختلفوا فى قراءةٍ قولِه: ﴿لَعْنَا كَبِيرًا﴾ ؛ فقرَأت ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ
بالثاءِ: (كَثِيرًا ) مِن الكثرةِ ، سِوى عاصم؛ فإنه قرَأَه: ﴿لَعْنَا كَبِيرًا﴾ . مِن
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٣/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم . وينظر
البحر المحيط ٢٥٢/٧.
(٢) هى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وعاصم وحمزة والكسائى. السبعة لابن مجاهد ص ٥٢٣.
(٣) هى أيضًا قراءة يعقوب وابن عامر. ينظر البحر المحيط ٢٥٢/٧، والنشر ٣٤٩/٢.
(٤) هى قراءة ابن كثير وأبى عمرو ونافع وحمزة والكسائى. السبعة لابن مجاهد ص ٥٢٣.
١٩٠
سورة الأحزاب : الآيتان ٦٨ ، ٦٩
الكِبَرِ(١).
(١)
والقراءةُ فى ذلك عندَنا بالثاءِ؛ لإجماع الحجةِ مِن القرأةِ عليها (٢) .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ يَأَيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَكُونُوْ كَذِينَ ءَاذَوْأْ مُوسَى
٦٩
فَبَرََّهُ اَللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَبِهَا
يقولُ تعالى ذكرُه لأصحابٍ نبيِّ اللهِ عَ له: يأيُّها الذين آمنوا باللهِ ورسولِه ، لا
تُؤْذوا رسولَ اللهِ بقول يكرهُه منكم، ولا بفعلٍ لا يحبُّه منكم، ولا تكونوا أمثالَ
الذين آذَوا موسى نبىَّ اللهِ، فرَمَوه بعيبٍ كذبًا وباطلًا، فَبرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قالُوا فيه مِن
الكذبِ والزُّورِ، بما أظهَر مِن البرهانِ على كذبهم، ﴿ وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ .
يقولُ: وكان موسى عند اللهِ مُشَفَّعًا فيما يسألُ، ذا وجهٍ ومنزلةٍ عندَه، بطاعتِه
إياه .
ثم اختلف أهلُ التأويلِ فى الأذَى الذى أُوذِى به موسى ، الذى ذكره اللهُ فى هذا
الموضعِ؛ فقال بعضُهم: رَمَوه بأنه آدَرُ(١) . ورُوِى بذلك عن رسولِ اللهِ مَّهِ خبرٌ.
/ ذكرُ الروايةِ التى رُوِيت عنه، ومَن قال ذلك
٥١/٢٢
حدَّثنى أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةً، عن الأعمشِ، عن المِنْهالِ ، عن
سعيدِ بنِ جبيرٍ وعبدِ اللهِ بنِ الحارثِ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿لَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ
ءَاذَوْأْ مُوسَى﴾. قال: قال له قومُه: إنك آدَرُ. قال: فخرَج ذاتَ يومٍ يغتسلُ، فوضَع
ثيابَه على صخرةٍ ، فخرَجت الصخرةُ تشتدُّ بثيابِهِ، وخرَج يتبَعُها عُزْيانًا ، حتى
انتهَت به إلى مجالسٍ بنى إسرائيلَ، قال: فَرَأَوه ليس بآدَرَ، قال: فذلك قولُه:
(١) هى أيضًا قراءة ابن عامر. المصدر السابق.
(٢) وقراءة الباء أيضًا متواترة .
(٣) الآدَر: المنتفخة خُصيته. ينظر اللسان (أدر).
١٩١
سورة الأحزاب : الآية ٦٩
﴿فَبَرَأَهُ اللَّهُ مِمَا قَالُواْ﴾(١)
حدَّثنى يحيى بنُ داودَ الواسطىُ ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ يوسفَ الأزرقُ، عن
سفيانَ، عن جابرٍ، عن عِكْرمةَ، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ مَ له: ﴿لَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ
ءَذَوْأْ مُوسَى﴾. قال: ((قالُوا: هو آدَرُ. قال: فذهَب موسى يغتسلُ، فوضَع ثيابَه
على حَجَرٍ ، فمرَّ الحجرُ بثيابِه ، فتَبِع موسى قفاه ، فقال: ثيابى حجرُ. فمرَّ بمجلسٍ
بنى إسرائيلَ، فَرَأَوه، فبرَأَه اللهُ مما قالوا، وكان عندَ اللهِ وجيهًا))(٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَذِينَ ءَاذَوْأْ مُوسَى﴾ إلى:
وَجِيهًا﴾. قال: كان أذَاهم موسى أنهم قالوا: واللهِ ما يمنعُ موسى أن يضَعَ ثيابَه
عندَنا إلا أنه آدَرُ. فَذَى ذلك موسى٢٢، فبينما هو ذاتَ يومٍ يغتسلُ وثوبُه على
صخرةٍ، فلما قضَى موسى غُسْلَه وذهَب إلى ثوبِه ليأخذَه ، انطلقَت الصخرةُ تَشْعى
بثوبِهِ ، وانطلَق يَسْعى فى أثَرِها ، حتى مَرَّتْ على مجلسٍ بنى إسرائيلَ وهو يطلبُها ،
فلما رأَوْا موسى عَّهِ مُتَجرِّدًا لا ثوبَ عليه، قالوا: واللهِ ما نَرى بموسى بأسًا، وإنه
البرىءٌ ما كُنَّا نقولُ له. فقال اللهُ: ﴿فَبَرََّهُ اللَّهُ مِمَا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾(٤).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُوْ كَالَّذِينَ ءَاذَوْ مُوسَى﴾ الآية. قال: كان موسى رجلًا شديدً
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٥٣٣/١١، ٥٣٤، والحاكم ٤٢٢/٢ من طريق أبى معاوية به، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٢٢٣/٥ إلى ابن المنذر وابن مردويه .
(٢) ذكره ابن حجر فى الفتح ٤٣٧/٦، ٤٣٨ عن عكرمة عن أبى هريرة ، وعزاه إلى ابن مردويه ، وذكره ابن
كثير ٤٧٤/٦ نقلًا عن المصنف، وعنده عامر الشعبى بدلًا من عكرمة.
(٣ - ٣) سقط من: ت ٢.
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٧٤/٦، والقرطبى فى تفسيره ١٤/ ٢٥٠.
١٩٢
سورة الأحزاب : الآية ٦٩
المحافظةِ على فَرْجِه وثيابِه . قال : فكانوا يقولون: ما يحمِلُه على ذلك إلا عيبٌ فى
فرجِه، يكرّهُ أن يُرَى. فقام يومًا يغتسلُ فى الصحْراءِ، فوضَع ثيابَه على صخرةٍ ،
فاشتدَّت بثيابِهِ ، قال: وجاء يطلُبُها عُزْيانًا، حتى اطَّلَع عليهم عُزيانًا، فَرَأَوه بريئًا مما
قالوا: ﴿ وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾. قال: والوجيهُ فى كلامِ العربِ: المحُبُّ
هـ (١)
المقبولُ(١) .
وقال آخرون : بل وصفوه بأنه أبرصُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ محُمَيدٍ ، قال: ثنا يعقوبُ ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ ، قال: قال بنو
إسرائيلَ: إن موسى آدَرُ. وقالت طائفةٌ : هو أبرصُ. مِن شدةِ تَسَتُّرِه، و کان یأتی
كلَّ يومٍ عَيْنًا ، فيغتسلُ ويضعُ ثيابَه على صخرةٍ عندَها ، فعدَتِ الصخْرُ بثیابِه حتى
انتهتْ إلى مجلسٍ بنى إسرائيلَ، وجاء موسى يطلبُها، فلما رَأَوه ◌ُزْيانًا ليس به شىءٌ
مما قالوا، لَبِس ثيابَه، ثم أقبَل على الصخرةِ يضربُها بعصاه، فأثَّرَتِ العصا فى
الصخرةِ .
حدّثنا بحُ بنُ حبیبٍ بن عربیٍّ ، قال: ثنا رَؤُ بنُ عبادةً ، قال : ثنا عوفٌ ، عن
محمدٍ، عن أبى هريرةً/، فى هذه الآية: ﴿لَا تَكُونُوْ كَالَّذِينَ ءَاذَوْ مُوسَى فَبَرَّأَهُ اَللَّهُ
مِقَا قَالُواْ ﴾ الآية. قال رسولُ اللهِ عَّهِ: ((إن موسى كان رَجُلًا حَيًّا سَتِيرًا، لا يَكَادُ
يُرَى مِن جِلدِه شىءٌ ، اسْتِخْياءً منه، فَآذَاه مَن آذَاه مِن بنى إسرائيلَ، وقالوا: ما
يَسْتَر١ُ هذا التَّسَتُّرَ إلا مِن عيبٍ فى جلدِه؛ إما بَرَصٍ، وإما أدْرَةٍ، وإما آفَةٍ ، وإن الله
٥٢/٢٢
(١) ينظر البحر المحيط ٧/ ٢٥٣.
(٢) فى م: (( تستر)).
١٩٣
سورة الأحزاب : الآية ٦٩
أرادَ أن يُبَرِّئَه مما قالوا، وإن موسى خَلا يومًا وحدَه، فوضَع ثيابَه على حَجَرٍ ، ثم
اغتَسَل، فلما فرَغْ مِن غُسْلِه، أقبَل على ثوبِه ليأخُذَه، وإن الحَجَرَ عَدَا بثوبِهِ ، فأخَذَ
موسى عصاه، وطَلَب الحجرَ، وجَعَل يقولُ: [٦٣٧/٢ظ] ثَوْبِى حَجَرُ، ثوبى
حَجَر١ُ). حتى انْتَهَى إلى ملأْ مِن بنى إسرائيلَ، فَرَأَوَه ◌ُزيانًا كأُخْسَنِ الناسِ خَلْقًا،
وبَرَأَه اللهُ مما قالوا، وإن الحَجَرَ قامَ ، فأخَذ ثوبَه ولَبِسَه، فطَفِقَ بالحجرِ ضَرْبًا بذلك ،
فواللهِ إن فى الحجرِ لَنَدَبًا مِن أَثَرٍ ضربِه، ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا))(١).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى عَدِىٌّ، عن عوفٍ ، عن الحسنِ، قال : بلَغنى أن
رسولَ اللهِ عَلِ قال: ((كان موسى رَجُلاً حَيًّا سَتِيرًا)). ثم ذكَر نحوًا منه(٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال : ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: حدَّث الحسنُ،
عن أبى هريرةَ، أن رسولَ اللهِ عَ لَّمِ قال: ((إن بنى إسرائيلَ كانوا يَغْتَسلون وهُمْ
عُرَاةٌ ، وكان نبىُّ اللهِ موسى " منه الحياءُ والسَّتْرُ، فكان يستترُ" إذا اغْتَسَل، فطَعَنوا
فيه بعورةٍ. قال : فبَيْنَا نبىُ اللهِ موسى يغتسلُ يومًا، إذ وَضَع ثيابَه على صخرةٍ ،
فانطلقت الصخرةُ ، واتَّعها نبُ اللهِ ضَرْبًا بعصاه : ثَوبی یا حجر، ثَوبی یا حجرُ.
حتى انتَهَت إلى مَلاَّ مِن بنى إسرائيلَ، و(٥) تَوَسَّطَتْهم(١)، فقامَت، فأخَذ نبىُ اللهِ
(١ - ١) سقط من: م، ت ١.
(٢) أخرجه أحمد ٣٩٦/١٦ (١٠٦٧٨)، والبخارى (٣٤٠٤، ٤٧٩٩)، والترمذى (٣٢٢١)،
والطحاوى فى مشكل الآثار (٦٧) من طريق روح بن عبادة به .
(٣) أخرجه أحمد ٣٩٦/١٦ (١٠٦٧٨) من طريق عوف الأعرابى به، والبخارى (٣٤٠٤، ٤٧٩٩)،
والترمذى (٣٢٢١) من طريق عوف به موصولًا بذكر أبى هريرة، وينظر الجرح والتعديل ٢٣٧/١ .
(٤ - ٤) فى م: ((حييًّا فكان يتستر))، وفى ت ١: ((يستتر))، وفى ت٢: ((منه والستر يغتسل)). والمثبت من
مسند أحمد .
(٥) فى م، ت ٢: ((أو)).
(٦) فى م: ((توسطهم)).
( تفسير الطبرى ١٣/١٩)
١٩٤
سورة الأحزاب : الآية ٦٩
ثيابَه، فَتَظَروا إلى أحسنِ الناسِ خَلْقًا، وأَعْدَلِهِ صورةً (١)، فقال الملأُ: قاتَل اللهُ
أَفَّاكِى(٢) بنى إسرائيلَ. فكانت بَراءَتَه التى بَرَّه اللهُ منها))(٣).
وقال آخرون: بل كان أذاهم إياه ادِّعاءَهم (٤) عليه قتلَ هارونَ أخيه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىٌّ بنُ مسلم الطّوسِئُ، قال: ثنا عَبَادٌ، قال: ثنا سفيانُ بنُ حسين (،
عن الحكم، عن سعيدِ بنِ جُبِيرٍ، عن ابنِ عباسٍ ، عن علىٍّ بنِ أبى طالبٍ رضِى اللهُ
عنه فى قولِ اللهِ: ﴿لَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ ءَاذَوْا مُوسَى﴾ الآية . قال: صَعِد موسى
وهارونُ الجبلَ ، فمات هارونُ ، فقالت بنو إسرائيلَ : أنت قتلتَه، وكان أشدَّ حبًّا لنا
منك، وألينَ لنا منك. فآذَوه بذلك ، فأمَر اللهُ الملائكةَ فحمَلَتْه، حتى مَژُّوا به على
بنى إسرائيلَ، وتكلَّمت الملائكةُ بموتِه، حتى عرَف بنو إسرائيلَ أنه قد مات ،
فبَرَّأَه اللهُ مِن ذلك، فانطلَقوا به فدفَنوه، فلم يطٌّلِعْ على قبرِه أحدٌ مِن خلقِ اللهِ إلا
الرَّحَمُ(٢)، فجعَله اللهُ أصمَّ أبكمَ() .
وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ أن يقالَ : إِن بنى إسرائيلَ آذَوا نبىَّ اللهِ ببعضٍ
(١) فى م: ((مروءة))، وفى ت ١: ((مروة))، وفى ت ٢: ((فروة))، والمثبت من مسند أحمد.
(٢) فى ت ١، ت ٢: ((ایاکی)).
(٣) أخرجه أحمد ٤٤/١٥ (٩٠٩١) من طريق قتادة به، وأخرجه البخارى (٣٤٠٤، ٤٧٩٩)، والترمذى
(٣٢٢١) من طريق الحسن به .
(٤) فى ت ١، ت ٢: ((ادعاوهم)).
(٥) فى النسخ: ((حبيب)) وهو تصحيف، والمثبت هو الصواب. ينظر تهذيب الكمال ١٣٩/١١.
(٦) الرخم: نوع من الطير معروف، واحدته رَخَمة، وهو موصوف بالغدر والموق. وقيل بالقذر. النهاية ٢/ ٢١٢.
(٧) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٧٥/٦ عن المصنف ، وأخرجه أحمد بن منيع - كما فى المطالب العالية
(٣٨١٩، ٤٠٦٦) - والطحاوى فى مشكل الآثار ٦٨/١، وابن أبى حاتم - كما فى تفسير ابن كثير ٤٧٤/٦،
٤٧٥، - والحاكم ٥٧٩/٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٣/٥ إلى ابن المنذر وابن مردويه.
١٩٥
سورة الأحزاب : الآيات ٦٩ - ٧١
ما كان يكرهُ أن يُؤْذَى به ، فبَرَّأَّه اللهُ مما آذَوه به. وجائزٌ أن يكونَ ذلك ما ذُكر أنَّهم
قالوا: إنه آدَرُ. وجائزٌ أن يكون١َ) كان قيلَهم: إنه أبرصُ. وجائزٌ أن يكونَ كان
ادَّعاءَهم (٢) / عليه قتلَ أخيه هارونَ. وجائزٌ أن يكونَ كلَّ ذلك؛ لأنه قد ذكر كلُّ ٥٣/٢٢
ذلك أنهم قد آذَوه به ، ولا قولَ فى ذلك أولى بالحقِّ مما قال اللهُ أنهم آذَوا موسى ،
فَرَّأَه اللهُ مما قالوا .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلًا
ـلا
٧٠
يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ
سَدِيداً
فَوْزًا عَظِيمًا
يقولُ تعالى ذكرُه: يا أيُّها الذين صَدَّقوا الله ورسوله، اتَّقوا اللهَ أن تَعْصُوه،
فتستحِقُّوا بذلك عقوبته .
وقولُه: ﴿وَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا﴾. يقولُ: قُولوا فى رسولِ اللهِ والمؤمنين قَوْلًا
قاصدًا غيرَ جائرٍ، حقًّا غيرَ باطلٍ .
كما حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء(١) ، عن ابنٍ أبى
تَجيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿ وَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا﴾. يقولُ: سَدادًا(٤).
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا عنبسةُ، عن الكلبىّ: ﴿ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا
قال : صدقًا .
(١ - ١) سقط من: م، ت ١.
(٢) فى ت ٢: ((ادعاوهم)).
(٣) بعده فى ت ٢: ((جميعا)).
(٤) تفسير مجاهد ص ٥٥٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٤/٥ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن
المنذر وابن أبى حاتم .
٠
١٩٦
سورة الأحزاب : الآيات ٧٠ - ٧٢
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ
قَوْلاً سَدِيدًا﴾. أى: عَدْلًا. قال قتادةُ: يعنى به فى مَنْطِقِه، وفى عملِه كلِّه،
والسَّديدُ : الصدقُ(١) .
حدَّثنی سعدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحکم ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمر، عن الحکم بنِ
أبانٍ، عن عكرمةَ فى قولِ اللهِ: ﴿وَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدٌ﴾. قولوا: لا إلهَ إلا اللهُ(٢).
وقولُه: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَلَكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين: اثَّقوا اللهَ
وقُولُوا السَّدادَ مِن القولٍ، يوفِّقْكم لصالح الأعمالِ، فيُصلِحْ أعمالكم، ﴿ وَيَغْفِرْ
لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾. ( يقولُ: ويَغْفُ لكم عن ذنوبِكم٢)، فلا يُعاقِكم عليها، ﴿ وَمَنْ
يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ فيعملَ بما أمرَه به ربُّه، وينتهىَ عمانَهاه، ويقولَ السَّديدَ، ﴿فَقَدْ
فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. يقولُ: فقد ظَفِرِ بالكرامةِ العُظْمى مِن اللهِ.
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَنُّ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا
٧٢
اختلف أهلُ التأويل فى معنى ذلك ؛ فقال بعضُهم: معناه: إن الله عرَض طاعتَه
وفرائضَه على السماواتِ والأرضِ والجبالِ ؛ على أنها إن أحسنت أُثيبت ومجوزِيت ،
[٦٣٨/٢ و] وإن ضَيَّعت ◌ُوقِبت، فأبَت حَمْلَها، شَفَقًا منها ألَّ تقومَ بالواجبِ عليها
للهِ(٤)، وحمَلها آدمُ(٥)، ﴿إِنَُّ كَانَ ظَلُومًا﴾ لنفسِه، ﴿ جَهُولًا﴾ بالذى فيه الحَظُّ له.
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٤/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبى حاتم مقتصرًا على أوله،
وينظر تفسير البغوى ٣٧٩/٦.
(٢) ذكره البغوى فى تفسيره ٣٧٩/٦، وابن كثير فى تفسيره ٤٧٦/٦، وأبو حيان فى البحر المحيط ٢٥٣/٧.
(٣ - ٣) سقط من: ت ٢.
(٤) سقط من: م، ت ١.
(٥) فى ت ١: ((الإنسان)).
١٩٧
سورة الأحزاب : الآية ٧٢
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن أبى بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ
فى قوله: ﴿ إِنَّا / عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا
وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾. قال: الأمانةُ الفرائضُ التى افترضها اللهُ على العبادِ (١).
٥٤/٢٢
قال : ثنا هشيمٌ، عن العوَّامِ ، عن الضحاكِ بنِ مزاحمٍ ، عن ابن عباسٍ فى قوله :
( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا﴾. قال:
الأمانةُ: الفرائضُ التى افترضها اللهُ على عبادِه (١).
قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا العوامُ بنُ حَوْشَبٍ وجُوَيبٌ، كلاهما عن
الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ إلى قولِه:
جَهُولًا﴾. قال: الأمانةُ ، الفرائضُ. قال جويبرٌ فى حديثِه: فلما عُرضت على
آدمَ قال: أى ربِّ، وما الأمانةُ؟ قال: قيل: إن أَدَّيتَها جُزِيتَ، وإِن ضَيَّعتَها عوقبتَ .
قال: أى ربِّ، حملتُها بما فيها. قال: فما مكَث فى الجنةِ إلا قدرَ ما بينَ العصرِ إلى
غروب الشمسٍ حتى عمِل بالمعصيةِ ، فأُخرج منها(٢).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبى بشرٍ، عن
سعيدٍ، عن ابنِ عباس، أنه قال فى هذه الآية: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾. قال: عُرِضت
على آدمَ ، فقال : خُذْها بما فيها ، فإن أطعتَ غفرتُ لك، وإن عصيتَ عذَّبتُك . قال: قد
قبلتُ . فما كان إلا قدرَ ما بينَ العصرِ إلى الليلِ مِن ذلك اليومِ حتى أصابَ الخطيئةً(٣) .
(١) عزاه السيوطى فى الدرالمنثور ٢٢٥/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٧٧/٦ عن الضحاك به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٥/٥ إلى عبد بن حميد.
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٧٧/٦ عن المصنف، وأخرجه ابن الأنبارى فى الأضداد ص ٣٨٨، ٣٨٩،
والحاكم ٤٢٢/٢ من طريق شعبة به ، ووقع عند الأنبارى عن مجاهد بدلًا من ابن جبير، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٢٢٥/٥ إلى سعيد بن منصور وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم.
١٩٨
سورة الأحزاب : الآية ٧٢
حدّثنی علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ إِن أَدَّوها أثابهم ، وإن
ضَيَّعوها عذَّبَهم ، فكرِهوا ذلك، وأشفَقوا مِن غيرِ معصيةٍ ، ولكن تعظيمًا لدينِ اللهِ
ألَّ يقوموا بها، ثم عرضها على آدمَ، فقبلها بما فيها، وهو قولُه: ﴿وَحَلَهَا الْإِنْسَنُ
◌ِنَّهُ كَانَ ظَلُوْمًا جَهُولًا﴾ غِرًّا بأمرِ اللهِ(١).
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ (" عَلَى التَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى:
جَهُولاً﴾. يعنى بالأمانةِ " الطاعةَ عرَضها عليهم(١) قبلَ أن يعرِضَها على آدمَ فلم
تُطِفْها، فقال لآدمَ : يا آدمُ ، إنى قد عرَضتُ الأمانةَ على السماواتِ والأرضِ والجبالِ
فلم تُطِقْها ، فهل أنت آخِذُها بما فيها؟ فقال : يا ربِّ، وما فيها؟ قال : إن أحسنتَ
جُزِيتَ، وإن أسأتَ مُوقبتَ. فأخَذها آدمُ فتَحمَّلَها، فذلك قوله: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُّ
إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾(٤).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيرىُّ(٥)، قال: ثنا سفيانُ، عن رجلٍ،
عن الضحاكِ بنِ مُزاحم فى قوله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
وَالْجِبَالِ فَأَيْنَ أَنْ يَحْمِلَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَجَمَلَهَا الْإِنسَنُّ إِنَُّ كَانَ ظَلُوْمًا جَهُولًا﴾ .
قال: آدمُ . قيل له : خُذْها بحقِّها. قال: وما حَقُّها؟ قيل: إن أحسنتَ جُزِيتَ، وإن
أسأتَ تُوقِتَ. فما لَبِث إلَّا(٩) ما بينَ الظهرِ والعصرِ حتى أُخْرج منها(٧).
(١) أخرجه الأنبارى فى الأضداد ص ٣٨٩، ٣٩٠ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٢٤/٥، ٢٢٥ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢ - ٢) سقط من: م، ت ١.
(٣) فى م: ((عليها)).
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٧٧/٦ عن العوفى به، والطوسى فى تفسيره ٣٣٣/٨.
(٥) فى ت ١: ((الزهرى)).
(٦) سقط من: م، ت ١.
(٧) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٢٥/٢ عن الثورى عن غير واحد عن الضحاك، وعزاه السيوطى فى =
١٩٩
سورة الأحزاب : الآية ٧٢
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبَيَدٌ ، قال:
سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
وَالْجِبَالِ﴾ فلم يُطِقْنَ حَمْلَها، فهل أنت يا آدمُ آخِذُها بما فيها؟ / قال آدمُ: وما فيها ٥٥/٢٢
يا ربِّ؟ قال: إن أحسنتَ جُزِيتَ، وإن أسأتَ مُوقبتَ. فقال: تحمَّلتُها . فقال اللهُ
تبارك وتعالى: قد حمَّلتُكَها . فما مكَث آدمُ إلا مقدارَ ما بينَ الأولى إلى العصرِ ،
حتى أخرَجه إبليسُ ، لعَنه اللـهُ، مِن الجنةِ . والأمانةُ : الطاعةُ .
حدَّثنى سعيدُ بنُ عمرٍو الشَّكُونُّ ، قال: ثنا بَقِيَّةُ، قال: ثنى عيسى بنُ إبراهيمَ،
عن موسى بنِ أبى حبيبٍ، عن الحَكَمِ بنِ عميرٍ(١)، وكان مِن أصحابِ النبيِّ ◌َلِّ،
قال: قال النبىُّ عَّهِ: ((إنَّ الأمانةَ والوفاءَ نَزَلا على ابنِ آدمَ مع الأنبياءِ، فأَرْسِلوا به؛
فمِنهم رسولُ اللهِ، (٢ ومنهم نبيِّ(٢)، ومنهم نبىٌّ رسولٌ، ونزل القرآنُ وهو كلامُ اللهِ،
ونزلَت العربيةُ والعجميةُ، فعلِموا أمرَ القرآنِ، وعلِموا أمرَ السننِ بألسنتِهم، ولم
يَدَعِ اللهُ شيئًا مِن أمرِهِ مما ( يأتون ومما يَجْتَنِبون)، وهى الحُجَجُ عليهم، إلا بَيََّه
لهم ، فليس أهلُ لسانٍ إلَّ وهم يعرفون الحسنَ مِن القبيح، ثم الأمانةُ أوَّلُ شيءٍ
يُؤْفَعُ ، ويَتْقى أثَّرُها فى جذورِ قلوبِ الناسِ، ثم يُؤْفَعُ الوفاءُ والعهدُ والذِّعَمُ، وتَبْقَى
الكتبُ، فعالِمٌ يعملُ، وجاهلٌ يعرِفُها ويُنْكِرُها (* ولا يحمِلُها" ، حتى وصَل إلىَّ
وإلى أَمتى ، فلا يَهْلِكُ على اللهِ إِلَّ هالكٌ، ولا يُغْفِلُهُ إِلَّ تاركٌ، والحذرَ [٦٣٨/٢ ظ] أيُّها
= الدر المنثور ٢٢٥/٥ إلى عبد بن حميد .
(١) فى م: ((عمرو))، وفى ت ١، ت ٢: ((عمر))، ينظر ما تقدم فى ١ / ١٣٦، وقال ابن حجر فى الإصابة
١٠٨/٢: ولعل أباه كان اسمه عَمْرًا فصغر واشتهر بذلك.
(٢ - ٢) سقط من: ت ٢.
(٣ - ٣) فى ت ١: ((يكون وما يجيبون))، وفى ت ٢: ((يكون وما يحيون)).
(٤ - ٤) سقط من: م.
٢٠٠
سورة الأحزاب : الآية ٧٢
الناسُ، وإِيَّكم والوسواسَ الخناسَ، فإنما يَتْلُوكم أيُّكم أحسنُ عملً))(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ خَلَفِ العَسْقلانىُ ، قال : ثنا عبيدُ اللهِ بنُ عبدِ المجيدِ الحنفىُّ،
قال: ثنا أبو العَوَّام القطانُ) ، قال: ثنا قتادةُ وأبانُ بنُ أبى عيَّاشِ، عن خُلَيدِ
العَصَرِىّ، عن أبى الدرداءِ، قال: قال رسولُ اللهِ نَّهِ: (( خمسٌ مَن جاء بهنَّ يومَ
القيامةِ مع إيمانٍ دخَل الجنةً؛ مَن حافظ على الصلواتِ الخمسِ؛ على وُضُوئِهن
ورُكُوعِهن وسُجُودِهن ومَواقيتِهن، وأعطَى الزكاةَ مِن مالِهِ طَيِّبَ النفسِ بها)).
وكان يقولُ: ((وايمُ اللهِ ، لا يفعلُ ذلك إلا مؤمنٌ، وصامَ رمضانَ، وحجّ البيتَ إن
استطاع إلى ذلك سبيلاً، وأدَّى الأمانةَ)). قالوا: يا أبا الدرداءِ، وما الأمانةُ؟ قال:
الغُسْلُ مِن الجنابةِ ؛ فإن الله لم يأمَنِ ابنَ آدمَ على شىءٍ من دينه غيرَه(١) .
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن
أبى الضُّحَى، عن مسروقٍ، عن أَتَىِّ بنِ كعبٍ ، قال: مِن الأمانةِ أن المرأةَ اؤُمنت
على فَرْجِها(٤) .
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهب ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿ إِنَّا
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٧٩/٦ عن المصنف، وقال: هذا حديث غريب جدًّا ، وله شواهد من وجوه
أخرى، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٦/٥ إلى المصنف وضعفه.
(٢ - ٢) فى م: ((العوام العطار))، وفى ت ١، ت ٢: ((أبو العوام العطار))، وأبو العوام القطان، هو عمران
ابن دَاوَر العمى أبو العوام القطان البصرى. ينظر تهذيب الكمال ٣٢٨/٢٢.
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٧٩/٦، وأخرجه أبو داود (٤٢٩)، والطبرانى فى الصغير ٥/٢، وأبو نعيم فى
الحلية ٢٣٤/٢ من طريق عبيد الله بن عبد بن المجيد به، وقول أبى الدرداء لم يذكره الطبرانى ، وأخرجه أبو
نعيم فى أخبار أصبهان ١٨٩/٢ من طريق أبى العوام القطان به، ولم يذكر قول أبى الدرداء.
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٢٥/٢ عن الثورى به، وأخرجه الحاكم ٤٢٢/٢، والبيهقى ٣٧١/٧ من
طريق الأعمش به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٦/٥ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى
حاتم .