Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
سورة الأحزاب : الآية ٦
وأولى الأقوالِ فى ذلك عندى بالصوابِ أن يقالَ: معنى ذلك: إلا أن تَفْعَلوا
إلى أوليائِكم الذين كانَ رسولُ اللَّهِ مَ ◌ّهِ آخَى بينهم وبينَكم مِن المهاجرين
والأنصارِ - معروفًا مِن الوصيةِ لهم، والنُّصرةِ والعقلِ عنهم، وما أشْتَه ذلك ؛ لأن
كلَّ ذلك مِن المعروفِ الذى قد حثَّ اللَّهُ عليه عبادَه .
وإنما اخْتَرْتُ هذا القولَ، وقلتُ: هو أولى بالصوابِ من قيلٍ مَن قال : مُنِى
بذلك الوصيةُ للقَرابةِ من أهلِ الشركِ. لأن القريبَ مِن المشركِ، وإن كان ذا نَسبٍ ،
فليس بالمولَى ، وذلك أن الشركَ يَقْطَعُ ولايةَ ما بينَ المؤمنِ والمشركِ، وقد نهَى اللَّهُ المؤمنين
أن يَتَّخِذوا منهم وليًّا بقوله: ﴿لَا تَنَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُؤَّكُمْ / أَوْلِيَآءَ ﴾ [الممتحنة: ١]. وغيرُ ١٢٥/٢١
جائزٍ أن يَنْهاهم عن اتخاذِهم أولياءَ، ثم يَصِفَهم جلَّ ثناؤه بأنهم لهم أولياءُ.
وموضعُ ﴿أَنَ﴾ من قوله: ﴿إِلََّ أَن تَفْعَلُواْ﴾. نصبٌ على الاستثناءِ.
ومعنى الكلام: وأولو الأرحامِ بعضُهم أولى ببعضٍ فى كتابِ اللَّهِ مِن المؤمنين
والمهاجرين، إلا أن تَفْعَلوا إلى أوليائِكم من المؤمنين والمهاجرين الذين ليسوا بأُولى
أرحامٍ منكم - معروفًا .
وقولُه: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِى الْكِتَبِ مَسْطُورًا﴾. يقولُ: كان أولو
الأرحام بعضُهم أَوْلَى ببعضِ فى كتابِ اللَّهِ، أى: فى اللوح المحفوظِ،
مَسْطُورًا﴾. أى: مكتوبًا؛ كما قال الراجزُ(٢) :
* فى الصُّحْفِ الأُولَى التى كان سَطَّرْ *
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
(١ - ١) سقط من: م، ت١، ت٢. وبعده فى ص: ((معروفا)).
(٢) هو العجاج ، والبيت فى ديوانه ص ٤٨ .

٢٢
سورة الأحزاب : الآيتان ٦ ، ٧
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
كَانَ ذَلِكَ فِىِ الْكِتَبِ مَسْطُورًا﴾. أى: أن أُولِى الأرحامِ بعضُهم أَوْلَى
ببعضِ فى كتابِ اللهِ(١).
وقال آخرون: معنى ذلك: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِىِ الْكِتَبِ مَسْطُورًا﴾: لا
تَرِثُ المشركُ المؤمنَ .
(٢ ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:
كَانَ ذَلِكَ فِى الْكِتَبِ مَسْطُورًا﴾. وفى بعضِ القراءةِ: ( كان ذلك
عندَ اللهِ مكتوبًا)؛ لا يرثُ المشركُ المُؤْمنَ(٢)(٣).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيْئِنَ مِشَقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحِ
وَإِبْرَهِيَمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيٌّ وَخَذْنَا مِنْهُم مِشَقًّا غَلِظًا
٧
يقولُ تعالى ذكره : كان ذلك فى الكتابِ مسطورًا إذ كتَبْنا كلّ ما هو كائنٌ فى
الكتابِ، ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّنَ مِشَقَهُمْ﴾، كان ذلك أيضًا فى الكتابِ
مسطورًا، ويعنى بالميثاقِ العهدَ، وقد بيَنا ذلك بشواهدِه فيما مضَى قبلُ(٤)،
﴿ وَمِنْكَ﴾ يا محمدُ، ﴿ وَمِنْ تُوجِ وَإِنْزَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيٌّ وَأَخَذْنَا مِنْهُم
(١) هذا الأثر جزء من الأثر الطويل المتقدم ص ١٧، ١٨.
(٢ - ٢) سقط من: م، ت٢ .
(٣) ذكره القرطبى فى تفسيره ١٢٦/١٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٣/٥ إلى المصنف وابن المنذر
وابن أبى حاتم ، والقراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف .
(٤) ينظر ما تقدم فى ٤٣٩/١، ٤٦/٢، ٢٦٢، ٣٢١/٧، ٠٣٢٢

٢٣
سورة الأحزاب : الآية ٧
مِيْثَقًا غَلِيظًا﴾. يقولُ: وأخَذْنا مِن جميعِهم عهدًا مؤكّدًا أن يُصَدِّقَ بعضُهم
بعضًا .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا
مِنَ النَِّيْكِنَ مِشَقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُوحٍ﴾. قال: وذُكِرٍ لنا أن نبيَّ اللَّهِ وَلِّ كان
يقولُ: ((كنتُ أولَ الأنبياءِ فى الخَلْقِ، وآخرَهم فى البعثِ)). ﴿وَإِبْرَهِيَمَ وَمُوسَى
وَعِيسَى ابْنِ مَهْمٌّ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِيثَقًا غَلِيظًا﴾: ميثاقٌ أَخَذَه اللَّهُ على النبيين
خصوصًا، أن يُصَدِّقَ بعضُهم بعضًا، وأن يَتْبَعَ بعضُهم بعضًا (١) .
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال: ثنا سليمانُ ، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: كان قتادةٌ
إذا تلا هذه الآيةَ: ﴿ وَإِذْ / أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّئْنَ مِثَقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نَوجِ﴾. قال: ١٢٦/٢١
كان نبيُ اللَّهِ عَ لَّهِ فِى أَوَّلِ النبيين فى الخلقِ ".
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿مِنَ النَّبْنَ مِثَقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُوحٍ ﴾ . قال : فی ظھرِ
(٣)
أَدْمَ(٢).
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٤/٥ إلى المصنف مقتصرا على ذكر المرفوع فقط. وعزاه فى ١٨٣/٥
إلى المصنف وابن أبى حاتم مقتصرا على آخره. والمرفوع من الأثر أخرجه ابن سعد في الطبقات ١٤٩/١ ، وأبو
نعيم فى دلائل النبوة - كما فى البداية والنهاية ٥٣٥/٣ - من طريق سعيد بن أبى عروبة به، وأخرجه ابن أبى
حاتم فى تفسيره - كما فى تفسير ابن كثير ٣٨٣/٦ - وتمام فى فوائده (١٣٩٩ - روض)، وأبو نعيم فى
دلائل النبوة ( ٣ )، من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة ، عن الحسن ، عن أبى هريرة مرفوعا .
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٨٣/٦، وأخرجه ابن سعد في الطبقات ١٤٩/١ من طريق أبى هلال عن
قتادة مرفوعا بنحوه .
(٣) تفسير مجاهد ص ٥٤٧، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٣/٥ إلى الفريابى وابن المنذر وابن أبى حاتم.

٢٤
سورة الأحزاب : الآيتان ٧، ٨
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِيثَفًّا غَلِيظًا﴾. قال: الميثاقُ الغليظُ
و (١)
العهد
القولُ فى تأويل قوله تعالى: ﴿لِيَسْئَلَ الصَّدِقِينَ عَن صِدْقِهِمٌّ وَأَعَدَّ لِلْكَفِرِينَ
عَذَابًا أَلِيمًا
٨
يقولُ تعالى ذكرُه : أخَذْنا مِن هؤلاء الأنبياءِ ميثاقَهم، كيما أَسْأَلَ المرسَّلِين عما
أجابَتْهم به أئمُهم، وما فعَل قومُهم فيما أَبْلَغوهم عن ربِّهم مِن الرسالةِ.
وبنحوِ قولِنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عَنْبسَةً، عن ليثٍ ، عن مجاهدٍ :
لِيَسْئَلَ الصَّدِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ﴾. قال: المُبَلِّغين المُؤدِّين مِنْ الرسلِ.
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
لِيَسْئَلَ الصَّدِقِينَ عَن صِدْقِهِمَّ﴾. قال: المبلِّغين المؤدِّين مِن الرسلِ" .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبو أسامةَ ، عن سفيانَ ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ :
لِيَسْئَلَ الصَّدِقِينَ عَن صِدْقِهِمَّ﴾. قال: الرسلَ المؤَدِّين المبلِّغين.
وقولُه: ﴿ وَأَعَدَّ لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. يقولُ: وأعَدَّ للكافرين باللّهِ مِن الأمم
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٨٣/٦.
(٢) فى ص، ت١، ت٢ : ((عن)).
(٣) تفسير مجاهد ص ٥٤٧ .

٢٥
سورة الأحزاب : الآيتان ٨ ، ٩
عذابًا مُوجِعًا .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ
جَآءَتَكُمْ جُدٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِبِحًا وَحُودًا لَّمْ تَرَوَهَأْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
بَصِیرًا
يقولُ تعالى ذكره: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾: التى
أنعَمها على جماعتِكم، وذلك حينَ حُوصِر المسلمون مع رسولِ اللَّهِ مَ لَه أيامَ
الخَنَدقِ، ﴿ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾. يعنى: / جنودُ الأحزابِ؛ قُريشٌ، وغَطَفانُ، ١٢٧/٢١
ويهودُ بنى النضيرِ، ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ وهى فيما ذُكِر: ريحُ الصَّبا.
كما حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن
عكرِمةَ، قال: قالت الجنوبُ للشَّمالِ ليلةَ الأحزابِ: انطلِقِى ننصُرْ رسولَ اللَّهِ مَّهِ.
فقالت الشَّمالُ: إِن الحُرّةَ لا تسری بالليلِ. قال: فكانت الريحُ التى أُرسلتْ عليهم
(١)
الصَّبا(١).
حدَّثنا ابنُ المثنى ، قال : ثنا أبو عامرٍ ، قال : ثنى الزبيرُ، يعنى ابنَ عبدِ اللَّهِ، قال:
ثنى رُيَتْحُ بنُ أبى سعيدٍ، عن أبيه، عن أبى سعيدٍ ، قال: قلنا يومَ الخندقِ :
يا رسولَ اللَّهِ، بلغتِ القلوبُ الحناجرَ! فهل من شيءٍ نقولُه(١)؟ قال: ((نعم، قولوا :
اللهم استر عوراتِنا، وآمِنْ رَوعاتِنا)). قال: فضرَب اللَّهُ وجوهَ أعدائه بالرِّيحِ،
فهزَمهم اللّهُ بالرِّيحِ().
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٨٥/٦ عن المصنف .
(٢) فى م: (( تقوله)).
(٣) أخرجه البزار (٣١١٩ - كشف) عن محمد بن المثنى به ، وأخرجه أحمد ٢٧/١٧ (١٠٩٩٦) - وليس
فيه ذكر والد رُبيح - ، وابن أبى حاتم - كما فى البداية والنهاية ٥٧/٦ - عن أبيه ، عن أبى عامر به ، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ١٨٥/٥ إلى ابن المنذر .

٢٦
سورة الأحزاب : الآية ٩
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: ثنى عبيدُ(١) اللَّهِ بنُ عمرَ(٢)، عن
نافع، عن عبدِ اللَّهِ ، قال : أرسلنى خالى عثمانُ بنُ مظعونٍ ليلة الخندقِ فى بردٍ شديد
وريحٍ إلى المدينةٍ، فقال: ائتنا بطعامٍ ولحافٍ. قال: فاستأذنتُ رسولَ اللَّهِ مَِّهِ ، فَأَذِنَ
لى وقال: ((من لَقِيتَ مِن أصحابی فمرهم يَرجِعوا))(١) . قال: فذهبتُ والرِيحُ تَشْفِی
كلَّ شىءٍ ، فجعلتُ لا أَلقَى أحدًا إلا أمرتُه بالرجوع إلى النبيِّ ◌َهِ. قال: فما يَلْوِى
أحدٌ منهم عنقه . قال : و کان معی تُوسٌ لی ، فكانت الريح تضربُه علىَّ ، وكان فيه
حديدٌ . قال: فضرَبتْه الريحُ حتى وقَع بعضُ ذلك الحديدِ على كفِّى، فأنفَذَها إلى
(٤)
الأرضِ(٤).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا سلمةُ : قال : ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ ، عن یزیدَ بنِ
زيادٍ، عن محمدٍ بنِ كعبِ القُرَظىّ ، قال : قال فتّى من أهلِ الكوفةِ لحذيفةَ بنِ
اليمانِ: يا أبا عبدِ اللَّهِ، رأيتم رسولَ اللَّهِ عَ لَه وصحِبْتُموه؟! قال: نعم يا بنَ أخى.
قال: فكيف كنتم تصنعون ؟ قال: واللَّهِ لقد كنا نَجْهَدُ. قال الفتى: واللَّهِ لو أدر كناه
ما تركناه يمشى على الأرضِ، لحمَلناه على أعناقِنا. قال حُذَيفةُ: يا بنٍ أخرى، واللَّهِ
لقد رأيتُنا مع رسولِ اللَّهِ مَّهِ بالخندقِ، وصلى رسولُ اللَّهِ ◌ِّه هَوِيًّا من الليلِ، ثم
التَفَت إلينا فقال: ((مَن رجلٌ يقومُ فينظرُ لنا ما فعَل القومُ - يَشْرِطُ له رسولُ اللَّهِ بِعِ أنه
يَرجِعُ - أدخَله اللَّهُ الجنةَ)). فما قام أحدٌ، ثم صلى رسولُ اللَّهِ ◌ِّ ◌َه هَوِيًّا من الليلِ،
(١) فى النسخ: ((عبدى))، والمثبت من تفسير ابن كثير ٣٨٥/٦ ومصدر التخريج .
(٢) فى م: ((عمرو)).
(٣) فى ص، ت١، ت٢: ((يراجعوا)).
(٤) أخرجه الطبرانى (١٣٣٦٩)، وفى الأوسط (٥٢٩٩) من طريق عبيد الله بن عمر به.
(٥) فى ص، ت١: ((هدنا))، وفى ت٢: ((هونا)). والهَوىُّ، بالفتح: الحين الطويل من الزمان، وقيل: هو.
مختص بالليل . النهاية ٢٨٥/٥ .

٢٧
سورة الأحزاب : الآية ٩
ثم التَفَتَ إلينا فقال مثلَه، فما قام منا رجلٌ، ثم صلى رسولُ اللَّهِ عَ لَّهِ هَوِيًّا من الليلِ،
ثم التَفَتَ إلينا فقال: ((مَنْ رَجُلٌ يَقُومُ فَيَنْظُرُ لَنَا مَا فَعَلَ القَوْمُ ثُمَّ يَرْجِعُ - يَشْتَرِطُ لَهُ
رَسُولُ اللَّهِ مِ الرَّجْعَةَ - أَسْأَلُ اللَّهَ أنْ يَكُونَ رَفِيقى فِى الجنَّةِ)) . فما قام رجلٌ ؛ مِن
شدَّةِ الخوفِ، وشدّةِ الجوع، وشدّةِ البردِ، فلما لم يقمْ أحدٌ، دعانى رسولُ
اللَّهِ مََّّهِ، فلم يكنْ لى بُدٌّ مِن القيامِ حينَ دعانى، فقال: ((يا حُذَيْفَةُ، اذْهَبْ فادْخُلْ
فِى القَوْمِ فَانْظُرْ ما يَفْعَلونَ، ولَا تُحْدِثَنَّ شَيْئًا حتى تَأْتِيًَّا)). قال : فذهبتُ فدخلتُ
فى القومِ، والريحُ وجنودُ اللَّهِ تفعلُ بهم ما تفعلُ، لا تُقِؤُ(١) لهم قِدرًا ولا نارًا ولا بناءً،
فقام أبو سُفيانَ فقال : يا معشرَ قريشٍ ، لينظرِ امرؤٌ مَن جليسُه . فقال حذيفةُ: فأخذتُ
بيدِ الرجلِ الذى إلى جنبى، فقلتُ: /من أنت؟ فقال: أنا فلانُ بنُ فلانٍ. ثم قال أبو ١٢٨/٢١
سفيانَ: يا معشرَ قريشٍ ، إنكم واللَّهِ ما أصبَحْتُم بدارٍ مُقامٍ ، ولقد هلَك الكُرائحُ والخُفُّ،
وأخلَفتْ(٢) بنو قريظةَ، وبلَغَنا عنهم الذى نَكْرَهُ، ولقِينا مِن هذه الريحِ ما تَرَوْن ، واللَّهِما
يَطْمَئِنُّ لنا قِدْرٌ(٢)، ولا تَقومُ لنا نارٌ، ولا يَسْتَمْسِكُ لنا بِناءٌ، فَارْتَحِلوا فإنى مُوْتَحِلٌ . ثم
قام إلى جملِهِ وهو معقولٌ ، فجلَس عليه ، ثم ضرّبه فوثَب به على ثلاثٍ ، فما أطْلَق ◌ِقالَه
إلا وهو قائمٌ، ولولا عهدُ رسولِ اللهِ وَهِ إلىٍّ: ((أن لا تُحْدِثَ شيئًا حتى تَأْتِيَنِى)). ثم
شئتُ لقتَلْتُه بسهم. قال حذيفةُ: فرجَعْتُ إلى رسولِ اللهِ عَمِ، وهو قائمٌ يُصَلّى(٣)
فى مِرْطٍ لبعضٍ نسائِه، فلمَّا رآنى أُدْخَلَنى بينَ رِجْلَيه، وطرَح علىَّ طرفَ المِرْطِ ، ثم
ركَع وسجَد ، وإنى لَفيه ، فلمَّا سلَّم أخْبَرْتُه الخبرَ ، وسمِعَتْ غَطَفانُ بما فَعَلَت قريشٌ،
فانْشَمَرُوا راجعين إلى بلادهم() .
(١) فى ص، ت١، ت٢: ((تقل)).
(٢) فى م: ((واختلفت)).
(٣) سقط من النسخ . والمثبت من مصادر التخريج .
(٤) سيرة ابن هشام ٢٣١/٢ - ٢٣٣، وأخرجه أحمد ٣٩٢/٥ (الميمنية)، والمصنف فى التاريخ ٥٧٩/٢ ،
من طريق ابن إسحاق به .

٢٨
سورة الأحزاب : الآية ٩
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جٌُ﴾. قال: الأحزابُ؛ عيينةُ بنُ بدرٍ، وأبو سفيانَ،
وقُرَيظةٌ . وقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾. قال: ريحَ الصَّبا، أَرْسِلت على الأحزابِ
يومَ الخندقِ، حتى كفَأَتْ قدورَهم على أفواهِها، ونزَعتْ فساطيطَهم، حتى
أَظعَنْهم. وقوله: ﴿ وَحُنُودًا لَّمَ تَرَؤُهَاْ﴾. قال: الملائكةَ، ولم تُقَاتِلْ يومَئذٍ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَذَكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُورٌ فَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيِحًا وَهُنُودًا لَّمْ
تَرَوَّهَا﴾. قال: يعنى الملائكةَ . قال: نزلت هذه الآيةُ يوم الأحزاب ، وقد حُصِر
رسولُ اللَّهِ عَمِ شهرًا، فخندَق (٢) رسولُ اللَّهِ وَهِ، وأقبَل أبو سفيانَ بقريشٍ ومَن
تَبِعه (١٢) من الناسِ، حتى نزَلُوا بِعَقْوَةٍ(٤) رسول اللّهِ عَه، وأقبَل عيينةُ بنُ حِصنٍ أحدُ
بنى بدرٍ، ومَن تَبِعهُ(١) من الناسِ، حتى نزَلوا بعَقْوَةِ رسولِ اللهِ عَه، وكاتَبتِ اليهودُ
أبا سفيانَ وظاهروه، فقال حيثُ يقولُ اللَّهُ تعالى: ﴿إِذْ جَآءُوكُمْ مِن فَوْقِكُمْ وَمِنْ
أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾. فبعث اللَّهُ عليهم الرعبَ والريحَ، فذُكِر لنا أنهم كانوا كلَّما أوقَدوا
نارًا أطفَأها اللَّهُ، حتى لقد ذُكِر لنا أن سيدَ كلِّ حىّ يقولُ: يا بنى فلانٍ، هَلُمَّ إلىّ .
حتى إذا اجتمعوا عندَه قال: النجاءَ، النجاءَ أُتِيْتُم! لما بعَث اللَّهُ عليه مِن الرعبِ(٥) .
(١) تفسير مجاهد ص ٥٤٧، ٥٤٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٧/٥ إلى الفريابى وابن أبى شيبة
وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) فى ت١: (( يحفر الخندق)).
(٣) فى ت٢: ((معه)).
(٤) فى ت١: ((بعقيرة))، وعقوة الدار: حولها وقريبا منها. النهاية ٢٨٣/٣.
(٥) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١١٣/٢ عن معمر، عن قتادة مختصرا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٧/٥
إلى ابن أبى حاتم .

٢٩
سورة الأحزاب : الآيات ٩ - ١٢
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قَولَه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذَكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ،
قال: كان يومُ أبى سفيانَ يومَ الأحزابِ(١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ ، قال: ثنى يزيدُ بنُ رُومَانَ
فى قولِ اللَّهِ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ نِعْمَةَ الَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتَّكُمْ جُنُودٌ فَرْسَلْنَا
عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَاْ﴾: والجنودُ قريشٌ وغَطَفانُ وبنو قريظةً، وكانت
الجنودُ التى أرسَل اللَّهُ عليهم مع الريح: الملائكةَ(١).
/ وقولُه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكان اللَّهُ ١٢٩/٢١
بأعمالِكم يومَئذٍ، وذلك صبرُهم على ما كانوا فيه من الجَهْدِ والشدةِ، وثباتُهم
لعدوِّهم، وغير ذلك من أعمالِهم، ﴿ بَصِيرًا﴾ لا يَخْفَى عليه من ذلك شىءٌ،
يُخْصِيه عليهم ليَجزِيَهم عليه .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوَكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِ
زَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَأْ
هُنَالِكَ أَبْتُلِىَ
وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضُ مَّا
اَلْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالَا شَدِيدًا
وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ: إِلَّا غُرُورًا
يقولُ تعالى ذكره : وكان اللَّهُ بما تعملون بصيرًا ، إذ جاءتكم جنودُ الأحزابِ
من فوقِكم ومن أسفلَ منكم. وقيل: إن الذين أَتَوهم من أسفلَ منهم أبو سفيانَ فى
قریشٍ ومَن معه .
(١) أخرجه البيهقى فى الدلائل ٤٣٣/٣ من طريق محمد بن سعد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٥/٥
إلی ابن أبى حاتم وابن مردويه .
(٢) سيرة ابن هشام ٢٤٥/٢ .

٣٠
سورة الأحزاب : الآية ١٠
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ ، قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
﴿إِذْ جَآءُوكُمْ مِن فَوْقِكُمْ﴾. قال: عيينةُ بنُ بدرٍ فى أهلِ نجدٍ ، ﴿ وَمِنْ أَسْفَلَ
مِنْكُمْ﴾. قال: أبو سفيانَ. قال: وواجَهْهم قُرَيظةٌ(١).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا عبدةُ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةً:
ذكَّرت يومَ الخندقِ وقَرَأْت: ﴿إِذْ جَاءُوَكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ
اُلْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾. قالت: هو يومُ الخندقِ(١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُّ إسحاقَ ، عن یزیدَ بنِ
رومَانَ مولى آلِ الزبيرِ ، عن عروةَ بنِ الزبيرِ، وعمَّن لا أَتَّهِمُ، و(٢) عن عُبَيدِ اللَّهِ بن
كعبٍ بنِ مالكِ، وعن الزُّهرىِّ، وعن عاصمِ بنِ عمرَ بنِ قتادةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى
بكرِ بنِ محمدِ بنِ عمرو بنِ حزمٍ ، وعن محمدِ بنِ كعبِ القُرَظِىٌّ ، وعن غيرِهم مِن
علمائنا : أنه كان من حديثِ الخندقِ ؛ أن نفرًا من اليهودِ ، منهم سلَّمُ بنُ أبى
الحُقَيَقِ النَّضْرِىُّ، وحُتَىُّ بنُ أخطبَ النَّضْرىّ، وكِنانةُ بنُ الربيع بنِ أبى الحُقَيقِ
النَّضْرِىُّ ، وهَوْذةُ بنُ قيسِ الوائليُ ، وأبو عمَّارِ الوائليُّ ، فى نفرٍ مِن بنى النضيرِ ، ونفٍ
(١) تفسير مجاهد ص ٥٤٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٧/٥ إلى الفريابى وابن أبى شيبة وابن المنذر
وابن أبى حاتم .
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٤١٦/١٤، والبخارى (٤١٠٣)، ومسلم (٣٠٢٠)، والنسائى فى الكبرى
(١١٣٩٨)، والبيهقى فى الدلائل ٤٣٣/٣ من طريق عبدة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٥/٥ إلى ابن
أبی حاتم وابن مردويه .
(٣) سقط من النسخ ، والمثبت من مصدر التخريج.

٣١
سورة الأحزاب : الآية ١٠
من بنى وائلٍ - وهم الذين حزَّبوا الأحزابَ على رسولِ اللهِ عَظِلّهِ - خرَجوا حتى
قدموا على قريشٍ بمكةَ، فدَعَوهم إلى حربٍ رسولِ اللهِ عَهِ، وقالوا: إنا سنكونُ
معكم عليه حتى نَسْتَأْصِلَه . فقالت لهم قريشٌ: يا معشرَ يهودَ ، إنكم أهلُ الکتاب
الأولِ والعلم بما أصبحنا نَخْتَلِفُ فيه نحن ومحمدٌ ، أَفدِينُنا خيرٌ أم دینُه؟ قالوا : بل
دينُكم خيرٌ مِن دينه، وأنتم أَوْلى بالحقِّ منه . قال: فهم الذين أَنزَل اللَّهُ فيهم: ﴿أَلَمّ
تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ / وَاَلَّغُوتِ وَيَقُولُونَ
لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلًا﴾ إلى قوله: ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ
سَجِيرًا﴾ [النساء: ٥١ - ٥٥]. فلما قالوا ذلك لقريشٍ، سرَّهم ما قالوا، ونشِطوا لِما
دَعَوْهم له من حربٍ رسولِ اللهِ نَّ ◌َهِ، فَأجمَعوا لذلك، واتَّعَدُوا له. ثم خرَج أولئك
النفرُ من يهودَ، حتى جاءوا غَطَفَانَ من قَيْسِ عَيلانَ، فدعوهم إلى حربِ
رسولِ اللهِ عَظله، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشًا قد تابعوهم على
ذلك، فأجمعوا فيه ، فأجابُوهم. فخرجت قريشٌ وقائدُها أبو سفيانَ بنُ حربٍ،
وخرَجت غَطَفانُ وقائدُها عُيَينةُ بنُ حِصْنٍ بنِ حُذَيفةَ بنِ بدرٍ فى بنى فزارةَ ، والحارثُ
ابنُ عوفٍ بنِ أبى حارثةَ المُرِّىُّ فى بنى مُرَّةَ، ومِسْعَرُ بنُ رُخَيْلَةَ بنِ نُوَيرةَ بنِ طريفٍ
ابنِ سُخْمةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ هلالِ بنِ خلاوةَ بنِ أشجعَ بنِ رَيْثِ بنِ غَطَفانَ فیمن تابعَه من
قومِه من أشجعَ. فلما سمِع بهم رسولُ اللَّهِ عَِّ وبما أجمَعوا له من الأمرِ، ضرَب
الخندقَ على المدينةِ، فلما فرَغ رسولُ اللَّهِ مِ له من الخندقِ ، أقبلت قريشٌ حتى نزَلت
بمجتمع الأسيالِ من رُومَةَ، بينَ الجُرْفِ والغابةِ(١) فى عشرةِ آلافٍ من أحابيشِهم ،
١٣٠/٢١
(١) فى تاريخ المصنف، والاستيعاب ١٣٩٢/٣، وأسد الغابة ١٦١/٥، والإصابة ٩٨/٦: ((مسعود)).
(٢) كذا فى النسخ، وتاريخ المصنف ، وورد فى سيرة ابن هشام ٢١٩/٢، ومعجم ما استعجم ٦٩٨/٢ ،
ومعجم البلدان ٩٣١/٢، وتاج العروس (زغ ب): ((زغابة))، على اختلاف فى فتح الزاى وضمها ، وهل
هى بالعين المهملة أم بالغين المعجمة . وينظر شرح غريب السيرة للخشنى ٥/٣ .
(٣) الأحابيش : هم بنو المصطلق وبنو الهون بن خزيمة ، اجتمعوا عند جبل بأسفل مكة يُسمى: محُبشى ،
وتحالفوا مع قريش ، فسمّوا : أحابيش قريش. اللسان ( ح ب ش).

٣٢
سورة الأحزاب : الآية ١٠
ومَن تابعَهم من بنى كِنانةَ وأهل تِهامةَ ، وأقبَلت غَطَفانُ ومن تابَعهم من أهلِ نجدٍ حتى
نزَلوا بِذَنَبِ نَقَمَى إلى جانبٍ أُحُدٍ، وخرّج رسولُ اللَّهِ مَّهِ والمسلمون حتى جعَلوا
ظهورَهم إلى سَلْع ، فى ثلاثةِ آلافٍ من المسلمين، فضرَب هنالك عسكره ، والخندقُ
بينَه وبينَ القومِ، وأمَر بالذرارِىِّ والنساءِ، فرُفِعوا فى الآطامِ(١)، وخرج عدوُ اللَّهِ محُتّئُ
ابنُ أخطبَ النضَرىُّ، حتى أتَى كعبَ بنَ أسدِ القرظيّ، صاحِبَ عَقْدِ بنى قريظةً
وَهْدِهم، وكان قد وادَع رسولَ اللَّهِ مَ ◌ّهِ على قومِه، وعاهَده على ذلك وعاقَده،
فلما سمِع كعبٌ بحُبىّ بن أخطبَ ، أغلقَ(٢) دونَه حِصْنَه، فاستأذَن عليه ، فأبى أن
يَفْتَحَ له، فناداه ◌ُتِىٌّ: يا كعبُ ، افتَحْ لى. قال: وَيْحَك يا حُبِىُ ، إنك امرُؤٌ مشئومٌ، إنى
قد عاهَدتُ محمدًا ، فلستُ بناقضٍ ما بينى وبينَه، ولم أرَ منه إلا وفاءً وصِدْقًا. قال:
وَيْحَك، افتَعْ لى أُكَلِّمْك. قال: ما أنا بفاعلٍ. قال: واللَّهِ إِن أغلَقتَ(١) دونى إلَّ(٤) على
جَشيشتِك (٩) أن آكلَ معك منها. فأحفَظَ الرجلَ(١) ففتح له، فقال: يا كعبُ ، جِئْتُك
بعزِّ الدهرِ، وببحرٍ ◌ِمُّ(٣)، جئتُك بقُرَيشٍ على (+قادتِها وسادتِهاٌ)، حتى أنزلتُهم
بمجتمَعِ الأسيالِ من رُومَةَ، وبغَطَفانَ على ("قادتِها وسادتِهاٌ) ، حتى أَنْزَلْتُهم بذنبٍ
نَقَمَى إلى جانبٍ أَحَدٍ ، قد عاهَدونى وعاقَدونى ألَّ يَبْرَحوا حتى يَسْتَأْصِلوا محمدًا ومَن
(١) الآطام : القصور، ويقال: الحصون، واحدها أُطُمّ. شرح غريب السيرة ٥/٣ .
(٢) فى ص، ت١، ت٢: ((غلق)).
(٣) فى ص، ت١، ت٢: ((غلقت)).
(٤) بعده فى م: (( تخوفت)).
(٥) الجشيشة : طعام يُصنع من الجشيش ، وهو البر يطحن غليظا ، وهو الذى تقول له العامة : دَشيش،.
بالدال ، والصواب فيه بالجيم . المصدر السابق .
(٦) أحفظه : أغضبه ، والحفيظة الغضب . المصدر السابق.
(٧) فى تاريخ المصنف - مصدر التخريج - ، وسيرة ابن هشام: طام. وطمّ الشىء يطِم طمومًا : كثر حتى عظم أو
عمّ . ويقال: طمّ البحر أو الماء . والطامّ : الشىء العظيم ، والماء الكثير، وهو كناية عن الكثرة - الوسيط (ط م م) .
(٨ - ٨) فى م: ((قاداتها وساداتها)).

٣٣
سورة الأحزاب : الآية ١٠
معه . فقال له كعبُ بنُ أسدٍ: جِئْتَنَى واللَّهِ بذلُ الدهرِ، وبجَهامُ(١) قد هَرَاق ماءَه،
يَوْعُدُ وَيَتْرُقُ ليس فيه شىءٌ، فَدَعْنى ومحمدًا وما أنا عليه، فلم أرَمِن محمدٍ إِلَّ صِدْقًا
ووفاءً. فلم يَزَلْ حُتَىٌّ بكعبٍ يَفْتِلُهُ(٢) فى الذِّرْوَةِ والغارِبِ(٣)، حتى سمَح له(٤) ، على أن
أعطاه(٥) عهدًا من اللَّهِ وميثاقًا: لئن رجَعتْ قريشٌ وغَطَفانُ ولم يُصيبوا محمدًا ، أن
أَدخُلَ معك فى حصنِك، حتى يُصِيبَنى ما أصابك. فنقَض كعبُ بنُ أَسدٍ عهدَه،
وبَرِئَّ مما كان عليه فيما بينَه وبينَ رسولِ اللَّهِ مَّهِ، فلما انتهى إلى رسولِ اللهِ عَلِّ
الخبرُ وإلى المسلمين، بعَث رسولُ اللهِ عََّمِ سعدَ بنَ معاذِ بنِ النعمانِ بنِ امرِئُ
القيسِ أحدَ بنى عبدٍ (١) الأشهلِ، وهو يومَئذٍ سيدُ الأوسِ، وسعدَ بنَ عبادةَ بنِ دُلَيْم
أحدَ ١) بنى ساعدةَ بنِ كعبِ بنِ الخزرجِ، وهو يومَئذٍ سيدُ الخزرجِ، ومعهما عبدُ اللَّهِ بنُ
رَوَاحةَ أخو بَلْحَارثِ / بنِ الخزرجِ، وَوَّاتُ بنُ مجبيرٍ أخو بنى عمرو بنٍ عوفٍ، فقال: ١٣١/٢١
((انطَلِقوا حتى تَنْظُرُوا: أحقٌّ ما بلَغنا عن هؤلاء القومِ أم لا؟ فإن كان حقًّا فالْخَنَوا لى
لَحْنَا نعْرِفُهُ(٨)، (" ولا تَقُتُّوا فى أعضادِ الناسِ ، وإن كانوا على الوفاءِ فيما بيننا وبينَهم،
(١) الجهام : السحاب الذى فرغ ماؤه، والمعنى: أى الذى تعرضه علىَّ لا خير فيه، كالجهام الذى لا ماء فيه .
النهاية ٣٢٣/١ .
(٢) فى ص، ت١، ت٢: ((يقبله)).
(٣) الغارب: مقدم سِنام البعير، والذروة أعلاه. أما : يفتله فى الذروة والغارب فأراد أنه لم يزل يخدعه كما
يُخدع البعير إذا كان نافرًا فيُمسح باليد على ظهره حتى يستأنس فيجعل الخطام على رأسه . المصدر السابق.
(٤) سمح : سهل ولان . الوسيط (س م ح) .
(٥) فى م : (( أعطاهم )) .
(٦) سقط من : م .
(٧ - ٧) فى م: ((ديلم أخو)).
(٨) فى م: ((أعرفه))، واللحن أن يخالف ظاهر الكلام معناه، ويقال: لحنت لفلان، إذا قلت له قولا يفهمه
ويخفى على غيره، والمعنى: أشيروا إلىَّ ولا تُفصِحوا، وعرّضوا بما علمتم. شرح غريب السيرة ٥/٣، والنهاية
٢٤١/٤.
(٩ - ٩) فى ص، ت١، ت٢: ((ولا تفتوا أعضاد الناس))، ويقال: فتَّ فى عَضده إذا ضعَّفه وأوهنه . شرح
غريب السيرة ٥/٣ .
( تفسير الطبرى ٣/١٩)

٣٤
سورة الأحزاب : الآية ١٠
فاجْهَروا به للناسٍ )) . فخرجوا حتى أتَّوْهم، فوجَدوهم على أخبثِ ما بلَغهم عنهم،
ونالوا من رسولِ اللَّهِ عَه، وقالوا: لا عقدَ بيننا وبينَ محمدٍ ولا عهدَ. فشاتَمهم سعدُ
ابنُ عُبادةَ وشاتَموه، وكان رجلاً فيه حِدَّةٌ، فقال له سعدُ بنُ معاذٍ: دع عنك
مُشاتَمْتَهم، فما بيننا وبينَهم أَرْتِى (١) من المشاتمةِ. ثم أقبل سعدٌ وسعدٌ ومَن معهما إلى
رسولِ اللَّهِ مََّهِ، فسلَّموا عليه، ثم قالوا: عَضَلٌ والقارةُ. أى كغدرٍ عَضَلٍ والقارةِ
بأصحابٍ رسولِ اللَّهِ مَ لِ أصحابِ الرَّجِيعِ؛ خُبَيبِ بنِ عدىٍّ وأصحابِهِ. فقال
رسولُ اللَّهِ ◌ِّ ◌َهِ: ((اللَّهُ أكبرُ، أَبْشِروا يا معشرَ المسلمين)). وعظُم عندَ ذلك البلاءُ،
واشتدَّ الخوفُ، وأتاهم عدوُهم من فوقِهم ومن أسفلَ منهم حتى ظنَّ المسلمون كلَّ
ظنٍّ، ونَجَمَ الِّفاقُ (١) من بعضِ المنافقين، حتى قال مُعَنِّبُ بنُ قُشَيرٍ أخو بنى عمرو بنٍ
عوفٍ: كان محمدٌ يَعِدُنا أن تَأْكُلَ كنوزَ كسرى وقيصرَ، وأحدُنا لا يَقْدِرُ أَن يَذْهَبَ
إلى الغائطِ ! وحتى قال أَوسُ بنُ قَيْظِىٌّ، أحدُ بنى حارثةَ بنِ الحارثِ: يا رسولَ اللَّهِ، إِن
بيوتنا لَعْرةً من العدوّ - وذلك عن ملاًّ من رجالٍ قومِه - فَأُذَنْ لنا فلنرْجِئْ إلی دارِنا ،
وإنها خارجةٌ من المدينةِ. فأقام رسولُ اللَّهِ عَّهِ بِضْعًا وعشرين ليلةً قريبًا من شهرٍ ،
ولم يَكُنْ بينَ القومِ حربٌ إلا الرمىُ بالنبلِ والحصارِ(٣).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ ، قال : ثنى يزيدُ بنُ
رومَانَ قولَه: ﴿ إِذْ جَآءُوكُمْ مِن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ : فالذین جاءوهم من
فوقِهم: قُرَيظةُ ، والذين جاءوهم من أسفلَ منهم: قريشٌ وغَطَفانُ(٤).
وقولُه: ﴿ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَرُ﴾. يقولُ: وحينَ عدَلت الأبصارُ عن
(١) أربى: أعظم . المصدر السابق .
(٢) نجم الشىءُ: طلع وظهر . اللسان (ن ج م).
(٣) سيرة ابن هشام ٢١٤/٢ - ٢٢٣، وأخرجه المصنف فى تاريخه ٥٦٥/٢، ٥٦٦، ٥٧٠ - ٥٧٢.
(٤) سيرة ابن هشام ٢٤٦/٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٧/٥ إلى ابن أبى حاتم.

٣٥
سورة الأحزاب : الآية ١٠
مَقَرِّها ، وشخَصت طامحةٌ .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ
اُلْأَبْصَرُ﴾: شخصت .
وقولُه: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾. يقولُ: نَبَتِ (١) ( القلوبُ عن
أماكنِها من الرُّعْبِ والخوفِ، فبلَغت إلى الحناجرِ ".
کما حدّثنا ابُ و کیع، قال : ثنا سویدُ بنُ عمرو، عن حمادِ بنِ زیدِ ، عن
أيوبَ ، عن عكرِمةَ: ﴿ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾. قال: من الفَزَعُ).
وقولُه: ﴿وَتَظُونَ بِاللَّهِ اَلْتُلِنُونَ﴾. يقولُ: وَتَظُنُون باللّهِ الظنونَ الكاذبةَ ،
وذلك كظنِّ مَن ظنَّ منهم أن رسولَ اللَّهِ مَّ ◌َهِ يُغْلَبُ، وأَنَّ ما وعَده اللهُ مِن النصرِ
أن لا(٤) يكونَ، ونحوَ ذلك مِن ظنونِهم الكاذبةِ التى ظنّها مَن ظنَّ ممَّن كان
مع رسولِ اللهِ عَلَّه فى عسكرِه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا هوذةُ بنُ خليفةَ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ:
(١) فى ت١: ((بينت))، وفى ت٢: ((بدت))، والنَّبْوَةُ: الجَفَوة والارتفاع والعلو، ونبت بى تلك
الأرض: لم أجد بها قرارا ، ونبا جنبى عن الفراش : لم يطمئن عليه ، ونبا الشىءُ عنى يَنبو : أى تجافى
وتباعد . اللسان (ن ب ی) .
(٢ - ٢) سقط من: ت٢ .
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٥٧١/١٣، وأبو نعيم فى الحلية ٣٣٨/٣ من طريق حماد به، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ١٨٧/٥ إلى ابن المنذر .
(٤) سقط من : ص ، ت١، ت٢ .

٣٦
سورة الأحزاب : الآية ١٠
١٣٢/٢١
﴿ وَتَظُونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾. / قال: ظنونًا مختلفةً: ظنَّ المنافقون أن محمدًا
وأصحابَه سَيُستأْصَلون، وأَيْقَن المؤمنون أن ما وعَدهم اللَّهُ حقٌّ؛ أنه سيُظْهِرُه على
الدينِ كلِّه ولو كره المشركون(١).
واختلَفتِ القرأَةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿ وَتَظُنُونَ بِاللَّهِ الْقُلُنُونَا﴾. فقرَأْ ذلك عامةُ قرَأَةِ
المدينةِ وبعضُ الكوفيّين: ﴿الظُّنُونَاْ﴾ بإثباتِ الألفِ، وكذلك: ﴿وَأَطَعْنَا
الرَّسُولَا﴾ و(١): ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَأْ﴾ [الأحزاب: ٦٦، ٦٧]. فى الوصلِ والوقفِ ".
وكان اعتلالُ المعتلِّ فى ذلك لهم، أن ذلك فى كلِّ مصاحفٍ المسلمين بإثباتٍ
الألفِ فى هذه الأحرفِ كلِّها . وكان بعضُ قرَأَةِ الكوفةِ يُثْبِتُ الألفَ فیهنَّ فى الوقفِ
ويَحْذِفُهن فى الوصلِ(٤)؛ اعتلالًا بأن العربَ تفعلُ ذلك فى قوافى الشعرِ ومصاريعها،
فتُلحقُ الألفَ فى موضِع الفتح للوقوفِ ، ولا تفعلُ ذلك فى حشوِ الأبياتِ ، وإن هذه
الأحرفَ حسُن فيها إثباتُ الألفاتِ؛ لأنهن رءوسُ الآي ، تمثيلاً لها بالقوافى.
وقرّأ ذلك بعضُ قرأةِ البصرة والكوفةِ بحذفِ الألفِ من جميعِه فى الوقفِ
والوصل ؛ اعتلالًا بأن ذلك غيرُ موجودٍ فى كلامِ العربِ إلا فى قوَافى الشعرِ
دونَ غيرِها من كلامِهم، وأنها إنما تَفْعَلُ ذلك فى القوافى؛ طلبًا لإتمامٍ وزنٍ
الشعرِ، إذ لو لم تَفْعَلْ ذلك فيها لم يَصِحَ الشعرُ، وليس ذلك كذلك فى القرآنِ؛
لأنه لا شىءَ يَضْطَرُهم إلى ذلك فى القرآنِ، وقالوا: هنَّ، مع ذلك ، فى
مصحفٍ عبدِ اللَّهِ بغيرِ ألفٍ .
وأَوْلى القرَّاءاتِ فى ذلك عندى بالصوابِ : قراءةُ من قرأه بحذفٍ الألفِ فى
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٧/٥ إلى المصنف وابن أبى حاتم. وينظر تفسير ابن كثير ٣٨٩/٦.
(٢) سقط من : م .
(٣) هى قراءة عاصم فى رواية أبى بكر، ونافع، وابن عامر. السبعة ص ٥١٩، والتيسير ص ١٤٤ .
(٤) هى قراءة ابن كثير، والكسائى ، وعاصم فى رواية حفص . ينظر المصدران السابقان .
(٥) هى قراءة أبى عمرو ، وحمزة ، ينظر المصدران السابقان .
.

٣٧
سورة الأحزاب : الآيتان ١٠، ١١
الوصلِ والوقفٍ (١)؛ لأن ذلك هو الكلامُ المعروفُ من كلام العربِ، مع شهرةٍ القراءةِ
بذلك فى قرأةِ المِصْرَين : الكوفة والبصرةِ . ثم القراءةُ بإثباتِ الألفِ فیھنَّ فی حالٍ
الوقفِ والوصلِ ؛ لأن علةَ مَن أَثْبَت ذلك فى حالِ الوقفِ ، أنه كذلك فى خطوطٍ
مصاحفِ المسلمين. وإذا كانت العلةُ فى إثباتٍ ذلك(٢) فى بعض الأحوالِ كونَه
مثبَتًا فى مصاحفِ المسلمين، فالواجبُ أن تكونَ القراءةُ فى كلِّ الأحوالِ ثابتةً ؛
لأنه مُثبَتٌ فى مصاحفِهم، وغيرُ جائزٍ أن تكونَ العلةُ التى تُوجِبُ قراءةً ذلك على
وجهٍ من الوجوهِ فى بعضِ الأحوالِ موجودةٌ فى حالٍ أخرى، والقراءةُ مختلفةٌ .
وليس ذلك لقوافى الشعرِ بنظيرٍ؛ لأن قوافىّ الشعرِ إنما تُلْحَقُ فيها الألِفاتُ فى مواضع
الفتحِ، والياءُ فى مواضعِ الكسرِ، والواوُ فى مواضعِ الضمِّ - طلبًا لتتِمَّةِ الوزنِ ، وأن
ذلك لو لم يُفْعَلْ كذلك، بطَل أن يكونَ شعرًا؛ لاستحالتِه عن وزنِه ، ولا شىءَ
يَضْطَرُّ تالىَ القرآنِ إلى فعلٍ ذلك فى القرآنِ .
وقولُه: ﴿هُنَالِكَ أَبْتُلِىَ الْمُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: عندَ ذلك اختُبِرِ إيمانُ المؤمنين،
ومُخّص القومُ، و("عُرِف المؤمنُ مِن المنافقِ.
وبنحوِ ما قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿هُنَالِكَ أَبْتُلِىَ الْمُؤْمِنُونَ﴾. قال: مُحَّصوا(1).
(١) القراءات كلها صواب .
(٢) فى م: ((الألف)).
(٣) سقط من: ص ، ت١ ، ت٢ .
(٤) تفسير مجاهد ص ٥٤٨ ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٧/٥ إلى الفريابى وابن المنذر وابن أبى حاتم.

٣٨
سورة الأحزاب : الآيتان ١٢،١١
وقولُه: ﴿ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾. يقولُ: ومحُرِّكوا بالفتنةِ تحريكًا شديدًا ،
وابتُلُوا وقُتِنوا .
١٣٣/٢١
/ وقولُه: ﴿ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾. شكٌّ فى الإِيمانِ،
وضعفٌ فى اعتقادِهم إياه: ﴿مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ: إِلَّ غُرُورًا﴾، وذلك فيما ذُكِر
قولُ مُعَنِّبٍ بنِ قُشَيْرٍ .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثنى يزيدُ بنُ رُومَانَ :
﴿ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضُ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ: إِلَّ غُرُورًا﴾؛
لقولٍ (١) مُعَنِّبٍ بنٍ قُشَيْرٍ، إذ قال ما قال يومَ الخندقِ(١) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَِّينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضُ﴾. قال: تَكُلُّمُهم بالنفاقِ
يومَئذٍ ، وتكَلَّم المؤمنون بالحقِّ والإِيمانِ . قالوا: هذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورسولُه(٣) .
حدَّثْنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَإِذْ يَقُولُ
الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ، إِلَّا غُرُورًا﴾. قال: قال ذلك
(١) فى م: ((يقول)).
(٢) سيرة ابن هشام ٢٢٢/٢، ٢٤٦، وذكره الطوسى فى التبيان ٢٩١/٨، وأخرجه البيهقى فى الدلائل ٤٣٥/٣
من طريق ابن إسحاق، عن يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير من قوله مطولا ، وكذلك عزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٨٦/٥ إلى ابن إسحاق وابن المنذر عن عروة، وذكره ابن هشام فى السيرة ٢٤٥/٢ عن ابن إسحاق من قوله.
(٣) تفسير مجاهد ص ٥٤٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٧/٥ إلى الفريانى وابن المنذر وابن أبى حاتم.

٣٩
سورة الأحزاب : الآية ١٢
أُناسٌ مِن المنافقين: قد كان محمدٌ يَعِدُنا فتْحَ فارسَ والرومِ، وقد محُصِرْنا همهنا ،
حتى ما يَسْتَطِيعَ أحدُنا أَن يَتْرُزَ لحاجتِه، ما وعَدَنا اللَّهُ ورسولُه إلا غُرورًا (١).
حدَّثنى يونُسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ ، قال : قال رجلٌ يومَ
الأحزابِ لرجلٍ مِن صَحابةِ النبيِّ عَلَّه: يا فلانُ(١)، أرأَيْتَ إذ يقولُ رسولُ اللَّهِ صَغِ:
(( إذا هلك قَيْصَرُ فلا قَيْصَرَ بعده ، وإذا هلك كِشْرَی فلا كِسْرَی بعده ، والذى نفسی
بيدِه لَتُنْفَقَنَّ كنوزُهما فى سبيلِ اللَّهِ)). فأينَ هذا مِن هذا، وأحدُنا لا يَسْتَطيعُ أن
يَخْرِجَ يَئُولُ(١) مِن الخوفِ؟! ﴿مَّا وَعَدَنَا ◌َللَّهُ وَرَسُولُهُ: إِلََّّ غُرُورًا﴾. فقال له: كذَبْتَ،
لَأَخْبِرَنَّ رسولَ اللَّهِ ◌َِِّمِ خبرَك. قال: فَأَتَى رسولَ اللَّهِ عَ لَّهِ فأخْبَرِه، فدعاه فقال:
((ما قلتَ؟)) فقال: كذَب علىَّ یا رسولَ اللهِ، ما قلتُ شيئًا ، ما خرج هذا مِن فِی
(٤)
قطُّ. قال اللَّهُ: ﴿ يَخْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ ﴾ حتى بلَغ: ﴿ وَمَا
لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِن وَلِّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [التوبة: ٧٤]. قال: فهذا قولُ اللَّهِ: ﴿إِن
نَّعْفُ عَن طَآَيِفَتِ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: ٦٦].
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال : ثنا محمدُ بنُّ خالدِ بنِ عَثْمةً، قال: ثنا كثيرُ بنُ عبدِ اللَّهِ
ابنِ عمرٍو بنِ عوفٍ المُزَنىُ، قال: ثنى أبى، عن أبيه، قال: خطَّ رسولُ اللَّهِ عَ لَّهِ
الخندقَ عامَ ذُكِرَت الأحزابُ، مِن أُمُجُمِ الشَّيْخَيْن(٥)، طرفَ بنى حارثةَ، حتى بلَغ
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١١٣/٢ عن معمر عن قتادة بنحوه، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٨٧/٥ إلى ابن أبى حاتم .
(٢) بعده فى ص، ت١، ت٢: ((قال هذا فلان قال)).
(٣) فى ص، ت١، ت٢: ((يقول)).
(٤) فى م: (( فمى)).
(٥) فى م: ((أحمر الشيخين ))، والأجم واحد آجام المدينة، وهو بمعنى الأُطُم، وآجامُ المدينة وآطامُها :
حصونها وقصورها ، والشيخان : موضع بالمدينة. معجم البلدان ١٣٥/١، ١٣٦، ٣٤٨/٣ .

٤٠
سورة الأحزاب : الآية ١٢
المَذَادَ(١)، ثم جعَل(٢) أربعين ذراعًا بينَ كلِّ عشَرةٍ، فاحْتقَّ(١) المهاجرون والأنصارُ فى
سَلْمانَ الفارسيِّ - وكان رجلًا قويًّا - فقال الأنصارُ: سلمانُ منا. وقال المهاجرون :
" سلمانُ منا. فقال النبيُّ ◌ِالمُ): ((سلمانُ منا أهلَ البيتِ)). قال عمرُو بنُ عوفٍ:
فكنتُ أنا وسلمانُ وحذيفةُ بنُ اليمانِ والنعمانُ بنُ مُقَرِّنِ الْمُزَنى، وستةٌ مِن الأنصارِ ،
١٣٤/٢١ فى أربعين ذراعًا، فحفَرْنا / تحتَ ذُبابٍ(٥) حتى بلَغْنا النَّدَى(١) ، أخْرَج اللَّهُ مِن بطنٍ
الخندقِ صخرةً بيضاءَ مَرْوةٌ، فكسَرت حديدَنا ، وشقَّت علينا ، فقُلْنا : يا سلمانُ ، ازْقَ
إلى رسولِ اللهِ مَ ◌ّهِ فَأَخْبِرْه خبرَ هذه الصخرةِ، فإما أن نَعْدِلَ عنها، فإنَّ المَعْدِلَ
قريبٌ ، وإما أن يَأْمُّرَنا فيها بأمرِهِ، فإنا لا نُحِبُّ أن تُجاوزَ خطَّه . فَرَقِىَ سلمانُ حتى أتَى
رسولَ اللَّهِ نَّهِ وهو ضاربٌ عليه قُبَّةً تُرْكِيَّةً، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، بأبينا أنت وأمِّنا ،
خرَجَتْ صخرةٌ بيضاءُ مِن بطنِ الخندقِ مَرْوةٌ، فكسَرت حديدَنا(٧)، وشقَّت علينا،
حتى ما يَحِيكُ(٨) منها قليلٌ ولا كثيرٌ، فهُوْنا فيها بأمرِك، فإنا لا نُحِبُ "أن تُجاوِزَ
خطَّك. فهبَط رسولُ اللَّهِ يَّمِ مع سلمانَ فى الخندقِ ، ورقِينا نحن التسعةَ على شَفَةِ
(١) المذاد: موضع بالمدينة . معجم البلدان ٤٦٨/٤ .
(٢) فى ص، ت١، ت٢: ((بلغه))، وفى مصادر التخريج: ((قطعه)).
(٣) فى م: ((فاختلف))، وفى ت١، ت٢: ((فاحتنق))، واحتق : تخاصم، والتَّحاقُّ: التخاصم ، وحاقُّه :
خاصمه وادعی کل واحد منهما الحقَّ . اللسان ، والتاج (ح ق ق) .
(٤ - ٤) سقط من: ص ، ت١، ت٢ .
(٥) فى النسخ: ((دوبار))، وفى تاريخ المصنف: (( ذوباب))، وفى تفسير البغوى: ( ذی ناب ))، والمثبت من
طبقات ابن سعد، وذباب : جبل بالمدينة له ذكر فى المغازى والأخبار . معجم البلدان ٧١٦/٢ .
(٦) فى م: (( الصری ))، ندى الأرض : نداوتها وبللها . اللسان ( ص ر ی ، ن د ى).
(٧) فى ص ، ت١، ت٢: (( بحدیدنا)).
(٨) فى م: ((يجىء))، وفى ت٢: ((تخيل))، وحاك فى كذا: أثَّر فيه. الوسيط (ح ی ك).
(٩ - ٩) سقط من: ص، ت١، ت٢ .