Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦١
سورة لقمان : الآية ١٨
تُصَعِّرْ خَذَّكَ لِلنَّاسِ﴾. قال: تصعيرُ الخدِّ: التجبُ والتكبّرُ على الناسِ ومَحْقَرَتُهم.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن أبى مَكِينٍ، عن عكرمةَ، قال :
الإعراضُ .
وقال آخرون: إنما نهاه عن ذلك أن يَفْعَلَه لمن بينَه وبينَه صَعَرٌ، لا على وجهِ
التکثُرِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيع وابنُ حميدٍ ، قالا : ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ :
وَلَا تُصَعِّرْ خَذَّكَ لِلنَّاسِ﴾. قال: الرجلُ يكونُ بينَه وبينَ أخيه الحِنَةُ (١) ، فيراه
فیُغْرِضُ عنه(١) .
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن منصورٍ ، عن
مجاهدٍ فى قوله: ﴿ وَلَا تُصَعِّرْ خَذَّكَ لِلنَّاسِ﴾. قال: هو الرجلُ بينَه وبينَ أخيه حِنَّةٌ ،
فيُعْرِضُ عنه .
وقال آخرون : هو التشديقُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكبعٍ، قال : ثنى أبى، عن أبى(٣) جعفرِ الرازىِّ، عن مغيرةَ، عن
إبراهيمَ ، قال: هو التشديقُ(٤).
(١) الحِنَة: العداوة. النهاية ٤٥٣/١.
(٢) ذكره البغوى فى تفسيره ٢٨٩/٦ .
(٣) سقط من: م. وينظر تهذيب الكمال ١٩٢/٣٣.
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٤١/٦ .
( تفسير الطبرى ٣٦/١٨ )

٥٦٢
سورة لقمان : الآيتان ١٨، ١٩
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن المغيرةِ، عن
إبراهيمَ ، قال: هو التشديقُ أو التشدُّقُ . الطبرىُّ يَشُكُ .
حدَّثنا يحيى بنُ طلحةَ ، قال: ثنا فُضيلُ بنُ عياضٍ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ
بمثله .
/ وقولُه: ﴿ وَلَا تَمْشِ فِ الْأَرْضِ مَرَقًّاً﴾. يقولُ: ولا تَمْشٍ فى الأرضِ
مُختالًا .
٧٦/٢١
كما حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ ، قال:
سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ وَلَا تَمْشِ فِ الْأَرْضِ مَرَمًّاً﴾. يقولُ: بالخُيُلاءِ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تُصَعِرْ خَذَّكَ
لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِىِ الْأَرْضِ مَرَحًّاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾. قال : نهاه عن
(١)
التكثُرِ(١).
قولُه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ﴾: مُتَكبرٍ ذى فَخْرٍ .
كما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال: ثنا عيسى ، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾. قال: متكبرٍ. وقوله: ﴿فَخُورٍ ﴾. قال: يُعَدِّدُ ما
أَغْطَى اللَّهُ، وهو لا يَشْكُمُ اللَّهُ(٢).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَقْصِدْ فِى مَشِْكَ وَأَغْضُضْ مِن صَوْتِكَّ إِنَّ أَنْكَرَ
اُلْأَصْوَتِ لَصَوْتُ الْخِيرِ
١٩
(١) تقدم تخريجه بنحوه فى ٥٩٨/١٤ .
(٢) تفسير مجاهد ص ٥٤٢ .

٥٦٣
سورة لقمان : الآية ١٩
يقولُ: وتواضَعْ فى مشيِك إذا مَشَيْتَ ، ولا تَشْتَكِرْ ولا تَستعجِلْ، ولكن
اگھدْ .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ، غيرَ أن منهم مَن قال: أمَره
بالتواضُعِ فى مَشِهِ ، ومنهم مَن قال : أمَره بتركِ السُّرْعةِ فيه .
ذكرُ مَن قال: أمَره بالتواضُع فى مشيِهِ
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا يحيى بنُ واضحٍ ، قال: ثنا أبو حمزةَ، عن جابر ،
عن مجاهدٍ: ﴿ وَأَقْصِدْ فِ مَشْبِكَ ﴾. قال: التواضُعُ(١).
حدَّثْنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَأَقْصِدْ فِى
مَشْبِكَ﴾. قال: نهاهُ عن الخُيُلاءِ(٢).
ذكرُ مَن قال: نهاه عن الشُرْعةِ
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا ابنُ المباركِ، عن عبدِ اللهِ بنِ عُقبةَ، عن يزيد بن أبى
حبيبٍ فى قوله: ﴿وَأَقْصِدْ فِى مَشْيِكَ﴾. قال: من السرعةٍ(١) .
قولُه: ﴿وَأَغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾. يقولُ: واخفِضْ من صوتِك، فاجعَلْه
قَصْدًا إِذا تكلَّمتَ .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَأَغْضُضْ مِن
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/ ١٦٦، ١٦٧ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٧/٥ إلى عبد بن حميد والمصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم مطولًا .
(٣) الزهد لابن المبارك (٨٣٥)، ومن طريقه البيهقى فى الشعب (٨١٦٨)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٦٧/٥ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبى حاتم .

٥٦٤
سورة لقمان : الآية ١٩
صَوْتِكَ﴾. قال: أمَره بالاقتصادِ فى صوتِه(١) .
حدَّثْنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
﴿ وَأَغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَّ﴾ . قال : اخفِضْ من صوتِك.
/ واختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ قولِه: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَتِ لَصَوْتُ
اْخِيرِ﴾ ؛ فقال بعضُهم: معناه : إنَّ أقبحَ الأصواتِ .
٧٧/٢١
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا ابنُ أبى عدىٍّ، عن شعبةَ وأبانِ بنِ تغلبَ ،
قالا: ثنا أبو معاويةً، عن جوييرٍ، عن الضَّّاكِ: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ اُلْأَصْوَتِ﴾. قال: إِن
أقبحَ الأصواتِ، ﴿لَصَوْتُ الخِيرِ﴾ .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَتِ
لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾. أى: أقبحَ الأصواتِ لصوتُ الحميرِ ؛ أولُه زفيرٌ، وآخرُه شهيقٌ،
أمره بالاقتصادِ فی صوته(٢) .
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال : ثنا سفيانُ ، قال: سمِعتُ الأعمشَ
يقولُ: ﴿إِنَّ أَنكَرَ الْأَضْوَتِ﴾ صوتُ الحميِ(٣) .
وقال آخرون: بل معنى ذلك : إن أشرّ الأصواتِ .
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٠٦/٢ عن معمر عن قتادة ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٧/٥ إلى
عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم مطولًا .
(٢) أخرج آخره عبد الرزاق فى تفسيره ١٠٦/٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٧/٥ إلى عبد بن حميد
وابن المنذر وابن أبى حاتم مطولاً .
(٣) تفسير سفيان ص ٢٣٨ بلفظ: ((أقبح الأصوات)).

٥٦٥
سورة لقمان : الآيتان ١٩، ٢٠
ذكرُ مَن قال ذلك
خُدِّثت عن يحيى بنٍ واضح، عن أبى حمزةَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ والحكم
ابنِ عتيبةً: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَتِ﴾. قالا(١) : أشرَّ الأصواتِ.
قال جابر: وقال الحسنُ بنُ مسلم: أشدَّ( ١) الأصواتِ .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿إِنَّ
أَنْكَرَ الْأَصْوَتِ لَصَوْتُ الْخِيرِ﴾. قال: لو كان رفعُ الصوتِ هو خيرًا ما جعَله
(٣)
للحمير().
وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: إِنَّ أقبحَ أو أشرَ(٤)
الأصواتِ ، وذلك نظيرُ قولِهم إذا رأوا وجهًا قبيحًا أو منظرًا شنيعًا: ما أنكَر وجهَ
فلانٍ ، وما أنكرَ منظرَه !
وأما قولُه: ﴿لَصَوْتُ الْخِيرِ﴾. فأُضِيف الصوتُ وهو واحدٌ إلى الحميرِ وهى
جماعةٌ ؛ فإن بذلك وجهين ؛ إن شِئْتَ قَلْتَ : الصوتُ بمعنى الجمع، كما قيل :
﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾. [البقرة: ٢٠]. وإن شِئْتَ قَلْتَ: معنى الحميرِ معنى الواحدِ؛
لأَن الواحدَ فى مثلِ هذا الموضِعِ يُؤَدِّى عما يُؤَدِّى عنه الجمعُ .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اُلْأَرْضِ
وَأَسْيَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاِنَةٌ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُحَدِلُ فِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَ هُدَى وَلَا
(١) فى م: ((قال)).
(٢) فى ت٢: ((أشر)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٧/٥ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
(٤) فى ص، ت١، ت٢: ((أشد)).

٥٦٦
سورة لقمان : الآية ٢٠
كِنَبٍ مُنِيرٍ
٢٠٠
٧٨/٢١
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿أَلَمْ تَرَوَا﴾ أيُّها الناسُ، ﴿أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى
السَّمَتِ﴾ ؛ من شمسٍ وقمرٍ ونَجمِ وسَحابٍ، ﴿ وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾؛ من دابةٍ وشجٍ
وماءٍ وبحرٍ ( وفُلك١ِ) وغيرِ ذلك من المنافع، يُجْرَى ذلك كُلُّه/ لمنافِعكم
ومصالحِكم؛ لغذائِكم وأقواتِكم وأرزاقِكم ومَلاذٌكم، تتَمتعون ببعضِ ذلك كلّه،
وتنتفِعون بجميعِه، ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَكِنَةٌ ﴾ .
واختلَفتِ القرَأةُ فى قراءةٍ ذلك؛ فقرَأَه بعضُ المكتِين وعامةُ الكوفيِّين:
( وأسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعْمَةً) على الواحدةِ ، ووجَّهوا معناها إلى أنه الإسلامُ، أو إلى
أنها شهادةُ أن لا إلهَ إلا اللَّهُ. وقرَأَتْه عامةُ قرَأَةِ المدينةِ والبصرةِ: ﴿نِعَمَهُ﴾ على
الجماع(١) ، ووجّهوا معنى ذلك، إلى أنها النِّعمُ التى سخَّرها اللَّهُ للعبادِ، مما فى
السماوات والأرضِ، واستشهدوا لصحةٍ قراءتهم ذلك كذلك بقوله: ﴿ شَاكِرًا
لِّأَنْعُمِّةِ﴾ [النحل: ١٢١]. قالوا: فهذا جمعُ النِّعمِ.
والصوابُ من القولِ فى ذلك عندنا: أنهما قراءتان مشهورتان فى قرَأَةٍ
الأمصارِ، متقاربِتا المعنى، وذلك أن النعمةَ قد تكونُ بمعنى الواحدةِ ، ومعنى
الجماع، وقد يَدخلُ فى الجماع الواحدةُ. وقد قال جلّ ثناؤُه: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ
اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]، فمعلوم أنه لم يَعْنِ بذلك نعمةً واحدةً . وقال فى
موضِعٍ آخَرَ: ﴿وَلَّ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِرًا لِأَنْعُمِّهِ﴾ [النحل: ١٢٠، ١٢١]،
فجمَعها ، فبأىِّ القراءتين قرَأ القارئُّ ذلك فمصيبٌ .
(١ - ١) سقط من: ص ، ت٢ .
(٢) قراءة التوحيد والتأنيث هى قراءة ابن كثير وابن عامر وعاصم - فى رواية أبى بكر - وحمزة الكسائى،
وقراءة الجمع والتذكير هى قراءة نافع وأبى عمرو وحفص. السبعة ص ٥١٣، والتيسير ص ١٤٣.

٥٦٧
سورة لقمان : الآية ٢٠
ذِكرُ بعضٍ مَن قرَأ ذلك على التوحيدِ، وفشره على ما ذكرنا عن قارئيه
أنهم يفسرونه .
حدَّثنى أحمدُ بنُ يوسفَ ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سَلّامٍ، قال: ثنا حجاجٌ، قال:
ثنى (١ مَسْتُورٌ الهُنَائِئُ(١)، عن حميدِ الأعرجِ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ ، أنه قرأها :
(وأسْبَغْ عَلَيْكُمْ نِعْمَةً(١) ظاهِرَةً وَبَاطِنَةً). وفشَّرها؛ الإسلامَ".
حُدِّثت عن الفرَّاءِ، قال: ثنى شَريكُ بنُ عبدِ اللهِ ، عن خُصَيفٍ، عن عكرمةً،
عن ابنِ عباسٍ ، أنه قرأ: (نِعْمَةً) واحدةً . قال: ولو كانت نِعَمَه، لكانت نِعمَةً دونَ
نِعِمَةٍ ، أو نِعمةُ فوقَ نِعمةٍ - الشكُّ مِن الفرّاءِ(٤).
حدَّثنى عبدُ اللَّهِ بنُ محمد الزهرىُّ، قال: ثنا سفيانُ ، قال: ثنا حميدٌ ، قال:
قرَأ مجاهدٌ: ( وأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعْمَةٌ(١) ظاهِرَةً وَبَاطِنَةٌ). قال: لا إلهَ إلا اللَّهُ(٥).
حدّثنی العباسُ بنُ أبی طالبٍ ، قال : ثنا ابنُ أُبی ◌ُگیرٍ ، عن شِئْلٍ، عن ابنِ أُبی
نَجيح، عن مجاهدٍ: (وأسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعْمَةً(٢) ظاهِرَةً وَبَاطِنَةٌ). قال : كان يقولُ : هى
لا إلهَ إلا اللَّهُ .
حدَّثنا ابنُّ وكيعٍ، قال : ثنا أبى، عن سفيانَ، عن حميدِ الأعرج، عن مجاهدٍ :
(١ - ١) فى ص: ((مسور الهنائى))، وفى ت١، ت٢: ((مسور الهباى)). وينظر تهذيب الكمال ٤٣٥/٢٧.
(٢) فى م: (( نعمته)).
(٣) أخرجه البيهقى فى الشعب (٤٥٠٥) من طريق الضحاك عن ابن عباس مرفوعًا .
(٤) معانى القرآن ٣٢٩/٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٧/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى
حاتم .
(٥) تفسير سفيان ص ٢٣٨، ومن طريقه البيهقى فى الشعب (٤٥٠٢)، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٦٧/٥ إلى سعيد بن منصور وابن أبى حاتم مطولًا.

٥٦٨
سورة لقمان : الآية ٢٠ ، ٢١
( وأسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعْمَةٌ (١) ظاهِرَةً وَبَاطِنَةً). قال: لا إلهَ إلا اللَّهُ.
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا ابنُ عُيَينةً، عن حميدٍ الأعرج ، عن مجاهدٍ ، قال :
لا إلهَ إلا اللَّهُ.
حدَّثنا ابنُّ وكيع، قال : ثنا يحيى بنُ آدَمَ ، عن سفيانَ ، عن عيسى ، عن قَيْسٍ ،
عن ابنِ عباسٍ : (نِعَمَةً ظاهِرَةً وَبَاطِنَةٌ). قال: لا إِلهَ إِلا اللَّهُ(٢).
وقولُه: ﴿ظَاهِرَةً﴾. يقولُ: ظاهرةً على الألسُنِ قولًا، وعلى الأبدانِ
وجوارحِ الجسدِ عملًا .
وقولُه: ﴿وَبَاطِنَةٌ﴾ . يقولُ: وباطنةً فى القلوبِ اعتقادًا ومعرفةً .
وقولُه: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُحَدِلُ فِى اَللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدَّى﴾. يقولُ تعالى
٧٩/٢١ ذكرُه: ومِن الناسِ / مَن يُخاصِمُ فى توحيدِ اللَّهِ، وإخلاصِ الطاعة والعبادةِ له بغيرِ
علمٍ عندَه بما يُخاصِمُ، ﴿ وَلَا هُدَّى﴾. يقولُ: ولا بيانٍ يُبَيِّنُ به صحةَ ما يقولُ ،
﴿ وَلَا كِتَبٍ مُنِيرٍ﴾. يقولُ: ولا يِتنزيلٍ من اللَّهِ جاء بما يَدَّعِى، يُبَيِّنُ حَقِّةً
دعواه .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ
مَنْ يُحَدِلُ فِى اَللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدَّى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ ﴾: ليس معه من اللَّهِ برهانٌ
ولا کتابٌ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّبِعُواْ مَآ أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا
وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَّ أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ
٢١
(١) فى م: ((نعمته)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٧/٥ إلى الفريابى وابن أبى شيبة وابن المنذر وابن أبى حاتم.

٥٦٩
سورة لقمان : الآيتان ٢٢،٢١
يقولُ تعالى ذكره : وإذا قيل لهؤلاء الذين يُجادِلون فى توحيدِ اللَّهِ ، جهلًا
منهم بعظمةِ اللَّهِ: اتَّبِعوا أيُّها القومُ ما أنزل اللَّهُ على رسولِه، وصَدِّقوا به ، فإنه يَفْرُقُ
بينَ المحقِّ منا والمبطِلِ ، ويَفْصِلُ بَيْنَ الضالُ والمهتدى . فقالوا: بل نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عليه
آباءَنا مِن الأديانِ؛ فإنهم كانوا أهلَ حقٌّ. قال اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿أَوَلَوْ كَانَ
الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ﴾ بتزيينِه لهم سوءَ أعمالِهم، واتِّباعِهم إياه على ضلالتِهم،
وكفرِهم باللّهِ، وتركِهم اتِّبَاعَ ما أَنزَل اللَّهُ من كتابِه على نبيّه - ﴿إِلَى عَذَابٍ
اُلسَّعِيرِ﴾ . يعنى : عذابِ النارِ التى تَتَسَعَّرُ وتَلْتَهِبُ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدٍ
أَسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَّ وَإِلَى اللَّهِ عَقِبَةُ الْأُمُورِ
٢٢
يقولُ تعالى ذكره: ومَن يُعَبِّدُ وَجْهَه مُتَذلِّلًا بالعبودةِ ، مُقِرًّا له بالألوهةِ،
﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾. يقولُ: وهو مُطيعُ للَّهِ فى أمرِه ونهِيه؛ ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ
الْوُثْقَىّ﴾. يقولُ: فقد تمشَك بالطَّرَفِ الأوثقِ الذى لا يخافُ انقطاعَه مَن تَمَشَّك
به ، وهذا مَثَلٌ . وإنما يعنى بذلك أنه قد تمشك مِن رضا اللَّهِ پإسلامِه وجهَه إليه وهو
مُحسِنٌّ - ما لا يَخافُ معه عذابَ اللَّهِ يومَ القيامةِ.
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن أبى السَّوداءِ، عن جعفرِ بنِ
أبى المغيرةِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ
مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَّ﴾. قال: لا إلهَ إلا اللَّهُ(١).
(١) تقدم تخريجه فى ٥٦٤/٤، ٥٦٥ حاشية (٤)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٠/١ إلى ابن المنذر.

٥٧٠
سورة لقمان : الآيات ٢٢ - ٢٦
وقولُه: ﴿ وَإِلَى اللَّهِ عَلِقِبَةُ الأُمُورِ﴾. يقولُ: وإلى اللَّهِ مَرْجِعُ عاقبةٍ(١) كلِّ
أمرٍ؛ خيره وشرّه، وهو المُسائِلُ أهلَه عنه، ومُجازِيهم عليه .
/ القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُئِكَ كُفْرَهُمْ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ
نُمِنِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى
فَنُقِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ
٢٤
عَذَابٍ غَلِظٍ
يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن كفَر باللَّهِ فلا يَحْزُنْك كفرُه، ولا تَذْهَبْ نفسك
عليهم حَسْرةً ؛ فإنَّ مرجِعَهم ومصيرَهم يومَ القيامةِ إلينا ، ونحن نُخْبِرُهم بأعمالهم
الخبيثةِ التى عمِلوها فى الدنيا، ثم نُجازِيهم عليها جزاءَهم؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيُمْ بِذَاتِ
الصُّدُورِ ﴾. يقولُ: إن اللّهَ ذو علمٍ بما تُكِنُّه صدورُهم مِن الكفرِ باللَّهِ وإيثارِ طاعةٍ
الشيطان .
وقولُه: ﴿نُمِنِّعُهُمْ قَلِيلًا﴾. يقولُ: تُمْهِلُهم فى هذه الدنيا مَهْلًا قليلًا يَتَّمَتَّعون
فيها. ﴿ثُمَّ نَضْطَرُهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِظٍ ﴾. يقولُ: ثم نُورِدُهم على كُوْهٍ منهم
عذابًا غليظًا، وذلك عذابُ النارِ، نعوذُ باللهِ منها ومن عملٍ يُقَرِّبُ منها .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَلَيْنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ
الِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ إِنَّ اللَّهَ هُوَ
٢٥
اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
٢٦
اٌلْغَنِىُّ الْحِيدُ
يقولُ تعالى ذكره : ولئن سألتَ يا محمدُ هؤلاء المشركين باللّهِ مِن قومِك:
﴿ مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه
محمدٍ : فإذا قالوا ذلك ، فقُلْ لهم: الحمدُ للَّهِ الذى خلَق ذلك، لا لمن لا يَخْلُقُ شيئًا
(١) فى ص، ت١: ((آخر)).
٨٠/٢١

٥٧١
سورة لقمان : الآيتان ٢٧،٢٦
وهم يُخْلَقون .
ثم قال تعالى ذكرُه: ﴿ بَلّ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: بل أكثر هؤلاء
المشركين لا يَعْلَمون مَن الذى له الحمدُ ، وأينَ موضِعُ الشكرِ .
وقولُه: ﴿لِلَِّ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ . يقولُ تعالى ذكرُه: للَّهِ كلِّ ما فى
السماواتِ والأرضِ من شىءٍ ، مُلْكًا كائنًا ما كان ذلك الشىءُ؛ من وَثْنٍ وصنمٍ وغيرِ
ذلك مما يُعْبَدُ أَو لا يُعْبَدُ. ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِىُّ الْحِيدُ﴾. يقولُ: إن اللَّهَ هو الغنى
عن عبادةِ هؤلاء المشركين به الأوثانَ والأندادَ ، وغيرِ ذلك منهم ومن جميعٍ خلقِهِ ؛
لأنهم مِلْكٌ له، وبهم الحاجةُ إليه، ﴿الْحَمِيدُ﴾. يعنى: المحمودُ على نعمِه التى
أنعمها على خلقِه .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِ الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَهٌ وَالْبَحْرُ
يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ، سَبْعَةُ أَنْجُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
۔
٢٧
يقولُ تعالى ذكرُه: ولو أن شجرَ الأرضِ كلِّها ثُرِيَت أقلامًا، ﴿ وَالْبَحْرُ
يَمُدُّهُ﴾. يقولُ: والبحرُّ له مِدادٌ. والهاءُ فى قولِه: ﴿يَمُدُّهُ﴾. عائدةٌ على البحرِ .
وقولُه: ﴿ مِنْ بَعْدِهِ، سَبْعَةُ أَبْجُرٍ مَّا نَفِدَتْ / كَلِمَتُ اَللَّهِ﴾. وفى هذا الكلامِ ٨١/٢١
محذوفٌ استُغنى بدَلالةِ الظاهرِ عليه منه، وهو: يُكْتَبُ كلامُ اللَّهِ بتلك الأقلام،
وبذلك المدادِ ، لتكسَّرت تلك الأقلامُ ، ولنِد ذلك المدادُ ، ولم تَنْقَدْ كلماتُ اللَّهِ.
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلِيَّةً، عن أبى رجاءٍ، قال: سألتُ الحسنَ عن
هذه الآية: ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِ الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَهٌ﴾. قال: لو جعَل شجرَ الأرضِ

٥٧٢
سورة لقمان : الآية ٢٧
أقلامًا ، وجعَل البحورَ مِدادًا. وقال اللَّهُ: إن مِن أمرى كذا، ومن أمری كذا، لنَفِد
ماءُ البحورِ، وتكسّرتِ الأقلامُ(١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ، قال: ثنا عمرو فى قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِى
اُلْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَهٌُ﴾. قال: لو بُرِيت أقلامًا والبحرُ مِدادًا، فَكُتِب بتلك
الأقلام منه، ﴿مَّا نَفِدَتْ كَلِمَتُ اللَّهِّ﴾ ولو مدَّه سبعةُ أبحرٍ .
حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِ
اُلْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَهٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّمُ مِنْ بَعْدِهِ، سَبْعَةُ أَبْجُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَتُ
اللَّهِ﴾. قال: قال المشركون : إنما هذا كلامٌ يُوشِكُ أَن يَنْفَدَ . قال: لو كان شجرُ
البرّ(٢) أقلامًا، ومع البحرِ سبعةُ أبحرٍ ما كان لِتَنْفَدَ عجائبُ رِّى وحكمتُه وخَلْقُه
(٣)
وعلمُه(٢).
وذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت على رسولِ اللَّهِ عَ لِّ فى سببٍ مجادلةٍ كانت من
اليهود له .
ذكرْ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ ، قال : ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ ، قال : ثنا ابنُ إسحاقَ ، قال : ثنى
رجلٌ من أهلِ مكةً، عن سعيدِ بنِ مجبيرٍ ، عن ابن عباسٍ: أن أحبار يهودَ قالوا لرسولٍ
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٥١/٦ .
(٢) فى ص، ت٢: (( البحر)).
(٣) تقدم تخريجه بنحوه فى ٤٣٩/١٥، وأخرجه أبو الشيخ فى العظمة (٧٩) من طريق يزيد به ، وأخرجه
عبد الرزاق فى تفسيره ١٠٦/٢ عن معمر عن قتادة مختصرًا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٨/٥ إلى ابن
المنذر وابن أبى حاتم وأبى نصر السجزى فى الإبانة .

٥٧٣
سورة لقمان : الآية ٢٧
اللَّهِ عَزِلِ بالمدينةِ: يا محمدُ أرأيتَ قولَك(١): ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾
[الإسراء: ٨٥]. إيَّانا تُريدُ أم قومَك؟ فقال رسولُ اللَّهِ ◌ِهِ: ((كُلَّا)). فقالوا: ألستَ
تَثْلُو فيما جاءك: أنَّا قد أُوتِينا التوراةَ فيها تبيانُ كلِّ شيءٍ؟ فقال رسولُ اللَّهِ عَهِ:
((إنها فى علم اللَّهِ قليلٌ، وعندَكم من ذلك ما يَكْفِيكم)). فأنزل اللَّهُ عليه فيما سألوه
عنه من ذلك: ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِىِ الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَهُ وَالْبَحْرُ يَهُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ،
سَبْعَةُ أَبْجُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَتُ الَّهِ ﴾: أى أن التوراةَ فى هذا من علمِ اللَّهِ قليلٌ (٣).
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنى ابنُ(١) عبدِ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةً،
قال: سأَل أهلُ الكتابِ رسولَ اللَّهِ عَه عن الروحِ، فَأَنزَل اللَّهُ: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ
الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِى وَمَا أُوتِبِتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الإسراء: ٨٥].
فقالوا: تَرْعُم أَنَّا لم نُؤْتَ من العلم إلا قليلاً، وقد أَوتِينا التوراةَ وهى الحكمةُ
﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]. قال :
فنزَلت: ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِىِ الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَهٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ، سَبْعَةُ
أَبْجُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَتُ / الهِّ﴾. قال: ((ما أُوتِيتُم من علم فنجَّاكم اللّهُ به من النارِ ٨٢/٢١
وأدخَلكم الجنةَ، فهو كثيرٌ طيبٌ، وهو فى علم اللَّهِ قليلٌ))(٤).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ ، عن بعضٍ
أصحابِهِ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، قال: لما نزَلتْ بمكةً: ﴿ وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا
قَلِيلًا﴾: يعنى اليهودَ؛ فلما هاجَر رسولُ اللَّهِ عَ لَّهِ إلى المدينةِ، أتاه أحبارُ يهودَ،
(١) فى م: ((قوله)).
(٢) ذكره القرطبى فى تفسيره ٧٦/١٤، وابن كثير فى تفسيره ٣٥٢/٦ عن ابن إسحاق وسمى الرجل
المجهول ابن أبى محمد، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٧/٥ إلى ابن أبى حاتم .
(٣) سقط من: ص، ت١، ت٢. وهو عبد الأعلى بن عبد الأعلى .
(٤) تقدم تخريجه فى ٦٨/١٥ حاشية (٢).

٥٧٤
سورة لقمان : الآيتان ٢٧، ٢٨
فقالوا: يا محمدُ ألم يَتْلُغْنا أنك تقولُ: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ أفعنَيْتَنَا أم
قومَك؟ قال: ((كُلَّا قد عَنَيْتُ)). قالوا: فإنك تَتْلُو أنَّا قد أَوتينا التوراةَ وفيها تبيانُ
كلِّ شىءٍ، فقال رسولُ اللّهِ مَّهِ: ((هى فى علم اللَّهِ قليلٌ، وقد آتاكم اللَّهُ ما إن
عمِلْتم به انتفَعْتُم)). فَأَنزَل اللَّهُ: ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِ اَلْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَهٌ وَالْبَحْرُ
يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ، سَبْعَةُ أَبْجُرٍ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾(١).
واختلفتِ القرَأَةُ فى قراءةِ قولِهِ: ﴿ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾؛
فقرَأته عامةُ قرَأَةِ المدينةِ والكوفةِ: ﴿ وَاَلْبَحْرُ ﴾ رفعًا على الابتداءِ، وقرَأَته قرَأَةُ البصرةِ
نصبًا، عطفًا به على ((ما)) فى قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِ الْأَرْضِ﴾(١) . وبأيتِهما قرَأ القارئُ
فمصيبٌ عندى .
وقولُه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. يقولُ: إن اللَّهَ ذو عزَّةٍ فى انتقامِه ممن
أشرك به ، وادَّعى معه إلهًا غيرَه ، حكيمٌ فى تدبيرِه خلقه .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَا خَلْقُّكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَحِدَةٍ إِنَّ
٢٨
اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرُ
يقولُ تعالى ذكره : ما خلقُكم أيُّها الناسُ ولا بعثُكم على اللّهِ إلا کخلقِ نفسٍ
واحدةٍ وبعثِها ، وذلك أن اللَّهَ لا يتعذَّرُ عليه شىءٌ أرادَه، ولا يَمْتَنِعُ منه شىءٌ شاءه ،
﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ، إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [ يس: ٨٢] . فسواءٌ خَلْقُ
واحدٍ وبعثُه ، وخلقُ الجميعِ وبعثُهم .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
(١) تقدم تخريجه فى ٧٢/١٥ حاشية (٤).
(٢) قراءة نصب الراء هى قراءة أبى عمرو ، وقراءة ضم الراء هى قراءة الباقين وهم نافع وابن كثير وابن عامر
وعاصم وحمزة والكسائى . السبعة ص ٥١٣ ، والتيسير ص ١٤٣ .

٥٧٥
سورة لقمان : الآيتان ٢٨، ٢٩
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنى أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ
قوله: ﴿كَنَفْسٍ وَجِدَةٍ﴾. يقولُ: كُنْ فِيَكُونُ للقليلِ والكثيرِ(١) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا
بَعْتُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَحِدَةٍ﴾ . قال: يقولُ: إِنما خَلْقُ اللَّهِ الناسَ كلَّهم وبَعْثُهم
كخلقٍ نفسٍ واحدةٍ وبعثِها(٢).
وإنما صلَح أن يُقالَ: إلَّا كنفسٍ واحدةٍ ، والمعنى: إلا كخلقٍ نفسٍ واحدةٍ ؛
لأن المحذوفَ فعلٌ يَدُلَّ عليه قولُه: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْ﴾. والعربُ تَفْعَلُ ذلك
فى المصادرِ، ومنه قولُ اللَّهِ: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَلَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ اُلْمَوْتِ﴾
[الأحزاب: ١٩]. والمعنى: كدورانِ عينِ الذى يُغْشَى عليه من الموتِ، فلم يَذْكُرِ
الدورانَ والعينَ لما وَصَفتُ .
/ وقولُه: ﴿إِنَّ الَهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن اللَّهَ سميعٌ لما يَقولُ ٨٣/٢١
هؤلاء المشرِكون ويَفْتَرونه على ربِّهم، من ادعائهم له الشركاءَ والأندادَ، وغيرِ ذلك
من كلامِهم وكلامٍ غيرِهم ، بصيرٌ بما يَعْمَلونه وغيرُهم من الأعمالِ، وهو مُجازِيهم
على ذلك جزاءَهم .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ الَّلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ
(١) تفسير مجاهد ص ٥٤٣، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٨/٥ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر وابن أبى
حاتم .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٨/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .

٥٧٦
سورة لقمان : الآية ٢٩
فِي الَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلِّ يَجْرِىّ إِلَى أَجَلٍ ◌ُسَمَّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ
٢٩
خَيْرٌ
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿أَمْ تَرَ﴾ يا محمدُ بعينِك ﴿ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اَلَيْلَ فِى
النَّهَارِ ﴾. يقولُ: يزيدُ من نقصانِ ساعاتِ الليلِ فى ساعاتِ النهارِ ﴿ وَيُولِجُ
النَّهَارَ فِي الَّيْلِ﴾. يقولُ: يَزِيدُ ما نقَص من ساعاتِ النهارِ فى ساعاتِ اللَّلِ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ
اللَّهَ يُولِجُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ﴾: نُقصانُ الليلِ فى زيادةِ النهارِ، ﴿وَيُولِجُ النَّهَارَ في
الَّيْلِ﴾ : نقصانُ النهارِ فى زيادةِ الليلِ (١).
وقولُه: ﴿ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلِّ يَجْرِىَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى﴾. يقولُ تعالى
ذكرُه: وسخَّر الشمسَ والقمرَ لمصالحِ خلقِه ومنافعِهم، ﴿كُلِّ يَجْرِىَ﴾. يقولُ:
كلُّ ذلك يَجْرِى بأمرِه إلى وقتٍ معلومٍ وأجلٍ محدودٍ إذا بلَغه كُوِّرَت الشمسُ
والقمرُ .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ
وَالْقَمَرَ كُلِّ يَجْرِىّ إِلَ أَجَلِ مُسَنَّى﴾ . يقولُ: لذلك كلِّه وقتٌ وحدٌّ معلومٌ لا
يُجاوِزُه ولا يَعْدُوه(٢) .
(١) تقدم تخريجه فى ٣٠٦/٥ حاشية (٢).
(٢) ذكره القرطبى فى تفسيره ٧٨/١٤، ٧٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٨/٥ إلى المصنف وعبد بن
حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .

٥٧٧
سورة لقمان : الآيات ٢٩ - ٣١
وقولُه: ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ . يقولُ: وأن اللَّهَ بأعمالِكم، أيُّها
الناسُ، من خيرٍ أو شرِّ ذو خبرةٍ وعلم، لا يَحْفَى عليه منها شىءٌ، وهو مُجازِيكم
على جميعِ ذلك. وخرَج هذا الكلامُ خِطابً لرسولِ اللَّهِ وَّهِ والمعنىُ به المشرِكون،
وذلك أنه تعالى ذكرُه نَّه بقولِه: ﴿ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي
الَّيْلِ﴾ على موضع حُجَّتِه - مَن جَهِل عظمتَه، وأشرَك فى عبادتِه معه غيره ، يَدُلُّ
على ذلك قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَطِلُ﴾ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ اُلْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ
٣٠
اَلْبَطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ
/ يقولُ تعالى ذكره: هذا الذى أخبرتُك، يا محمدُ ، أن اللَّهَ فعَله من إيلاجِه ٨٤/٢١
الليلَ فى النهارِ والنهارَ فى الليلِ، وغيرِ ذلك من عظيم قُدرَتِه، إنما فعَله بأنه هو اللَّهُ
حقًّا، دونَ ما يدعوه هؤلاء المشرِكون به ، وأنه لا يَقْدِرُ على فعلٍ ذلك سِواه ، ولا
تَصْلُحُ الألوهةُ إلا لمن فعَل ذلك بقُدْرِتِهِ .
وقولُه: ﴿ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَطِلُ﴾. يقولُ تعالى ذكره: وبأن الذى
يَعْبُدُ هؤلاء المشرِكون من دونِ اللَّهِ - الباطلُ الذى يَضْمَحِلُّ، فيَبِيدُ ويَفْنى، ﴿ وَأَنَّ
اللَّهَ هُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وبأن اللَّهَ هو العلى، يقولُ: هو ذو
العُلوِّ على كلِّ شيءٍ، وكلُّ ما دونَه فله مُتَذلِلٌ مُنقادٌ ، الكبير الذى كلُّ شيءٍ دونَه فله
مُتَصاغِرٌ .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿أَلَّ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِى فِىِ الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ
لِيُرِيَكُم مِّنْ ءَايَتِهِ، إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَ لِ: ألم تَرَ، يا محمدُ ، أن السفنَ تَجْرِى فى
( تفسير الطبرى ٣٧/١٨ )

٥٧٨
سورة لقمان : الآية ٣١
البحرِ نعمةٌ من اللَّهِ على خلقِه؛ ﴿لِيُرِيَكُ مِنْ ءَايَتِهٍِ﴾. يقولُ: لِيُرِيَكم من عبرِه
وحُجَجِه عليكم. ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتِ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾. يقولُ: إن فى
جَرْيِ الفلكِ فى البحرِ دَلالةً على أن اللَّهَ الذى أجراها هو الحقُّ، وأن ما يدعون من
دونِهِ الباطلُ، ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾. يقولُ: لكلِّ مَن صبَّر نفسه عن محارم
اللَّهِ، وشكره على نعمِه فلم يَكْفُرُه .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان مطرّفٌ
يقولُ: إن مِن أحبّ عبادِ اللَّهِ إليه الصبَّارَ الشَّكورَ(١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ قال : الصبرُ نصفُ الإِيمانِ ،
والشكرُ نصفُ الإِيمانِ، واليقينُ الإِيمانُ كلُّه، ألم تَرَ أْن(١) قوله: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ
لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾: إنَّ فى ذلك لآياتٍ للموقنين ، إنَّ فى ذلك لآياتٍ
للمؤمنين .
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال: ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا سفيانُ ، عن مغیرةَ ، عن
الشعبىِّ: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾. قال: الصبرُ نصفُ
الإِيمانِ، واليقينُ الإيمانُ كلُّه(٣).
إن قال قائلٌ: وكيفَ خصَّ هذه الدَّلالةَ بأنها دلالةٌ للصبَّارِ الشَّكورِ ، دون سائرٍ
الخلقِ؟ قيل: لأن الصبرَ والشكرَ من أفعالٍ ذوى الحِجا والعقولِ، فأخبر: إن فى
ذلك لآياتٍ لكلِّ ذى عقل؛ لأن الآياتِ جعَلها اللَّهُ عِبرًا لذوى العقولِ والتمييزِ.
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٨/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) فى م، ت٢: ((إلى)).
(٣) ذكره الطوسى فى التبيان ٢٥٩/٨، والقرطبى فى تفسيره ٧٩/١٤.

٥٧٩
سورة لقمان : الآية ٣٢
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَإِذَا غَشِيَهُمْ قَوْجٌ كَقَُّلِ دَعَواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ
الّذِينَ فَلَمَّا نَّنَّهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْنَصِدٌ وَمَا يَحْمَدُ بِشَايَدِنَآ إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ
گفُورٍ
٣٢
/ يقولُ تعالى ذكره: وإذا غَشِى هؤلاء الذين يَدْعون من دونِ اللهِ الآلهةَ ٨٥/٢١
والأوثانَ فى البحرِ إذا ركبوا فى الفُلْكِ - موجٌ كالظُّلَلِ، وهی جمعُ ظُلَّةٍ ، شئّه بها
الموجَ فى شدةِ سوادٍ كثرةِ الماءِ؛ قال نابغةُ بنى جَعْدَةً فى صفةِ بحرٍ (١) :
يُماشِيهِنَّ() أخضرُ ذو ظِلالٍ على حافاتِهِ فِلَقُ الدِّنانِ
وشبّه الموجَ وهو واحدٌ بالظَّلَلِ، وهى جمائعٌ؛ لأن الموجّ يأتى شىءٌ منه بعدَ
شىءٍ ، وَيَرْكَبُ بعضُه بعضًا كهيئةِ الظُّلَلِ .
وقولُه: ﴿دَعَواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ أَلِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه : وإذا غَشِى هؤلاء
موجٌ كالظُّلَلِ، فخافوا الغرَقَ، فزِعوا إلى اللَّهِ بالدعاءِ مخلصين له الطاعةَ، لا
يُشْرِكون به هنالك شيئًا ، ولا يَدْعون معه أحدًا سِواه، ولا يَسْتَغيثون بغيرِه .
قولُه: ﴿ فَلَمَّا نَّنْهُمْ إِلَى الْبَرِّ ﴾ مما كانوا يَخافونه فى البحرِ من الغرقِ
والهلاكِ، إلى الِّ "والحد٣ّ)، ﴿فَمِنْهُم مُقْنَصِدٌ﴾. يقولُ : فمنهم مقتصدٌ فى قولِه
وإقرارِهِ برِّه، وهو مع ذلك مُضْمِرٌ الكفرَ به .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
(١) البيت فى ديوانه ص ١٦٣ .
(٢) فى الديوان: ((يعارضهن)).
(٣ - ٣) سقط من : م .

٥٨٠
سورة لقمان : الآية ٣٢
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
ج
قولَه: ﴿فَمِنْهُم مُّقْنَصِدٌ﴾. قال: المقتصدُ فى القولِ وهو كافرٌ() .
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله : ﴿ فَمِنْهُم
مُقْتَصِدٌ﴾ . قال : المقتصِدُ الذى على صلاحٍ من الأمرِ .
وقولُه: ﴿ وَمَا يَجْحَدُ ◌ِحَايَكِنَآ إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ﴾. يقولُ تعالى ذكره:
وما يَكْفُرُ بأدلتِنا وحُجَجِنا إلا كلُّ غدَّارٍ بعهدِه. والخَثّرِ عندَ العربِ: أقبحُ الغدرِ،
ومنه قولُ عمرو بنٍ معدِيكَرِبَ(٣):
وإنك لو رأيتَ أبا عُمَيرٍ
ملأتَ يَدَيكَ من غَدْرٍ وخَتْرٍ
وقولُه: ﴿ كَفُورٍ ﴾. يعنى: جَحودٍ للنّعمِ، غيرِ شاكرٍ ما أُشْدِىَ إليه من نعمةٍ .
وبنحوِ الذى قلْنا فى معنى الخثَّارِ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا حكّامٌ ، عن عنبسةً، عن ليث ، عن مجاهدٍ: ﴿ كُلّ
خَثَارٍ كَفُورٍ ﴾. قال: كلٌّ غدَّارٍ(٣).
(١) ذكره البغوى فى تفسيره ٢٩٤/٦، والقرطبى فى تفسيره ٨٠/١٤، وأبو حيان فى البحر المحيط ١٩٣/٧،
وابن كثير فى تفسيره ٣٥٣/٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٨/٥ إلى المصنف وابن أبى شيبة والفريابى
وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) البيت فى ديوانه ص ١٠٥ .
(٣) ينظر الأثر التالى .