Indexed OCR Text
Pages 541-560
٥٤١
سورة لقمان : الآيتان ٦ ، ٧
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ، قال: بحَشْبِ المرءِ من
الضلالةِ أن يختارَ حديثَ الباطلِ على حديثِ الحقِّ، وما يضرُّ على ما ينفَعُ(١).
﴿ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾: يستهزِىُّ بها ويكذِّبُ بها. وهما من أن يكونا من ذكرٍ
﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أشبهُ عندى؛ لقُربِهما منها، وإن كان القولُ الآخرُ غيرَ بعيدٍ من
الصواب. واتخاذُه ذلك هُزُوًا هو استهزاؤُه به .
وقولُه: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ . يقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء الذين
وصَفنا أنهم يشترون لهوَ الحديثِ ليُضِلُّوا عن سبيل اللَّهِ ، لهم يومَ القيامةِ عذابٌ مُذِلَّ
مُخْزِ فى نارٍ جهنَّمَ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِ ءَايَنُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَّمْ
يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِىّ أُذُنَهِ وَقْرَاْ فَبَشِّرُهُ بِعَذَابٍ أَلِيِمٍ
٧
يقولُ تعالى ذكره : وإذا تُتلَى على هذا الذى اشترى لهو الحديثِ للإضلالِ عن
سبيلِ اللَّهِ ، آياتُ كتابِ اللَّهِ، فقُرِئت عليه، ﴿ وَلَّى مُسْتَكْبِرًا﴾. يقولُ: أدبرَ
عنها(٢)، و("أَعْرَض استكبارًا) عن سماع الحقِّ والإجابة عنه، كأَن لم يَسمَعْها ،
كَأَنَّ فِيِّ أُذُنَّهِ وَفَرًَّ﴾. يقولُ: ثِقْلًا، فلا يُطيقُ من أجلِه سماعَه .
كما حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ، وحدّثنی
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قوله: ﴿فِيَّ أُذُنَّهِ وَقَرٌَّ﴾. قال: ثِقْلًا(٤).
(١) تقدم تخريجه فى ص ٥٣٤ .
(٢) فى ص، ت١، ت٢: ((عنه)).
(٣ - ٣) فى ص، ت٢: ((أعرض استكبار وأعرض))، وفى م: ((استكبر استكبارا وأعرض)).
(٤) تفسير مجاهد ص ٥٤١ .
٥٤٢
سورة لقمان : الآيات ٧ - ١٠
وقولُه: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فبشِّرْ هذا المعرضَ عن
آياتِ اللَّهِ إذا تُلِيَتْ عليه استكبارًا - بعذابٍ له من اللّهِ يومَ القيامةِ مُوجعٍ، وذلك
عذابُ النارِ .
٦٥/٢١
/القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَمُمْ جَنَّتُ
خَلِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
٨
النَّعِيمِ
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ باللّهِ فوخَّدُوه، وصدَّقوا رسولَه
واتََّعوه، ﴿ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ﴾. يقولُ: فَأَطَاعوا اللَّهَ، فعمِلوا بما أمَرهم فى كتابِهِ
وعلى لسانِ رسولِه، وانتهَوا عما نَهاهم عنه، ﴿لَمُمْ جَنَّتُ النَّعِيمِ﴾. يقولُ: لهؤلاءٍ
بساتينُ النعيم، ﴿ خَلِينَ فِيهَا﴾. يقولُ: ماكِثين فيها إلى غيرِ نهايةٍ، ﴿وَعْدَ اللَّهِ
حَقًّا﴾. يقولُ: وعَدهم اللَّهُ وَعْدًا حقًّا، لاشكَّ فيه، ولا خُلْفَ له، ﴿ وَهُوَ
اُلْعَزِيزُ﴾. يقولُ: وهو الشديدُ فى انتقامِه من أهلِ الشركِ به، والصادِّينَ عن سبيلِه،
﴿ الْحَكِيمُ﴾ فى تدبيرٍ خلْقِه .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى : ﴿ خَلَقَ السَّمَوَتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِ اْأَرْضِ
رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَ فِيَهَا مِن كُلِّ دَآبَةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَنْنَاَ فِيَهَا مِن كُلِّ
زَوْجِ كَرِيمٍ
يقولُ تعالى ذكره: ومن حِكْمتِه أنه خلق السماواتِ السبعَ ﴿بِغَيْرٍ عَمَدٍ
تَرَوََّهاً﴾. وقد ذكرتُ فيما مضَى اختلافَ أهلِ التأويلِ فى معنَى قوله: ﴿ بِغَيْرِ
عَمَدٍ تَرَوَّنَهَا﴾، وبيّنا الصوابَ من القول فى ذلك عندَنا (١).
وقد حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال : ثنا معاذُ بنُ معاذٍ ، عن ◌ِمرانَ بنِ محدَيرٍ، عن
(١) ينظر ما تقدم فى ٤٠٨/١٣ .
٥٤٣
سورة لقمان : الآية ١٠
عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾. قال: لعلَّها بعَمَدٍ لا تَرؤْنَها(١).
وقال : ثنا العلاءُ بنُ عبدِ الجبارِ، عن حمادِ بنِ سلمةً ، عن حميدٍ ، عن الحسنِ
ابنِ مسلمٍ، عن مجاهدٍ، [٥٩٧/٢و] قال: إنها بعمَدٍ لا تَرَوْنَها(٢) .
قال : ثنا یحیی بن آدم ، عن شريك ، عن سماكٍ ، عن عكرمةً ، عن ابنِ عباسٍٍ،
قال : لعلَّها بعمَدٍ لا تَرؤْنَها(٣) .
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدٌ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ فى هذا
الحرفِ: ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾. قال: تَرَونَها بغيرِ عمَدٍ ، وهی
(٤)
بِعَمَّدٍ (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتَادةَ: ﴿ خَلَقَ السَّمَوَتِ
بِغَيْرِ عَمَدٍ تَوَتَهاً﴾ . قال: قال الحسنُ وقتادةُ: إنها بغيرِ عمدٍ تَرَوْنَها، ليس لها
عمدٌ(٥) . وقال ابنُ عباسٍٍ: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾. قال: لها عمَدٌ لا تَرؤْنَها .
وقولُه: ﴿ وَأَلْفَى فِ اَلْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾. يقولُ: وجعَل على ظهرٍ
الأرضِ رواسِىَّ، / وهى ثوابتُ الجبالِ، ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾: أن لا تَمِيدَ بكم. يقولُ: ٦٦/٢١
أن لا تضطَرِبَ بكم، ولا تتحرّكَ يَمْنَةً ولا يَشْرةً ، ولكن تستقِرُّ بكم .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَأَلْقَى فِ
اُلْأَرْضِ رَوَسِىَ﴾: أى: جبالاً، ﴿أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾: أثبتها بالجبالِ ، ولولا ذلك ما
(١) تقدم فى ٤٠٨/١٣، ٤٠٩.
(٢) تقدم فى ٤٠٩/١٣.
(٣) تقدم فى ٤١٠/١٣ .
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٣٥/٦ .
(٥) تقدم قول قتادة وحده فى ٤١١/١٣ .
٥٤٤
سورة لقمان : الآيتان ١٠، ١١
(١)
أقرَّت عليها خَلْقًا(١).
وذلك كما قال الراجِزُ(٢):
والمُهْرُ يأتِى أَنْ يَزَالَ مُلْهِبَا
بمعنى : لا يزالُ .
وقولُه: ﴿وَبَثَ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ ﴾. يقولُ: وفرَّق فى الأرضِ من كلِّ أنواع
الدوابِّ . وقيل: الدوابُ اسمٌ لكلِّ ما أكَّل وشرِب. وهو عندِى لكلِّ ما دَبَّ على
الأرضِ .
وقولُه: ﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَنْنَاَ فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجِ كَرِيمٍ ﴾. يقولُ
تعالى ذكرُه: وأنزلنا من السماءِ مطرًا، فأنبتنا بذلك المطرِ فى الأرضِ ﴿مِن كُلِّ
زَوْجِ﴾. يعنى: من كلِّ نوعٍ من النباتِ، ﴿كَرِيمٍ ﴾، وهو الحسَنُ النِّثْنَةِ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ مِن كُلِّ
زَوْجِ كَرِيمٍ ﴾ . أى : حسن .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِ مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن
دُونِهِ، بَلِ الظَّالِمُونَ فِ ضَلَلٍ مُبِينٍ
يقولُ تعالى ذكره : هذا الذى عَدَّدتُ عليكم أيها الناسُ أَنِى خَلَقْتُه فى هذه
الآيةِ، ﴿ خَلْقُ اللَّهُ ﴾ الذى له أُلوهةُ كلِّ شىءٍ ، وعبادةُ كلِّ خَلْقٍ ، الذى لا تصلُحُ
العبادةُ لغيرِه، ولا تنبَغِى لشىءٍ سواه، ﴿ فَأَرُونِى﴾ أيها المشركون فى عبادتكم إياه
(١) تقدم تخريجه فى ٣٣/١٤، ٣٤ مطولاً .
(٢) الرجز فى معانى القرآن للفراء ٣٢٧/٢ غير منسوب .
(٣) تقدم تخريجه فى ١٢٠/١٧، ٦٣/١٩.
٥٤٥
سورة لقمان : الآيتان ١٢،١١
مَنْ دونَه مِن الآلهةِ والأوثانِ ، أىَّ شىءٍ خلَق الذين مِن دونِه من آلهتكم وأصنامِكم ،
حتى استَحَقَّت عليكم العبادةُ فعبَدُوها من دونِهِ، كما استحَقَّ ذلك عليكم
خالِقُكم وخالقُ هذه الأشياءِ التى عدَّدتُها عليكم .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هَذَا خَلْقُ
اللَّهِ ﴾: ما ذكر من خلْقِ السماواتِ والأرضِ، وما بثَّ من الدوابِّ، وما أنْبَت من
كلِّ زوجٍ كريمٍ ، ﴿ فَأَرُوِ مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾: الأصنامُ الذين تدعون
"(١)
من دونه(١) .
وقولُه: ﴿بَلِ الظَّالِمُونَ فِ ضَلَالٍ تُبِينٍ ﴾. يقولُ تعالَى ذكرُه: ما عبَد هؤلاءٍ
المشركون الأوثانَ والأصنامَ من أجلِ أنها تخلُقُ شيئًا ، ولكنهم دعاهم إلى عبادتِها
ضَلالُهم، وذَهابُهم عن سبيلِ الحقِّ، فهم ﴿فِ ضَلَالٍ﴾. يقولُ : فهم فى جَوْرٍ عن
الحقِّ، وذَهابٍ عن الاستقامةِ، ﴿ُِّينٍ﴾. يقولُ: يُبِينُ لمن تأمَّلَه، ونظَر فيه، وفكر
بِعَقْلِ ، أنه ضلالٌ لا هدِی .
/ القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَا لُقْمَنَ اُلْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ ٦٧/٢١
١٢
يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ حَمِيدٌ
يقولُ تعالى ذكره : ولقد آتينا لقمانَ الفقهَ فى الدينِ، والعقلَ، والإصابةَ فى
القولِ .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٠/٥ إلى المصنف وابن أبى حاتم.
( تفسير الطبرى ٣٥/١٨ )
٥٤٦
سورة لقمان : الآية ١٢
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيحٍ ، عن مجاهدٍ
قوله: ﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَاَ لُقْمَنَ الْحِكْمَةَ﴾. قال: الفقهَ والعقلَ والإصابةَ فى القولِ، من
(١)
غيرِ نُبِوَةٍ(١) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَلَقَدْ ءَانِيْنَا
لُقْمَنَ الْحِكْمَةَ﴾. أى: الفقة فى الإسلام. قال قتادةُ : ولم یکنْ نبيًّا، ولم يُؤْحَ
ليه(٢).
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال : أخبرنا يونُسُ، عن مجاهدٍ
فى قولِهِ: ﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَا لُقْمَنَ الْحِكْمَةَ﴾. قال: الحكمةُ: الصوابُ(٣) . وقال غيرُ أبى
بشرٍ : الصوابُ ، فى غيرِ النبؤَّةِ .
حدَّثنا ابنُ المثنى، ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكم، عن
مجاهدٍ ، أنه قال: كان لقمانُ رجلًا صالحً، ولم يكُنْ نبيًّا(٤).
(١) تفسير مجاهد ص ٥٤١، وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٠٥/٢، وأحمد فى الزهد ص ٤٨،
٤٩ من طريق آخر عن مجاهد ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦١/٥ إلى الفريابى وابن المنذر وابن
أبى حاتم .
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٣٨/٦، والحافظ فى الفتح ٤٦٦/٦ عن سعيد به ، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٦١/٥ إلى ابن أبى حاتم .
(٣) تقدم تخريجه فى ١٠/٥ .
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٣٦/٦، وابن حجر فى الفتح ٤٦٦/٦ عن شعبة به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٦٢/٥ إلى المصنف.
٥٤٧
سورة لقمان : الآية ١٢
حدَّثنى نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَوْدِىُّ وابنُ حميدٍ ، قالا: ثنا حَكّامٌ ، عن سعيدٍ
الزُّبَيْدِىِّ، عن مجاهدٍ، قال: كان لقمانُ الحكيمُ عبدًا حَبشيًّا، غليظَ الشَّفَتَينْ،
مُصفَّحَ(١) القدمَيْنِ، قاضيًا على بنى إسرائيلَ (١).
حدَّثنى عيسى بنُ عثمانَ بنِ عيسى الرملىُّ، قال : ثنا يحيى بنُ عیسى ،
عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ، قال: كان لقمانُ عبدًا أسودَ، عظيمَ الشفتَيْنْ،
مُشقَّقَ [٥٩٧/٢ظ] القَدَمَيْنْ(١).
حدَّثنى عباسُ بنُ محمدٍ ، قال : ثنا خالدُ بنُ مَخْلَدٍ ، قال : ثنا سليمانُ بنُ بلالٍ ،
قال : ثنى يحيى بنُ سعيدٍ، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ المسيَّبِ يقولُ: كان لقمانُ
الحكيمُ أسودَ من سودانِ مصرَ .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا أبى، عن سفيانَ، عن أشعثَ ، عن عكرمةَ ، عن ابنِ
عباسٍ، قال: كان لقمانُ عبدًا حبشيًّا(٥).
حدَّثنا العباسُ بنُ الوليدِ ، قال: أخبرنا أبى، قال: ثنا الأوزاعىُ، قال : ثنا
عبدُ الرحمنِ بنُ حَرْمَةَ ، قال : جاء أسودُ إلى سعيدِ بنِ المسيَّبِ يسأَلُ ، فقال له
سعيدٌ : لا تحزَنْ من أجلِ أنك أسودُ ، فإنه كان مِن خيرِ الناسِ ثلاثةٌ من السودانِ ؛
بِلالٌ، ومِهْجَعْ مولَى عمرَ بنِ الخطابِ، ولُقمانُ الحكيمُ، كان أسودَ نويًّا ذا
(١) تصفيح الشىء: جعله عريضًا، ومنه قولهم: رجل مصفح الرأس. أى: عريضها . اللسان (ص ف ح).
(٢) أخرجه أحمد فى الزهد ص ٤٨ عن حكام به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦١/٥ إلى ابن المنذر وابن
أبى حاتم .
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٢١٣/١٣ عن يحيى به .
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٦/ ٣٣٦، والحافظ فى الفتح ٤٦٦/٦ عن يحيى بن سعيد به ، وعزاه الحافظ
إلى المصنف ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦١/٥ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم.
(٥) أخرجه الثورى فى تفسيره - كما فى الفتح ٦/ ٤٦٦، وذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٣٦/٦ عن الثورى
به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٠/٥ إلى ابن أبى الدنيا فى المملوكين وابن المنذر وابن أبى حاتم.
٥٤٨
سورة لقمان : الآية ١٢
(١)
مَشافِرَ(١).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا أبى، عن أبى الأشهَبِ، عن خالدِ الرَّبَعِىِّ ، قال :
٦٨/٢١ كان لقمانُ عبدًا حبشيًّا / نجَّارًا، فقال له مَوْلَّاه: اذبَعْ لنا هذه الشاةَ. فذبَحها ،
قال: أخرِجْ أطيبَ مُضْغَتَين فيها. فأخرَج اللسانَ والقلْبَ، ثم مكث ما شاء اللَّهُ ، ثم
قال: اذبَحْ لنا هذه الشاةَ. فذبَحها، فقال: أخرِجْ أخبَثَ مُضْغَتَين فيها. فأخرَج
اللسانَ والقلْبَ، فقال له مَوْلاه : أمَرْتُك أن تُخْرِجَ أطيبَ مُضْغتين فيها فأُخرَجْتَهما ،
وأمرتُك أن تُخرِجَ أخبَثَ مُضْغتين فيها فأخرَجْتَهما! فقال له لقمانُ : إنه ليس من
شىءٍ أطيبَ منهما إذا طابا، ولا أخبَثَ منهما إذا خبثاً(٢) .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا الحكَمُ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ، قال: كان
لقمانُ عبدًا أسودَ، غليظَ الشفتين، مُصفَّحَ القدمَينِ، فأتاه رجلٌ وهو فى
مجلسٍ أُناسٍ يُحدِّثُهم، فقال له : ألستَ الذى كنتَ تْعَى معى الغنمَ فى مكانٍ
كذا وكذا؟ قال: نعم. قال: فما بلَغ بك ما أرى؟ قال: صِدْقُ الحديثِ،
والصَّمْتُ عما لا يَعْنِينى(٢).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ وَلَقَدْ
ءَنَّيْنَاَ لُقْمَنَ الْحِكْمَةَ﴾. قال: القرآنَ (٤).
(١) المِشْفَر والمشفَر للبعير كالشفة للإنسان، وقد يقال: للإنسان مشافر، على الاستعارة . اللسان (ش ف ر) .
والأثر ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٣٦/٦ عن الأوزاعى به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦١/٥ إلى المصنف.
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٣٦/٦ عن المصنف، وأخرجه ابن أبى شيبة فى المصنف ١٢٤/١٣، وأحمد
فى الزهد ص ٤٩ ، من طريق أبى الأشهب به .
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٣٧/٦ عن المصنف ، وأخرجه ابن أبى الدنيا فى الصمت (١١٦، ٦٧٥) من
طريق أبى شهاب عن عمرو بن قيس .
(٤) ينظر تفسير مجاهد ص٢٤٥ .
١
٥٤٩
سورة لقمان : الآية ١٢، ١٣
قال : ثنا أبى، عن سفيانَ ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ ، قال: الحكمةُ
الأمانةُ .
وقال آخرون : كان نبيًّا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنى أبى، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ، قال:
كان لقمانُ نبيًّا (١).
وقولُه: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلّهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد آتينا لقمانَ الحكمةَ ، أَنِ
أحمَدِ اللَّهَ على ما آتاكَ من فَضْلِه. وجعَل قولَه: ﴿ أَنِ اشْكُرْ﴾ ترجمةً عن الحكمةِ ؛
لأن مِن الحكمةِ التى كان أوتِيَها، كان شُكْرُه اللَّهَ على ما آتاه .
وقولُه: ﴿وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾. يقولُ: ومَن يشكرِ اللَّهَ
على نِعَمِه عندَه فإنما يشكرُ لنفسِه؛ لأن اللَّهَ يُجزِلُ له على شُكرِه إياه الثوابَ، ويُنقِذُه
به من الهَلَكةِ، ﴿ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ حَمِيدٌ﴾. يقولُ: ومن كفَر نعمةَ اللهِ
عليه ، إلى نفسِه أساء؛ لأن الله معاقِبُه على كفرانِه إياه، واللهُ غنىٌّ عن شكرِه إياه
على نِعَمِه ، لا حاجةً به إليه ؛ لأن شكرَه إياه لا يَزِيدُ فى سلطانِهِ ، ولا يُنْقِصُ كفرانُه
إياه مِن مُلكِه . ويعنى بقولِه: ﴿ حَمِيدٌ﴾: مَحمودٌ على كلِّ حالٍ ، له الحمدُ على
نعَمِه ؛ كفَر العبدُ نعمتَه أو شكره عليها . وهو مصروفٌ من مفعولٍ إلى فَعِيلٍ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَنُ لِأَبْنِهِ، وَهُوَ يَعِظُهُ يَبُنَىَّ لَا تُشْرِكَ
١٣
بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْ عَظِيمٌ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَلَّهِ: واذكُرْ يا محمدُ ﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَنُ لِأَبْنِهِ،
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى تفسير ابن كثير ٣٣٧/٦ من طريق وكيع به .
٥٥٠
سورة لقمان : الآية ١٣، ١٤
وَهُوَ يَعِظُهُ يَبُنَىَّ لَا تُشْرِكْ بِاللّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. يقولُ: لخطأً من
القول عظيمٌ .
٦٩/٢١
/ القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَوَضَّيْنَا أَلْإِنِسَنَ بِوَلِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنَا عَلَى
١٤
وَهْنٍ وَفِصَلُهُ فِى عَمَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِيِ وَلِوَلِدَيْكَ إِلَىَّ الْمَصِيرُ
يقولُ تعالى ذكره: وأَمَرْنا الإنسانَ ببرٌ والدَيه، ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى
وَهْنٍ ﴾. يقولُ: ضَعْفًا على ضعفٍ ، وشدةٌ على شدةٍ. ومنه قولُ زُهيرٍ(١) :
لو كان قومُكَ فى أسبابِه هَكوا
فلن يقولوا بحبلٍ واهٍ خَلَقٍ
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ، غيرَ أنهم اختلفوا فى المعنىِّ
بذلك؛ فقال بعضُهم: عُنِىَ به الحَمْلُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی ابی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنِسَنَ بِوَلِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنَا عَلَى
وَهْنٍ﴾. يقولُ: شدةً بعدَ شدةٍ، وخلْقًا بعدَ خَلْقٍ(٢) .
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ ، قال :
سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ ﴾. يقولُ: ضَعْفًا على
ضَعْفٍ(٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ
(١) شرح ديوان زهير ص ١٨٠ . والبيت فى مجاز القرآن ١٢٧/٢.
(٢) ذكره البغوى فى تفسيره ٢٨٧/٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٦/٥ إلى المصنف.
(٣) ذكره البغوى فى تفسيره ٢٨٧/٦، والطوسى فى التبيان ٢٤٨/٨ .
٥٥١
سورة لقمان : الآية ١٤
وَهْنَّا عَلَى وَهْنٍ﴾. أى: جَهْدًا على جَهْدٍ (١) .
وقال آخرون: بل عُنِىَ بذلك وَهْنُ الولِدِ وضَعْفُه على وَهْنٍ(٢) الأمّ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ :
﴿وَهْنَا عَلَى وَهْنٍ﴾. قال: وَهْنُ الولدِ على وَهْنِ الوالدةِ وضَعْفِها(١).
/ وقولُه: ﴿وَفِصَلُهُ فِىِ عَامَيْنٍ﴾. يقولُ: وفِطامُه فى انقضاءِ عامَين.
٧٠/٢١
وقيل: ﴿ وَفِصَلُهُ فِي عَامَيْنٍ﴾. وتُرِك ذكرُ ((انقضاء))؛ اكتفاءً بدَلالةِ الكلام
عليه، كما قيل: ﴿ وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِى كُنَّا فِيهَا ﴾ [يوسف: ٨٢]، يُرادُ به: أهلُ
القرية .
وقولُه: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِ وَلَوَالِدَيْكَ ﴾ . يقولُ: وعهِدْنا إليه أن اشگولی علی
نِعَمى عليك، ولوالديك تربيتهما إِياك ، وعلاجهما فيك ما عالجا مِن المشقةِ ، حتى
استَحكَم قُوَاك .
وقولُه: ﴿إِلَىَّ الْمَصِيرُ﴾. يقولُ: إلى اللَّهِ مصيرك أيُّها الإنسانُ، وهو
سائلُك عما كان من شُكرِك له على نعمِه عليك ، وعما كان من شكرِك لوالديك ،
وبِّك بهما على ما لقِيا منك من العناءِ والمشقةِ فى حالٍ طفولتِك وصِباك، وما
اصطَنعا إليك فى برِّهما بك، وتَحَنُّنِهما عليك .
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٠٦/٢ عن معمر عن قتادة .
(٢) فى ص، م، ت١: ((ضعف)).
(٣) تفسير مجاهد ص ٥٤١ ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٦/٥ إلى ابن أبى حاتم .
٥٥٢
سورة لقمان : الآية ١٤
وذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت فى شأنِ سعدِ بنِ أبی وقَّاصٍ وأمِّه .
ذكرُ الروايةِ الواردةِ فى ذلك
حدَّثْنا هَنَّادُ بنُ الشَّرِىِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكِ بنِ حربٍ، عن
مصعبٍ بن سعدٍ، قال: حِلَفتْ أمُّ سعدٍ ألّا تَأْكُلَ ولا تَشْرَبَ حتى يَتَحَوَّلَ سعدٌ عن
دينه . قال: فأبى عليها، فلم تَزَلْ كذلك حتى غُشِىَ عليها. قال: فأتاها بَنوها
فسَقَوها. قال: فلما أفاقت دعَتِ اللَّهَ عليه، فنزلت هذه الآيةُ: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَنَ
بِوَالِدَيْهِ﴾ إلى قولِه: ﴿فِ الذُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ .
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال : ثنا شعبةُ ، عن سِماكِ بنِ
حربٍ ، عن مصعبِ بنِ سعدٍ ، عن أبيه ، قال: قالت أمُّ سعدٍ لسعدٍ : أليس اللَّهُ قد أمَر
بالبرِّ؟ فواللَّهِ لا أَطْعَمُ طعامًا ولا أَشْرَبُ شرابًا حتى أَمُوتَ أو تَكْفُرَ، قال : فكانوا إذا
أرادوا أن يُطْعِموها شَجَروا فاها(١) بعضًا، ثم أَوْجَروها(٣)، فنزلت هذه الآيةُ:
﴿ وَوَصَّيْنَا اُلْإِنْسَنَ بِوَلِدَيْهِ﴾ (٢).
حدَّثنا ابنُ المثنى ، قال : ثنا عبدُ الأعلى ، قال : ثنا داودُ ، عن سماكِ بنِ حربٍ،
قال: قال سعدُ بنُ مالكٍ: نزَلت فىَّ: ﴿وَ إِن جَهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ لَكَ
بِهِ، عِلِمٌ فَلَا تُطِعْهُمَّاً وَصَاحِبْهُمَا فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾. قال: لما أَسلَمتُ حلَفت أمى
(١) شجروا فاها: أى أدخلوا فى شَجْره - وهو مفتح الفم، وقيل: الذقنُ - عودًا حتى يفتحوه به. النهاية ٤٤٦/٢ .
(٢) أوجروها : أكرهوها على الشرب . ينظر اللسان (وج ر).
(٣) أخرجه مسلم (٤٤/١٧٤٨)، والترمذى (٣١٨٩)، والبزار (١١٤٩) عن محمد بن المثنى به ، وأخرجه
أحمد ١٦٣/٣ (١٦١٤) عن محمد بن جعفر، وأخرجه الطيالسى (٢٠٥)، وأحمد ١٣٦/٣ (١٥٦٧)،
وعبد بن حميد (١٣٢)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٣٦/٩، والبيهقى ٢٦/٩، وفى الشعب (٧٩٣٢) من
طريق شعبة به ، وأخرجه البخارى فى الأدب المفرد (٢٤)، ومسلم (١٧٤٨) /٤٣، وأبو يعلى (٧٨٢) من
طريق سماك به .
٥٥٣
سورة لقمان : الآيتان ١٤، ١٥
لا تَأْكُلُ طعامًا ولا تَشْرَبُ شرابًا . قال : فناشَدتُها أولَ يوم فأبت وصبرت ، فلما كان
اليومُ الثانى ناشَدتُها فَأَبَت ، فلما كان اليومُ الثالثُ ناشَدتُها فَأَبَت ، فقلتُ : واللَّهِ لو
كانت لكِ مِائَةُ نَفْسٍ، لخرجت قبلَ أن أَدَعَ دينى هذا. فلما رأت ذلك وعرفت أنى
لستُ فاعلًا، أكَلت(١).
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ ، قال: ثنا شعبةُ ، عن أبى إسحاقَ ،
قال: سمِعتُ هُبَيرةً(٢) قال: نزلت هذه الآيةُ فى سعدِ بنِ أبى وقّاصٍ: ﴿وَإِنِ
جَهَدَاَ عَلَىَ أَنْ تُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا ﴾ الآية .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَإِن جَهَدَالَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَّكَ بِهِ عِلْمٌ
فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَىَّ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ
فَأُنِثُكُمْ بِمَا كُمْ نَعْمَلُونَ
١٥
/ يقولُ تعالى ذكره: ﴿وَإِنِ جَهَدَ الَ﴾ أيُّها الإنسانُ والداك ﴿عَلَى أَنْ تُشْرِكَ ٧١/٢١
پي ﴾ فى عبادتك إِیایَ معی غیرِى ، مما لا تَعْلَمُ أنه لی شریٌ - ولا شريك له، تعالی
ذكرُه علوًّا كبيرًا - فلا تُطِعْهما فيما أراداك عليه من الشركِ بى، ﴿ وَصَاحِبْهُمَا فِى
الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ﴾. يقولُ: وصاحِبْهما فى الدنيا بالطاعةِ لهما، فيما لا تَبِعةَ عليك
فيه فيما بينك وبينَ ربِّك، ولا إثمَ .
وقولُه: ﴿ وَأَتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَبَ إِلَىَّ﴾. يقولُ : واسلُكْ طريقَ مَن تاب مِن
شركه، ورجَع إلى الإسلامِ، واَّبَعَ محمدًا عَِّ .
وبنحوِ الذى قُلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
(١) أخرجه الطبرانى فى كتاب العشرة - كما فى تفسير ابن كثير ٣٣٩/٦، ٣٤٠ من طريق داود به، وأخرجه
الواحدى فى أسباب النزول ص ٢٥٧ من طريق داود عن أبى عثمان النهدى عن سعد به نحوه، وينظر علل
الدارقطنى ٤ / ٣١١، ٣١٢.
(٢) بعده فى م، ت٢: ((يقول)).
٥٥٤
سورة لقمان : الآيتان ١٥، ١٦
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ
أَتَبَ إِلَىَّ﴾. أى: مَن أقبَل إلىّ(١).
وقولُه: ﴿ إِلَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَّثُكُمْ بِمَا كُتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: فإن إلىَّ مصيرَكم
ومعادَ كم بعدَ مماتِكم، فأخبِرُ كم بجميع ما كنتم فى الدنيا تَعْمَلون من خيرٍ وشرٍّ، ثم
أُجازِیکم على أعمالِکم، المحسنَ منکم یاحسانِه، والمسیءَ پاساءتِه .
فإن قال لنا قائلٌ: ما وجهُ اعتراضٍ هذا الكلامِ بينَ الخبرِ عن وصيَّتَىْ
لقمانَ ابنَه؟ قيل: ذلك أيضًا، وإن كان خبرًا مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه عن وصيتِه
عبادَه به، (وأنه١ إنما أوصى به لقمانُ ابنَه، فكان معنى الكلام: ﴿ وَإِذْ قَالَ
لُقْمَانُ لِأَبْنِهِ، وَهُوَ يَعِظُهُ يَبْنَىَّ لَا تُشْرِكَ بِاللَّهِ إِنَ الشِّرْكَ لَظُلْمُ عَظِيمٌ﴾.
ولا تُطِعْ فى الشركِ به والديك، ﴿ وَصَاحِبْهُمَا فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾، فإن اللَّهَ وضَّى
بهما، فاستُؤْنِف الكلامُ على وجهِ الخبرِ من اللَّهِ، وفيه هذا المعنى، فذلك وجهُ
اعتراضٍ ذلك بينَ الخبرَينِ عن وصيته .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَبُنَّ إِنَّهَاَ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ
فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِ السَّمَوَتِ أَوْ فِ الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفُ خَبِيْرٌ
١٦
اختلف أهلُ العربيةِ فى معنى الهاءِ والألفِ اللتين فى قوله: ﴿إِنَّهَاَ﴾؛ فقال
بعضُ نحوِّى البصرةِ : ذلك كنايةٌ عن المعصيةِ والخطيئةِ . ومعنى الكلام عنده : یا
بُنِىَّ ، إن المعصيةَ إِن تكُ مثقال حبةٍ من خردلٍ ، أو: إن الخطيئةً.
(١) تقدم تخريجه بنحوه فى ٥١٨/١٣ .
(٢ - ٢) كذا فى النسخ، ولعله: ((فإنه))، فهو أنسب للسياق .
٥٥٥
سورة لقمان : الآية ١٦
وقال بعضُ نحوِّى الكوفةِ (١): هذه الهاءُ عمادٌ. وقال: أنَّث ﴿تَكُ﴾؛ لأنه
يُرادُ بها الحبةُ، فذهَب بالتأنيثِ إليها، كما قال الشاعرُ:
كما شَرِقَتِ صَدْرُ القَناةِ من الدمِ
وتَشْرَقُ بالقولِ الذى قد أَذَعْتَهُ
/ وقال صاحبُ هذه المقالةِ: يجوزُ نصبُ المثقالِ ورفعُه. قال: فمن رفَع رفعَه ٧٢/٢١
بـ ((تَكِنْ))، واحتمَلت النكرةُ أَلَّ يكونَ لها فعلٌ فى ((كان)) و ((ليس)) وأخواتِها ،
ومن نصَب جعَل فى ((تكن)) اسمًا مضمرًا مجهولًا، مثلَ الهاءِ التى فى قولِه :
﴿ إِنَّهَ إِن تَكُ﴾. قال: ومثلُه قولُه: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ﴾ [الحج: ٤٦].
قال: ولو كان: إِن يكُ(٢) مثقال حبةٍ . كان صوابًا، وجاز فيه الوجهان . وأما
صاحبُ المقالةِ الأُولى فإِن نَصْبَ ﴿ مِثْقَالَ﴾ فى قولِه؛ على أنه خبرٌ وتمامُ
((كان))، وقال: رفَع بعضُهم فجعَلها ((كان)) التى لا تحتاجُ إلى خبرٍ.
وأولى القولين بالصوابِ عندِى القولُ الثانى؛ لأَنَّ اللَّهَ تعالى ذكرُه لم يَعِدْ عبادَه
أن يُوفُِّهم جزاءَ سيئاتِهم دونَ جزاءِ حسناتِهم ، فيقالَ: إن المعصيةَ إن تكُ مثقال حبةٍ
من خردلٍ يأتِ بها اللَّهُ . بل وعَد كِلا العامِلَين أن يُوفِّيَه جزاءً أعمالِهما . فإذا كان
ذلك كذلك كانت الهاءُ فى قوله: ﴿ إِنَّهَ﴾ بأن تَكونَ عمادًا أشبهَ منها بأن تكونَ
كنايةً عن الخطيئةِ والمعصيةِ. وأما النصبُ فى ((المثقالِ))، فعلى أن فى ﴿تَكُ﴾
مجهولاً ، والرفعُ فيه على أن الخبرَ مضمرٌ، كأنه قيل: إن تكُ فى موضعِ مثقال حبةٍ .
لأن النكراتِ تُضْمَرُ أخبارُها ، ثم يُترجَمُ عن المكانِ الذى فيه مثقالُ الحبةِ .
وعَنَى بقولِه: ﴿ مِثْقَالَ حَبَّةِ﴾: زِنَ حبةٍ. فتأويلُ الكلام إذن: إنَّ الأمرَ إِن
يكُ زِنةً حبةٍ من خردلٍ من خيرٍ أو شرِّ عمِلتَه، ﴿ فَتَكُن فِى صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَتِ آَوْ
(١) معانى القرآن ٣٢٨/٢.
(٢) هو الأعشى ميمون بن قيس ، ديوانه ص ١٢٣ .
(٣) فى ص، ت١: ((تك))، وفى ت٢: (( تكن)).
٥٥٦
سورة لقمان : الآية ١٦
فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اُللَّهُ﴾ يومَ القيامةِ، حتى يوفِّيُك جزاءه.
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَبُنَّ إِنَّهَاَ إِن
تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ﴾: من خيرٍ أو شهرً(١) .
واختلف أهلُ التأويلِ فى معنى قوله: ﴿فَتَكُنْ فِ صَخْرَةٍ﴾؛ فقال بعضُهم:
عَنَى بها الصخرةَ التى عليها الأرضُ . وذلك قولٌ رُوِى عن ابنِ عباسٍ وغيرِه ، وقالوا :
هى صخرةٌ خضراءُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى أبو السائبِ ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ ، عن
عبدِ اللهِ بنِ الحارثِ قال : الصخرةُ خضراءُ على ظهرِ محُوتٍ .
حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ
فى خبرٍ ذكّره عن أبى مالكِ وعن أبى صالح، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةً، عن
عبدِ اللهِ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ عَظِلّه: خَلَق اللَّهُ الأرضَ على حوتٍ،
والحوتُ هو النونُ الذى ذكَر اللَّهُ فى القرآنِ: ﴿تَّ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْظُرُونَ﴾
[القلم: ١]، والحوثُ فى الماءِ، والماءُ على ظهرِ صفاةٍ، والصفاةُ على ظهرٍ مَلَكِ،
والملَكُ على صخرةٍ ، والصخرةُ فى الريح، وهى الصخرةُ التى ذكَر لقمانُ ، ليست
فى السماءِ ولا فى الأرضِ(٣).
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٦/٥ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ٥٢/١ .
٥٥٧
سورة لقمان : الآية ١٦
٧٣/٢١
/ وقال آخرون : عنى بها الجبالَ . قالوا : ومعنى الكلام: فتگنْ فى جبل .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةً فى قوله : ﴿ فَتَكُن فِى
صَخْرَةٍ ﴾. أى : جبل(١).
وقولُه: ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾. كان بعضُهم يوجّهُ معناه إلى: يَعْلَمْه اللَّهُ. ولا
أعرفُ ((يَأْتى به)) بمعنى «يَعْلَمُه)) إِلَّا أن يكونَ قائلُ ذلك أراد أنَّ لقمانَ إنما وصَف اللَّهَ
بذلك؛ لأَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أما كنَه، لا يَخْفَى عليه مكانُ شيءٍ منه، فيكونَ وجُهًا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ ويحيى، قالا : ثنا أبو سفيانَ ، عن
السدىِّ، عن أبى مالكٍ: ﴿فَتَكُنْ فِ صَخْرَةٍ أَوْ فِ السَّمَوَتِ أَوْ فِ الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا
اَللَّهُ﴾. قال: يَعْلَمْها اللَّهُ.
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا ابنُ مهدىٌّ، عن سفيانَ، عن السدىِّ، عن أبى
مالكِ مثلَه .
وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾. يقولُ: إن اللَّهَ لطيفٌ باستخراج الحبةِ من
موضعِها حيث كانت ، خبيرٌ بموضعِها .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفُ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٦/٥ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
٥٥٨
سورة لقمان : الآية ١٦ - ١٨
خَبِيرٌ﴾. أى: لطيفٌ باستخراجِها، خبيرٌ بمستقرّها (١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿يَبُنَّ أَقِمِ اُلْضَلَوَةَ وَأَمُرْ بِلْمَعْرُوفِ وَأَنّهَ عَنِ
الْمُنكَرِ وَأَصْبِرْ عَلَى مَّا أَصَابَكٌ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
١٧
يقولُ تعالى ذكرُه مُخبِرًا عن قيلٍ لقمانَ لابنه: ﴿يَبُنَّ أَقِمِ اٌلْضَلَوَةَ﴾.
بحدودِها، ﴿وَأَمُرْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. يقولُ: وأُمرِ الناسَ بطاعةِ اللَّهِ واتباعِ أمرِهِ،
﴿ وَأَنّهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. يقولُ: وانْهَ الناسَ عن معاصى اللَّهِ ومُواقَعةِ محارمِه،
﴿ وَأَصْبِرْ عَلَى مَآ أَصَابَكٌ﴾ . يقولُ: واصْبِرْ على ما أصابك من الناسِ فى ذاتِ اللَّهِ،
إذا أنت أمَرتَهم بالمعروفِ ونهَيتَهم عن المنكرِ ، ولا يَصُدَّنَّك عن ذلك ما نالك منهم ،
﴿ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. يقولُ: إن ذلك مما أمَرِ اللَّهُ به من الأمورِ عزمًا منه.
وبنحوِ ما قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
٧٤/٢١
" حدَّثنى القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال": حدثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ فى
قوله: ﴿ يَبُنَّ أَقِمِ الضَلَوَةَ وَأَمُرْ بِلْمَعْرُوفِ وَأَنّهَ عَنِ / اُلْمُنكَرِ وَأَصْبِرْ عَلَ مَا أَصَابَكَ﴾ .
قال : اصْبِرْ على ما أصابك من الأذى فى ذلك، ﴿ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُورِ﴾
قال: إن ذلك مما عزَمُ اللَّهُ عليه ﴿مِنْ الْأُمُورِ﴾. يقولُ: مما أمَر اللَّهُ به من الأمورِ(٣)
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَلَا تُصَعِّرْ خَذَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا نَمْشِ فِى الْأَرْضِ مَرَحًاً إِنَّ
اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٦/٥ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
(٢ - ٢) سقط من النسخ ، وهو إسناد دائر.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٦/٥ إلى ابن أبى حاتم .
٥٥٩
سورة لقمان : الآية ١٨
اختلفت القرأَةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿ وَلَا تُصَعِّرْ (١)؛ فقرأه بعضُ قرأَةِ الكوفةِ
والمدنيين والكوفيّين(١): ﴿ وَلَا تُصَعِّرْ﴾ على مثالِ ((تُفَعِّلْ))(١). وقرَأ ذلك بعضُ
المكتّين وعامةُ قَرَأَةِ المدينةِ والكوفةِ والبصرةِ : (ولا تُصاعِزْ) على مثالِ ((تُفاعِلْ)).
والصوابُ من القولِ فى ذلك أن يُقالَ: إنهما قراءتان قد قرَأ بكلٍ واحدةٍ منهما
علماءُ من القرأَةِ ، فبأيتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ . وتأويلُ الكلام: ولا تُغْرِضْ بوجهِك
عمن كلَّمتَه؛ تكثُرًا واستحقارًا لمن تُكَلِّمُه. وأصلُ الصَّعَرِ: داءٌ يَأْخُذُ الإبلَ فى
أعناقِها أو رءوسِها ، حتى تَلْفِتَ أعناقَها عن رءوسِها، فيُشَبَّهُ به الرجلُ المتكبرُ على
الناسِ، ومنه قولُ عمرو بنِ حُنَىِّ التَّغْلِىِّ):
وكُنَّا إذا الجِبَّارُ صعَّر خَدَّهُ أَقَمْنا له من مَيلِه فَتَقَوَّما
واختلف أهلُ التأويلِ فى تأويله ؛ فقال بعضُهم نحوَ الذى قلْنا فيه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىّ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ :
وَلَا تُصَعِّرْ خَذَّكَ لِلنَّاسِ﴾. يقولُ: لا تتكبَّرْ، فتَحْقِرَ عبادَ اللَّهِ، وتُغْرِضَ عنهم
بوجهك إذا كلَّموك(٥).
(١) فى ت ٢: ((تصاعر)). وهى قراءة نافع وأبى عمرو وحمزة والكسائى. ينظر السبعة ص ٥١٣، والتيسير ص ١٤٣.
(٢) كذا فى النسخ، وهو تكرار، ولعله: ((المكيين))؛ فإن ابن كثير - وهو مكى - قرأ: ﴿تُصَعِّرْ﴾. ينظر
السبعة ص ٥١٣ .
(٣) وهى قراءة ابن كثير وابن عامر وعاصم. السبعة ص ٥١٣ ، والتيسير ص ١٤٣.
(٤ - ٤) فى ص: ((حبى الثعلبى))، وفى م: ((خبى التغلبى))، وفى ت١: ((حيى الثعلبى))، وفى ت٢ :
((حبى الثعلبى)). والمثبت من معجم الشعراء، والبيت فيه فى ص ١٣، وفى مجاز القرآن ١٢٧/٢ ونسبه
لعمرو بن حنى ، وهو فى اللسان والتاج (ص ع ر) منسوبا للمتلمس .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى الإتقان ٣٦/٢ من طريق أبى صالح به ، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ١٦٦/٥ إلى ابن المنذر .
٥٦٠
سورة لقمان : الآية ١٨
٧٥/٢١
/ حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی ابی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباس قولَه: ﴿ وَلَا تُصَعِّرْ خَذَّكَ لِلنَّاسِ﴾. يقولُ: ولا تُعرِضْ بوجهِك
عن الناسِ تكبّرًا(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ ، قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ :
( وَلَا تُصَعِرْ خَذَّكَ لِلنَّاسِ﴾. قال: الصدودُ والإعراضُ بالوجهِ عن الناسِ".
حدَّثنى علىُّ بنُ سهلٍ ، قال : ثنا زيدُ بنُ أبى الزرقاءِ ، عن جعفرِ بنِ بُزْقانَ ، عن
يزيدَ فى هذه الآية: ﴿ وَلَا تُصَعِرْ خَذَّكَ لِلنَّاسِ﴾. قال: إذا كلَّمك الإنسانُ لَوَيْتَ
وجْهَك وأعرَضتَ عنه، مَحْقَرَةً له .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا خالدُ بنُ حيانَ الرقى ، عن جعفر ، عن ميمونِ بنِ
مهرانَ ، قال: هو الرجلُ يُكَلِّمُ الرجلَ ، فيَلْوِى وجْهَه .
حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ الأسودِ ، قال: ثنا محمدُ بنُ ربيعةً ، قال : ثنا أبو مَكِينٍ ،
عن عكرمةَ فى قوله: ﴿ وَلَا تُصَعِرْ خَذََّ لِلنَّاسِ﴾. قال: لا تُغرِضْ بوجهِك(٤).
حُدِّثتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ : أخبرنا عبيدٌ ، قال: سمِعتُ
الضخَاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ وَلَا تُصَعِّرْ خَذََّ لِلنَّاسِ﴾. يقولُ: لا تُعرِضْ عن الناسِ.
يقولُ : أقبِلْ على الناسِ بوجهِك ومحسنٍ خُلُقِك(٤).
حدَّثْنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَلَا
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٤١/٦ عن العوفى به .
(٢) تفسير مجاهد ص ٥٤٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٦/٥ إلى الفريابى.
(٣) فى م، ت٢: ((بن)). وينظر تهذيب الكمال ١١/٥، ١٢، ٢١٠/٢٩.
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٤١/٦ .