Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
سورة النمل : الآية ١٢
كانت مِدْرَعَةٌ إلى بعضِ يَدِهِ، ولو كان لها كُمّ أمَرِه أن يُدْخِلَ يَدَه فى كُمِّه(١).
/قال: ثنى حجاجٌ، عن يونسَ بن أبى إسحاقَ ، عن أبيه، عن عمرو بنٍ ١٣٩/١٩
ميمونٍ ، قال : قال ابنُ مسعودٍ : إن موسى أتَى فرعونَ حينَ أتاه فى زُرْمانِقَةٍ . يعنى :
جُبَّةَ صوفٍ(٢) .
وقولُه: ﴿تَخْرُجُ بَيْضَآءَ﴾. ( يقولُ: تخرج اليدُ بيضاء٢ً) بغيرِ لونِ موسى،
﴿مِنْ غَيْرٍ سُوءٌ﴾. يقولُ: مِن غيرِ بَرَصٍ، ﴿فِ تِسْعِ ءَيَّتٍ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه:
أدْخِلْ يَدَك فى جَيْبِك تخرُجْ بيضاءَ مِن غيرِ سُوءٍ، فهى آيةٌ فى تسع آياتٍ ، مُوسَلٌ
أنت بِهِنَّ "إلى فرعونَ. وتَرَك ذكرَ ((مُرْسَلٍ))؛ لدلالةِ قولِه": ﴿إِلَ فِرْعَوْنَ
وَقَوْمِهٌِ﴾. على أن ذلك معناه، كما قال الشاعرُ():
رَأَتْنِى بِحَبْلَيْها فصَدَّتْ مَخافَةٌ
وفى الحبلِ رَوْعاءُ الفُؤادِ فَرُوقُ
ومعنى الكلام: رأتْنى مُقْبِلاً بحَبْلَيها. فتَرَك ذكرَ ((مُقْبِلٍ))؛ استغناءً بمعرفةٍ
السامِعين معناه فى ذلك، إذ قال: رأتْنى بحَبْلَيها. ونظائرُ ذلك فى كلام العرب
كثيرةٌ .
والآياتُ التسعُ هُنَّ الآياتُ التى بَيِّنَّاهن فيما مَضَى ().
وقد حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
﴿ يَسْعِ ◌َيْتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَّوْمٍِ﴾. قال: هى التى ذكَر اللَّهُ فى القرآنِ ؛ العصا، واليَدُ ،
والجَرَادُ ، والقُمَّلُ، والضَّفادِعُ، والطُّوفانُ، والدَّمُ، والحَجَرُ، والطَّمْسُ الذى أصابَ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٥٠/٩ من طريق حجاج به .
(٢) ذكره الطوسى فى التبيان ٧١/٨ .
(٣ - ٣) سقط من : ت٢ .
(٤) تقدم تخريجه فى ٦٨٤/٥ .
(٥) ينظر ما تقدم فى ٩٩/١٥ وما بعدها .
.

٢٢
سورة النمل : الآيات ١٢ - ١٤
آلَ فرعونَ فى أموالِهم(١).
وقولُه: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوْ قَوْمًا فَسِقِينَ﴾. يقولُ: إن فرعونَ وقومَه مِن القِبْطِ كانوا
﴿ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ . يعنى: كافرِين باللَّهِ .
وقد بَيِّنَّا معنى ((الفِشْقِ)) فيما مضَى(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ ءَثُنَا مُبْصِرَةً قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ
وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُواْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ
◌ُِّيبٌ
الْمُفْسِدِينَ
يقولُ تعالى ذكره: فلما جاءت فرعونَ وقومَه ﴿ ءَايَنُنَا﴾ . يعنى : ادِلَّتُنا وُجُنا ،
على حقيقةٍ ما دَعاهم إليه موسى وصحتِه، وهى الآياتُ التسعُ التى ذكرناها قبلُ .
وقولُه: ﴿مُبْصِرَةً﴾. يقولُ: يُبْصِرُ بها مَن نظَر إليها ورَآها حقيقةً ما دلَّت عليه.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مُرَيج: ﴿ فَلَمَّا
جَآَتْهُمْ ءَايَنُنَا / مُبْصِرَةً﴾. قال: بَيِّنَةً ، ﴿ قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ مُِّيرٌ﴾. يقولُ: قال
فرعونُ وقومُه: هذا الذى جاءَنا به موسى ﴿سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. يقولُ: يَبِينُ للَّاظِرِ
إليه" أنه سِخرٌ.
١٤٠/١٩
وقولُه: ﴿وَحَمَدُواْ بِهَا﴾. يقولُ: وكذَّبوا بالآياتِ التِّسْع أن تكونَ مِن عندِ اللَّهِ.
(١) ذكره الطوسى فى التبيان ٧٢/٨ .
(٢) ينظر ما تقدم فى ٤٣٤/١ .
(٣ - ٣) فى م: ((للناظرين له)).

٢٣
سورة النمل : الآية ١٤
كما حدَّثُنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُرَيجٍ :
وَحَهَدُوا بِهَا ﴾ . قال: الجُعُودُ التكذيبُ بها .
وقولُه: ﴿ وَأَسْتَيْقَتَتْهَاَ أَنْفُسُهُمْ﴾. يقولُ: وَأَثِقَتَتْها قلوبُهم، وعَلِموا يَقِينًا أنها
مِن عندِ اللَّهِ ، فعانَدوا بعدَ تَبْثِيهم الحقَّ، ومعرفتهم به .
كما حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن
عطاءٍ الْخُراسانىِّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَأَسْتَيْقَنَتْهَاَ أَنْفُسُهُمْ﴾. قال: يقينُهم فى
قلوبهم .
حدّثنی یونسُ ، قال : [٥٢٨/٢و] أخبرنا ابنُ وهب ، قال : قال ابنُ زيدٍ فی قولٍ
اللَّهِ: ﴿ وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوَّ﴾. قال: اسْتَيْقَنوا أن الآياتِ مِن اللَّهِ حقٌ،
(٢
فلِمَ جَحَدوا بها؟ قال: ﴿ظُلْمًا وَعُلُوّْ ﴾
وقولُه: ﴿ظُلْمًا وَعُلُوَّ﴾. يعنى بالظَّلْم الاعتداءَ، والعُلُوِّ الكِبْرَ. كأنه قيل:
اعتداءً وتكبُرًا .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسینُ ، قال: ثنی حجاج، عن ابنٍ مُرَيج فى قوله :
ظُلْمًا وَعُلُواْ﴾. قال: تَعَظُّمَا واسْتِكْبارًا .
ومعنى ذلك : وجَحَدوا بالآياتِ التسع ظُلْمًا وعُلُوًّا، واسْتَثْقَتَتْها أنفسُهم أنها
مِن عندِ اللَّهِ ، فعانَدوا الحقَّ بعدَ وُضُوحِه لهم، فهو مِن المُؤخَّرِ الذى معناه التقديمُ .
(١) فى ت١، ت٢: ((يقينهم)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٥٣/٩ من طريق أصبغ عن ابن زيد .

٢٤
سورة النمل : الآيات ١٤ - ١٦
وقولُه: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه
محمدٍ عَلِ: فانظُرْ يا محمدُ بعَيْنِ قلبِك كيف كان عاقبةُ تكّذِیبِ هؤلاء الذين
جحَّدوا آياتِنا حينَ جاءتْهم مُبْصِرةٌ ، وماذا خَلَّ بهم مِن إِفْسادِهم فى الأرضِ ، ومعصيتهم
فيها ربَّهم ، وأعْقَبَهم ما فعلوا ، فإن ذلك أخرَجهم مِن جناتٍ وعيونٍ، وَزُرُوعِ ومَقَامٍ
كريمٍ ، إلى هَلاكِ فى العاجلِ بالغَرَقِ، وفى الآجلِ إلى عذابٍ دائمٍ، ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ
وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥] . يقولُ: وكذلك يا محمدُ سُتَّتَى فى الذين كذَّبوا
بما جِئْتَهم به مِن الآياتِ، على حقيقةٍ ما تَدْعُوهم إليه مِن الحقِّ مِن قومِك .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ عِلْمًا وَقَالَا اُلْحَمْدُ لِلَّهِ
الَّذِى فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ
١٥
يقولُ تعالى ذكره : ولقد آتَينا داودَ وسليمانَ عِلْمًا. وذلك علمُ كلامِ الطيرِ
والدَّوَابٌ، وغير ذلك مما خَصَّهم اللَّهُ بعلمِه، ﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى فَضَّلَنَا عَلَى
كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ جلَّ / ثناؤه: وقال داودُ وسليمانُ: الحمدُ للَّهِ الذى
فَضَّلَنا بما خَصَّنا به مِن العلم الذى آتاناه دونَ سائرٍ خلقِه مِن بنى آدمَ فى زماننا هذا،
علی کثیرٍ مِن عباده المؤمنين به فى دَهْرِنا هذا .
١٤١/١٩
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ دَاوُودٌّ وَقَالَ يَأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ
اُلَّيْرِ وَأُوِنَا مِن كُلِّ شَىْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ
١٦
يقولُ تعالى ذكرُه: وورِث سليمانُ أباه داودَ العلمَ الذى كان (١ اللَّهُ
آتاه١) فى حياتِه، والمُلْكَ الذى كان خَصَّه به على سائرِ قومِه، فجعَله له بعدَ
أبيه داودَ دونَ سائرٍ ولدٍ أبيه، ﴿وَقَالَ بَأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الَّطَّيْرِ﴾.
(١ - ١) فى م: ((آتاه الله)).

٢٥
سورة النمل : الآيتان ١٧،١٦
" يقولُ: وقال سليمانُ لقومِه: ﴿ يَأَيُّهَا النَّاسُ عُلِمْنَا مَنطِقَ الَّيْرِ﴾(١). يعنى:
فُهِمْنا كلامَها، وجعَل ذلك مِن الطيرِ كمنطقِ الرجلِ مِن بنى آدمَ ، إذ فَهِمه عنها .
وقد حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجاجٌ ، عن أبى مَعْشَرٍ ، عن
محمدِ بنِ كعبٍ: ﴿ وَقَالَ يَأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الَّيْرِ﴾. قال: بلَغنا أن
سليمانَ كان عسكرُه مائةَ فرسخ ؛ خمسةٌ وعشرون منها للإِنسِ ، وخمسةٌ وعشرون
للجِنِّ، وخمسةٌ وعشرون للوَحْشِ، وخمسةٌ وعشرون للطيرِ ، وكان له ألفُ بيتٍ
مِن قَواريرَ على الخُشُبِ ، فيها ثلاثمائةِ صَريحةٍ ، وسبعمائةٍ سُرِّيَّةٍ، فأمَر الريحَ
العاصفَ فرفَعتْه، وأمَر الرُّخاءَ فسَيَّتْه، فأوحَى اللَّهُ إليه وهو يسيرُ بينَ السماءِ
والأرضِ : إنى قد زِدتُ(٢)؛ أنه لا يَتكلَّمُ أحدٌ مِن الخلائقِ بشىءٍ إلا جاءتِ الريحُ
(٢ فأخبَرَتْك به» .
وقولُه: ﴿ وَأُوِِّنَا مِنْ كُلِّ شَىْءٍ﴾. يقولُ: وَأُعْطِينا وؤُهبَ لنا من كُلِّ شيءٍ
مِن الخيراتِ ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ اُلْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾. يقولُ: إن هذا الذى أَوتِينا مِن
الخيراتِ ، لهو الفضلُ على جميع أهلِ دَهْرِنا، ﴿الْمُبِينُ﴾. يقولُ: الذى يَبِيْنُ لمن
تأمَّله وتَدبَّرَه أنه فضلٌ أَعْطِيناه على مَن سِوانا مِن الناسِ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَحُشِرَ لِسُلَيْمَنَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنّ وَالْإِنِسِ وَالطَّيْرِ
فَهُمْ يُوزَعُونَ
١٧
يقولُ تعالى ذكرُه : ومجمِع لسليمانَ جنودُه مِن الجنِّ والإنسِ والطيرِ فى مَسِيرٍ
(١ - ١) سقط من: ت١، ف .
(٢) فى م: ((أردت)). وبعده فى مصدرى التخريج: ((فى ملكك)).
(٣ - ٣) فى ص، م، ت٢، ف: ((فأخبرته)).
والأثر أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٨٧/١ ، وأخرجه الحاكم ٥٨٩/٢ من طريق حجاج به .

٢٦
سورة النمل : الآية ١٧
له فھم یُوزَعون .
واختلف أهلُ التأويلِ فى معنى قوله: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى
ذلك : فهم يُحْبَسُ أوَّلُهم على آخِرِهم حتى يَجْتَمِعوا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مُرَيجٍ، عن عطاءٍ
الخُراسانىّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: جُعِل على كلِّ صِنْفٍ وزَعةٌ(١)، يَرْدُّ أُولَاها على
أُخْراها؛ لئلا يَتَقدَّموا فى المَسِيرِ، كما تصنعُ الملوكُ(٢) .
[٢٨/٢ ٥ ظ] حدَّثنا القاسمُ، قال: "ثنا الحسينُ، قال): ثنا أبو سفيانَ، عن
مَعْمَرٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَحُشِرَ لِسُلَيْمَنَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَاَلْإِنِسِ وَالَطَّيْرِ فَهُمْ
يُوزَعُونَ﴾. قال: يردُّ أوَّلُهم على آخرِهم ).
وقال آخرون : معنى ذلك: فهم يُساقُون .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَخُشِرَ
لِسُلَيَّمَنَ جُهُ مِنَ الْجِنّ وَاَلْإِنِسِ وَالَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾. قال: ﴿ يُوزَعُونَ﴾: يُساقُون(٥) .
وقال آخرون: بل معناه : فهم يَتَقدَّمون .
(١) فى م: ((من)). والوزعة: جمع وازع، وهو الحابس العسكر الموكل بالصفوف ، يتقدم الصف فيصلحه
ویقدم ويؤخر . اللسان (وز ع) .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٤/٥ إلى المصنف .
(٣ - ٣) سقط من : م .
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٧٩/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٤/٥ إلى عبد بن حميد.
(٥) ذكره الطوسى فى التبيان ٧٤/٨.

٢٧
سورة النمل : الآيتان ١٧، ١٨
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، قال: قال الحسنُ:
يُوزَعُونَ﴾: يَتَقدَّمون(١) .
قال أبو جعفرٍ: وأَوْلى هذه الأقوالِ بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: يُرَدُّ أوَّلُهم
على آخِرِهم. وذلك أن الوازِعَ فى كلامِ العربِ هو الكافُّ، يقالُ منه: وَزَعَ فلانٌ
فلانًا عن الظلم. إذا كَفَّه عنه، كما قال الشاعرُ(٢):
ألم يَزَعِ الهَوَى إِذْ لم يُؤَاتٍ؟ بَلَى وَسَلَوْتُ عن طَلَبِ الفَتَاةِ(٣)
وقولُ الآخرِ() :
وقُلْتُ أَّ تصْعُ(٥) والشَّيْبُ وَازُِ
على حينَ عاتئتُ المَشِیبَ على الصِّبًا
وإنما قيل للذين يدفَعون الناسَ عن الؤُلاةِ والأمراءِ: وَزَعَةٌ . لِكَفِّهم إِيَّاهم
(٦)
عنهم(١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ حََّ إِذَا أَتَوْ عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَكَأَيُّهَا
النَّمْلُ ادْخُلُواْ مَسَكِنَكُمْ لَا يَخْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَنُ وَجُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿حَّ إِذَا أَنَوْ عَلَى وَادِ النَّمْلِ ﴾: حتى إذا أتَى سليمانُ
وجنودُه على وادى النملِ، ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُواْ مَسَكِّنَكُمْ لَا
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٧٩ - ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٥٧/٩ عن معمر به .
(٢) التبيان ٧٥/٨ .
(٣) فى ص، ت١، ت٣: ((العتات))، وفى ت٢: ((العتاب))، وفى التبيان: ((العتاة)).
(٤) هو النابغة الذبيانى ، والبيت فى ديوانه ص ٤٤ .
(٥) فى م: ((أصح)).
(٦) فى ص، م، ت١، ف: ((عنه)).

٢٨
سورة النمل : الآيتان ١٨، ١٩
يَخْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُهُ﴾. يقولُ: لا يَكْسِرتَّكُم ويَقْتُلَّكُم سليمانُ وجنودُه،
﴿ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. يقولُ: وهم لا يعلمون أنهم يَخْطِمُونكم.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنٍ ويحيى، قالا: ثنا سفيانُ، عن
الأعمش، عن رجلٍ يقالُ له: الحَكَمُ. عن نوفٍ فى قوله: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَأَيُّهَا
اٌلَّمْلُ﴾. قال: كان نملُ سليمانَ بنِ داودَ مثلَ الذِّئابٍ(١).
/ القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿فَنَبَتَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبٍ أَوْزِعْنِىّ أَنْ
أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِىّ أَنْعَمْتَ عَلَنَّ وَعَلَى وَلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَلِحًا تَرْضَنْهُ وَأَدْخِلْنِى
١٤٣/١٩
١٩
بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ
يقولُ تعالى ذكره : فتبشَم سليمانُ ضاحكًا من قولِ النملةِ التى قالت ما قالت ،
وقال: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِىّ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِىّ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ﴾. يعنى بقولِه:
﴿ أَوْزِعْنِىّ﴾ : أَلْهِمْنى.
وبنحوِ ذلك(١) قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
(١) تفسير سفيان ص ٢٣٢، ومن طريقه البخارى فى التاريخ الكبير ١ / ٦٠، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره
٢٨٥٧/٩ من طريق الأعمش به ، وأخرجه البخارى عن أبى نعيم، عن سفيان، عن الأعمش، عن الحكم قوله،
وأخرجه عن وكيع، عن الأعمش، عن محمد بن الحكم، عن نوف، وعن عبدان، عن أبى حمزة، عن
الأعمش ، عن الوليد بن الحكم ، عن نوف . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٤/٥ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر.
وقوله : مثل الذئاب . كان فى المطبوعة: مثل الذباب . وهما روايتان كما ذكر السيوطى، وذكر ابن كثير
فى تفسيره ١٩٤/٥ بلفظ: أمثال الذئاب. ثم قال: هكذا رأيته مضبوطا بالياء المثناة من تحت ، وإنما هو بالباء
الموحدة ، وذلك تصحيف .
(٢) فى م، ت٢، ف: ((الذى قلنا فى ذلك))، وفى ت١، ت٣: ((الذى قلنا)).

٢٩
سورة النمل : الآيات ١٩ - ٢١
فى قولِه: ﴿ وَقَالَ رَبٍّ أَوْزِعْنِىّ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾. يقولُ: اجعَلْنِى(١).
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِ اللَّهِ : ﴿ رَبِّ
أَوْزِعْنِى أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَِّ أَنْعَمْتَ عَلَ ﴾. قال: فى كلامِ العربِ، تقولُ: أوزَع
فلانٌ بفلانٍ . يقولُ : حرّضه عليه . وقال ابنُ زيدٍ : ﴿ أَوْزِعْنِىّ ﴾: ألهمنى وحرّضْنى
على أن أَشْكُرَ نعمتَك التى أَنْعَمْتَ علىَّ وعلى والدىّ(٢).
وقولُه: ﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَلِحًا تَرْضَنْهُ﴾. يقولُ: وَأَوْزِعْنى أن أَعْمَلَ بطاعتِك
وما ترضاه، ﴿ وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ الصَّلِينَ﴾. يقولُ: وأَدْخِلْنِى
برحمتك معَ عبادك الصالحين الذين اختَرتَهم لرسالتك، وانتخَبتَهم لوَحْيِك .
يقولُ : أَدْخِلْنى من الجنةِ مداخلَهم .
وبنحوِ الذى قلْنا فى تأويلٍ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَأَدْخِلْنِى
بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ الضَّالِحِينَ﴾. قال: مع عبادك الصالحين؛ الأنبياءِ والمؤمنين(٣).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَالِىَ لَآ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ
٢٠
لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَاذْبَحَنَّهُ، أَوْ لَيَأْتِيَنِى بِسُلْطَانٍ
كَانَ مِنَ الْغَآبِينَ
٢١
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٥٨/٩ من طريق أبى صالح به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فی تفسيره ٢٨٥٨/٩ من طریق أصبغ عن ابن زيد .
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت٣، ف: ((المؤمنون)).
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٥٩/٩ من طريق أصبغ عن ابن زيد . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٠٤/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر .

٣٠
سورة النمل : الآية ٢٠
يقولُ تعالى ذكره : وتفقّدَ سليمانُ الطيرَ، فقال: مالى لا أُرَى الهُدْهُدَ؟ وكان
سببُ تفقُّدِه الطيرَ وسؤالِه عن الهدهدِ خاصةً مِن بينِ الطيرِ ما حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ،
قال : ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ ، قال: سمِعتُ عِمرانَ ، عن أبى مِجْلَزِ ، قال : جلَس ابنُ
عباسٍ إلى عبدِ اللهِ بنِ سَلَامٍ، فسأَله عن الهدهدِ لِمَ تفقّده سليمانُ من بينِ الطيرِ؟
فقال [٥٢٩/٢ و] عبدُ اللَّهِ بنُ سَلامِ: إن سليمانَ نزَل منزِلَةً فى مسيرٍ له، فلم يَدْرِ ما
بُعْدُ الماءِ، فقيل له: مَن يَعْلَمُ بُعْدَ الماءِ؟ قالوا: الهدهدُ. فذاك حينَ تفقَّده(١).
/ حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنايزيدُ، قال: ثنا عمرانُ بنُ حُدَيرٍ ، عن أبى مجلزٍ، عن
ابنِ عباسٍ وعبدِ اللَّهِ بنِ سلامٍ بنحوِه .
حدَّثنى أبو السائبِ ، قال : ثنا أبو معاويةً، عن الأعمش، عن المنهال ، عن
سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ ، قال : كان سليمانُ بنُ داودَ يُوضَعُ له ستُمائةِ ألفٍ(١)
كرسىٍّ، ثم يجِىءُ أشرافُ الإِنسِ فِيَجْلِسون مما يليه، ثم تَجِىءُ أشرافُ الجنِّ فيَجْلِسون
مما يلى الإنسَ. قال: ثم يَدْعو الطيرَ فتُظِلُّهم، ثم يدعو الريحَ فتحمِلُهم. قال: فيسيرُ
فى الغَداةِ الواحدةِ مسيرةً شهرٍ. قال: فبينا هو فى مسيرِه إذ احتاج إلى الماءِ وهو فى فلاةٍ
مِن الأرضِ . قال: فدعا الهدهدَ ، فجاءه فنقَر الأرضَ ، فيُصيبُ موضعَ الماءِ. قال : ثم
تجىءُ الشياطينُ، فَيَسْلَخونه كما يُسْلَخُ الإهابُ. قال: ثم يَسْتَخْرجون الماءَ. فقال له
نافعُ بنُ الأزرقِ: (قِفْ يا وقَّاف٢ُ)، أرأيتَ قولَك: الهدهدُ يَجِىءُ فِيَنْقُرُ الأرضَ
فیُصِيبُ الماءَ. کیف یُنصِرُ هذا ولا يُصِرُ الفخَّ یجیءُ حتى يقع فى عنقه ! قال : فقال له
ابنُ عباسٍ: ويحَك إن القدَرَ إذا جاء حال دونَ البصرِ(٤) .
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٥٦٦/١١، ٥٦٧ من طريق عمران به مطولًا.
(٢) سقط من : النسخ . والمثبت من مصادر التخريج .
(٣ - ٣) فى تاريخ دمشق: (( يا وصاف)).
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٥٣٦/١١، والحاكم ٤٠٥/٢، وابن عساكر فى تاريخه ٢٦٦/٢٢، ٢٦٧ من
طريق أبى معاوية به، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٦٠/٩ من طريق سعيد بن جبير به، وعزاه =
١٤٤/١٩

٣١
سورة النمل : الآية ٢٠
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ ، عن بعضِ أهلِ
العلمِ، عن وهبِ بنِ منبهٍ، قال: كان سليمانُ بنُ داودَ إذا خرَج مِن بيتِه إلى مجلسِه
عگفت علیه الطیؤ، وقام له الجُّ والإنسُ حتی یْلِسَ علی سریره، حتى إذا كان
ذاتَ غَداةٍ فى بعضٍ زمانِه، غدا إلى مجلسِه الذى كان يَجْلِسُ فيه، فتفَقَّد الطيرَ.
وكان فيما يَزْعُمون يأتيه نُوَبًا ، مِن كل صنفٍ مِن الطيرِ طائرٌ، فنظَر فرأى مِن أصنافٍ
الطيرِ كلِّها قد حضَره إلا الهدهدَ، فقال: مالى لا أرى الهدهدَ(١)؟
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : قال ابنُ زيدٍ : أولُ ما فقَد سليمانُ
الهدهدَ نزَل بوادٍ ، فسأل الإنسَ عن مائِه، فقالوا : ما نَعْلَمُ له ماءً، فإن يَكُنْ أحدٌ مِن
جنودِك يَعْلَمُ له ماءً فالجنّ. فدعا الجنَّ فسألهم، فقالوا: ما نَعْلَمُ له ماءً، وإن يَكُنْ
أحدٌ مِن جنودِك يَعْلَمُ له ماء فالطيرُ. فدعا الطيرَ فسألهم، فقالوا: ما نَعْلَمُ له ماءً، وإن
يَكُنْ أحدٌ مِن جنودِك يَعْلَمُه فالهدهدُ . فلم يَجِدْه، قال : فذاك أولُ ما فقَد الهدهدَ .
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی أبی ، قال: ثنی عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَالِىَ لَآ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ
اُلْغَائِبِينَ﴾. قال: تَفَقَّد الهدهدَ مِن أجلِ أنه كان يَدُلَّه على الماءِ إذا رکِب ، وإن
سليمانَ ركِب ذاتَ يومٍ ، فقال: أين الهدهدُ ليَدُلَّنا على الماءِ؟ فلم يَجِدْه ، فمن أجلِ
ذلك تَفَقَّده، فقال ابنُ عباسٍ : إن الهدهدَ كان يَنْفَعُه الحذَرُ ما لم يَتْلُّغ الأجلَ، فلما
بلَغ الأجلَ لم يَنْفَعْه الحذرُ، وحال القدَرُ دونَ البصرِ (١).
= السيوطى فى الدر المنثور ١٠٤/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٥٦/٩ من طريق سلمة به إلى قوله: على سريره. مطولا .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٥٩/٩، والحاكم ٤٠٥/٢، وابن عساكر فى تاريخه ٢٦٧/٢٢ من
طريق عكرمة ، عن ابن عباس بنحوه .

٣٢
سورة النمل : الآيتان ٢٠، ٢١
فقد اختلَف عبدُ اللَّهِ بنُ سلام والقائلون بقولِه، ووهبُ بنُ منبّهٍ، فقال
عبدُ اللَّهِ: كان سببُ تفقُّدِه الهدهدَ وسؤالِه عنه، ليَسْتَخِرَه عن بُعدِ الماءِ فى الوادى
الذى نزَل به فى مَسيرِهِ . وقال وهبُ بنُ منهُّهٍ : كان تَفَقُّدُه إياه وسؤالُه عنه لإخلالِه
بالنَّوْبةِ التى كان يَتُوبُها. واللَّهُ أعلمُ بأىّ ذلك كان؛ إذ لم يأتِنا بأىِّ ذلك كان؛ فى(١)
تنزيلٍ، ولا خبرِ عن رسولِ اللهِ عَّهِ صحيح. فالصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن
يقالَ : إن اللَّهَ أخبَر عن سليمانَ أنه تَفَقَّد الطيرَ؛ إما للنَّوبةِ التى كانت عليها وأخلَّت
بها ، وإما لحاجةٍ كانت إليها عن بعدِ الماءِ.
١٤٥/١٩
/ وقولُه: ﴿فَقَالَ مَالِىَ لَآ أَرَىَ اُلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَآبِينَ﴾. يعنى
بقولِه: ﴿ مَالِىَ لَآَ أَرَىَ اُلْهُدْهُدَ﴾: أخطأهُ بصرى، فلا أراه وقد حضَر، أم هو
غائبٌ فيما غاب مِن سائرِ أجناسِ الخلقِ فلم يَحْضُرْ؟
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا سلمةُ ، عن ابنِ إسحاقَ ، عن بعضِ أهلِ العلمِ ، عن
وهبِ بنِ منبِّهِ: ﴿ مَالِىَ لَآَ أَرَىَ اُلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَآبِينَ﴾ : أخطأَه بصرى
فى الطيرِ، أم غاب فلم يَحْضُوُ(١)؟
i
وقولُه: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. يقولُ: فلما أُخْبِرِ سليمانُ عن الهدهدِ
أنه لم يَخْضُرْ، وأنه غائبٌ غيرُ شاهدٍ، أَقْسَم: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ .
وكان تَعذيبُه الطيرَ فيما ذُكِر عنه إذا عذَّبها ، أن يَنْتِفَ ريشَها .
(١) سقط من : م .
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٩٦/٦.

٣٣
سورة النمل : الآية ٢١
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريب ، قال : ثنا الحمّانيُّ، عن الأعمش، عن المنهالِ ، عن سعيد بنِ
جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿لَأُعَذِّبَتَهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. قال: نَتْفُ
(١)
ريشِه(١).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ عطيَّةً ، عن شريكٍ، عن عطاءٍ، عن
مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ فى: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾: عذابُه نَتْفُه
وتَشْمِيسُه(٣).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال: ثنى أبى ، عن
أبيه ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. قال: نَتْفُ رِيشِهِ(٤).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيحٍ ، عن مجاهدٍ :
لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. قال: نتفُ ريشِه كلِّه (٥).
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسینُ، قال: ثنی حجاج ، عن ابنٍ جریجٍ، عن
مجاهدٍ قوله: ﴿ لَأَعَذِّبَتَّهُ, عَذَابًا شَدِيدًا﴾. قال: نَتْفُ ريشِ الهدهدِ كلُّه، فلا
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩/ ٢٨٦٢، والحاكم ٤٠٥/٢ من طريق الأعمش به . وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ١٠٥/٥ إلى الفريابى وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) فى ت٢: ((علية)). وتقدم فى ٢/ ٨٤، ٨٦، ٨٩، ٧٤٦/٣، ٣٥٣/٥.
(٣) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٨٩/١، ٤٩٠ من طريق عطاء بن السائب به مطولًا.
(٤) بعده فى م ت١، ت٣، ف: (( وتشميسه)).
(٥) تفسير مجاهد ص ٥١٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٥/٥ إلى الفريابى وعبد بن حميد.
( تفسير الطبرى ٣/١٨)

٣٤
سورة النمل : الآية ٢١
(١)
يَعْفُوُ(١) سنةً .
قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن مَعْمرٍ، عن قتادةَ، قال: نتفُ
(٢)
ريشِه(١).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ : أخبرنا عبيدٌ ، قال: سمِعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قولِهِ: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ, عَذَابًا شَدِيدًا﴾. يقولُ: نَتْفُ رِيشِهِ(٣).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، قال : ثنى ابنُ إسحاقَ ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ ،
أنه حدَّث أن عذابَه الذى كان يُعَذِّبُ به الطيرَ، نَتْفُ جناحِه(٤) .
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ : قيل لبعضٍ أهلٍ
العلمِ : هذا الذبح، فما العذابُ الشديدُ؟ قال: يَنْتِفُ ريشَه، يَشْرِكُه بِضْعةٌ تنزو(٥).
١٤٦/١٩
/ حدَّثنا سعيدُ بنُ الربيع الرازىُّ، قال: ثنا سفيانُ، " عن عمرو بن دينارٍ(٧)، عن
ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿لَأُعَذِبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. قال: نَتْفُه(٨).
حدَّثنى سعيدُ بنُ الربيع، قال: ثنا سفيانُ()، عن ٢ محصينٍ، عن ابنٍ شدَّادٍ) ،
(١) أى: ينمو ويكثر. ينظر التاج (ع ف و).
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٧٩/٢ عن معمر به . وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٦٢/٩ من طريق يزيد بن
زريع عن قتادة ، وسقط منه ذكر سعيد، وفيه زيادة ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٥/٥ إلى عبد بن حميد .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٦٣/٩ من طريق أبى معاذ به .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٦٢/٩ من طريق سلمة به .
(٥) أى يتركه قطعة لحم تقفز ، لا يستطيع الطيران .
(٦ - ٦) سقط من: ت١، ف .
(٧) فى م: ((بشار)).
(٨) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٨٠/٢ ، عن سفيان به .
(٩ - ٩) فى النسخ: ((حسين بن أبى شداد)). وسيأتى على الصواب فى الصفحة التالية، وكذا جاء فى
مصدرى التخريج . وينظر تهذيب الكمال ٥٢٠/٦ .

٣٥
سورة النمل : الآية ٢١
قال: نتفُه وتشميسُه، ﴿أَوْ لَأَذْبَنَّهُ ﴾. يقولُ: أو لأَفْتُلَنَّه(١).
كما حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ ، قال:
سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ أَوْ لَأَ ذْبَجَنَّهُ ﴾. يقولُ: أو لأَقتُلنَّهُ(٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنا عبَّادُ بنُ العوَّامِ، عن محُصَينٍ، عن
عبدِ اللهِ بنِ شدَّادٍ: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْجَنَّهُ ﴾ الآية . قال: فتلَقَّاه
الطيرُ فأخبره ، فقال: ألم يَسْتَقْنٍ(٣)؟
وقولُه : ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّى بِسُلْطَانٍ ثُبِينٍ﴾. يقولُ: أو لِيَأْتِيِّى بحجةٍ يَبِينُ
السامعِها صحتُها وحقيقتُها .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا علىُ بنُ الحسن (٤) الأزدىُّ، قال: ثنا المعافَى بنُ عمرانَ، عن سفيانَ ، عن
عمَّارِ الدُّهنىٌّ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كلِّ سلطانٍ فى القرآنِ فهو
(٥)
حجةٌ(٥) .
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّى بِسُلْطَنِ تُّبِينٍ﴾. يقولُ : ببينةٍ أُعذِرُه
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٧٩/٢، ٨٠، عن سفيان به، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٦٢/٩
من طريق حصين به .
(٢) تقدم أوله فى ص ٣٤ .
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٥٣٦/١١ - ٥٣٨، وتفسير مجاهد ص ٥١٦ مطولا، وابن أبى حاتم فى تفسيره
٢٨٦٣/٩، من طريق حصين به بمعناه. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٥/٥ إلى الفريابى وسعيد بن منصور.
(٤) فى النسخ: ((الحسين)). وتقدم فى ٥٩١/١٠، ٣٥٤/١٢، ٣٢٠/١٧.
(٥) تمام الأثر المتقدم فى ٣٢٠/١٧ .

٣٦
سورة النمل : الآية ٢١
﴾ [غافر: ٣٥].
بها(١)، وهو مثلُ قولِه: ﴿الَّذِينَ يُجَدِلُونَ فِيَّ ءَايَتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ
يقولُ : بغيرِ بيِّنةٍ .
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيانُ، عن رجلٍ، عن
عكرمةَ، قال: كلُّ شىءٍ فى القرآنِ سلطانٌ، فهو حجةٌ(٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ يزيدَ ، عن قَبَاتِ بنِ
رَزِينٍ، أنه سمِع عكرمةَ يقولُ: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: كلُّ سلطانٍ فى القرآنِ فهو
حجةٌ ، كان للهدهدِ سلطانٌ(٣)!
حدَّثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِى
بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. قال بعذرٍ بِيِّنٍ(٤).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثناسلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ ، عن بعضِ أهلِ العلمِ، عن
وهبِ بنِ منبّهِ: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّى بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. أى: بحجةٍ ؛ عذرٍ له فى غَيبِه .
حُدِّثتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ : أخبَرنا عبيدٌ ، قال : سمِعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿أَوْ لَيَأْنِيَنِ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ بيِّةٍ، وهو قولُ
اللَّهِ: ﴿ الَّذِينَ يُجَدِلُونَ فِىّ ءَايَتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾: [غافر: ٣٥] بغيرِ بَيِّئَةٍ .
حدّثنی یونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله : ﴿ أَوْ
لَيَأْتِيَنِّى بِسُلْطَانٍ تُّبِينٍ﴾. قال: بعذرٍ أعذِرُه فيه .
(١) فى ص، ت٢، ف: ((لها)).
(٢) تقدم تخريجه فى ٦١٩/٧ .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٦٣/٩ من طريق قباث به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٥/٥
إلى عبد بن حميد .
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٨٠/٢ عن معمر به .

٣٧
سورة النمل : الآية ٢٢
/ القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطَ بِهِ، ١٤٧/١٩
٢٢
وَجِئْتُكَ مِن سَيٍَ بِبٍَ يَقِينٍ
يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾: فمكَث سليمانُ غيرَ
طويلٍ، مِن حينَ سأل عن الهدهدِ ، حتى جاء الهدهدُ .
واختلفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿ فَمَكَثَ﴾؛ فقرأت ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ
سوى عاصم: (فَمَكَثَ ) بضمِّ الكافِ . وقرأه عاصم بفتحِها (١) . وكلتا القراءتين
عندَنا صوابٌ؛ لأنهما لغتان مشهورتان ، وإن كان الضمُّ فيها أعجبَ إلىَّ؛ لأنها
أشهر اللغتين وأفصحُهما .
وقولُه: ﴿ فَقَالَ أَحَطَتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ،﴾. يقولُ: فقال الهدهدُ حينَ سأَلَه
سليمانُ عن تخلُّفِه وغَيتِه : أحطْتُ بعلم ما لم تُحِطْ به أنت يا سليمانُ .
كما حدَّثنی يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
أَخَطَتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾. قال: ما لم تَعْلَمْ .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، عن ابن إسحاقَ ، عن بعضِ أهلِ العلمِ ، عن
وهبِ بنِ منبِّهِ: ﴿فَمَكَثَ غَيّرَ بَعِيدٍ﴾ : ثم جاء الهدهدُ ، فقال له سليمانُ : ما
خلَّفك عن نَوْيَتِك؟ قال : أحَطْتُ بما لم تُحِطْ به .
وقولُه: ﴿وَحِثْتُكَ مِنْ سَيَا بٍِّ يَقِينٍ﴾ . يقولُ : وجئتُك مِن سبأْ بخبرٍ يقينٍ.
وهو ما حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ ، عن بعضِ أهلِ
العلمِ، عن وهبِ بنِ منبّهِ: ﴿وَجِئْتُكَ مِن سَبٍَ بِنٍَ يَقِينٍ﴾: أى: أَدْرَكْتُ مُلْكًا
لم يَتْلُغْهِ مُلْكُك .
(١) ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٤٧٩، ٤٨٠.

٣٨
سورة النمل : الآية ٢٢
واختلَفت القرأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿مِن سَيَا﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ المدينةِ
والكوفةِ: ﴿مِن سَبٍَ﴾ بالإجراءِ() ، لمعنى أنه رجلٌ اسمُه سبأ. وقرأه بعضُ قرأةِ أهلِ
مكةَ والبصرةِ: ( مِن سَبَأْ). بتركِ الإجراءِ(١) ، على أنه اسمُ قبيلةٍ ، أو لامرأةٍ .
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان ، قد قرَأ بكلِ
واحدةٍ منهما علماءُ مِن القرأةِ، فبأيَتِهما قرَأ القارئُّ فمصيبٌ. والإجراءُ فى ((سبأ))،
وغیرُ الإجراءِ صواب ؛ لأن ((سبأ )» إن كان رجلا کما جاء به الأثر، فإنه إذا أريد به
اسمُ الرجلِ أُجْرِىَ، وإن أريدَ به اسمُ القبيلةِ لم يُجْرَ، كما قال الشاعرُ فى إجرائِه(٣):
قد عَضَّ أعناقهم جِلْدُ الجواميسِ
الواردون وتَيْمّ(٤) فى ذَرَا سبأً
◌ُروی: ذَرًا، وذُرَى .
وقد حُدِّثتُ عن الفرَّاءِ، عن الرؤاسيّ ، أنه سأل أبا عمرٍو ابنَ العلاءِ: كيف لم
تُجْرِ ((سبأ))؟ قال: لستُ أدرى ما هو (٥).
١٤٨/١٩
فكأنَّ أبا عمرٍو ترَك إجراءَه إذ لم يَدْرِ ما هو، كما تَفْعَلُ العربُ بالأسماءِ
المجهولةِ / التى لا تعرِفُها، من تركِ الإجراءِ. مُكِى عن بعضِهم(٦): هذا أبو صُعرورَ(٧)
قد جاء. فترَك إجراءَه، إذ لم يَعْرِفْه فى أسمائهم. وإن كان ((سبأ)) جبلًا فأُجرى؛
فلأَنَّه يُرادُ به الجبلُ بعينِهِ، وإن لم يُجْرَ فلأَنَّه يُجْعَلُ اسمًا للجبلِ وما حولَه من البقعةِ .
(١) هى قراءة نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائى وأبى جعفر ويعقوب وخلف. ينظر النشر ٢٥٣/٢.
(٢) هى قراءة ابن كثير فى رواية البزى، وأبى عمرو، وروى قنبل عن ابن كثير إسكان الهمزة . المصدر السابق.
(٣) تقدم تخريجه فى ٢٤٤/١٤ .
(٤) فى ت١، ت٢، ف: ((هم)). وينظر معانى القرآن للفراء ٢٨٩/٢.
(٥) ينظر معانى القرآن للفراء ٢٨٩/٢.
(٦) هو أبو السفاح السلولى، حكاه عنه الفراء فى معانى القرآن ٢٩٠/٢.
(٧) فى النسخ: ((معرور)). والمثبت من معانى القرآن، قال الفراء: الصعرور: شبيه بالصمغ.

٣٩
سورة النمل : الآيتان ٢٣، ٢٤
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ إِنِّ وَجَدتُ آمْرَأَةٌ تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ
وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ
(٢٣)
شَىْءٍ وَلَا عَرْشُ عَظِيمٌ
٢٤
الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ
يقولُ تعالى ذكره مخبرًا عن قيلِ الهدهدِ لسليمانَ، مخبِرًا بعذرِه فى مغيبِه
عنه: ﴿إِنِّ وَجَدتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾. يعنى: تْلِكُ سبأ . وإنما صار هذا الخبرُ
للهدهدِ عُذْرًا وحُجَّةً عندَ سليمانَ، درَأْ به عنه ما كان أوعَدَهُ(١) به ؛ لأن سليمانَ كان
لا يرى أن فى الأرضِ أحدًا له مملكةٌ معه، وكان مع ذلك عَ لَه رجلًا حُبُّب إليه الجهادُ
والغزؤُ، فلما دلَّه الهدهدُ على مُلْكِ بموضعٍ مِن الأرضِ هو لغيرِهِ، وقومٍ كفرةٍ يَعْبُدون
غيرَ اللَّهِ ، له فى جهادِهم وغزوِهم الأجرُ الجزيلُ والثوابُ العظيمُ فى الآجلِ ، وضمُ
مملكةٍ لغيرِه إلى ملكِه - حُقَّت للهدهدِ المعذرةُ، وصحَّت له الحجةُ فى مَغيِه عن
سليمانَ .
وقولُه: ﴿وَأُوْتِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾. يقولُ: وأُوتِيَت من كلِّ شىءٍ يُؤْتاه
الملِكُ فى عاجلِ الدنيا، مما يكونُ عندَهم من العتادِ والآلةِ .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ ، عن أبى عُبَيدةَ الباجىِّ،
عن الحسنِ قولَه: ﴿ وَأُوِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾. يعنى: مِن كلِّ أمرِ الدنيا .
وقولُه: ﴿وَلَا عَرْشُ عَظِيمٌ ﴾. يقولُ: ولها كرسىٌ عظيمٌ. وعَنَى بالعظيمِ
(١) فى م: ((أوعد)).

٤٠
سورة النمل : الآيتان ٢٣، ٢٤
فى هذا الموضعِ العظيمَ فى قَدْرِهِ، وعِظَمَ خطرِه، لا عِظَمَه فى الكِبَرِ والسَّعةِ .
وبنحوِ الذى قُلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُرَيجٍ، عن عطاءٍ
الخراسانيّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَهَا عَرْشُ عَظِيمٌ﴾. قال: سريرٌ كريمٌ . قال :
حَسَنُ الصَّنعةِ، وعرشُها : سريرٌ من ذهبٍ ، قوائمُه من جوهرٍ ولؤلؤُ(١).
قال: ثنى حجاجٌ، عن أبى عُبَيدةَ الباجىّ، عن الحسنِ قولَه: ﴿وَلَا عَرْشُّ
عَظِيمٌ ﴾ . يعنى : سريرٌ عظيمٌ .
١٤٩/١٥
/ وقولُه: ﴿وَجَدَتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾. يقولُ: وَجَدتُ
هذه المرأةَ مَلِكةَ سبأُ وقومَها من سبأً، يَسْجُدون للشمسِ فِيَعْبُدُونها من دونِ اللهِ .
وقولُه: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ﴾. يقولُ: وحسَّن لهم إبليسُ
عبادتَهم الشمسَ وسجودَهم لها من دونِ اللَّهِ ، وحبَّب ذلك إليهم، ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ
السَّبِيلِ﴾. يقولُ: فمنَعهم بتزيينِه ذلك لهم أن يَتَّبِعوا الطريقَ المستقيمَ، وهو دينُ
اللَّهِ الذى بعَث به أنبياءَه، ومعناه: فصدَّهم عن سبيلِ الحقِّ، ﴿فَهُمْ لَا
يَهْتَدُونَ﴾. يقولُ: فهم لما قد زَيَّن لهم الشيطانُ ما زيَّن؛ من السجودِ للشمس من
دونِ اللهِ والكفرِ به ، لا يَهْتَدون لسبیلِ الحقِّ، ولا يَشْلُكونه، ولكنَّهم فى ضلالِهم
الذی هم فیه یترگَّدون .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٦/٥ إلى المصنف وابن المنذر.
(٢) فى ت ١: ((فصرفهم))، وفى ف: ((فصيرهم)).