Indexed OCR Text
Pages 1-20
تفسِيرُ الطّبْرَى جَامِعُ الْبَّيَّانِ عَنْ تَأْوِيلِ آَ الْقُوَآنِ لِأَبِ جَعَفَر محمّد بن جَرِيِ الطََّرِيّ (٢٢٤هـ - ٣١٠ هـ ) تحقيق الدكتورعبد الَّه بن عبد لحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسَات العربية والإسلامية بدار هجر الدكتور/ عبد السنة حسن مامة الجزء الثامن عشر هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى القاهرة ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة مكتب : ٤ ش ترعة الزمر - المهندسين - جيزة ت : ٣٢٥١٠٢٧ مطبعة : ٣٢٥٢٥٧٩ - فاكس : ٣٢٥١٧٥٦ تفسِّيُ الطَّيُرى جَامِعُ البَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آَى الْقُرآنِ ٥ سورة النمل : الآيات ١ - ٣ -3 تفسيرُ سورةِ النّمل بسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيم القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿طِسِنَّ تِلْكَ ءَايَتُ الْقُرْءَانِ وَكِتَابٍ تُِينٍ ١ هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُم بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ قال أبو جعفرٍ : وقد بيَّنا القولَ فيما مضى من كتابنا هذا، فيما كان من حروفٍ المعجمِ فى فوائحِ السورِ ، فقوله: ﴿طسِنَّ﴾ مِن ذلك. وقد رُوِى عن ابنِ عباسٍ أَنّ قوله: ﴿طَنَّ﴾. قَسَمْ أقسَمه اللَّهُ، هو من أسماءِ اللَّهِ. حدَّثنى علىُ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ(١). فالواجبُ على هذا القولِ أن يكونَ معناه : والسميع اللطيفِ ، إنَّ هذه الآياتِ التى أَنزَلْتُها إليك يا محمدُ ، لآياتُ القرآنِ ، وآياتٌ ﴿كِتَابٍ ثُِّينٍ﴾. يقولُ: يبينُ لمن تدَبَّره وفكّر فيه بفَهم ، أنه من عندِ اللَّهِ ، أنزله إليك ، لم تتخرَّصْه أنت ولم تتقوَّلْه ، ولا أحدٌ سواك من خَلقِ اللَّهِ ؛ لأنه لا يقدر أحدٌ من الخلقِ أنْ يأتىَ بمثله ، ولو (١) بعده فى ت٢: ((قوله)). والأثر تقدم تخريجه فى ٢٠٧/١، ٥٤٢/١٧. ٦ سورة النمل : الآيات ١ - ٣ تظاهرَ علیه الجنُّ والإنسُ . وخُفِض قولُه: ﴿وَكِتَابٍ تُِّينٍ﴾. عطفًا به على ((القرآنِ)). وقولُه: ﴿هُدَى﴾. من صفةِ ((القرآنِ)). يقولُ: هذه آياتُ القرآنِ بیانٌ مِن اللَّهِ، بَّن(١) به طريقَ الحقِّ وسبلَ(٢) السلامِ، ﴿ وَيُشْرَى لِلْمُؤْمِينَ﴾. يقولُ: وبشارةٌ لمن آمَن به وصدَّق بما أُنزِل فيه ، بالفوزِ العظيمِ فى المعادِ . وفى قوله: ﴿هُدَى وَيُشْرَى﴾. وجهان من العربية؛ الرفعُ على الابتداءِ، بمعنى: هو هدّى وبُشرى. والنصبُ على القطع من: ﴿ ءَايَتُ اُلْقُرْءَانِ﴾. فيكونُ معناه : تلك آياتُ القرآنِ الهُدَى(٢) والبشْرى للمؤمنين. ثم أُسقِطت الألفُ واللامُ من ((الهدى)) و((البشرى))، فصارا نكرةً، وهما صفةٌ للمعرفةِ، فنُصِبا . ١٣٢/١٩ /وقولُه: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ﴾. يقولُ: هو هدِّى وبشرى لمن آمَن بها ، وأقام الصلاةَ المفروضةً بحدودِها . وقولُه: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ﴾. يقولُ: ويؤدّون(٤) الزكاةَ المفروضةَ. وقيل: معناه: ويطهّرون أجسادهم من دنسِ المعاصى . وقد بيَّنا ذلك فيما مضى بما أغنَى عن إعادته فى هذا الموضعِ (٥) . ﴿وَهُم ◌ِلْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. يقولُ: وهم مع إقامتهم الصلاةَ المفروضةَ(٦)، وإيتائِهم الزكاةَ الواجبةَ، بالمعادِ إلى اللَّهِ بعد المماتِ يُوقنون، فيذِلُّون فى طاعةِ اللَّهِ؛ (١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف . (٢) فى م، ت ١: ((سبيل)). (٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف. (٤) فى ت ٢: ((يؤتون)). (٥) ينظر ما تقدم فى ٦١١/١، ٦١٢، ١٩٨/٢. (٦) سقط من: م، ت ١، ف . ٧ سورة النمل : الآيات ٣ - ٨ رجاءَ جزيلٍ ثوابِهِ، وخوفَ عظيم عقابِهِ، وليسوا كالذين يُكذِّبون بالبعثِ ولا يبالُون ؛ أحسَنوا أم أساءوا، وأطاعوا أم عَصَوا ) ؛ لأنهم إنْ أحسنوا لم يرُوا ثوابًا ، وإنْ أساءوا لم يخافوا عقابًا . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلْأَخِرَةِ زََّا لَهُمْ أَعْمَلَهُمْ فَهُمْ أُوْلَكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوَهُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ يَعْمَهُونَ ( يقولُ تعالى ذِكرُه : إنَّ الذين لا يُصدِّقون بالدارِ الآخرةِ، وقيامِ الساعةِ، وبالمعادِ إلى اللَّهِ بعدَ المماتِ، والثوابٍ والعقابِ، ﴿زَيَّنَا لَهُمْ أَعْمَلَهُمْ﴾. يقولُ: حَّبنا إليهم قبيحَ أعمالِهم، وسهَّلْنا ذلك عليهم، ﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾. يقولُ: فهم فى ضلالِ أعمالِهم القبيحةِ التى زيَّنَّاها لهم، يتردّدون حيارَى، يحسبون أنَّهم يحسنون . وقولُه: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوَّهُ الْعَذَابِ﴾ . يقول تعالى ذِ كرُه : هؤلاء الذين لا يُؤمنون بالآخرةِ لهم سوءُ العذابِ فى الدنيا، وهم الذين قُتلوا بيدرٍ من مشرکی قريشٍ، ﴿وَهُمْ فِىِ الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾. يقولُ: وهم يومَ القيامةِ هم الأوضّعون تجارةً، والأَوكَسُونها(١) ؛ باشترائِهم الضلالةَ بالهدَى، ﴿فَمَا رَبِحَت تَجَرَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ ﴾ [البقرة: ١٦]. القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَإِنََّكَ لَنْلَقَى الْقُرْءَانَ مِن لَُّنْ حَكِيمٍ عَلِيٍ إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ [٢/ ٥٢٦ ٥] إِنَّ ءَانَسْتُ نَارً سَنَاتِكُ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ ءَاتِكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسِ لَعَلَّكُمْ فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِىَ أَنْ بُورِكَ مَن فِ النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَنَ اَللَّهِ رَبِّ ٧ تَصْطَلُونَ ٨ اَلْعَلَمِينَ (١) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((عصوه). (٢) فى م: (( الأوكسوها)). ٨ سورة النمل : الآيتان ٦، ٧ يقولُ تعالى ذكره: وإنَّك يا محمدُ ، لَتُحَفَّظُ القرآنَ وتُعَلَّمُه، ﴿مِن لَُّنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾. يقولُ: من عندِ حكيم بتدبيرِ خلْقِه، عليم بأنباءِ خلْقِه ومصالحِهم، والكائنِ من أمورِهم، والماضى من أخبارِهم، والحادثِ منها، ﴿ إِذْ قَالَ مُوسَى﴾ . و﴿ إِذْ﴾ من صلةٍ ﴿عَلِيٍ﴾ . ومعنى الكلام: علیم حینَ قال موسى لأهله وهو فى مسيرِه من مَدْيَنَ إلى مصرَ، وقد آذاهم بَرْدُ ليلهم لما أصلَدَ زَنْدُهُ(١): ﴿إِنَّ ءَانَسْتُ نَارًا﴾. أى: أبصَرتُ نارًا أو أَحْسَستُها،/ فامكُثُوا مكانَكم، ﴿سَنَاتِكُ مِنْهَا ◌ِخَرٍ﴾. يعنى: من النارِ. والهاءُ والألفُ مِن ذِكرِ ((النارِ)). ١٣٣/١٥ ﴿أَوْ ءَاتِكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ . واختلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامةٌ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ : ( بِشِهابٍ قَبَسٍ). بإضافةِ ((الشهابِ)) إلى ((القَبَسِ))، وتركِ التنوين ، بمعنى: أو آتيكم بشُعلةِ نارٍ أقتبسُها منها . وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: ﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ بتنوينِ ((الشهابِ))، وترك إضافته إلى ((القَبَسِ)) (١) ، يعنى : أو آتيكم بشهابٍ مقتَبَسٍ. والصوابُ من القولِ فى ذلك أنهما قراءتان معروفتان فى قَرَأةِ الأمصارِ، متقاربتا المعنى ، فبأيتِهما قرَأ القارئُّ فمصيبٌ . وكان بعضُ نحوتى البصرةِ يقولُ: إذا جعَل ((القبسَ)) بدلًا من ((الشِّهابِ))، فالتنوينُ فى ((الشهابٍ))، وإنْ أضاف ((الشهابَ)) إلى ((القبسٍ))، لم ينوَّنِ ((الشهابَ)). وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ(٤): إذا أَضيف الشهابُ إلى القبسِ، فهو بمنزلةٍ (١) الزند : هو العود الذی یقدح به النار . وأصلد زنده، أى: صوَّت ولم يخرج نارًا . التاج(ز ند ، ص ل د). (٢) هى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٤٧٨. (٣) هى قراءة عاصم وحمزة والكسائى . المصدر السابق . (٤) هو الفراء، ينظر معانى القرآن ٢٨٦/٢. ٩ سورة النمل : الآيتان ٧ ، ٨ قوله: ﴿ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ﴾ [ يوسف: ١٠٩]. مما يضافُ إلى نفسِه إذا اختلف اسماه ولفظاه، تَوَهُّمًا بالثانى أنه غيرُ الأَوَّلِ. قال: ومثلُه: حَبَّةُ الخضراءِ، وليلةُ القَمْراءِ، ويومُ الخميسٍ ، وما أشبهَه . وقال آخرُ منهم: إنْ كان ((الشهابُ)) هو ((القَبَسَ)) لم تجزِ الإضافةُ؛ لأنَّ (( القَبَسَ)) نعتٌ، ولا يُضافُ الاسمُ إلى نعتِه إلا فى قليل من الكلامِ، وقد جاء : ﴿ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ﴾، ﴿ وَلَذَّارُ الْآَخِرَةُ ﴾ [ الأنعام: ٣٢]. والصوابُ من القولِ فى ذلك أنَّ ((الشهابَ)) إذا أُرِيدَ به أنه غيرُ ((القبَسِ))، فالقراءةُ فيه بالإضافةِ؛ لأَنَّ معنى الكلام حينئذٍ ما بَّنًا من أنه شُعْلةُ قَبَسٍ، كما قال (١) عز": فِيها سِنانٌ كشُعْلَةِ القَبَسِ فى كَفِّهِ صَعْدَةٌ مُثَقَّفَةٌ وإذا أُريد بالشهابِ أنه هو ((القبَسُ))، أو أنه نعتٌ له، فالصوابُ فى ((الشهابِ)) التنوينُ ؛ لأنَّ الصحیحَ فی کلامِ العربِ ترُ إضافة الاسم إلی نعته ، وإلی نفسِه ، بل الإضافاتُ فى كلامِها المعروفةُ(١) إضافةُ الشىءٍ إلى غيرِ نفسِه، وغيرِ نعتِه . وقولُه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾. يقولُ: كى تصطَلوا بها من البردِ . (٣ كما حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ ، عن السدىِّ: ﴿لََّلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾. قال: من البردٍ ) . وقولُه: ﴿فَلَمَا جَآءَهَا﴾. يقولُ: فلما جاء موسى النارَ التى آنسَها، ﴿ نُودِىَ أَنْ (١) هو أبو زبيد الطائى، والبيت فى شعره (مجموع) ص ١٠٥ . (٢) فى م: ((المعروف)). (٣ - ٣) سقط من : م . والأثر أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٤٠٠، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٤٣/٩، ٢٩٧٣ من طريق عمرو به . ١٠ سورة النمل : الآية ٨ بُورِكَ مَنْ فِ النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ . كما حدَّثنا علىّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ نُودِىَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِ النَّارِ﴾. يقولُ: قُدِّس(١). واختلف أهلُ التأويلِ فى المعنىِّ بقولِه: ﴿ مَن فِ النَّارِ ﴾؛ فقال بعضُهم: عنى جلَّ جلالُه بذلك نفسَه، وهو الذى كان فى النارِ ، وكانت النارُ نُورَه تعالى ذِكرُه، فى قولٍ جماعةٍ من أهلِ التأويلِ . ذِكرُ مَن قال ذلك حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی امی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبى ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ / فى قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِىَ أَنْ بُورِكَ مَن فِ النَّارِ ﴾: يعنى نفسَه. قال: كان نورُ ربِّ العالمين فى الشجرةِ (١). ١٣٤/١٩ حدَّثنى إسماعيلُ بنُ الهيثم أبو العاليةِ العبدىُّ، قال: ثنا أبو قُتَيبةَ ، عن ورقاءَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿بُورِكَ مَنْ فِى النَّارِ﴾. قال: ناداه وهو فى النارِ(٣) . حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ(٤)، قال: ثنا أبو سفيانَ ، عن معمرٍ ، عن الحسنِ فى قولِه: ﴿ نُودِىَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِ النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. قال: هو النورُ) . (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٤٥/٩ من طريق أبى صالح به . (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٤٥/٩ عن محمد بن سعد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٢/٥ إلی ابن مردويه . (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٤٦/٩ من طريق ورقاء به ، وعنده: ناداه وهو فى النور . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٢/٥ إلى ابن المنذر. (٤) بعده فى ت ٢: ((قال: ثنى حجاج)). (٥) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٧٩/٢ عن معمر به . ٠ ١١ سورة النمل : الآية ٨ قال معمر: قال قتادةُ: ﴿بُورِكَ مَنْ فِ النَّارِ﴾. قال: نورُ اللَّهِ بُورك(١). قال: ثنا الحسينُ(١)، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ مجرَيجٍ، قال: قال الحسنُ البصرىُّ: ﴿ بُورِكَ مَنْ فِ النَّارِ ﴾ . وقال آخرون : بل معنى ذلك : بور گتِ النارُ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى الحارثُ ، قال: ثنا الأشْيبُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ : ﴿ نُودِىَ أَنْ بُورِكَ مَن فِ النَّارِ﴾: بورِكت النارُ. قال: كذلك قال ابنُ (٣) عباسٍ(٣). حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی الحارثُ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿أَنَّ بُورِكَ مَنْ فِ النَّارِ﴾. قال: بُورِكَتِ النارُ(٣) . حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال : قال مجاهدٌ : ﴿ بُورِكَ مَن فِ النَّارِ ﴾. قال : بورِ كَتِ النارُ. حدَّثنا محمدُ بنُّ سنانٍ القزَّازُ، قال: ثنا مكَىُّ بنُ إبراهيمَ ، قال : ثنا موسى ، عن محمدِ بنِ كعبٍ فى قوله: [٥٢٦/٢ظ] ﴿أَنَّ بُورِكَ مَنْ فِ النَّارِ ﴾. قال: نورُ الرحمنِ، (١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٧٩/٢ عن معمر به . (٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((الحسن)). (٣) تفسير مجاهد ص ٥١٦، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٤٥/٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٢/٥ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر . ١٢ سورة النمل : الآية ٨ والنورُ هو اللَّهُ، سبحانَ اللَّهِ ربِّ العالمين(١). واختلف أهلُ التأويلٍ فى معنى النارِ فى هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: معناه النورُ، كما ذكرتُ عمن ذكرتُ ذلك عنه . وقال آخرون : معناه النارُ لا النورُ. : ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُرَيجٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ أنه قال: حِجابُ العزَّةِ، وحجابُ الملكِ، وحجابُ السلطانِ ، وحجابُ النارِ ، وهى تلك النارُ التى نُودىَ منها. قال: وحجابُ النورِ، وحجابُ الغَمامِ ، وحجابُ الماءِ(٢). وإنما قيل: ﴿ بُورِكَ مَن فِ النَّارِ ﴾. ولم يقلْ: بُورك فى من فى النار. على لغةٍ الذين يقولون : باركَك اللَّهُ. والعربُ تقولُ: باركَك اللَّهُ، وبارَك فيك . /وقولُه: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. يقولُ: ومَن حولَ النارِ. وقيل: عنَى بمن حولها الملائكةَ . ١٣٥/١٠ ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٤٦/٩ من طريق مكى بن إبراهيم به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٢/٥ إلى ابن المنذر . (٢) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة ص ١١٦ من طريق حجاج، عن ابن جريج ، عن مجبر، عن سعيد. ١٣ سورة النمل : الآيات ٨ - ١١ أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. قال: يعنى الملائكةَ(١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُرَيجٍ، عن الحسنِ مثلَه (٢). وقال آخرون : هو موسى والملائكةُ . حدَّثنا محمدُ بنُّ ◌ِنانِ القزَّازُ، قال : ثنا مكَىُّ بنُ إبراهيمَ ، قال : ثنا موسى ، عن محمدِ بنِ كعبٍ: ﴿ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. قال: موسى النبىُ والملائكةُ. ثم قال : يا مُوسَى، إنى أنا اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ (١). وقولُه: ﴿ وَسُبْحَنَ الَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾. (٢ يقولُ: وتنزيهًا للَّهِربِّ العالمين) مما يصفُه به الظالمون . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَمُوسَىّ إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَلْقِ عَصَالَّ ٩ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهَرُّ كَأَنَّهَا جَانٌ وَلَّى مُدْيِرًا وَلَمْ يُعَقِّبَ يَمُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَىَ الْمُرْسَلُونَ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُرَّ بَدَّلَ حُسْنَا بَعْدَ سُوْءٍ فَإِنِّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ يقولُ تعالى ذِكرُه مخبرًا عن قيلِه لموسى: إنه أنا اللهُ العزيزُ فى نقمتِه من أعدائِه، الحکیمُ فی تدبيره فى خلقِه . والهاءُ التى فى قوله : ﴿ إِنّهُ﴾ هاء عمادٍ ، وهو اسمٌ لا یظهر فی قولِ بعضٍ أهلِ العربيةِ(٥) . (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٤٦/٩ من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٢/٥ إلى ابن مردويه . (٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٧٩/٢ عن معمر عن الحسن . (٣) تقدم تخريجه ص ١١ . (٤ - ٤) سقط من: ت ١، ت٢، ت٣، ف . (٥) هو الفراء فى معانى القرآن ٢٨٧/٢. ١٤ سورة النمل : الآيتان ٩، ١٠ وكان بعضُ نحويِّى الكوفةِ يقولُ: هى الهاءُ المجهولةُ، ومعناها: إِنَّ الأمرَ والشأنَ ، أنا اللَّهُ . وقولُه: ﴿ وَأَلْقِ عَصَالِكٌ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَرُّ﴾ . وفى الكلامِ محذوفٌ تُرِك ذِكرُه؛ استغناءً بما ذُكِرِ عما حُذِف، وهو: فألقاها، فصارت حيةً تهتزُّ، ﴿فَلَمَّا رَءَاهَا تَهَّْ كَأَنَّهَا بَّةٌ﴾. يقولُ: كأنها حيةٌ عظيمةٌ . والجانُّ جنس من الحياتِ معروفٌ. وقال ابنُ مجرَيْج فى ذلك ما حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيج: ﴿ وَأَلْقِ عَصَاكْ فَمَّا رَءَاهَا تَهَزُّ كَأَنَّهَاَ جَانٌ ﴾. قال: حينَ تحوَّلت حيةً تسعى () . وهذا الجنسُ من الحياتِ عَنى الراجزُ بقولِه(٢): يَوْفَعْنَ(٢) باللَّيْلِ إِذَا ما أسْدَفا(٤) أَعْنَاقَ جِنَّنٍ وَهامًا رُجَّفَا وَعَنَقًا باقى(٥) الرَّسِيمِ خَيْطَفا ١٣٦/١٩ /وقولُه: ﴿ وَلَى مُدْبًِا﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: ولَّى موسى هاربًا خوفًا منها، ﴿ وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾. يقولُ: ولم يرجِعْ. من قولِهِم: عَقَّب فلانٌ. إذا رجَع على عقِبِهِ إلى حيثُ بدَأ . (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٢/٥ إلى المصنف وابن المنذر. (٢) هو حذيفة بن بدر الخطفى جد جرير بن عطية، والرجز فى الحيوان ١٧٣/٦، والبيان والتبيين ٣٦٦/١، وخزانة الأدب ٧٥/١. (٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((يرفلن)). (٤) فى ص: ((أسرفا))، وفى ت١، ف: ((أرجفا))، وفى ت ٢: ((أشرفا)). (٥) فى م: ((بعد)). ١٥ سورة النمل : الآية ١٠ وبنحوِ الذى قلنا فى تأويل ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی الحارثُ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللّهِ: ﴿وَلَمْ يُعَقِّبَّ﴾. قال: لم يرجعُ(١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثله . قال: ثنا الحسينُ ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: لم يلتفِتْ(٢). حدَّثنى يونس، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿وَلَمْ يُعَقِّبَّ﴾. قال: لم يرجِعُ(١، لما ألقَى العصا صارت حيةً، فرُعِب منها وجزِع، فقال اللَّهُ: ﴿ إِنِِّ لَا يَخَافُ لَذَ اَلْمُرْسَلُونَ﴾. قال: فلم يرعوِ لذلك. قال: فقال اللَّهُ له: ◌ْ أَقِلْ وَلَا تَخَفّْ إِنَّكَ مِنَ اْلَمِينَ﴾ [القصص: ٣١]. قال: فلم يقفْ أيضًا على شىءٍ من هذا حتى قال: ﴿ سَنُعِيدُهَا سِيَرَتَهَا الْأُولَى﴾ [طه: ٢١]. قال: فالتفَت فإذا هی عصًا کما کانت ، فرجع فأخذها ، ثم قوِی بعد ذلك علیها ) ، حتى صار يُرسلُها على فرعونَ ويأخُذُها(٥). (١) تفسير مجاهد ص ٥١٦، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٤٨/٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٢/٥ إلى الفريابى وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر. (٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٧٩/٢ عن معمر به، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٤٨/٩ من طريق سعيد، عن قتادة ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٢/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. (٣) بعده فى ص، م، ف: ((يا موسى قال)). (٤) سقط من : م . (٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٤٩/٩ من طريق أصبغ، عن ابن زيد . ١٦ سورة النمل : الآيتان ١٠، ١١ إِلَّا مَن ظَلَرَ وقولُه: ﴿يَمُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَّ الْمُرْسَلُونَ يقولُ تعالى ذكرُه : فناداه ربُّه: يا موسى ، لا تَخَفْ مِن هذه الحيةِ، ﴿ إِنِّ لَا يَخَافُ لَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾. يقولُ: إنى لا يَخافُ عندى رسلى وأنبيائى الذين أُخْتَصُهم بالنبوةِ ، إلا مَن ظلَم منهم ، فعمِل بغيرِ الذى أُذِن له فى العملِ به . وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريج ، قال قولَه: ﴿يَمُوسَى لَا تَّخَفْ إِ لَا يَخَافُ لَدَ [٥٢٧/٢ ,] اُلْمُرْسَلُونَ﴾. قال: لا يُخِيفُ اللَّهُ الأنبياء إلا بذنبٍ يُصِیئه أحدُهم ، فإن أصابه أخافه حتى يَأْخُذَه منه(١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو(٢) عبدِ اللَّهِ الفَزاريُ، عن عبدِ اللَّهِ ابنِ المباركِ، عن أبى بكرٍ، عن الحسنِ، قال قولَه: ﴿ يَمُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّ لَا يَخَافُ لَدَّ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ﴾. قال: إنى إنما أُخَفْتُك لقتلِك النفسَ. قال: وقال ١٠ اُلْمُرْسَلُونَ الحسنُ: كانت الأنبياءُ تُذنِبُ فتُعاقَبُ ، (ثم تُذنبُ واللَّهِ فتعاقَبُ)) . واخْتَلَف أهلُ العربيةِ فى وجهِ دخولٍ ﴿إِلَّا﴾ فى هذا الموضع، وهو استثناء، مع وعدِ اللَّهِ الغُفْرَانَ الْمُسْتَثْنَى مِن قوله: ﴿إِ لَا يَخَافُ لَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾. (٢ بقوله: ﴿فَإِيُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ . وحكمُ الاستثناءِ أن يكونَ ما بعدَه بخلافٍ معنى ما قبلَه ، وذلك أن يكونَ ما بعدَه - إن كان ما قبلَه منفيًّا - مُثْتًا، كقوله: ما قام إلا زيدٌ. (١) ذكره البغوى فى تفسيره ١٤٦/٦. (٢) سقط من: م، وهو محمد بن عيينة الفزارى، ينظر تهذيب الكمال ٢٦٤/٢٦ . (٣ - ٣) سقط من : م. والأثر ذكره القرطبى فى تفسيره ١٦١/١٣ . (٤ - ٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت٣، ف: ((يقول وإنى)). ١٧ سورة النمل : الآية ١١ فـ «زيدٌ)) مثبَتْ/ له القيامُ؛ لأنه مُسْتَثْنَى مما قبلَ ((إلا))، وما قبلَ ((إلا)) منفىٌّ عنه ١٣٧/١٩ القيامُ، وأن يكونَ ما بعدَه - إن كان ما قبلَه مثبتًا - منفيًّا، كقولهم: قام القومُ إلا زيدًا. فـ ((زيدٌ)) منفىٌّ عنه القيامُ، ومعناه: إن زيدًا لم يَقُمْ. والقومُ مثبَتٌ لهم القيامُ . و(١)﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُرَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوْءٍ﴾، فقد أمَّنه اللَّهُ بوعدِه الغفرانَ والرحمةَ، وأُدْخَله فى عِدادٍ مَن لا يَخافُ لديه مِن المرسلين؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ : أَدْخِلَت ((إلا)) فى هذا الموضعِ؛ لأن ((إلا)) تَدْخُلُ فى مثلِ هذا الكلامِ، كمثلٍ قولٍ العربِ : ما أشْتَكِى إلا خيرًا. فلم يَجْعَلْ قولَه: إلا خيرًا. على الشكوى، ولكنه علم أنه إذا قال: ما أُشْتَكِى شيئًا. أنه يَذْكُرُ عن نفسِه خيرًا، كأنه قال: ما أَذْكُرُ إلا خيرًا. وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ(٢): يقولُ القائلُ: كيف صُيِّر خائفًا مَن ظلَم، ثم بَدَّل حسنًا بعدَ سوءٍ، وهو مغفورٌ له؟ فأقولُ له : فى هذه الآيةِ وجهان ؛ أحدُهما، أن يقولَ : إِن الرسلَ معصومةٌ(٢)، مغفورٌ لها ، آمِنَةٌ يومَ القيامةِ، ومَن خلَط عملًا صالحً وآخرَ سيئًا فهو يَخافُ ويَرْجو. فهذا وجةٌ . والآخرُ، أن يجعلَ الاستثناءَ مِن الذين تُرِكوا فى الكلمةِ؛ لأن المعنى: لا يخافُ لدىَّ المُؤْسَلون ، إنما الخوفُ على مَن سِواهم . ثم اسْتَثْنَى فقال: ﴿إِلَّا مَن ظَلَمَ﴾. يقولُ: كان مُشْرِكًا فتابَ مِن الشِّرْكِ، وعمِل ◌ُحُسْنًا، فذلك مغفورٌ له، وليس بخائفٍ (١). قال: وقد قال بعضُ النحويِّين(٥): إن (إلَّا)) فى اللغةِ بمنزلةِ ((الواوٍ))، وإنما معنى هذه الآية: لا يخافُ لدىَّ الْمُرْسَلون، ولا مَن ظلَم ثم بدَّل حُسْنًا. قال : (١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت٣، ف . (٢) هو الفراء فى معانى القرآن ٢٨٧/٢. (٣) فى ت ١، ت ٢: ((معصومون). (٤) فى ت ١، ت ٢: ((يخاف)). (٥) هو أبو عبيدة فى مجاز القرآن ٦٠/١. وينظر ما تقدم فى ٦٨٨/٢ . ( تفسير الطبرى ٢/١٨) ١٨ سورة النمل : الآية ١١ وجعَلوا مثلَه كقولِ اللَّهِ: ﴿لِثَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حَُّةُ إِلَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠]. قال: ولم أجِدِ العربيةَ تَحتملُ ما قالوا؛ لأنى لا أجيزُ: قامَ الناسُ إلا عبدَ اللَّهِ ، وعبدُ اللَّهِ قائمٌ، إنما معنى الاستثناءِ أن يخرجَ الاسمُ الذى بعدَ ((إلا)) من معنى الأسماءِ التى قبلَ ((إلا))، وقد أراه جائزًا أن يقولَ: لى عليك ألفٌ سوى ألفٍ آخرَ. فإن وضعتَ ((إلا)) فى هذا الموضعِ صَلَحَت، وكانت ((إلا)) فى تأويلِ ما قالوا، فأما مُجرَّدةً قد استثْنِى قليلُها مِن كثيرِها فلا ، ولكن مثلُه مما يكونُ معنى ((إلا )) كمعنى ((الواوٍ)) وليست بها، قولُه: ﴿خَلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ إِلَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧] هو فى المعنى: والذى شاءربُّك مِن الزيادة. فلا تُجعَلُ ((إلا)) بمنزلةِ ((الواوٍ))، ولكن بمنزلةِ ((سِوى))، فإذا كانت ((سوى)) فى موضعٍ ((إلَّ)) صَلَحَت بمعنى ((الواوٍ))؛ لأنك تقولُ: عندى مالٌ كثيرٌ سوى هذا. أى: وهذا عندى. كأنك قلتَ : عندى مالٌ كثيرٌ، وهذا أيضًا عندى . وهو فى ((سِوى)) أبعدُ منه فى ((إلا))؛ لأنك تقولُ: عندى سوى هذا. ولا تقولُ: عندى إلا هذا . قال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القولِ فى قولِه: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُرَّ بَدَّلَ ﴾. عندى غيرُ ما قاله هؤلاء الذين حكَينا قولَهم مِن أهلِ العربيةِ ، بل هو القولُ الذى قالَه الحسنُ البصرىُّ وابنُ مجرَيج، ومَن قال قولَهما؛ وهو أن قولَه: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ﴾ استثناء صحيحٌ مِن قولِهِ: ﴿لَا يَخَافُ لَدَىَ الْمُرْسَلُونَ﴾. إلا مَن ظلَم منهم فأتَى ذَنْبًا، فإنه خائفٌ لديه مِن عُقُويتِه . وقد بيّنَّ الحسنُ رحِمه اللَّهُ معنى قيلِ اللَّهِ لموسى ذلك، وهو قولُه: قال: إنى إنما أَخَفْتُك لقَتْلِك النفسَ . (١) فى ص، ت ٢: ( ولا)). ۔ ١٩ سورة النمل : الآية ١١ فإن قال قائلٌ: فما وجهُ قِيلِه إن كان قولُه: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ﴾ استثناءً صحيحًا ، وخارجًا مِن عدادٍ مَن لا يخافُ لدَيه مِن المرسلين؟ وكيف يكونُ خائفًا مَن كان قد وُعِد الغفرانَ والرحمةَ؟ قيل: إن قوله: ﴿ثُرَّا بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوْءٍ﴾. كلامٌ آخرُ بعدَ الأُوَّلِ، وقد ١٣٨/١٩ تناهَى الخبرُ عن الرسلِ ممَّن ظلم منهم ومن لم يظلِمْ عندَ قولِه: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ﴾. ثم ابتدأ الخبرَ عمَّن ظلَم مِن الرسلِ، وسائرِ الناسِ غيرِهم. وقيل: فمَن ظلم ثم بدَّل حُسْنًا بعدَ سُوءٍ فإنی له غفورٌ رحيمٌ . فإن قال قائلٌ: فعلامَ تَعْطِفُ، إن كان الأمر كما قلتَ، بـ﴿ثُمَّ﴾، إِن لم يَکَنْ عطفًا على قولِه: ﴿ظَلَمَ ﴾؟ قيل: على متروكِ اسْتُغْنِى بدلالةِ قولِهِ: ﴿ثُرَّ بَدَّلَ حُسْنَا بَعْدَ سُوْءٍ﴾ عليه عن(١) إِظْهارِهِ ، إذ كان قد جرَى قبلَ ذلك مِن الكلامِ نظيرُه، وهو: فمَن ظلَم مِن الخلقِ . وأما الذين ذكّرنا قولَهم مِن أهلِ العربيةِ ، فقد قالوا على مذهبِ العربيةِ ، غير أنهم أغفلوا معنى الكلمةِ، وحمَلوها على غيرِ وَجْهِها مِن التأويلِ، وإنما ينبغى أن يُحمَّلَ الكلامُ على وجهِه مِن التأويلِ، ويُلْتَمَسَ له على ذلك الوجهِ للإعرابِ فى الصحةِ ، مَخْرَجُ، لا على إحالةِ الكلمةِ عن معناها ووَجْهِها الصحيحِ [٥٢٧/٢ظ] مِن التأويلِ . وقولُه: ﴿ثُرَ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوْءٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فمَن أَتَى ظُلْمًا مِن خلقِ اللَّهِ، وَرَكِب مأتمًا، ﴿ ثُرَّ بَدَّلَ حُسْنًا﴾. يقولُ: ثم تابَ مِن ظُلْمِه ذلك ، وركوبِه المأثمَ ، ﴿فَإِنِ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(١)﴾ . يقولُ : فإنى ساترٌ على ذنبه وظلمِه ذلك ، (١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت٣، ف: (و)). (٢) سقط من: م. ٢٠ سورة النمل : الآيتان ١٢،١١ بعَفْوى عنه، وتركِى عقوبتَه عليه، رحيمٌ به أن أَعاقِتَه بعدَ تَبْديلِه الحُسْنَ بعده(١). وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُرَّ بَدَّلَ حُسْنَا بَعْدَ سُوْءٍ﴾: ثم تابَ مِن بعدِ إِساءِتِه، ﴿فَإِنِّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾(١). القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجُ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٌ فِي نِسْعِ ءَايَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَّوْمِّ إِنَّهُمْ كَانُوْ قَوْمًا فَضِقِينَ يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قِيلِه لنبيِّه موسى: ﴿ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ﴾ . ذُكِر أنه تعالى ذكرُه أمَره أن يُدْخِلَ كفَّه فى جيبه ، وإنما أمرَه بإدخالِهِ فی جیبِه ؛ لأن الذی کان علیہ یومئذٍ مِدْرَعةٌ مِن صوفٍ؛ قال بعضُهم: لم يَكُنْ لها كُمّ. وقال بعضُهم: کان کُمُّها إلى بعضِ يَدِه . ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مجرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾. قال: الكَفُّ قطَّ(١)، ﴿فِ جَيْبِكَ﴾ . قال : (١) فى م: ((بضده)). (٢) تقدم تخريجه فى ص١٥ . (٣) فى م: ((فقط)).