Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
سورة الفرقان : الآية ١٩
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرَّأَ﴾. قال: المشركون لا يستطيعونه(١).
/ حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، عن ٩٣/١٨
مجاهدٍ: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرَأْ﴾. قال: المشركون . قال ابنُ جُرَيجٍ :
لا يَشْتَطِيعون صرفَ العذابِ عنهم ولا نصرَ أنفسِهم .
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿فَمَا
تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾. قال: لا يَستطِيعون يَصْرِفون عنهم العذابَ الذى نزَل
بهم حينَ كُذِّبوا، ولا أن يَنتصِروا. قال: ويُنادى مُنادٍ يومَ القيامةِ حينَ يَجتمِعُ
الخَلَائقُ: ﴿ مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات: ٢٥]. قال: مَن ◌ُبِد مِن دونِ اللَّهِ لا يَنْصُرُ
اليومَ مَن عبَدَه . وقال: العابدون مِن دونِ اللَّهِ لا يَنْصُرُهُ(١) اليومَ إِلُه الذی یَعْبُدُ مِن دونِ
اللَّهِ. فقال اللَّهُ تبارك وتعالى: ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات: ٢٦]. وقرَأَ قولَ
اللَّهِ جلَّ ثناؤه: ﴿فَإِنِ كَنَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ [المرسلات: ٣٩].
ورُوِى عن ابن مسعودٍ فى ذلك ما حدَّثنا به أحمدُ بنُ يُوسفَ (٤) ، قال: ثنا
(١) تفسير مجاهد ص ٤٩٧، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٧٤/٨، وتقدم أوله فى ص ٤١٧، ٤١٩.
(٢) فى ص، ت١، ت٢: (( ينصر)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٧٤/٨ من طريق أصبغ ، عن ابن زيد .
(٤) فى م: (( يونس)).

٤٢٢
سورة الفرقان : الآية ١٩
القاسمُ، قال : ثنا حجاجٌ، عن هارونَ ، قال: هى فى حرفِ عبدِ اللهِ بن مسعودٍ :
( فما يَسْتَطِيعون لك صَرْفًا ) .
فإِن تَكُنْ هذه الروايةُ عنه صحيحةً ، صحَّ التأويلُ الذى تأُوَّله ابنُ زيدٍ فى قولِه :
فَقَدْ كَذَّبُوَّكُمْ بِمَا نَقُولُونَ﴾. ويَصِيرُ قولُه: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ ﴾ خبرًا عن
المشركين أنهم كذَّبوا المؤمنين. ويكونُ تأويلُ قولِه حينَئذٍ: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا
وَلَا نَصْرَأْ﴾: فما يَستطِيعُ يا محمدُ هؤلاء الكفارُ لك صرفًا عن الحقِّ الذى هداك اللَّهُ
له، ولا نصرَ أنفسِهم مما بهم مِن [٤٩٠/٢ظ] البلاءِ الذى هم فيه بتكذيبهم إياك.
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَمَن يَظْلِمِ مِنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ .
يقولُ تعالى ذكره للمؤمنين به: ومَن يَظْلِمْ منكم أيُّها المؤمنون . يعنى بقوله:
﴿ وَمَن يَظْلِمِ﴾: ومَن يُشْرِكُ بِاللَّهِ فِيَظْلِمْ نفسَه، فذلك ﴿نُذِقْهُ عَذَابًا
كَبِيرًا﴾، كالذى ذكرنا أنَّا نُذِيقُه الذين كذَّبوا بالساعةِ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ
فى قوله: ﴿وَمَن يَظْلِمِ مِّنْكُمْ﴾. قال: يُشْرِكْ، ﴿نُذِقْهُ عَذَابًا
كَبِيرًا﴾(٢).
حدَّثنا الحسنُ، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الحسنِ فى
(١) فى م: ((بشرك)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٥/٥ إلى المصنف.

٤٢٣
سورة الفرقان : الآيتان ١٩، ٢٠
قوله: ﴿وَمَن يَظْلِمِ مِّنْكُمْ﴾. قال: هو الشركُ(١) .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِنَ إِلَّ إِنَّهُمْ
لَيَأْكُونَ الطََّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقْ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَنَصْبِرُونٌ
٢٠
وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا
/ وهذا احتجاجٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه لنبيّه على مشركى قومِه الذين قالوا: ١٩٤/١٨
﴿ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِى فِي الْأَسْوَاقِ ﴾ [ الفرقان: ٧] . وجوابٌ
لهم عنه. يقولُ لهم جلَّ ثناؤه: وما أَنْكَر يا محمدُ هؤلاء القائلون: ﴿مَالِ هَذَا
الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِىِ فِي الْأَسْوَاقِ﴾. من أكلِك الطعامَ، ومشيك فى
الأسواقِ، وأنت للَّهِ رسولٌ، فقد علموا أنَّا ما أرْسَلْنا قبْلَك مِن المرسلين إلا مَن " إنهم
ليَّأْكُلون الطعامَ وَيَمْشون فى الأسواقِ، كالذى تَأْكُلُ أنت وَتَمْشِى ، فليس لهم عليك
بما قالوا من ذلك حجةٌ ؟
فإن قال قائلٌ: فإن ((مَن)) ليست فى التلاوة، فكيف قلتَ: معنى الكلام: إلا
مَن إنهم لَيَأْكُلُون الطعامَ؟
قيل: قلنا فى ذلك : معناه أن الهاءَ والميمَ فى قوله: ﴿إِنَّهُمْ﴾. كنايةُ أسماءٍ
لم تُذْكَوْ، ولابدَّ لها مِن أن تعودَ على مَن كُنِى عنه بها، وإنما تُرِك ذكرُ ((مَن))
وإظهارُه فى الكلام، اكتفاءً بدَلالةِ قولِه: ﴿مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. عليه، كما اكْتُفِى
فى قوله: ﴿ وَمَا مِنَّ إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]. مِن إظهارِ ((مَن))، ولا
شكَّ أن معنى ذلك: وما منا إلا مَن له مقام معلومٌ. كما قيل: ﴿ وَإِن مِنْكُمْ إِلَّا
وَارِدُهَا ﴾ [مريم: ٧١]. ومعناه: وإن منكم إلا مَن هو واردُها. فقوله: ﴿ إِنَّهُمْ
ج
(١) تفسير عبد الرزاق ٦٧/٢ .
(٢) سقط من : م .

٤٢٤
سورة الفرقان : الآية ٢٠
لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ صلةٌ لـ ((مَن)) المتروكِ، كما يقالُ فى الكلام: ما أَرْسَلْتُ
إليك مِن الناسِ إلا مَن إنه لَيُبَلِّغُك الرسالةَ. فـ: إنه لَيَتَلِّغُك الرسالةَ. صلةٌ لـ((مَن)).
وقولُه: ﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وامْتَحَنَّا
أيُّها الناسُ بعضَكم ببعضٍ، جعَلْنا هذا نبيًّا، وخصَصْناه بالرسالةِ، وهذا ملِكًا،
وخصَّصْناه بالدنيا ، وهذا فقيرًا، وحرَمْناه الدنيا؛ لنَحْتَبِرَ الفقيرَ بصبرٍه على ما حُرِمٍ مما
أَعْطِيَه الغنىُ ، والملِكَ بصبرِه على ما أَعْطِيَه الرسولُ مِن الكرامةِ ، وكيفَ رِضا كلِّ
إنسانٍ منهم بما أُعْطِىَ وقُسِم له ، وطاعتُه ربَّه مع ما حُرِمٍ مما أُعْطِىَ غيرُه . يقولُ: فمن
أجلِ ذلك لم أُعْطِ محمدًا الدنيا، وجعَلْتُه يَطْلُبُ المعاشَ فى الأسواقِ ، ولِأَبْتَلِيَّكم
أيُّها الناسُ ، وأَخْتَبِرَ طاعتكم ربَّكم ، وإجابتكم رسولَه إلى ما دعا كم إليه ، بغيرِ عَرَضٍ
مِن الدنيا تَوْجُونه مِن محمدٍ أن يُعْطِيَكم على اتِّباعِكم إياه؛ لأنى لو أعْطَيْتُه الدنيا
لَسارَع كثيرٌ منكم إلى اتباعِه، طمعًا فى دنياه أَن يَنالَ منها .
وبنحوِ الذى قلنا فى تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أبى رَجاءٍ، قال: ثنى
عبدُ القُدُّوسِ، عن الحسنِ فى قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ الآية.
يقولُ هذا الأعمى: لو شاء اللَّهُ لجَعَلَنى بصيرًا مثلَ فلانٍ . ويقولُ هذا الفقيرُ: لو شاء
اللَّهُ لَجَعَلَنى غنيًّا مثلَ فلانٍ. ويقولُ هذا السقيمُ: لو شاء اللَّهُ لَجعَلنى صحيحًا مثلَ(١)
فلانٍ(٢).
(١) فى م، ف: ((مثلًا)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٧٥/٨ من طريق ابن علية به ، وأخرجه البيهقى فى الشعب
(١٠٠٧٢) من طريق أبى رجاء به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٥/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

٤٢٥
سورة الفرقان : الآية ٢٠
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج فى قوله :
وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضِ فِتْنَةً أَنَصْبِرُونٌ﴾. قال: يُمْسِكُ عن(١) هذا،
ويُوَسِّعُ على هذا، فيقولُ: لم يُعطِنى مثلَ ما أَعْطَى فلانًا . ويَتَلِى بالوَجَعِ كذلك،
فيقولُ : لم يَجْعَلْنى ربى صحيحًا مثلَ فلانٍ. فى أشباهِ ذلك مِن البلاءِ؛ لِيَعْلَمَ مَن يَصْبِرُ
(٢)
ممن يَجْزَعُ(١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا سلمةُ ، قال : ثنى ابنُ إسحاقَ ، قال : ثنى محمدُ بنُّ
أبى محمدٍ - فيما يَرَى (١) / الطبرىُّ - عن عكرمةَ، أو عن سعيدٍ، عن ابنٍ ١٩٥/١٨
عباسٍ ، قال: وأَنْزِل عليه فى ذلك مِن قولهم: ﴿ مَالِ هَذَا الرّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ
وَيَمْشِى فِي الْأَسْوَاقِ﴾ الآية: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ إِنَّهُمْ
لَيَأْكُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِ الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً
أَتَصْبِرُونُّ﴾. أى: جعَلْتُ بعضَكم لبعضٍ بلاءً؛ لتَصْبِروا على ما تَسْمَعون منهم
وتَرَوْن مِن خلافِهم ، وتَتَبِعوا الهدَى بغيرِ أَن أَعْطِيَهم عليه الدنيا ، ولو شئتُ أن أَجْعَلَ
الدنيا مع رسلى ، فلا يُخالَفون لَفعَلْتُ، ولكنى قد أرَدْتُ أن أَبْتَلِيَ العبادَ بكم،
وَأَيْتَلِيَّكم بهم (٥).
وقولُه: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾. يقولُ: وربُّك يا محمدُ بصيرٌ بَمَن
يَجْزَعُ، ومَن يَصْبِرُ على ما امْتُحِن به [٤٩١/٢ و] مِن المحنِ.
(١) فى ت٢: ((على)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٦/٥ إلى المصنف وابن المنذر.
(٣) فى م: (( يروى)).
(٤) بعده فى ت٢: (( بن جبير)).
(٥) سيرة ابن هشام ٣٠٩/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٧٦/٨ من طريق سلمة ، عن ابن إسحاق
قوله ، وذكره البغوى فى تفسيره ٧٧/٦ عن ابن عباس .

٤٢٦
سورة الفرقان : الآيتان ٢٠، ٢١
كما حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ :
﴿ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾: إن ربَّك لَبَصِيرٌ بَنِ يْزَعُ ومَن يَصْبِرُ".
١/١٩
/القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا
٢١
الْمَلَتِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَاْ لَقَدِ اسْتَكْبَرُواْ فِىّ أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُنُوَّ كَبِيرًاً
يقول تعالى ذكره: وقال المشركون الذين لا يخافون لقاءَنا، ولا يَخْشَون
عقابَنا: هلا أَنزَل اللهُ علينا ملائكته(٢) فتخبرَنا أن محمدًا محقٌّ فيما يقولُ (٣ أنه
محقٌّ(٢)، وأن ما جاءنا به صدقٌ. أو نرى ربَّنا فيخبرَنا بذلك. كما قال جل
ثناؤه مخبرًا عنهم: ﴿ وَقَالُواْ لَن تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرُ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا ﴾
[الإسراء: ٩٠]. ثم قال بعدُ: ﴿أَوْ تَأْتِىَ بِاللَّهِ وَالْمَلَتْبِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢]. يقولُ
اللهُ: لقد استكبرَ قائلو هذه المقالةِ فى أنفسِهم، وتعظَّموا، ﴿ وَعَتَوْ عُثُوًّا كَبِيرًا﴾ .
يقولُ: وتجاوزوا فى الاستكبارِ بقيلهم ذلك حدَّه .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ مجرَيجٍ،
قال: قال كفار قريشٍ: لولا أَنزِل علينا الملائكةُ فيخبرونا أن محمدًا رسولُ
اللهِ، "لقد اسْتكبروا ﴿وَعَتَوْ عُنُوًّا كَبِيرًا﴾. قال: شدةَ الكفرِ".
(١) تقدم أوله فى الصفحة السابقة .
(٢) فى م: ((ملائكة)).
(٣ - ٣) سقط من: م، ت١، ت٢، ت٣.
(٤ - ٤) سقط من: م، ت١، ت٣، ف .
والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٦/٥ إلى المصنف وابن المنذر دون آخره، فقد عزاه إلى ابن المنذر =

٤٢٧
سورة الفرقان : الآيتان ٢١، ٢٢
وقال: ﴿ وَعَتَوْ عُثُوًّا﴾؛ لأن ((عتا)) مِن ذواتِ الواوِ، فأُخْرِج مصدرُه
على الأصلِ بالواوٍ، وقيل فى سورةِ ((مريمَ)): ﴿ وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ
عِيًّا﴾ [مريم: ٨]. وإنما قيل ذلك كذلك (١) ، لموافقةِ المصادرِ فى هذا الوجهِ جَمْعَ
الأسماءِ، كقولهم: قعد قعودًا. وهم قومٌ قعودٌ. فلما كان ذلك كذلك، وكان
العاتى يُجْمَعُ عِتِيًّا بناءً على الواحدِ ، جُعِل مصدُره أحيانًا موافقًا لجمعِه، وأحيانًا
مردودًا إلى أصلِه .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَئِكَّةَ لَا بُشْرَى يَوْمَيِدٍ لِلْمُجْرِمِينَ
وَيَقُولُونَ حِجْرًا نَّحْجُورًا
٢٢
يقول تعالى ذكرُه : يومَ يرى هؤلاء الذين قالوا: ﴿ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَكَتِكَةُ أَوْ
نَرَى رَبَّنًا﴾. بتصديقٍ محمدٍ - / الملائكةَ، فلا بشرَى لهم يومئذٍ بخيرٍ ، ﴿ وَيَقُولُونَ ٢/١٩
حِجْرًا نَّحْجُورًا﴾. يعنى أن الملائكةَ يَقُولون للمجرمين: ﴿ حِجْرًا تَحْجُورًا ﴾ . حرامًا
محرمًا عليكم اليومَ البشرى أن تكونَ مِن اللهِ . ومِن ((الحجْرِ )) قولُ المتلمّس(١):
حِجْرٌ حرامٌ أَلَا تلك الدهارِيسُ
حَنَّتْ إلى النخلةِ(٣) القُضْوى فقلتُ لها
ومنه قولُهم: حجَر القاضى على فلانٍ، وحجّر فلانٌ على أهلِه. ومنه
حِجْرُ الكعبة ؛ لأنه لا يُدْخَلُ إليه فى الطوافِ، وإنما يطافُ مِن ورائِه، ومنه
قولُ الآخرِ(٤):
= وحده من قول ابن عباس .
(١) زيادة من : م .
(٢) تقدم تخريجه فى ٥٧٨/٩ .
(٣) فى م، ف: ((نخلة)). وهى رواية.
(٤) هو حميد بن ثور الهلالى، والبيت فى ديوانه ص ٨٤، وفيه: أغْشَى، يُغْشى. بدلا من: ألقى، يُلْقى.

٤٢٨
سورة الفرقان : الآية ٢٢
فلَمِثْلُها يُلْقَى إليه المَحْجِرُ
فهمَمتُ أن أَلْقَى إليها مَحْجِرًّا
أى: مثلُها يُؤْكَبُ منه المُحْرَّمُ .
واختلَفِ أهلُ التأويلِ فى المخْبَرِ عنهم بقولِه: ﴿ وَيَقُولُونَ حِجْرًا تَّحْجُورًا﴾ .
ومَن قائلوه؟ فقال بعضُهم: قائلو ذلك الملائكةُ للمجرمين. نحوَ الذى قلنا فيه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن الأجْلَح ،
قال: سمِعتُ الضحاكَ بنَ مُزاحم، وسأله رجلٌ عن قولِ اللهِ: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا
تَحْجُورًا﴾. قال: تقولُ الملائكةُ: حرامًا محرَّمًا أن تكون لكم (١) البشرى(١).
حدَّثنى عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ، قال: ثنى أبى، عن جدِّى، عن
الحسينِ(١)، عن قتَادةَ: ﴿ وَيَقُولُونَ حِجْرًا تَحْجُورًا﴾. قال: هى كلمةٌ كانت العربُ
تقولُها؛ كان الرجلُ إذا (" نزَلت به شديدةٌ)، قال(٥): حِجْرًا. يقولُ: حرامًا مُحرَّمًا (٦).
حدِّثتُ عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقول: أخبرنا عبيدٌ ، قال:
سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿لَا بُشْرَى يَوْمَيِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًاً
تَحْجُورًا﴾: لما جاءت زلازلُ الساعةِ، فكان من زلازلها أن السماءَ انشقَّت ﴿فَهِىَ
(١) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((لهم)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٧٧/٨ من طريق جوبير عن الضحاك. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٦٦/٥ إلى عبد بن حميد .
(٣) فى م، ت ١، ت ٣: ((الحسن)). وتقدم فى ٤٧٦/٩، ٥٤٦، ٥٧٩ .
(٤ - ٤) فى م: (( نزل به شدة)).
(٥) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، ف: ((قالوا)).
(٦) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٦٧/٢، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٧٨/٨ عن معمر عن
الحسن وقتادة. وذكره السيوطى فى الدر المنثور ٦٦/٥ إلى ابن المنذر عن الحسن وقتادة.

٤٢٩
سورة الفرقان : الآ ية ٢٢
وَأَلْمَلَكُ عَلَى أَرْجَآَيِهَا﴾ [الحاقة: ١٦، ١٧] أى (١) : على شِقَّةٍ ، كلُّ.
يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ
شىءٍ تَشَقَّقَ / مِن السماءِ، فذلك قوله: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ اٌلْمَلَئِكَةَ لَا يُشْرَى يَوْمَيِذٍ ٣/١٩
لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ﴾. يعنى: الملائكةُ تقولُ للمجرمين: حرامًا محرَّمًا أيُّها المجرمون ،
أن تكونَ لكم البشرى اليومَ حينَ رأيْتُمونا(٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنا
الحارثُ، (٣ قال: ثنا الحسن٣ُ(٢ قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا) عن ابن أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَئِكَةَ﴾. قال: يومَ القيامةِ، ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا نَحْجُورًا﴾ .
قال : عَوْذًا مَعاذًا .
حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءٌ ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ مثلَه، وزاد فيه : الملائكةُ تقولُه(٦) ..
وقال آخرون : ذلك خبرٌ مِن اللهِ عن قيلٍ المشركين إذا عايَنوا الملائكةَ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ:
﴿يَوْمَ يَرَوْنَ اُلْمَلَئِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَيِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا نَحْجُورًا﴾ . قال
(١) زيادة من : ت٢ .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٧٧/٨ من طريق أبى معاذ به .
(٣ - ٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٣، ف.
(٤ - ٤) سقط من: ص، م، ت١، ت٣، ف. وأثبتنا هذا الإسناد كاملًا من ت٢، وإن كان سيكرر مثله
مفردًا فى الإسناد بعده ، لأنه تكرر مثله فيما تقدم .
(٥) بعده فى م، ت٢: ((جميعا)).
(٦) تفسير مجاهد ص٤٩٧، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٧٦/٨، ٢٦٧٨، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٦٦/٥ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر.

٤٣٠
سورة الفرقان : الآيات ٢٢ - ٢٤
ابنُ جُرَيج: كانت العربُ إذا كرِهوا شيئًا قالوا: حجْرًا. فقالوا حين عايَنوا
الملائكةَ(١)
.
قال ابنُ جريج: قال مجاهدٌ: ﴿ حِجْرًا﴾: عَوْذًا، يَسْتَعِيذون مِن الملائكةِ ..
قال أبو جعفرٍ: وإنما اخترنا القولَ الذى اخترنا فى تأويلِ ذلك ؛ مِن أجلٍ أنَّ
الحِجْرَ هو الحرامُ، فمعلومٌ أن الملائكةَ هى التى تخبرُ أهلَ الكفرِ أن البُشرى عليهم
حرامٌ. وأمَّا الاستعاذةُ فإنها الاستجارةُ ، وليست بتحريم ، ومعلومٌ أن الكفارَ لا
يقولون للملائكة : حرام عليكم. فيوجَّهَ الكلامُ إلى أن ذلك خبرٌ عن قيلِ المجرمين
للملائكة .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ هَبَآءُ
مَنشُورًا
٢٤
أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا
٢٣
يقولُ تعالى ذكره: ﴿ وَقَدِمْنَآَ﴾: وعمَدنا إلى ما عمِل هؤلاء المجرمون مِن
عملٍ . ومنه قولُ الراجِ (٣) :
وقدِمِ الخوارجُ الضُّلّالُ
إلی عبادٍ ربِّهم وقالوا
إن دماء كم لنا حلالُ
يعنى بقوله : قدم : عمَد .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
(١) ينظر تفسير البغوى ٧٨/٦، ٧٩.
(٢) مجاز القرآن لأبى عبيدة ٧٤/٢، وتفسير القرطبى ٢١/١٣ .

٤٣١
سورة الفرقان : الآية ٢٣
٤/١٩
/ ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى، وحدثنى
الحارثُ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿وَقَدِمْنَآَ﴾. قال: عمَدنا(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
وقولُه: ﴿ فَجَعَلْنَهُ هَبَآءُ مَّنثُورًا﴾. يقولُ: فجعَلناه باطلًا؛ لأنهم لم يَعْمَلوه
للهِ، وإنما عمِلوه للشيطان .
والهبَاءُ هو الذى يُرَى كهيئةِ الغُبارِ إذا دخَل ضوءُ الشمسِ مِن كُوَّةٍ ،
يحسَبُه الناظرُ غُبارًا، وليس بشىءٍ تَقْبِضُ عليه الأيدى، ولا تَمَشُه، ولا ◌ُرَى ذلك فى
الظلِّ .
واختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ ذلك ؛ فقال بعضُهم بنحوِ الذى قلنا فيه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ المثنَّى ، قال : ثنا محمدٌ ، قال: ثنا شعبةُ ، عن سِماكٍ، عن
عكرمةَ أنه قال فى هذه الآية: ﴿هَبَآءُ مَنتُورًا﴾ . قال: الغبارُ الذى يكونُ فى
(٢)
الشمسِ) .
(١) تفسير مجاهد ص٤٩٧، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٧٨/٨، وأخرجه ابن المبارك فى الزهد
(١٥١٩) عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٦/٥ إلى الفريابى وابن أبى
شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٧/٥ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

٤٣٢
سورة الفرقان : الآية ٢٣
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أبى رجاءٍ، عن الحسنِ فى
قوله: ﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ هَبَآءُ مَّنثُورًا﴾. قال: الشعاُ فى
كُوَّةِ أحدِهم ، إن ذهَب يَقْبِضُ عليه لم يَسْتَطِعْ(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿هَبَآءُ مَنْتُورًا﴾ قال: شعاُ الشمسِ مِن الكُوَّةِ(٢) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الحسن فى
قوله: ﴿هَبَآهُ مَنتُورًا﴾. قال: ما رأَيتَ شيئًا يَدْخُلُ البيتَ مِن الشمسِ، تَدْخُلُهُ مِن
الكُؤَّةِ، فهو الهَبَاءُ(١) .
وقال آخرون : بل هو ما تَسفِيه الريامح مِن الترابِ، وتَذْرُوه مِن حُطامِ الأشجارِ
ونحو ذلك .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريج، عن عطاءٍ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٧٩/٨ من طريق ابن علية به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٧/٥
إلی عبد بن حميد .
(٢) تفسير مجاهد ص٤٩٧، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٧/٥ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن
المنذر .
(٣) تفسير عبد الرزاق ٦٧/٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٧٩/٨ من طريق أبى رجاء، عن الحسن،
وعزاه السیوطی فی الدر المنثور ٦٧/٥ إلى عبد بن حميد .

٤٣٣
سورة الفرقان : الآيتان ٢٣، ٢٤
الخراسانىٌّ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿هَبَآءُ مَنْشُورًا﴾. قال: ما تَسفِى الريحُ وتَبَثُّهُ(١).
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ:
﴿هَبَآءُ مَنْتُورًا﴾. قال: هو ما تَذْروُ( ١) الريحُ مِن حُطامِ هذا الشجرِ" .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿هَبَآءُ
مَنْثُورًا﴾ قال: الهَباءُ الغُبَارُ(٤).
وقال آخرون : هو الماءُ المُهراقُ .
٥/١٩
/ ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی علىّ ، قال : ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن على ، عن
ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿هَبَآءُ مَنْتُورًا﴾. يقالُ: الماءُ المُهراقُ(٥).
وقولُه جلَّ ثناؤه: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾.
يقولُ تعالى ذكره : أهلُ الجنةِ يومَ القيامةِ ﴿خَيْرٌ مُّسْتَقَرًا﴾، وهو الموضعُ الذى
يَسْتَقِرُون فيه مِن منازلهم فى الجنةِ - مِن مستقرّ هؤلاء المشركين الذين يَفْخرون
بأموالهم، وما أوتوا مِن عَرَضٍ هذه الدنيا فى الدنيا ، وأحسنُ منهم فيها مَقِيلًا .
فإن قال قائلٌ: وهل فى الجنةِ قائلةٌ فيقالَ: ﴿ وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ فيها ؟
(١) ذكره الحافظ فى التغليق ٢٧٠/٤ عن المصنف.
(٢) فى ت٢، والدر المنثور: ((تذروه))، وفى نسخة من تفسير عبد الرزاق: ((تذرى)).
(٣) تفسير عبد الرزاق ٦٧/٢. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٧٩/٨ من طريق خالد بن قيس ، عن
قتادة . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٧/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٤) ينظر تفسير ابن كثير ١١١/٦ .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٧٩/٨ من طريق عبد الله بن صالح به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
( تفسير الطبرى ٢٨/١٧ )
٦٧/٥ إلی ابن المنذر .

٤٣٤
سورة الفرقان : الآية ٢٤
قيل : معنى ذلك : وأحسنُ فيها قرارًا فى أوقاتٍ قائلتِهم فى الدنيا . وذلك أنه
ذُكِر أن(١) أهلَ الجنةِ لا يمرُّ بهم (١) فى الآخرةِ إلا قدرُ ميقاتِ النهارِ ، من أوّلِهِ إلى وقتٍ
القائلةِ ، حتى يَسكنوا مساكنَهم فى الجنةِ ، فذلك معنى قوله: ﴿ وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾.
ذكرُ الروايةِ عمن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، [٤٩٢/٢ و] قال: ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال: ثنى
أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ
مَقِيلًا﴾. يقولُ: قالُوا فى الغرفِ فى الجنةِ ، وكان حسابُهم أن عُرِضوا على ربِّهم
عَرْضةً واحدةً ، وذلك الحسابُ اليسيرُ، وهو مثلُ قولِه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِنَبَهُ
وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِ مَسْرُورًا﴾
٨
فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا
بِيَمِینِةٍ،
(٣)
[الانشقاق : ٧-٩].
حدَّثنى أبو السائبِ ، قال: ثنا أبو معاويةً، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ فى قولِه :
﴿أَصْحَبُ اُلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَفَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾. قال: كانوا يَرَون أنه
يُفْرَغُ مِن حسابِ الناسِ يومَ القيامةِ فى ١٢ نصفِ النهارِ ، فيَقيلُ هؤلاء فى الجنةِ ،
وهؤلاء فى النارِ(٥) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُرَيجٍ :
﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾. قال: لم يَنْتَصِفِ النهائُ
(١) سقط من: ص، ت١، ت٢، ت٣، ف .
(٢) فى م: (( فيهم)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٨١/٨ عن محمد بن سعد به .
(٤) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((إلى)). وفى الزوائد والحلية: ((فى مقدار)).
(٥) أخرجه الحسين المروزى فى زوائده على الزهد (١٣١٤)، وأبو نعيم فى الحلية ٢٣٢/٤ من طريق أبى
معاوية به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٧/٥ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.

٤٣٥
سورة الفرقان : الآية ٢٤
حتى يَقْضِىَ اللهُ بينَهم ، فيَقِيلَ أهلُ الجنةِ فى الجنةِ ، وأهلُ النارِ فى النارِ . قال : وفى
قراءة ابن مسعودٍ: (ثم إن مَقِيلَهم لَإلى الجحيمِ)(١).
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿أَصْحَبُ
اُلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾. قال: قال ابنُ عباس: كان الحسابُ
مِن ذلك فى أوّلِه، وقال القومُ حينَ قالوا فى منازلهم مِن الجنةِ. وقرَأ: ﴿أَصْحَبُ
اُلْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا ﴾ .
حدَّثنى يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: أخبرنا عمرُو بنُ الحارثِ ، أن
سعيدًا الصوّافَ حدَّثه ، أنه بلغه أن يومَ القيامةِ يُقْضَى على المؤمنين حتى يكونَ كما
بينَ العصرِ إلى غروبِ الشمسِ ، وأنهم يَقِيلون فى رياضٍ الجنةِ حتى يُفْرَغَ مِن الناسِ،
فذلك قولُ اللهِ: ﴿أَصْحَبُ اُلْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُسْتَفَرَّ وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾(١).
قال أبو جعفرٍ: وإِنما قلنا: معنى ذلك خيرٌ مستقرًّا(٢) فى الجنة منهم فى الدنيا ؛
لأن الله تعالى ذكرُه عمَّ بقولِه: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًا وَأَحْسَنُ
مَقِيلًا﴾. جميعَ أحوالِ أهلِ (٤) الجنةِ فى الآخرةِ ، أنها خيرٌ فى الاستقرارِ فيها والقائلةِ
مِن جميع أحوالِ أهلِ النارِ ، ولم يَخُصَّ بذلك أنه خيرٌ مِن أحوالِهم فى النارِ دونَ
الدنيا، ولا / فى الدنيا دونَ الآخرةِ، فالواجبُ أن يُعَمَّ كما عمَّ ربُّنا جلّ ثناؤه ، ٦/١٩
(١) تفسير سفيان ص٢٢٦، ومن طريقه الحسين المروزى فى زوائده على الزهد (١٣١٣)، وابن أبى حاتم فى
تفسيره ٢٦٨٠/٨، والحاكم ٤٠٢/٢ عن ميسرة بن حبيب ، عن المنهال ، عن أبى عبيدة ، عن ابن مسعود ،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٧/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر .
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١١٣/٦ عن المصنف .
(٣) بعده فى ت٢: ((وأحسن مقيلا)).
(٤) سقط من : م .

٤٣٦
سورة الفرقان : الآيات ٢٤ - ٢٦
فيقالُ : أصحابُ الجنةِ يومَ القيامةِ خيرٌ مستقرًّا فى الجنةِ مِن أهلِ النارِ فى الدنيا
والآخرة، وأحسنُ منهم مقيلاً . وإذا كان ذلك معناه، وضَحُ ) فسادُ قولِ مَن تَوَهَّم
أن تفضيلَ أهلِ الجنةِ بقولِ اللهِ: ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ على غيرِ الوجهِ المعروفِ مِن
كلامِ الناسِ بينَهم فى قولهم: هذا خيرٌ مِن هذا، وهذا أحسنُ مِن هذا.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَِ وَزْلَ المَلَتِكَةُ تَنزِيلًا
الْمُلْكُ يَوْمَيِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنَّ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَفِينَ عَسِيرًا
(٢٦
اختلَف القرأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿ تَشَقَّقُ﴾. فقرَأته عامَّةُ قرأةِ الحجازِ : (وَيَوْمَ
تَشَّقَّقُ ) بتشديدِ الشينِ(٢) ، بمعنى: تَتَشقَّقُ. فأدغَموا إحدى التاءين فى الشينِ،
فشدَّدوها، كما قال: ﴿لَّا يَسَمَّعُونَ إِلَى الْمَلَاِ الْأَعْلَى ﴾ [الصافات: ٨].
وقرَ أ ذلك عامَّةُ قرأةٍ أَهلِ الكوفةِ: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ﴾ بتخفيفِ الشينِ، والاجتزاءِ
بإحدى التاءين من الأُخرى(٤).
والقولُ فى ذلك عندى أنهما قراءتانِ مستفيضتانٍ فى قَرَأةِ الأمصارِ بمعنّی
واحدٍ ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ . وتأويلُ الكلام: ويومَ تشققُ السماءُ عن
الغمامِ .
وقيل: إن ذلك غمام أبيضُ، مثلُ الغمامِ الذى ظُلِّل على بنى إسرائيلَ.
وُجُعِلت الباءُ فى قوله: ﴿بِالْغَمَمِ﴾. مكانَ ((عن))، كما تقولُ: رمیت عن
القوسِ، وبالقوسٍ، وعلى القوس. بمعنّی واحدٍ .
(١) فى م: ((صح)).
(٢) فى ص، ت١، ت٢: ((منهم))، وبعده فى ف: ((منهم)).
(٣) وهى قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر . السبعة لابن مجاهد ص٤٦٤ .
(٤) وهى قراءة أبى عمرو وعاصم وحمزة والكسائى . المصدر السابق .

٤٣٧
سورة الفرقان : الآية ٢٥
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريج، عن
مجاهدٍ قوله: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَمِ﴾. قال: هو الذى قال: ﴿فِ ظُلَلٍ مِّنَ
اُلْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]. الذى يأتى اللهُ فيه يومَ القيامةِ، ولم يَكُنْ(١) قطّ إلا لبنى
-(٢)
إسرائيلَ (٢) .
قال ابنُ جريج: الغمامُ الذى يأتى اللهُ فيه ، غمامٌ زعَموا فى الجنةِ .
قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنا معتمرُ بنُّ سليمانَ ، عن عبد الجليلِ ، عن أبى حازم ،
.(٤)
عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، قال: يَهبِطُ اللهُ حين يَهْبطُ ، وبينَه وبين خلقِه سبعون ألفَ
حجابٍ(٥) ، منها النورُ والظلمةُ والماءُ، فيصوّتُ(٦) الماءُ(٢ فى تلك الظلمةِ(٤) صوتًا
تَنْخَلِعُ له القلوبُ(٨).
قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن عكرمةَ فى قولِه :
يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَبِكَةُ﴾. يقولُ: والملائكةُ حولَه (٤).
(١) بعده فى م: ((فى تلك)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٨٢/٨ من طريق حجاج به .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٨/٥ إلى ابن المنذر.
(٤) سقط من : النسخ ، والمثبت من مصادر التخريج .
(٥) فى م: ((حجابا)).
(٦) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((فيضرب)).
(٧ - ٧) سقط من : م .
(٨) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١١٥/٦ عن المصنف، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٣٧٢، وأبو الشيخ
فى العظمة (٢٧٢، ٢٨٦) من طريق معتمر بن سليمان به .
(٩) تقدم تخريجه فى ٦٠٨/٣ .

٤٣٨
سورة الفرقان : الآية ٢٥
٧/١٩
قال: ثنى حجاجٌ، عن مباركِ بنِ فضالةَ، عن عليّ بنِ زيدِ بنِ جُدْعانَ ، عن
يوسفَ بنِ مهرانَ ، أنه سمِع ابنَ عباسٍ يقولُ : إن هذه السماءَ إذا انشقَّت نزَل منها
مِن الملائكةِ أكثرُ مِن الجنِّ والإنسِ، وهو يومُ التلاقِ، يومَ يَلْتَقِى أَهلُ السماءِ وأهلُ
الأرض ، فيقولُ أهلُ الأرضِ: جاءربُّنا . فيقولون: لم يجِئْ وهو / آتٍ. ثم تَتَشَقَّقُ
السماءُ الثانيةُ ، ثم سماءٌ سماءٌ، على قدرِ ذلك مِن التضعيفِ ، إلى السماءِ السابعةِ ،
فينزلُ منها مِن الملائكةِ أكثرُ مِن جميعِ مَن نزَل مِن السماواتِ ومن الجنِّ والإنسِ .
قال : فتَنْزِلُ الملائكةُ الكَرو بِيّون(١)، ثم يأتى ربّنا تبارك وتعالى فى حمَلةِ العرشِ
الثمانيةِ ، بينَ كعبٍ كلِّ مَلَكٍ(٢) وركبتِه مسيرةُ سبعين سنةٌ ، وبينَ فَخِذِه ومنكِبِهِ
مسيرةُ سبعينَ سنةً . قال: وكلُّ ملَكِ منهم لم يَتَأَمَّلْ وجه صاحبِهِ، وكلُّ ملَكِ منهم
واضحٌ رأسَه بينَ ثدييه(٢)، يقولُ: سبحان الملك القدوسِ. وعلى رءوسِهم شىءٌ
مبسوطٌ كأنه القَباءُ، والعرشُ فوق ذلك. ثم وقَف(٤).
قال : ثنا الحسینُ ، قال : ثنا جعفرُ بنُ سلیمانَ ، عن هارون بن رئاب ، عن شھرِ
ابنِ حوشبٍ ، قال: حملةُ العرشِ ثمانيةٌ، فأربعةٌ منهم يقولون: سبحانك اللهمّ
وبحمدك، لك الحمدُ على حلمِك بعدَ علمِك، وأربعةٌ يقولون: سبحانك اللهمَّ
وبحمدك، لك الحمدُ على عفوك بعدَ قدرتِك(٥).
(١) الكروبيون: المقربون. النهاية ١٦١/٤.
(٢) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((رجل)).
(٣) فى ت١، ت٢، ف: (( يديه)).
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١١٥/٦ عن المصنف، وهو فى تفسير مجاهد ص ٤٩٨، وأخرجه ابن أبى
حاتم فى تفسيره ٢٦٨٢/٨، والحاكم ٥٦٩/٤ من طريق على بن زيد به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٧/٥
إلى عبد بن حميد وابن أبى الدنيا فى الأهوال وابن المنذر. وقال ابن كثير: مداره على علىّ بن زيد بن جدعان ،
وفيه ضعف ، وفى سياقاته غالبا نكارة شديدة .
(٥) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١١٥/٦، وأخرجه أبو الشيخ فى العظمة (٤٨٣) من طريق الأوزاعى، عن
هارون قوله .

٤٣٩
سورة الفرقان : الآيات ٢٥ - ٢٩
قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ ، عن أبى بكرِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: إِذا نظَر
أهلُ الأرضِ إلى العرشِ يهبطُ عليهم فوقَهم، شخَصت إليه أبصارُهم، ورجَفت
كُلاهم فى أجوافِهم. قال: وطارَت قلوبُهم مِن مقرّها من صدورِهم إلى
حناجرهم().
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی امی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَمِ وَزِلَ الْمَلَِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ . يعنى
يومَ القيامةِ حينَ تشقق السماءُ بالغمامِ ، وتُنَزَّلُ الملائكةُ تنزيلًا .
وقولُه: ﴿وَنُزْلَ المَلَبِكَةُ تَنزِيلًا﴾. يقولُ: ونُزِّل الملائكةُ إلى الأرض تنزيلًا،
اَلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ اُلْحَقُّ لِلرَّحْمَنَّ﴾. يقولُ: الملكُ الحقُّ يومئذٍ خالصًا(٢) للرحمنِ دونَ
كلِّ مَن سواه، وبطَلت الممالكُ يومئذٍ سوى مُلْكِه، وقد كان فى الدنيا ملوكٌ ، فبطَل
المُلِّثُ يومئذٍ سوى مُلْكِ الجبارِ، ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَفِرِينَ عَسِيرًا﴾. يقولُ:
وكان يومُ تشقَّقُ السماءُ بالغمامِ ، يومًا على أهلِ الكفرِ باللهِ ﴿عَسِيرًا﴾ ، يعنى :
صعبًا شديدًا .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَلَيْتَنِى
يَوَيْلَنَ لَيْتَنِي لَمْ أَقَّخِذْ فُلَنَا خَلِيلًا (٨َ لَّقَدْ أَضَلَّنِ
اَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا لَّ
(٢٩
عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَآءَفِيْ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَنِ خَذُولًا
يقولُ تعالى ذكرُه: ويومَ يَعَضُّ الظالمُ نفسَه المشركُ بربِّه على يديه ، ندَمًا وأسفًا
على ما فرّط فى جنبِ اللهِ ، وأوبَق نفسَه بالكفرِ به ، فى طاعةِ خليلهِ الذى صدَّه عن
(١) فى م: ((فى)).
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١١٥/٦ .
(٣) فى م: ((خالص)).

٤٤٠
سورة الفرقان : الآ يتان ٢٧، ٢٨
سبيلِ ربِّه، يقولُ: ﴿يَلَيْتَنِ أَّخَذْتُ﴾ فى الدنيا ﴿ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾. يعنى
طريقًا إلى النجاةِ مِن عذابِ اللهِ .
وقولُه: ﴿يَوَيَِّ لَيْتَنِى لَمْ أَفَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾. اختلف أهلُ التأويلِ فى المعنِىّ
بقوله: ﴿الظَّالِمُ﴾. وبقولِه: ﴿فُلَانًا﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِى بالظالم عقبةُ بنُ
أبى مُعَيطٍ؛ لأنه ارتدَّ بعدَ إِسلامِه، طلبًا منه لرضا أبيّ بنِ خلفٍ . وقالوا : فلانٌ هو
أبىّ .
٨/١٩
/ حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنی حجاج، عن ابنٍ جریچٍ، عن
عطاءِ الخراسانىٌّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان أبىُّ بنُ خلفٍ يَحْضُرُ النبىَّ عَّهِ،
فرجَره عُقْبةُ بنُ أبِى مُعَيطٍ، فنزَل: ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ بَلَيْتَنِ﴾ .
إلى قوله: ﴿ خَذُولًا﴾. قال: الظالمُ عُقْبةُ، و﴿ قُلَانًا خَلِيلًا﴾: أَبِىُّ بِنُ خَلَفٍ(١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن الشعبىِّ فى قوله: ﴿ لَيْتَنِ لَمْ
أَقَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾. قال: كان عقبةُ بنُ أبى مُعَيطٍ خليلًا لأُميةَ بنِ خلفٍ ، فأسلَم
عقبةُ ، فقال أميةُ : وجهى مِن وجهِك حرامٌ إن تابعتَ (١) محمدًا. فكفَر، وهو الذى
قال: ﴿ لَيْنِى لَمْ أَمَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ﴾(١).
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةً وعثمانَ
الجزرىِّ، عن مقسم فى قوله: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَلَيْتَنِ
أَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾. قال: اجتمَع عُقبةُ بنُ أبى مُعَيطٍ وأبىُ بنُ خلَفٍ ،
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٨/٥ إلى المصنف وابن المنذر وابن مردويه إلى قوله: ((خذولا)).
(٢) فى ت ١، ت ٢، ف، وتفسير البغوى: ((بايعت)).
(٣) ذكره الواحدى فى أسباب النزول ص ٢٥١، والبغوى فى تفسيره ٨١/٦.