Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١
سورة النور : الآية ٣٥
وقولُه: ﴿ كَمِشْكَوْقٍ﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويل فى معنى ((المشكاةِ))
و ((المصباحِ))، وما المرادُ بذلك، وبالزجاجةِ؛ فقال بعضُهم: المشكاةُ كلُّ كَوَّةٍ لا
مَنْفَذَ لها. وقالوا: هذا مثلٌ ضرَبه اللَّهُ لقلبٍ محمدٍ عَلَّه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا يعقوبُ ، عن حفصٍ، عن شِمْرٍ، قال : جاء ابنُ
عباسٍ إلى كعبِ الأحبارِ، فقال له: حدِّثْنى عن قولِ اللَّهِ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ،
كِشْكَوْمٍ﴾. قال: ﴿ كَمِشْكَوْقٍ﴾(١)، وهى الكَوَّةُ، ضرَبها(١) مثلًا لمحمدٍ عَظَاهِ،
المشكاةُ ﴿فِيهَا مِصْبَاعٌ﴾ المصباحُ قلبُه، ﴿فِ زُجَاجَةٍ﴾ الزجاجةُ صدرُه، ﴿الزُّجَاجَةُ
كَأَنَّهَا كَوَكَبٌ دُرِىٌ﴾؛ شبَّه صدرَ النبيِّ ◌َِّ بالكوكبِ الدُّرِّىِّ، ثم رجَع إلى(٢)
المصباحِ إلى قلبِهِ، فقال: ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَرَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْفِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ ﴾ لم
نَسَّها شمسُ المشرقِ ولا شمسُ المغربِ، "﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىَءُ﴾: يكادُ
محمدٌ عَلِ يَبِينُ للناسِ، وإن لم يَتَكَلَّمْ ، أنه نبيٌّ، كما يكادُ ذلك الزيتُ يُضِىءُ
﴿ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسَّهُ نَأَُّ نُورٌ عَلَى نُورِّ﴾(٥) .
حدَّثنى علىّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿كَمِشْكَوْقٍ﴾. يقولُ: موضعُ الفَتِيلةِ(٢).
(١) سقط من: ف، وفى م: ((المشكاة)).
(٢) بعدها فى م، ت٢: ((الله)).
(٣) سقط من : م .
(٤ - ٤) سقط من : ت١، ف .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥٩٧/٨، ٢٥٩٩، ٢٦٠٣ من طريق شمر به، وتقدم أوله فى ص٢٩٩.
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم ٢٥٩٥/٨ من طريق أبى صالح به ، وتقدم أوله فى ص ٢٩٦.
٣٠٢
سورة النور: الآية ٣٥
/ حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمى ، قال: ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ إلى: ﴿كَمِشْكَوْمْ﴾ .
قال : المشكاةُ كَوَّةُ البيتِ(١) .
وقال آخرون : عُنِى بالمشكاةِ صدرُ المؤمنِ، وبالمصباحِ القرآنُ والإيمانُ،
وبالزجاجة قلبُه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى ، قال : أخبرنا أبو
جعفرٍ الرازىُّ، عن الربيع بن أنسٍ، عن أبى العاليةِ ، عن أبيّ بنِ كعبٍ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ،
كَمِشْكَوْمٍ فِهَا مِصْبَاءٌ﴾ . قال: مَثَلُ المؤمنِ قد جُعِل الإيمانُ والقرآنُ فى صدرِهِ،
﴿ كَمِشْكَوْقٍ﴾. قال: المشكاةُ صدرُه، ﴿فِهَا مِصْبَاحٌ﴾. قال: والمصبامحُ القرآنُ
والإيمانُ الذى جُعِل فى صدرِه، ﴿ اٌلْمِصْبَاحُ فِ زُجَاجَةٍ﴾. قال: والزجاجةُ قلبُه،
﴿ اَلْزُّجَاجَةٌ كَأَنَّهَا كَوْكَبُ دُرِىٌ يُوقَدُ﴾. قال : فمثلُه مما استنار فيه القرآنُ والإِيمانُ كأنه
كَوْكَبٌ دُرِىٌ﴾. يقولُ: مُضِىءٌ، ﴿ يُوقَّدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَرَكَةٍ ﴾ والشجرةُ
المباركةُ أصلُه، المباركةُ: الإخلاصُ للَّهِ وحدَه وعبادته، لا شريكَ له، ﴿لَّا شَرْقِيَّةٍ
وَلَ غَرْبِيَّةِ ﴾. قال: فمثلُه مثلُ شجرةٍ الْتَفَّ بها الشجرُ، فهى خضراءُ ناعمةٌ ، لا
تُصِيبُها الشمسُ [٤٧٣/٢ظ] على أىِّ حالٍ كانت، لا إذا طلَعَت، ولا إذا غرَبَت،
ءِ
وكذلك هذا المؤمنُ، قد أجِير مِن أن يُصِيبَه شىءٌ مِن الغِيَرِ - وقد ابْتُلى بها - فيُثَبْتُهُ(.
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥٩٦/٨ عن محمد بن سعد به ، وتقدم أوله فى ص ٣٠٠ .
(٢) فى م، ت١: ((فثبته)).
١٣٨/١٨
٣٠٣
سورة النور : الآية ٣٥
اللَّهُ فيها، فهو بينَ أربع خِلالٍ؛ إن أَعْطِى شكَر، وإن ابْتُلِى صِبَر، وإن حكم
عدَل، وإن قال صدَق، فهو فى سائرِ الناسِ كالرجلِ الحِىِّ يَمْشِى فى قبورٍ
الأموات ، قال : ﴿ نُورُ عَلَى ثُورِّ ﴾ فهو يتقلَّبُ فی خمسةٍ مِن النورِ ؛ فکلامُه نورٌ،
وعملُه نورٌ، ومَدْخَلُه نورٌ، ومَخْرَجُه نورٌ، ومصيرُه إلى النورِ يومَ القيامةِ إلى ١٢
(٢)
الجنةِ(١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنی یحیِی بنُ الیَمانِ ، عن أبى جعفرٍ
الرازىِّ ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ ، عن أبى العاليةِ ، عن أبيّ بنِ كعبٍ ، قال: المشكاةُ صدرُ
المؤمنِ، ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾. قال : القرآنُ .
قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبى جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى
العاليةِ ، عن أبىِّ بنِ كعبٍ نحوَ حديثِ عبدِ الأعلى ، عن عبيدِ اللَّهِ .
حدَّثنی علیٍّ، قال: ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ، عن علىّ ، عن ابنٍ
عباسٍ: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ، كَمِشْكَوْقٍ﴾. قال: مثلُ هُداه فى قلبِ المؤمنِ، كما يَكادُ
الزيتُ الصافى يُضِىءُ قبلَ أن تَمَسَّه النارُ، فإذا مسَّته النارُ ازداد ضوءًا على
ضوئِه(٢) ، كذلك يكونُ قلبُ المؤمنِ ، يَعْمَلُ بالهُدى قبلَ أن يَأْتِيَه العلمُ، فإذا
جاءه العلمُ ازْداد هُدًى على هُدَى، ونورًا على نورٍ، كما قال إبراهيمُ صلواتُ
اللَّهِ عليه قبلَ أن تَجِيئَه المعرفةُ: ﴿قَالَ هَذَا رَبِّ﴾ [الأنعام: ٧٦]. حينَ رأَى
الكوكبَ، مِن غيرِ أن يُخْبِرَه أحدٌ أن له ربًّا، فلما أخبره اللّهُ أنه رُّه ، ازداد هُدًى على
(١) فى م: ((فى)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥٩٥/٨ - ٢٥٩٧، ٢٥٩٩، ٢٦٠٣ من طريق عبيد الله بن
موسى وغيره عن أبى جعفر به ، وتقدم أوله فى ص ٢٩٨ .
(٣) فى م، ت١: ((ضوء)).
٣٠٤
سورة النور : الآية ٣٥
(١)
هُدًى(١).
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی ابی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿اَللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ مَثَلُ نُورِهِ، كَمِشْكَوْقٍ فِيهَا
مِصْبَاعٌ﴾: وذلك أن اليهودَ قالوا لمحمدِ مَله: كيف يَخْلُصُ نورُ اللَّهِ مِن دونِ
السماءِ؟ فضرَب اللَّهُ مَثَلَ ذلك لنورِه، فقال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ
نُورِهِ، كَمِشْكَوْمٍ فِيَهَا مِصْبَاحٌ﴾. والمشكاةُ كَوَّةُ البيتِ فيها مصباحٌ، / ﴿ اَلْمِصْبَاحُ فِى
زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنّهاَ كَوْكَبٌ دُرِىٌ﴾ . والمصباحُ السِّرائجُ يكونُ فى الزجاجةِ ، وهو مَثَلٌ
ضرَبه اللَّهُ لطاعتِه، فسمَّى طاعتَه نورًا، وسمَّاها أنواعًا شتَّى. قولَه: ﴿ يُوقَدُ مِن
شَجَرَةٍ مُّبَرَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْفِيَّةٍ وَلَا غَرِبِيَّةٍ﴾. قال: هى شجرةٌ لا يَفِىءُ عليها ظلُّ
شرقٍ ، ولا ظلُّ غربٍ ، ضاحيةٌ ، ذلك أصفى الزيتِ(٢)، ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىّءُ وَلَوْ لَمْ
تَمْسَسْهُ ثَارٌ﴾﴾(٣).
١٣٩/١٨
قال معمرٌ: وقال الحسنُ: ليست مِن شجرِ الدنيا ، ليست شرقيةً ولا غربيةً(٤).
وقال آخرون : هو مَثَلٌ للمؤمن ، غيرَ أن المصباحَ وما فيه مثلٌ لفؤادِهِ، والمشكاةَ
مثلٌ لجوفِه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاج، عن ابنٍ جريج، قال :
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥٩٤/٨، وتقدم أوله فى ص ٢٩٦.
(٢) فى م: ((للزيت)).
(٣) تقدم تخريجه فى ص ٣٠٢،٣٠٠ .
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٦٠/٢ عن معمر به، وينظر ما سيأتى عن الحسن فى ص ٣١٢، وينظر الدر
المنثور ٤٩/٥، ٥٠ .
٣٠٥
سورة النور : الآية ٣٥
قال مجاهدٌ وابنُ عباسٍ جميعًا : المصباح وما فيه مثلُ فؤادِ المؤمنِ وجوفِه ؛ المصباح
مثلُ الفؤادِ ، والكَوَّةُ مثلُ الجوفِ .
قال ابنُ جريج: ﴿ كَمِشْكَوْقٍ﴾: كوةٍ غيرِ نافذةٍ .
قال ابنُ جريج : وقال ابنُ عباسٍ قوله: ﴿ثُورُ عَلَى نُورٍ ﴾ . يعنى : إِيمانُ المؤمنِ
وعملُه .
وقال آخرون : بل ذلك مثلٌ للقرآنِ فى قلبٍ المؤمنِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبى رَجاءٍ، عن الحسنِ فى قولِه :
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَنِ وَالْأَرْضِّ مَثَلُ نُورِهِ، كَمِشْكَوْقٍ﴾. قال: ككَوَّةٍ ، ﴿ فِهَا مِصْبَاحُ
الْمِصْبَاحُ فِ زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوَكَبٌ دُرِىٌ ﴾.
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿اللَّهُ
نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ مَثَلُ نُورِهٍِ﴾: نورِ القرآنِ الذى أَنْزَل على رسولِه وعبادِه،
فهذا مثلُ القرآنِ، ﴿ كَمِشْكَوْقٍ فِيهَا مِصْبَاحُ اَلْمِصْبَاحُ فِ زُجَاجَةٍ ﴾. فقرَأ حتى بلَغ:
مُبَرَتِ﴾ فهذا مثلُ القرآن ، يُستَضاءُ به فى نوره ويعلمونه ويأخذون به ، وهو
كما هو، لا يَنْقُصُ، فهذا مثلٌ ضرَبه اللَّهُ لنورِهِ. وفى قولِه: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىَءُ﴾ .
قال : الضوءُ إشراقُ ذلك الزيتِ ، والمشكاةُ التى فيها الفَتيلةُ التى فى المصباحِ،
والقناديلُ تلك المصابيحُ (١) .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥٩٤/٨ من طريق ابن علية، وعنده : مثل القرآن فى القلب . وهو
موطن الشاهد .
(٢) أخرج أوله ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥٩٤/٨ عن يونس ، عن ابن وهب ، عن عبد الله بن عياش، عن
زيد بن أسلم. وأخرج آخره فى ٢٦٠٢/٨ من طريق أصبغ، عن ابن زيد. ( تفسير الطبرى ٢٠/١٧)
٣٠٦
سورة النور : الآية ٣٥
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبى
إسحاقَ ، عن سعيدٍ ١ بن عياضٍ فى قوله: ﴿ كَمِشْكَوْمٍ﴾. قال: الكَوَّةُ(٢) .
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا قُرَّةُ، عن عطيةً فى قولِه :
كَمِشْكَوْقٍ﴾. قال: قال ابنُ عمرَ: المشكاةُ الكَوَّةُ(٣).
وقال آخرون : المشكاةُ القنديلُ.
[٤٧٤/٢ و] ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عیسی ، عن ابنِ أبی
نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿ كَمِشْكَوْقٍ﴾. قال: القنديلُ، ثم العمودُ الذى
ــ (٤)
فيه القنديلُ(٤) .
١٤٠/١٨
/ حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ كَمِشْكَوْقٍ﴾: الصُّفْرُ الذى فى جوفِ القِنْديلِ(٥) .
حدَّثنى إسحاقُ بنُ شاهينٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللَّهِ ، عن داودَ ، عن رجلٍ،
عن مجاهدٍ ، قال : المشكاةُ القنديلُ .
(١) كذا فى النسخ وتغليق التعليق، وفى البخارى وأصول ابن أبى شيبة: ((سعد)). وينظر ما سيأتى فى آية (٧)
سورة الماعون ، وتهذيب الكمال ٢٩٣/١٠ .
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٧٠/١٠، والحافظ فى التغليق ٢٦٤/٤ من طريق أبى إسحاق به، وفيهما: بلسان
الحبشة . وينظر فتح البارى ٤٤٧/٨ .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٩/٥ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥٩٥/٨ من طريق أبى عاصم به .
(٥) تفسير مجاهد ص ٤٩٣، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥٩٥/٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٤٩/٥ إلی عبد بن حميد .
٣٠٧
سورة النور : الآية ٣٥
وقال آخرون : المشكاةُ الحديدُ الذى يُعَلَّقُ به القِنْديلُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال : ثنا هشيمٌ ، قال :
ثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن مجاهدٍ، قال: المشكاةُ الحدائدُ التى يُعَلَّقُ بها القنديلُ(١).
وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال : ذلك مثلٌ ضرَبه اللَّهُ للقرآنِ فى
قلبٍ أهلِ الإِيمانِ به ، فقال: مثلُ نورِ اللَّهِ الذى أنار به لعبادِه سبيلَ الرشادِ ، الذى أَنْزَله
إليهم فَآمَنوا به وصدَّقوا بما فيه، فى قلوبِ المؤمنين - مثلُ مشكاةٍ ؛ وهى عمودُ
القِنْديلِ الذى فيه الفَتِيلةُ ، وذلك هو نظيرُ الكَوَّةِ التى تكونُ فى الحيطانِ التى لا مَنفذَ
لها ، وإنما جُعِل ذلك العمودُ مشكاةً؛ لأنه غيرُ نافذٍ وهو أجوفُ مفتوح الأعلى ، فهو
كالكَوَّةِ التى فى الحائطِ التى لا تُنْفِذُ، ثم قال: ﴿فِيهَا مِصْبَامُ﴾. وهو السِّرائجُ ،
وجَعَل السِّراجَ، وهو المصباح، مثلًا لما فى قلبِ المؤمنِ مِن القرآنِ والآياتِ المبيِّناتِ ،
ثم قال: ﴿اَلْمِصْبَاحُ فِ زُجَاجَةٍ ﴾ . يعنى أن السراجَ الذى فى المشكاةِ فى القِنْدیلِ،
وهو الزجاجةُ ، وذلك مثلٌ للقرآن. يقولُ : القرآنُ الذى فى قلبِ المؤمنِ الذى أنار اللَّهُ
به قلبَه فى صدرِه. ثم مثَّل الصدرَ فى خُلوصِه مِن الكفرِ باللَّهِ والشكِّ فيه،
واستنارتِه بنورِ القرآنِ ، واستضاءتِه بآياتِ ربِّه المبيّناتِ ، ومواعظِه فيها - بالکو کبِ
الدُّرِّىِّ، فقال: ﴿ الزُّجَاجَةُ﴾. وذلك صدرُ المؤمنِ الذى فيه قلبُه ﴿كَأَنَّا كَوْكَبٌ
دُرِىٌ﴾ .
واخْتَلَفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿دُرِّىٌ﴾؛ فقرَأتْه عامةُ قرأةِ الحجازِ:
(١) فى ت٢: ((القناديل)).
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥٩٥/٨ من طريق هشيم به .
٣٠٨
سورة النور : الآية ٣٥
دُرِّىٌ ﴾ بضمِّ الدالِ وتركِ الهمزِ(١).
وقرَأَه بعضُ قرأةِ البصرة والكوفةِ : (دِرِىءٌ) بكسرِ الدالِ وهمزةٍ (١).
وقرَأَه بعضُ قرأةِ الكوفةِ : (دُرِّىءٌ) بضمّ الدالِ وهمزةٍ(١) .
وكأن الذين ضُّوا دالَه وترَكوا همزَه، وجّهوا معناه إلى ما قاله أهلُ التفسيرِ
الذين ذكّرْنا عنهم ، من أن الزجاجةَ فى صفائِها وحسنِها كالدُّرٌ، وأنها منسوبةٌ إليه
لذلك مِن نعتِها وصفتِها .
ووجّه الذين قرَءوا ذلك بكسرٍ دالِه وهمزِه، إلى أنه ((فِعِيلٌ))، من
دَرَّأَ(٤) الكوكبُ(٥). أى: دُفِع(٢) ورُجِم به الشيطانُ. من قوله: ﴿وَيَدْرَؤُّأْ عَنْهَا
اَلْعَذَابَ﴾ [النور: ٨]. أى: يَدْفَعُ. والعربُ تُسَمِّى الكواكبَ العِظامَ التى لا تَعْرِفُ
أسماءها الدَّراريَّ، بغيرِ همزٍ .
وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ مِن أهلِ البصرةِ() يقولُ: هى الدَّرارِئُ
بالهمزِ، مِن : يَدْرَأْنَ .
وأما الذين قرَءوه بضمٌّ دالِه وهمزِه، فإن كانوا أرادوا به: دُرُّوءٌ. مثلَ : سُبُّوحُ
قُدُّوسٌ. مِن: درَأْتُ . ثم اسْتَثْقَلوا كثرةَ الضََّّاتِ فيه، فصرَفوا () بعضَها إلى الكسرةِ ،
(١) هى قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم. حجة القراءات ص٤٩٩ .
(٢) هى قراءة أبى عمرو والكسائى. المصدر السابق .
(٣) هى قراءة حمزة وأبى بكر عن عاصم. المصدر السابق .
(٤) فى م: ((درئ))، وفى ت ٢: ((درء)).
(٥) فى ت٢: (( الكواكب)).
(٦) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، ف: ((رفع)).
(٧) هو أبو عبيدة فى مجاز القرآن ٦٦/٢ .
(٨) سقط من: ص، ت١، ت٢، ت٣، ف .
٣٠٩
سورة النور : الآية ٣٥
فقالوا: دُرِّىءٌ. كما قيل: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِنِّيًّا﴾ [مريم: ٨]. وهو
فُعُولٌ ، مِن: عتَوْتُ عُثُوًّا، ثم حُوِّلت بعضُ ضماتِها إلى الكسرِ، فقيل: عِيًّا . فهو
مذهبٌ ، وإلا فلا / أَغْرِفُ لصحةٍ قراءتِهم ذلك كذلك وجهًا، وذلك أنه لا يُعْرَفُ ١٤١/١٨
فى كلامِ العربِ ((فُعِيل)). وقد كان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ: هو لحنّ (١).
والذى هو أولى القراءاتِ عندى فى ذلك بالصوابِ قراءةُ مَن قرأ : ﴿ دُرِىٌّ
بضمّ دالِه وتركِ همزِهِ، على النسبةِ إلى الدُّرِّ؛ لأن أهلَ التأويلِ بتأويلٍ ذلك جاءُوا ،
وقد ذكّرْنا أقوالَهم فى ذلك قبلُ ، ففى ذلك مُكْتَفّى عن الاستشهادِ على صحتها
بغيرِهِ ، فتأويلُ الكلامِ: ﴿ الزُّجَاجَةُ﴾، وهى صدرُ المؤمنِ، ﴿كَنَّهَا﴾: يعنى كأن
الزجاجةَ، وذلك مثلٌ لصدرِ المؤمن، ﴿ گۆگٹٌ ﴾ . یقول : فی صفائها وضيائها
وحسنِها . وإنما يَصِفُ صدرَه بالنقاءِ مِن كلِّ ريبٍ وشكٌّ فى أسبابِ الإِيمانِ باللَّهِ،
وبعدِه مِن دَنَسِ المعاصى، كالكوكبِ الذى [٤٧٤/٢ظ] يُشْبِهُ الدُّرَّ فى الصفاءِ
والضياءِ والحسنِ.
واخْتَلَفوا أيضًا فى قراءةٍ قولِه: ﴿ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَرَكَةٍ﴾ ؛ فقرَأْ ذلك بعضُ
المكيّين والمدنيّين وبعضُ البصريين: (تَوَقَّدَ مِن شجرةٍ) بالتاءِ، وفتحِها ، وتشديد
القافِ، وفتح الدالٍ (١، وكأنهم وجَّهوا معنى ذلك إلى: توقَّدَ المصباح مِن شجرةٍ
مبار کةٍ .
وقرأه بعضُ عامةِ قرأةِ المدنيين: ﴿يُوقَدُ﴾ بالياءِ، وتخفيفِ القافِ، ورفعٍ
الدالِ (٣) ، بمعنى: يُوقَدُ المصباحُ، مَوْقِدُه مِن شجرةٍ. ثم لم يُسَمَّ فاعلُه .
وقرّأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ : (تُوقَدُ ) بضمّ التاءِ، وتخفيفِ القافِ، ورفعٍ
(١) ينظر تهذيب اللغة ١٥٨/١٤، واللسان ( درأ).
(٢) هى قراءة ابن كثير وأبى عمرو. حجة القراءات ص ٥٠٠ .
(٣) هى قراءة نافع وابن عامر وحفص . المصدر السابق.
٣١٠
سورة النور : الآية ٣٥
الدالِ (١) ، بمعنى: تُوقَدُ(١) الزجاجةُ، مَوْقِدُها مِن شجرةٍ مباركةٍ. ثم لم يُسَمَّ فاعلُه ،
فقيل : (تُوقَدُ ).
وقرَأه بعضُ أهلِ مكةَ: (تَوَقَّدُ) بفتح التاءِ، وتشديدِ القافِ، وضمِّ الدالِ ()،
بمعنى : تَتَوَقَّدُ الزجاجةُ مِن شجرةٍ . ثم أَسْقِطَت إحدى التاءین ؛ اكتفاءً بالباقيةِ مِن
الذاهبةِ .
وهذه القراءاتُ متقارباتُ المعانى، وإن اخْتَلَفَت الألفاظُ بها، وذلك أن
الزجاجةَ إذا وُصِفَت بالتوقُّدِ ، أو بأنها تُوقَدُ ، فمعلومٌ معنى ذلك، فإن المرادَ به: تَوَقَّدَ
فيها المصباح، أو يُوقَدُ فيها المصباح. ولكن وجَّهوا الخبرَ إلى أن وصفَها بذلك أقربُ
فى الكلامِ منها ، وفهم السامعين معناه والمراد منه .
فإذا كان ذلك كذلك، فبأىِّ القراءاتِ(٤) قرَأ القارئُّ فمصيبٌ(٥)، غيرَ أنَّ
أعجبَ القراءاتِ إِلىَّ أن أَقْرَأَ بها فى ذلك : (تَوَقَّدَ) بفتح التاءِ، وتشديدِ القافِ ،
وفتحِ الدالِ، بمعنى وصفِ المصباح بالتوقُّد؛ لأنَّ التوقُّدَ والاتِّقادَ لاشكَّ أنهما من
صفته دون الزجاجة ، فمعنی الکلام إذن : کمشکاةٍ فیھا مصباح ، المصباح مِن دُهْنِ
شجرة مباركةٍ ؛ زيتونةٍ لا شرقيةٍ ولا غريبةٍ .
وقد ذكّرْنا بعضَ ما رُوِى عن بعضِهم من الاختلافِ فى ذلك فيما قد مضَى ،
ونَذْكُرُ باقىَ ما حضَرَنا مما لم نَذْكُرْه قبلُ ؛ فقال بعضُهم : إنما قيل لهذه الشجرةِ : لا
(١) هى قراءة حمزة والكسائى وأبى بكر. حجة القراءات ص ٥٠٠ .
(٢) فى م: ((يوقد)).
(٣) هى قراءة ابن محيصن والحسن . إتحاف فضلاء البشر ص ١٩٩.
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((القراءتين)).
(٥) القراءة الأخيرة التى ذكرها المصنف شاذة لا يُقْرأ بها.
٣١١
سورة النور : الآية ٣٥
شرقيةٍ ولا غربيةٍ . أى: ليست شرقيةً وحدَها، حتى لا تُصِيبَها الشمسُ إذا غرَبَت ،
وإنما لها نصيبُها مِن الشمسِ بالغَداةِ ما دامت بالجانبِ الذى يلى الشرقَ ، ثم لا يكونُ
لها نصيبٌ منها إذا مالت إلى جانبِ الغربِ ، ولا هى غربيةٌ وحدَها فتُصِيبَها الشمسُ
بالعَشِىِّ إذا مالت إلى جانبِ الغربِ ، ولا تُصِيبُها بالغَداةِ، ولكنها شرقيةٌ غربيةٌ ،
تَطْلُغُ عليها الشمسُ بالغَداةِ ، وتَغْرُبُ عليها ، فيُصِيبُها حرّ الشمسِ بالغداةِ والعشىِّ.
قالوا : وإذا كانت كذلك كانت أجود لزيتِها .
/ ذكرُ مَن قال ذلك
١٤٢/١٨
حدَّثْنَا هَنَّادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ فى قوله :
﴿زَيْتُنَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرِبِيَّةٍ﴾. قال: لا يَسْتُها مِن الشمسِ جبلٌ ولا وادٍ إذا
طَلَعَت وإذا غرَبَتْ(١) .
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا حَرَميُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا شعبةُ، قال : أخبرنى
عُمارةُ، عن عكرمةَ فى قولِ اللَّهِ: ﴿لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾. قال : الشجرةُ تكونُ
فى مكانٍ لا يَسْتُرُها مِن الشمسِ شىءٌ، تَطْلُغُ عليها وتَغْرُبُ عليها .
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، قال :
قال مجاهدٌ وابنُ عباس: ﴿لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾. قالا: هى التى بشِقِّ الجبلِ،
التى يُصِيبُها شروقُ الشمسِ وغروبُها، إذا طلَعَت أصابَتْها، وإذا غَرَبَت
(٢)
أصابَتْها(٢) .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٠٠/٨ من طريق سماك، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، وأخرجه أيضًا
٢٦٠٠/٨ من طرق عن عكرمة بألفاظ أخرى . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٩/٥ إلى عبد بن حميد .
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٦٣/٦ عن مجاهد .
٣١٢
سورة النور : الآية ٣٥
وقال آخرون : بل معنى ذلك : ليست شرقيةً ولا غربيةً .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: ثنى محمدُ بنُ الصَّلْتِ ، قال : ثنا أبو
كُدَيْنَةَ، عن قابوسَ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرِبِيَّةٍ﴾. قال:
هى شجرةٌ وَسْطَ الشجرِ ، ليست مِن الشرقِ ولا مِن الغرب (١) .
حدَّثنى يونُسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِهِ: ﴿ زَيْتُونَةٍ
لَّا شَرْفِيَّةٍ وَلَا غَرِيَّةٍ ﴾. قال: مُتَيَامِنَةُ الشامِ، لا شرقىٍّ ولا غربىٌّ(١).
وقال آخرون : ليست هذه الشجرةُ مِن شجرِ الدنيا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ بَزِيع، قال: ثنا [٤٧٥/٢ و] بشرُ بنُّ المُفَضَّلِ، قال :
ثنا عوفٌ، عن الحسنِ فى قولِ اللَّهِ: ﴿لَّا شَرْفِيَّةٍ وَلَا غَرِيَّةٍ﴾. قال: واللَّهِ لو كانت
فى الأرضِ لكانت شرقيةً أو غربيةً، ولكنما هو مثلٌ ضرّبه اللَّهُ لنورِه(٣).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عثمانُ - يعنى ابنَ الهيثم - قال : ثنا عوفٌ ، عن
الحسنٍ فى قولِ اللّهِ: ﴿زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾. قال: لو كانت فى الأرضِ
هذه الزيتونةُ كانت شرقيةٌ أو غربيةً، ولكن واللَّهِ ما هى فى الأرضِ، وإنما هو مثلٌ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٠/٥ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم من
قول سعيد بن جبير ، وهو عند ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٠٠/٨ من طريق أبى بشر، عن سعيد بن جبير .
(٢) ذكره القرطبى فى تفسيره ٢٥٩/١٢ عن ابن زيد، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٠٢/٨ من طريق
أسامة بن زيد ، عن أبيه زيد بلفظ : الشام .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٠١/٨، ٢٦٠٢ من طريق عوف به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٥٠/٥ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.
٣١٣
سورة النور : الآية ٣٥
ضرَبه اللَّهُ لنورِهِ .
حدَّثنى يعقوبُ ، قال : ثنا هشيمٌ، قال : أخبرنا عوفٌ ، عن الحسنِ فى قوله :
﴿لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾. قال: هذا مثلٌ ضرَبه اللَّهُ، ولو كانت هذه الشجرةُ فى
الدنيا ، لكانت إما شرقيةً وإما غربيةً .
(" وأولى هذه الأقوالِ بتأويل ذلك قولُ مَن قال: إنها شرقيةٌ غربيةٌ ) . وقال :
معنى الكلام: ليست شرقيةٌ تَطْلُغُ عليها الشمسُ العشىَّ(٢) دونَ الغَداةِ، ولكنَّ
الشمسَ تُشْرِقُ عليها وتَغْرِبُ ، فهى شرقيةٌ غربيةٌ .
/ وإنما قلْنا: ذلك أولى بمعنى الكلام؛ لأن اللَّهَ إنما وصَف الزيتَ الذى يُوقَدُ ١٤٣/١٨
على هذا المصباح بالصفاءِ والجودةِ ، فإذا كان شجرُه شرقيًّا غربًّا، كان زيتُه لا شكّ
أجودَ وأصْفَى وأَضْوَاً .
وقولُه: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىّءُ﴾ . يقولُ تعالى ذكرُه : يكادُ زيتُ هذه الزيتونةِ
يُضِىءُ مِن صفائِه وحسنٍ ضيائِه، ﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾. يقولُ: فكيف إذا
ك
مسته النار !
وإنما أُرِيد بقولِه: ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَرَكَةٍ ﴾. أن هذا القرآنَ مِن عندِ اللَّهِ ،
وأنه كلامُه ، فجُعِلِ مَثَلُه ومثلُ كونِه مِن عندِه، مثلَ المصباح الذى يُوقَدُ مِن الشجرةِ
المباركةِ التى وصَفَها جلَّ ثناؤه فى هذه الآيةِ .
وعُنِى بقولِه: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىّءُ﴾. أن حُجَجَ اللَّهِ تعالى ذكرُه على خلقِه
تكادُ مِن بيانِها ووضوحِها تُضِىءُ لمن فكّر فيها ونظَر، أو أُغْرَض عنها ولَهَا، ﴿ وَلَوْ
لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾. يقولُ: ولو لم يَزِدْها اللَّهُ بیانًا ووضوحًا بإنزالِه هذا القرآنَ
(١ - ١) سقط من: ت ٢.
(٢) فى م: (( بالعشى)).
٣١٤
سورة النور: الآية ٣٥
إليهم، مُنَبِّهًا لهم علی توحیدِه، فکیف إذا نبههم به، وذكرهم بآياته، فزادهم به
حجةً إلى حُجِجِه عليهم قبلَ ذلك! فذلك بيانٌ مِن اللَّهِ ونورٌ على البيانِ والنورِ الذى
كان قد وصَفه(١) لهم ونصَبه قبلَ نزوله .
وقوله : ﴿ثُورُ عَلَى نُورِ﴾ . یعنی النارَ على هذا الزیتِ الذی یکادُ يُضِىءُ ولو لم
تُمْسَشه النارُ.
کما حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ :
﴿ تُورُ عَلَى نُورٍ﴾ . قال : النارُ على الزيتِ(١).
قال أبو جعفرٍ : وهو عندى - كما ذكَوْتُ - مَثَلُ القرآن . ويعنى بقوله : ﴿ ثُورُ
عَلَى نُورٍ﴾: هذا القرآنُ نورٌ مِن عندِ اللَّهِ ، أَنْزَله إلى خلقِه يَسْتَضِيئون به. ﴿عَلَى
◌ُورٍ﴾: على الحجج والبيانِ الذى قد نصَبَه لهم قبلَ مجىءِ القرآنِ وإنزالِه إياه ، مما
يَدُلَّ على حقيقةٍ وحدانيته، فذلك بيانٌ مِن اللَّهِ ونورٌ على البيانِ والنورِ الذى كان
وصَفه(١) لهم ونصَبَه قبلَ نزوله .
وذُكِر عن زيدِ بنِ أسلمَ فى ذلك ما حدَّثنى يونُسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ،
قال: أخبرنى عبدُ اللَّهِ بنُ عَيَاشِ(١)، قال: قال زيدُ بنُّ أسْلَمَ فى قوله: ﴿قُورُ عَلَى
نُورِّ﴾: يُضِىءُ بعضُه بعضًا، يعنى : القرآنُ(٤).
وقولُه: ﴿يَهْدِى اَللَّهُ لِنُورِهِ، مَن يَءُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يُوَفِّقُ اللَّهُ لاتِّبَاع
(١) فى م: ((وضعه)).
(٢) تفسير مجاهد ص ٤٩٣، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٠٣/٨.
(٣) فى ت ١، ت ٢: (( عباس)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥٩٤/٨ عن يونس به .
٣١٥
سورة النور : الآيات ٣٥ - ٣٨
نورِه، وهو هذا القرآنُ، مَن يَشاءُ مِن عبادِه .
وقولُه: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَلَ لِلنَّاسِنُ﴾. يقولُ: وَيُمثِّلُ اللَّهُ الأمثالَ والأشباهَ
للناسِ ، كما مثَّل لهم مَثَلَ هذا القرآنِ فى قلبِ المؤمنِ بالمصباح فى المشكاةِ ، وسائرِ ما
فى هذه الآيةِ مِن الأمثالِ، ﴿ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾. يقولُ: واللَّهُ بضربِ الأمثالِ
وغيرِها مِن الأشياءِ كلِّها ذو علمٍ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ.
رِجَالٌ لَّا نُلْهِهِمْ تِحَرَةٌ وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ
٣٦
يُسَبِّحُ لَهُ فِيَهَا بِالْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ
لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ ١٤٤/١٨
٣٧
الصَّلَوَةِ وَإِنَاءِ الزَّكَوَةِ يَخَافُونَ يَوْمًا / نَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَدِرُ
أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهٍ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
٣٨
[٤٧٥/٢ظ] يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اَللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾: اللَّهُ
نورُ السماواتِ والأرضِ، مَثَلُ نورِهِ كمشكاة فيها مصباحٌ فى بيوتٍ أذِن اللَّهُ أن
تُرْفَعَ .
كما حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ : المشكاةُ التى
فيها الفَتِيلَةُ التى فيها المصباح. قال: المصابيحُ فى بيوتٍ أذنِ اللَّهُ أن تُؤْفَعَ(١) .
قال أبو جعفرٍ: قد يَحْتَمِلُ أن تكونَ ((فى)) مِنْ صلةٍ ﴿ يُوقَدُ﴾ فيكونَ المعنى:
يُوقدُ مِن شجرةٍ مُبارَكةٍ ، ذلك المصباحُ فى بيوتٍ أَذِنِ اللَّهُ أن تُرفَعَ .
وعَنَى بالبيوتِ المساجدَ .
وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى ذلك ؛ فقال بعضُهم بالذى قُلْنا فى ذلك .
(١) ذكره الطوسى فى التبيان ٣٨٩/٧ بلفظ: المصابيح فى بيوت.
٣١٦
سورة النور : الآية ٣٦
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ونصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَوْدِىُّ، قالا: ثنا حَكّامٌ، عن
إسماعيلَ بنِ أبى خالدٍ، عن أبى صالح فى قولِ اللّهِ : ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ .
و(١)
قال : المساجد
حدَّثنی علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ
فى قوله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾: وهى المساجدُ تُكْرَمُ(١)، ونُهِى عن اللَّغْوِ
(٣)
فيها (٣) .
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أیی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ فى قولِهِ: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اَللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ : يعنى كلَّ مسجدٍ
يُصَلَّى فيه؛ جامع أو غيرِه .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبی
تَجِيحِ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فِ بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ . قال : مساجدُ تُبْنَى .
حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ مثله(٤) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ تجريجٍ، عن
مجاهدٍ مثلَه .
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٠٤/٨ معلقًا .
(٢) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، ف: ((كره)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٠٤/٨ من طريق أبى صالح به .
(٤) تفسير مجاهد ص ٤٩٣، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٠٥/٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٥٠/٥ إلی عبد بن حميد .
٣١٧
سورة النور : الآية ٣٦
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرَّزّاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الحسنِ فى
قوله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾. قال: فى المساجدِ (١).
قال : أخبرنا معمرٌ، عن أبى إسحاقَ، عن عمرو بن ميمونٍ، قال: أدركتُ
أصحابَ رسولِ اللَّهِ لَّهِ وهم يقولون: المساجدُ بيوتُ اللَّهِ ، وإنه حقٌّ على اللَّهِ أن
يُكْرِمَ مَنْ زارَه فيها(٢).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال : ثنا ابنُ المباركِ ، عن ("سالمِ بنِ عمرَ) فى قوله: ﴿فِى
بُيُوتٍ أَذِنَ اَللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ . قال: هى المساجدُ .
حدَّثنی يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله : ﴿فِ ◌ُوتٍ
أَذِّنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ﴾ . قال : المساجدُ .
/ وقال آخرون: عَنَى بذلك البيوتَ كلَّها .
١٤٥/١٨
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ونصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأوْدِىُّ، قالا: حدَّثنا حَكّامُ بنُ
سَلْمٍ(٤)، عن إسماعيلَ بنِ أبى خالدٍ، عن عكرمةَ: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ .
قال : هى البيوثُ كلُّها(٥).
(١) تفسير عبد الرزاق ٦٠/٢، ٦١.
(٢) تفسير عبد الرزاق ٦١/٢ .
(٣ - ٣) فى ت٢: ((مسلم بن عمير)). ولم نجد لسالم بن عمر ترجمة ، ولا يصح أن تكون العبارة : سالم عن
ابن عمر. لأن ابن المبارك ولد سنة ثمان عشرة ومائة ، وتوفى سالم سنة خمس ومائة . فالله أعلم . وينظر ما
سيأتى فى ص٣٢٢ .
(٤) فى ت١، ف: ((سالم))، وفى ت٢: ((مسلم)).
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨/ ٢٦٠٤، ٢٦٠٥ من طريق محمد بن سوقة ، عن عكرمة .
٣١٨
سورة النور: الآية ٣٦
وإنما اخْتَرْنا القولَ الذى اخترناه فى ذلك؛ لدَلالةِ قوله: ﴿ يُسَبِّحُ لَهُ فِهَا
بِالْغُدُقِّ وَالْأَصَالِّ رِجَالٌ لَّا نُذْهِهِمْ تِحَةٌ وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِ اللهِ﴾. على أنها بيوتٌ يُنْيَتْ
للصلاة ، فلذلك قُلْنا : هى المساجدُ .
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى تأويل قوله: ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ﴾ ؛ فقال بعضُهم:
معناه : أذِن اللَّهُ أن تُثْنَى .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ :
﴿ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾. قال: تُبْنَى(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاج، عن ابنٍ جُريجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
وقال آخرون: معناه : أذِن اللَّهُ أن تُعَظّمَ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرَّزّاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
الحسنِ فى قوله: ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾. يقولُ: أن تُعَظّمَ الذِْرِه (٢).
/وأوْلَى القولَيْن فى ذلك عندى بالصوابِ القولُ الذى قاله مجاهدٌ ، وهو أن
معناه: أذِن اللَّهُ أن تُرْفَعَ بِناءً. كما قال جلِّ ثناؤه: ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِزَهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ
١٤٦/١٨
(١) تفسير مجاهد ص ٤٩٣، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٠/٥ إلى عبد بن حميد.
(٢) تقدم تخريجه فى الصفحة السابقة .
٣١٩
سورة النور : الآية ٣٦
الْبَيْتِ﴾ [البقرة: ١٢٧]. وذلك أن ذلك هو الأغْلَبُ مِن معنى الرَّفْع فى البيوتِ
والأبْنِيَةِ .
وقولُه: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾. يقولُ: وأذِن لعبادِه أن يَذْكُروا اسمَه
فيها . وقد قِيلَ : عَنَى به أنه أذِن لهم بتلاوةِ القرآنِ فيها .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىّ ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ،
قال: ثم قال: ﴿ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾. يقولُ: يُتْلَى فيها كتابُه(١).
وهذا القولُ قريبُ المعنى مما قُلْناه فى ذلك؛ لأن تلاوةَ كتابِ اللَّهِ مِن معانى
ذكرِ اللَّهِ ، غيرَ أن الذى قلنا به أَظْهَرُ مَعْنَيَتْهِ، فلذلك اخْتَرْنا القولَ به .
وقولُه: ﴿ يُسَبِّحُ لَهُ فِيَهَا بِالْغُدُوِّ وَالْأَصَالِّ رِجَالٌ لَّا نُلْهِهِمْ تَرَةٌ وَلَا بَعُ عَنْ
ذِكْرِ اللَّهِ﴾. اخْتَلَفَت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةٍ
الأمصارِ: ﴿ يُسَبِّحُ لَهُ﴾ بضَمِّ الياءِ وكسرِ الباءِ ) ، بمعنى: يُصَلِّى له فيها رجالٌ،
وبِجَعْلِ ﴿يُسَبِّحُ﴾ فِعْلًا لـ ((الرجالِ)) وخبرًا عنهم، ويُرْفَعُ به ((الرجالُ )) ، سوى
عاصم وابنٍ عامٍ ، فإنهما قَرَأْا ذلك: ( يُسَبِّحُ له) بضَمِّ الياءِ وفتحِ الباءِ، على ما لم
يُسَمَّ فاعِلُه، ثم يَرْفَعان ((الرجالَ)) بخبرٍ ثانٍ مُضْمَرٍ، كأنهما أرادا: يُسَبَّعُ للَّهِ فى
البيوتِ التى أذِن اللَّهُ أن تُرْفَعَ، يُسبِّحُ له رجالٌ. فَرَفَعا الرجالَ بفِعْلٍ مُضْمَرٍ .
والقراءةُ التى هى أَوْلاهما بالصوابِ قراءةُ مَن كسَر الباءَ، وجعَله خبرًا
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٠٦/٨ من طريق عبد الله به.
(٢) وبها قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائى وحفص عن عاصم. السبعة لابن مجاهد ص٤٥٦.
(٣) فى رواية أبى بكر .
٣٢٠
سورة النور : الآية ٣٦
لـ ((الرجالٍ)) وفِعلًا لهم. وإنما كان الاختيارُ رفعَ ((الرجالِ)) بِمُضْمَرٍ مِن الفعلِ لو كان
الخبرُ عن ((البيوتِ)) لا يَتِمُّ إلا بقولِه: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِهَا﴾. فأمَّا والخبرُ عنها دونَ
ذلك تامّ ، فلا وجهَ لتوجيهِ قوله: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ﴾ إلى غيرِه؛ إلى غيرِ الخبرِ عن
الرجالِ .
وعَنَى بقولِه: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيَهَا بِالْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ﴾ : يُصَلَّى له فى هذه البيوتِ
بالغَدَوَاتِ والعَشِيَّاتِ رجالٌ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىُ بنُ الحسنِ الأزْدَىُّ، قال: ثنا المُعافَى بنُ عِمرانَ، عن سفيانَ ، عن
عمَّارِ الدُّهْنى ، عن سعيد بن جبيرٍ ، عن ابنِ عباسٍ، قال : کلّ تسبيح فى القرآنِ فهو
صلاةٌ(١).
حدَّثنی علىّ ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال: ثنی معاویةُ ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ ،
قال: ثم قال: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ﴾. يقولُ: يُصَلِّى له فيها بالغَداةِ
والعَشِيِّ، يعنى بالغُدُوِّ صلاةَ الغَداةِ، ويعنى بالآصالِ صلاةَ العصرِ، وهما أَوَّلُ ما
افْتَرَض اللَّهُ مِن الصلاةِ، فأحَبَّ أن يَذْكُرَهما، ويُذَكِّرَ (٢ بهما عبادَه ) .
حدَّثنا الحسنُ، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الحسنِ :
(١) أخرجه ابن مردويه - كما فى تخريج الكشاف ١٨٠/٣- والضياء فى المختارة (٣٣٥) من طريق المعافى
به ، وأخرجه الفريابى - كما فى التغليق ٢٣٩/٤- من طريق عمار به.
(٢ - ٢) فى ص، ت٢، ف: ((بها عبادته))، وفى م: ((بهما عبادته)). والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره
٢٦٠٦/٨ من طريق عبد الله بن صالح به .