Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
سورة النور : الآية ١١
أهلُك، ولا نعلمُ إلا خيرًا. وأما علىٍّ، فقال: لم يُضيّقِ اللَّهُ عليكَ، والنساءُ سواها
كثيرٌ، وإن تسألِ الجاريةَ تَصْدُفْك. يعنى: بَرِيرةَ، فدعا رسولُ اللَّهِ مَّهِ بَرِيرةَ ،
فقال: ((هَلْ رَأَيْتِ (١) مِنْ شَىْءٍ يَرِيئُكِ مِنْ عائِشَةَ؟)). قالت له بَرِيرةُ: والذى بعثَك
بالحقِ ، إِنْ رأَيتُ عليها أمرًا قطُّ أَغْمِصُه عليها(٢) ، أكثرَ من أنها حديثةُ السنِّ، تنامُ عن
عجينِ أهلِها، فتأتى الداجنُ(١) فتأكلُه. فقام النبىُّ ◌َّمِ خطيبًا، فحمِد اللَّهَ وأثنى عليه
بما هو أهلُه، ثم قال: ((مَنْ يَعْذِرُنى(٤) ممنْ قد بلغنى أذاه فى أهلى؟)). يعنى عبدَ اللَّهِ
ابنَ أُبِّ ابنَ سَلُولَ، فقال رسولُ اللَّهِ يْ له وهو على المنبرِ أيضًا: ((يا معشرَ المسلمينَ،
مَنْ يَعْذِرُنى مِن رجلٍ قد بلَغنى أذاه فى أهلى ؟ فواللَّهِ ما علِمْتُ على أهلى إلا خيرًا،
ولقَدْ ذكَروا رجلًا ما علِمتُ عليه إلا خيرًا، وما كان يدخُلُ على أهلى إلا معِى)).
فقام سعدُ بنُ مُعاذٍ الأنصارىُّ فقال : أعذِرُك منه يا رسولَ اللَّهِ ، إن كان مِن الأُوسِ
ضرَبْنا عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمَرْتَنَا ففعَلنا أمرَك. فقام سعدُ بنُ
عُبادةَ فقال، وهو سيدُ الخزرج، وكان رجلاً صالحاً ولكنٍ احتمَلَتْه الحَميّةُ ، فقال:
أَْ سعدَ بنَ معاذٍ، لعمُ(٥) اللَّهِ لا تقتلُه، ولا تقدرُ على قتلِه. فقام أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ،
وهو ابنُ عمِّ سعدِ بنِ معاذٍ، فقال لسعدِ بنِ عُبادةَ: كذَبتَ، لعمرُ اللَّهِ
(١) بعده فى ت٢: ((بريرة)).
(٢) أغمصه عليها، أى: أعيبها به وأطعن به عليها. النهاية ٣٨٦/٣.
(٣) الداجن : هى الشاة التى يعلفها الناس فى منازلهم ، وقد يقع على غير الشاء من كل ما يألف البيوت من
الطير وغيرها . النهاية ١٠٢/٢.
(٤) يعذرنى: يقوم بعذرى إن كافأته على سوء صنيعه ، فلا يلومنى. النهاية ١٩٧/٣.
(٥) فى ت٢: ((لعمرك)).
(٦) فى م، ت١، ف: ((عمة)).

٢٠٢
سورة النور : الآية ١١
لنقتلَنَّه(١) ، فإنك منافقٌ تجادلُ عن المنافقين. فثار الحيَّانِ ؛ الأُوسُ والخزرجُ، حتى
هُوا أَن يَقتلوا ورسولُ اللَّهِ عَ لَهِ قائمٌ على المنبرِ، فلم يزَلْ رسولُ اللَّهِ عَّهِ يُخَفِّضُهم
حتى سكتُوا .
٩٢/١٨
ثم أتانى رسولُ اللَّهِ وَمِ وأنا فى بيتِ أبوىَّ، فبينا (" هما جالِسان) عندى
وأنا أبكِى ، استأذَنَتْ علىَّ امرأةٌ من الأنصارِ ، فأذِنتُ لها ، فجَلَست تبكِى معى .
قالت: فبينا(٢) نحن على ذلك، دخَل علينا رسولُ اللّهِ عَظِيمِ، ثم جلَس(٤)، ولم
يجلِسْ عندى منذُ قيل ما قيل، وقد لبِث شهرًا لا يُوحَى إليه/ فى شأنى بشىءٍ .
قالت: فتشهَّد رسولُ اللَّهِ مَّهِ حينَ جلَس، ثم قال: ((أما بعدُ ، يا عائشةُ، فإنه
بلَغنى عنكِ كذا وكذا ، فإِنْ كنتِ بريئةً فسيُتْرَّتُكِ اللَّهُ ، وإن كنتِ أَلْمَمْتِ بذنبٍ ،
فاستغفِرِى اللَّهَ، وتُوبى إليه، فإن العبدَ إذا اعترَف بذنبٍ(٥) ثم تاب، تاب اللَّهُ
عليه)). فلما قضَى رسولُ اللَّهِ يَّمِ مقالته، قَلَص دمعى(٦) ، حتى ما أحسُ منه دمعةً ،
فقلتُ لأبى: أجِبْ عنى رسولَ اللّهِ لَّمِ فيما قال. قال: واللَّهِ ما أدرِى ما أقولُ
الرسولِ اللَّهِ مَلِ. فقلت لأُمِّى: أجيبى عنِّى رسولَ اللّهِ صَ لّهِ. قالت: واللهِ ما أدرِى
ما أقولُ لرسولِ اللَّهِ وَغٍ(١٧) . فقلت - وأنا جاريةٌ حديثةُ السنِّ، لا أقرأُ كثيرًا من
القرآنِ - : إنى واللَّهِ قد عرَفْتُ أن قد سمِعتم بهذا حتى استقرَّ فى أنفسكم، حتى
كِدْتم أن تُصدِّقوا به ، فإن قلت لكم: إنى بريئةٌ . واللَّهُ يعلمُ أنى بريئةٌ، لا تُصدِّقونى
(١) فى ت١: ((ليقتله)).
(٢ - ٢) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((هو جالس))، وتنظر مصادر التخريج.
(٣) فى ت٢: ((فبينما)).
(٤) بعده فى م، ف: ((عندى)).
(٥) فى م، والمصنف: ((بذنبه)).
(٦) قلص الدمع: ارتفع وذهب. النهاية ١٠٠/٤.
(٧ - ٧) فى ت١، ف: ((قالت)).

٢٠٣
سورة النور : الآية ١١
بذلك، ولئن اعترَفْتُ لكم بأمرٍ ، واللَّهُ يعلمُ أنى بريئةٌ ، لتصدّقُنِّى، وإنى واللَّهِ ما أجدُ
لى ولكم مُثَلًا إلا كما قال أبو يوسفَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا
تَصِفُونَ﴾ [ يوسف: ١٨]. ثم تولَّيتُ فاضطجَعتُ على فراشى، وأنا واللَّهِ أعلمُ أنى(١)
بريئةٌ، وأن اللَّهَ مُبرِّئِى(٢) ببراءتى، ولكنى واللَّهِ ما كنت أظنُّ أَن يَنْزِلَ فى شأنِى
وخىٌّ ") يُتَلَى، ولَشأنى كان أحقَرَ فى نفسى من أن يتكلَّمَ اللَّهُ فيَّ بأمرٍ يُعَلَى ، ولكنى
كنت أرجو أن يرَى رسولُ اللَّهِ عَظِّهِ فى المنامِ رؤيا يبرّتُنَى اللَّهُ بها. قالت: واللَّهِ ما رام
رسولُ اللَّهِ عَ ظِهِ مجلسَه، ولا خرَج من البيتِ أحدٌ، حتى أنزل اللَّهُ على نبيّه، فأخَذه
ما كان يأخذُه من البُرَحاءِ(٤) عندَ الوحي، حتى إنه ليتحدَّرُ منه مِثلُ الجُمَانِ (٥) من
العرقِ فى اليومِ الشاتِى، من ثقلِ القولِ الذى أُنزِلَ عليه . قالت: فلما سُرِّىَ عن رسولٍ
اللَّهِ مِ لهِ وهو يضحكُ، كان أوّلَ كلمةٍ تكلَّم بها أن قال: ((أبشِرى يا عائشةُ ، ( أمَّا
اللَّهُ فقد برَأْكِ)). فقالت لى أمِّى: قومى إليه. فقلت: واللَّهِ لا أقومُ إليه، ولا أحمدُ
إلا اللَّهَ، هو الذى أَنزَل براءتى. فأنزل اللَّهُ: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَآءُو بِلْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ﴾
عشرَ آياتٍ ، فأنزل اللَّهُ هذه الآياتِ (٧ بوأنى بها) . قالت : فقال أبو بكرٍ، وكان
ينفقُ على مِسْطَحِ لقرابته [٤٥٩/٢ ] وفقرِهِ: واللَّهِ لا أُنفقُ عليه شيئًا أبدًا بعدَ الذى
قال لعائشةَ. قالت: فأنزل اللَّهُ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ إِلى ":
(١) سقط من: ص، ت١، ت٢، ف، وتنظر مصادر التخريج.
(٢) فى م: ((سيبرثنى))، وفى ت١: ((يبرثنى)).
(٣) فى ت٢: ((قرآنا)).
(٤) البرحاء : شدة الكرب من ثقل الوحى. النهاية ١١٣/١.
(٥) الجمان : اللؤلؤ الصغار، وقيل: حب يتخذ من الفضة أمثال اللؤلؤ. النهاية ٣٠١/١ .
(٦ - ٦) فى م: ((إن الله قد برأك))، وفى ت٢: ((أما والله فقد برأك الله)).
(٧ - ٧) فى ص، ت١، ف: ((براءتى به))، وفى م: ((براءة لى))، وفى المصادر: ((براءتى)).
(٨) فى ص، ت١، ف: ((حتى))، وفى م: (( حتى بلغ)).

٢٠٤
سورة النور : الآية ١١
﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]. فقال أبو بكرٍ: إنى لأُحبُّ أن يغفرَ اللَّهُ لى. فرجع إلى
مِسْطَح النفقةَ التى كان يُنفقُ عليه، وقال: لا أُنزِعُها منه أبدًا .
قالت عائشةُ: وكان رسولُ اللَّهِ صَ لِّ يسألُ زينبٌ بِنتَ جحشٍ عن أمرى ، وما
رَأَتْ وما سمِعت، فقالت: يا رسولَ اللهِ، أخْمِى سمعى وبصَرى(١)، واللَّهِ ما رأيتُ
إلا خيرًا. قالت عائشةُ: وهى التى كانت تُسامِينى(٢) ، فعصَمها اللَّهُ بالوَرَع،
وطفِقَتْ أُختُها حَمْنةٌ تحاربُ ، فهلَكت فى مَن هلَك .
قال الزهرىُّ ابنُ شهابٍ : فهذا الذى انتهى إلينا من أمرٍ هؤلاء الرهطِ (٣).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ ، عن الزهرىِّ، عن (٤)
علقمةَ بنِ وقّاصِ الليئىِّ، و(٥) عن سعيد بن المسيبٍ، وعن عروةَ بنِ الزبيرٍ، و() عن
عبيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عتبةَ بنِ مسعودٍ . قال الزهرىُّ: كلِّ قد حدَّثَنَى بعضَ هذا
الحديثِ ، وبعضُ القومِ كان أوعَى له من بعضٍ . قال: وقد جمّعتُ لك كلَّ الذى قد
(٧)
حگثنى() .
/وحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: وثنى محمدُ بنُ إسحاقَ ، قال: ثنا
٩٣/١٨
(١) أى: أمنعهما من أن أنسب إليهما مالم يدركاه ، ومن العذاب لو كذبت عليهما . النهاية ٤٤٨/١ .
(٢) تسامينى ، أى : تعالينى وتفاخرنى، وهو مفاعلة من السمو ، أى تطاولنى فى الحظوة عنده . النهاية
٤٠٥/٢.
(٣) أخرجه النسائى فى الكبرى (١١٣٦٠) عن محمد بن عبد الأعلى به ، وأخرجه عبد الرزاق فى المصنف
(٩٧٤٨)، وأحمد ١٩٤/٦ (الميمنية)، ومسلم (٥٦/٢٧٧٠)، والطبرانى ٥٠/٢٣ (١٣٣) من طريق
معمر به .
(٤) فى م: ((وعن)).
(٥) سقط من النسخ ، والمثبت من تاريخ المصنف .
(٦) سقط من: ص، ت١، ت٢، ت٣، ف .
(٧) سيرة ابن هشام ٢٩٧/٢، وأخرجه المصنف فى تاريخه ٦١١/٢ .

٢٠٥
سورة النور : الآية ١١
يحيى بنُ عبادِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الزبيرِ، عن أبيه، عن عائشةَ، قال: وثنى عبدُ اللَّهِ بنُ
أبى بكر١ٍ بنِ محمدِ بنِ عمرو بنِ حزمِ الأنصارىٌّ ، عن عَمْرةَ بنتِ عبدِ الرحمنِ ، عن
عائشةَ، قالت - وكلٌّ قد اجتمع فى حديثه قصةُ (" خبرٍ عائشة٢ً) عن نفسِها، حينَ
قال أهلُ الإفكِ فيها ما قالوا ، فكلُّه قد دخَل فى حديثها عن هؤلاء جميعًا، ويحدِّثُ
بعضُهم ما لم يحدِّثْ بعضٌ، وكلٌّ كان عنها ثقةٌ ، وكلُّ قد حدَّث عنها ما سمِع -
قالت عائشةُ رضِى اللَّهُ عنها: كان رسولُ اللَّهِ مَّهِ إذا أراد سفرًا أقرَع بينَ نسائِه،
فَأَيَّتُهن خرج سهمُها خرَج بها معه، فلما كانت غزوةُ ) بنى المصطَلِقِ أَقرَع بينَ
نسائِه كما كان يصنعُ، فخرَج سهمى عليهنّ، فخرَج بى رسولُ اللَّهِ يَّلِ معه .
قالت : وكان النساء إذ ذاك إنما يأكُّلْن العُلَقَ، لم يُهِيِّجْهن ) اللحمُ فيثْقُلْن. قالت:
وكنت (٩) إِذا رُحِّل بعيرى جلَسْتُ فى هَؤْدَجى، ثم يأتى القومُ الذين يُرحِّلون بی
بعيرى ويحمِلونى ، فيأخُذون بأسفلِ الهودج، فيرفَعونه فيضَعونه على ظهرِ البعيرِ ،
فينطلقون به. قالت: فلما فرغ رسولُ اللَّهِ سَّهِ من سفرِه ذلك وجَّه قافلًا ، حتى
إذا كان قريبًا " من المدينةِ نزَل مَنزِلًاً(1)، فبات بعضَ الليلِ، ثم أذِّن فى الناسِ
بالرحيلِ، فلما ارتحَل الناسُ ، خرَجتُ لبعضٍ حاجتى، وفى عنقى عِقدٌ لى من جَزْعِ
(١ - ١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: ((بكر))، وفى م: ((بن بكر))، وسيأتى على الصواب فى
ص٢٢٤، وينظر تهذيب الكمال ٣٤٩/١٤.
(٢ - ٢) فى ت٢: ((عائشة فى خبرها)).
(٣) فى ص، م، ت١، ف: ((غزاه)).
(٤) فى ت١: ((يتهجمهن).
(٥) فى ت٢: ((كان)).
(٦) بعده فى ت٢: ((إلى المدينة)).
(٧ - ٧) فى ت٢: ((منها)).
(٨) بعده فى ت٢: ((منها)).

٢٠٦
سورة النور : الآية ١١
ظَفارٍ، فلما فرغتُ انسلَّ من عنقى ولا أدرِى، فلما رجَعتُ إلى الرحْلِ، ذهَبتُ
ألتمِسُه فى عنقى فلم أجِدْه، وقد أخَذ الناسُ فى الرحيلِ. قالت : فرجَعتُ عَوْدِى
إلى بَدْئِى" إلى المكانِ الذى ذهَبتُ إليه، فالتمَستُه حتى وجَدتُه ، وجاء القومُ خلافى
الذين كانوا يرحّلون بى البعيرَ. ثم ذكَّر نحوَ حديثِ ابنِ عبدِ الأعلى ، عن ابنٍ
(٢)
ثورٍ(١).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن هشام بن عروةً ، عن أبيه ، عن عائشةً
رضى اللَّهُ عنها، قالت: لمَّا(٢) ذُكِر من شأنى الذى ذُكِر، وما علِمتُ به، قام
رسولُ اللَّهِ عَ لَه فِىَّ خطيبًا وما علِمتُ ، فتشهَّد، فحمِد اللَّهَ وأثنى عليه بما هو أهلُه ،
ثم قال: ((أما بعدُ ، أشيروا علىَّ فى أناسٍ أَبْتُوا أهلى(٤)، وائمُ(٥) اللَّهِ ما علِمتُ على
أهلى سوءًا قطُّ، وأبْثُوهم بمن واللَّهِ ما علِمتُ عليه سوءًا قطُّ ، ولا دخَل بيتى قطُ إلا وأنا
حاضرٌ، ولا غبتُ(١) فى سفرٍ إلا غاب معى)). فقام سعدُ بنُ مُعاذٍ، فقال: يا رسولَ
اللَّهِ ، نَى (٧) أن نضرِبَ أعناقَهم . فقام رجلٌ من الخزرجِ، وكانت أمُّ حسانَ بنِ ثابتٍ
من رهطِ ذلك الرجلِ ، فقال: كذَبتَ ، أما واللهِ لو كانوا من الأوسِ ما أحببتَ أن
تُضرَبَ أعناقُهم. حتى كاد أن يكونَ بينَ الأوسِ والخزرج فى المسجدِ شرٌّ، وما علِمتُ
به، فلما كان مساءُ ذلك اليومِ خرَجتُ لبعضٍ حاجتى ومعى أمُّ مِسْطَحِ، فعثَرَتْ ،
(١ - ١) سقط من: ت٢.
(٢) سيرة ابن هشام ٢٩٧/٢ - ٣٠٢، وأخرجه المصنف فى تاريخه ٦١١/٢، ٦١٢، وأخرجه الطبرانى
١١١/٢٣ (١٥١) من طريق أبى أويس عن عبد الله بن أبى بكر بن محمد عن عمرة به ، وأخرجه أيضا
١٢٢/٢٣ (١٦٠) من طريق ابن إسحاق عن يحيى بن عباد به .
(٣) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((ثم))، والمثبت موافق لما فى مصادر التخريج.
(٤) أى : اتهموها، والأَبْنُ: التهمة . النهاية ١٧/١.
(٥) سقط من: م، ت١، ف .
(٦) فى ص، م، ت١، ف: ((أغيب))، وتنظر مصادر التخريج.
(٧) فى ت٢: ((ترى)).

٢٠٧
سورة النور : الآية ١١
فقالت : تَعِس مِسْطخٌ! فقلت : علامَ تَسُبِّين أبنَكِ؟ فسكَتَت، ثم عثَرتِ الثانيةَ،
فقالت : تَعِس مِسْطَعٌ! فقلت: علام تَسُبِّين ابنَكِ؟ فسكتتِ الثانيةَ، ثم عثَرتِ
الثالثةَ ، فقالت: تَعِس مِسْطَحْ! فانتَهِرْتُها ، وقلت : علامَ تسبِّين ابنَكِ؟ فقالت : واللَّهِ
ما أسبُّه إلا فيكِ. قلت: فى أىِّ شأنى. فبقَرَت لىَ (١) الحديثَ(١) ، فقلت: وقد كان
هذا؟ قالت : نعم واللَّهِ . قالت: فرجَعتُ إلى بيتى، فكأن الذى خرَجتُ له لم أخرج
له ٢، لا أجِدُ منه قليلاً ولا كثيرًا، ووُعِكْتُ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أُرسِلْنى إلى بيتٍ
أبى. فأرسَل معىَ الغلامَ، فدخَلتُ الدارَ، فإذا أنا بأمِّى أمّ رومانَ ، قالت: ما جاء
بك يا بُنِيَةُ؟ / فأخبرتُها، فقالت: خَفِّضى عليك الشأنَ، فإنه واللهِ ما كانت امرأةٌ ٩٤/١٨
جميلةٌ عندَ رجلٍ يحبُّها ولها ضرائرُ، إلا حسَدْنها وقُلْن فيها . قلتُ : وقد علِم بها
أبى؟ [٤٦٠/٢ و] قالت: نعم. قلتُ: ورسولُ اللَّهِ؟ قالت: نعم. فاستعبَّرْتُ
وبكيتُ ، فسمِع أبو بكرٍ صوتِى وهو فوقَ البيتِ يقرَأُ ، فنزَل فقال لأَمِّى : ما شأنُها؟
قالت: بلَغها الذى ذُكِر من أمرِها . ففاضت عيناه، فقال: أقسَمتُ عليكِ إلا
رجَعتِ إلى بيتِك. فرجَعتُ .
وأصبَح أبواىَ عندى، فلم يزالا عندى حتى دخَل رسولُ اللَّهِ صَلِ علىَّ بعدَ
العصرِ، وقد اكتنفَنى(٤) أبواىَ؛ عن يمينى، وعن شمالى، فتشهَّد رسولُ اللَّهِ وَهِ ،
فحمِد اللَّهَ، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: ((أما بعدُ، يا عائشةُ ، إن كنتِ قارَفتٍ(٥)
(١) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((إلى)).
(٢) بقرت الحديث، أى: فتحته وكشفته؛ ورواه بعضهم: ((نقَّرت))، والتنقير: التفتيش. النهاية ١٤٥/١،
١٠٥/٥.
(٣ - ٣) سقط من : ت٢ .
(٤) الاكتناف : الإحاطة من الجانبين . النهاية ٢٠٥/٤ .
(٥) فى ت٢ : قاربت، وقارف الذنب وغيره، إذا داناه ولاصقه. النهاية ٤٥/٤.

٢٠٨
سورة النور : الآية ١١
سوءًا أو ألمَمْتِ ، فتوبى إلى اللَّهِ فإن اللَّهَ يقبلُ التوبةَ عن عبادِه)). وقد جاءت امرأةٌ
مِن الأنصارِ، وهى جالسةٌ ، فقلتُ : ألا تستحِى من هذه المرأةِ أن تقولَ شيئًا؟ فقلتُ
لأبى : أجِبْه . فقال : أقولُ ماذا؟ قلت لأَمِّى : أجيبيه . فقالت : أقولُ ماذا؟ فلما لم
يجيباه تشهَّدتُ ، فحمِدتُ اللَّهَ ، وأثنَيتُ عليه بما هو أهله، ثم قلت: أما بعدُ، فواللَّهِ
لئن قلتُ لكم : إنى لم أَفعَلْ، واللَّهُ يعلمُ إنى لصادقةٌ، ما ذا بنافِعِى عندَكم ، لقد
تُكُلِّم به، وأُشْرِيَتْهُ قلوبُكم ، وإن قلت: إنى قد فعَلتُ، واللَّهُ يعلمُ أنى لم أفعَلْ،
التَقولُنَّ(١): قد باءت به على نفسِها. وامُ اللَّهِ مَا أجدُ لى ولكم مثلًا إلا كما قال أبو
يوسفَ وما أحفظُ اسمَه: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾
[ يوسف: ١٨]. وأنزل اللَّهُ على رسولِه ◌ِ لِ ساعتَئذٍ، فرُفِع عنه وإنى لأُتبينُ " السرورَ
فى وجهِه، وهو يمسحُ جبينه، يقولُ: ((أبشِرى يا عائشةُ، فقد أَنزَل اللَّهُ براءَتَكِ)).
فكنتُ أشدَّ ما كنتُ غضبًا، فقال لى أبواىَ: قُومى إلى رسولِ اللَّهِ عَ لَّهِ. فقلتُ:
واللَّهِ لا أقومُ إليه، ولا أحمَدُه، ولا أحمَدُ كما، لقد سمعتموه فما أَنْكَرتُموه، ولا
غيَّر تموه، ولكنى أحمَدُ اللَّهَ الذى أنزل براءتى. ولقد جاء رسولُ اللَّهِ عَ لَّ بيتى،
فسأل الجاريةَ عنى، فقالت: واللَّهِ ما أعلمُ عليها عيبًا ، إلا أنها كانت تنامُ حتى تدخلَ
الشاةُ فتأكلَ حصيرَها أو عجينَها. فانتهرَها بعضُ أصحابِهِ، وقال: اصْدُقى
رسولَ اللَّهِ حِلّهِ. قال عروةُ: فعتَب على مَن قاله. فقالت: لا ، واللَّهِ ما أعلمُ عليها
إلا ما يعلمُ الصائغُ على تبٍ(٣) الذهبِ الأحمرِ. وبلَغ ذلك الرجلَ الذى قيل له،
فقال: سبحانَ اللَّهِ ! ما كشَفتُ كَنَفَ (٤) أنثى قطُّ. فقُتِل شهيدًا فى سبيلِ اللَّهِ . قالت
(١) فى ص، ت٢: ((ليقولن)).
(٢) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((لأستنير))، وتنظر مصادر التخريج.
(٣) فى ت٢: ((مبرد))، والتبر: الذهب قبل أن يضرب دنانير ودراهم. النهاية ١٧٩/١.
(٤) الكنف : الجانب والناحية . النهاية ٢٠٥/٤ .

٢٠٩
سورة النور : الآية ١١
عائشةُ: فأما زينبُ بنتُ جحش، فعصَمها اللَّهُ بدينِها ، فلم تقلْ إلا خيرًا ، وأما أختُها
حَمنَةُ ، فهلَكت فى من هلَك، وكان الذين تكلَّموا فيه ؛ المنافقُ عبدُ اللَّهِ بنُ أُبِّ ابُ
سلولَ، وكان يستوشِيه (١) ويجمعُه، وهو الذى تولَّى كِبْرَه، ومِسْطحٌ، وحسانُ بنُ
ثابتٍ ، فحلَف أبو بكرٍ ألّا يَنفَعَ مِسْطَحًا بنافعةٍ ، فَأَنزَل اللَّهُ: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ
مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾. يعنى أبا بكرٍ، ﴿أَنْ يُؤْثُوَأْ أُوْلِ الْقُرْبَى وَالْمَسَلِكِينَ﴾. يعنى
مِسْطحًا، ﴿ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمُّ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]. قال أبو
بكرٍ: بلى واللهِ ، إنا لنحبُ أن يغفرَ اللَّهُ لنا. وعاد أبو بكرٍ لمِسْطَح بما كان يصنعُ
(٢)
به
حدّثنا ابنُ و کیع، قال : ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، قال : ثنا محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا
يحيى بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ حاطبٍ، عن علقمةَ بنِ وقّاصٍ وغيرِه أيضًا، قال :
خرَجت عائشةُ تريدُ الْمَذْهبَ(٢)، ومعها أمُّ مسطح، وكان مِسطحُ بنُ أثاثةً ممن قال ما
قال، وكان رسولُ اللَّهِ مَ لِ خطَب الناسَ قبلَ ذلك، فقال: ((كيف ترَون فى من ٩٥/١٨
يؤذينى فى أهلى ، ويجمعُ فى بيتِهِ مَن يؤذينى؟)). فقال سعدُ بنُ مُعاذٍ : أَىْ رسولَ
اللَّهِ، إن كان منا معشرَ الأُوسِ جلَدْنا(1) رأسَه، وإن كان من إخواننا من الخزرجِ،
أَمَرتَنَا فَأُطَعناك. فقال سعدُ بنُ عبادةَ: يا بنَ معاذٍ، واللَّهِ ما بك نُصْرةُ رسولِ اللَّهِ،
ولكنها قد كانت ضغائنُ فى الجاهليةِ وإحَنّ(١) لم تُخْلَلْ لنا من صدورِكم بعدُ .
(١) يستوشيه : يستخرج الحديث بالبحث عنه. النهاية ١٩٠/٥.
(٢) أخرجه أحمد ٥٩/٦ (الميمنية)، ومسلم (٥٨/٢٧٧٠)، والترمذى (٣١٨٠)، والطبرانى ١٠٨/٢٣
(١٥٠) من طريق أبي أسامة به ، وعلقه البخارى (٤٧٥٧) عن أبى أسامة به، وأخرجه البخارى (٧٣٧٠)،
وأبو داود (٥٢١٩)، والطبرانى ١٠٦/٢٣ (١٤٩) من طريق هشام بن عروة به .
(٣) المذهب : الموضع الذى يتغوط فيه . النهاية ١٧٣/٢ .
(٤) يقال: جلدته بالسيف ، إذا ضربته به . النهاية ٢٨٥/١ .
(٥) فى ص، ف: ((طعائن)).
(٦) الإحنة : الحقد، وجمعها إخَن وإحَنَات. النهاية ٢٧/١.
( تفسير الطبرى ١٤/١٧ )

٢١٠
سورة النور : الآية ١١
فقال ابنُ معاذٍ : اللَّهُ أعلمُ ما أردتُ. فقام أَسَيدُ بنُ محُضَيرٍ، فقال: يابنَ عبادةَ، إِن سعدًا
ليس شديدًا، ولكنك تجادلُ عن المنافقين، وتدفعُ عنهم. وكثُر اللَّغَطُ فى الحيَّين فى
المسجدِ، ورسولُ اللَّهِ مِ لهِ جالسٌ على المنبرِ، فما زال النبىُّ عَّه يومىُ بيدِه إلى
الناسٍ هلهنا وهلهنا ، حتى هدأ الصوتُ .
وقالت عائشةُ: كان الذى تولَّى كِبْرَه ، والذى يجمعُهم فى بيته ، عبدُ اللَّهِ بنُ
أبىّ ابنُّ سلولَ. قالت: فخرجتُ إلى المَذْهَبِ ومعى أم مسطحٍ، فعثَرَتْ،
فقالتْ: تَعِس مِسْطَعٌ! فقلت: غفَر اللَّهُ لك، أتقولين هذا لابنِك، ولصاحبٍ
رسولِ اللَّهِ عَظَلِ ؟! قالت ذلك مرّتين، وما شعَرتُ بالذى كان، فحُدِّثْتُ فذهَب
عنى الذى خرَجتُ له، حتى ما أجدُ منه شيئًا، ورجَعت على أبوىَّ؛ أبى بكرٍ، وأمّ
رُومانَ، فقلت: أما اتَّقَيْتُما [٤٦٠/٢ظ] اللَّهَ فيَّ، وما وصَلتما رَحِمى؟! قال
النبىُّ ◌َِّ الذى قال، وتحدَّث الناسُ بالذى تحدَّثوا به، ولم تُغْلِمانِيه، فأُخْبِرَ
رسولَ اللَّهِ مِلِ؟! قالت: أى بنيةُ، واللَّهِ لقلَّما أحبَّ رجلٌ امرأته قطُّ ، إلا قالوا لها
نحوَ الذى قالوا لك ، أى بنيةُ ، ارجعى إلى بيتك حتى نأتيَكِ فيه . فرجعتُ وارتگبنى
صالِبٌ من حُمَّى(١) ، فجاء أبواىَ فدخَلا، وجاء رسولُ اللَّهِ سَلِّ حتى جلس على
سريرى وِجاهى ، فقالا : أى بنيةٌ ، إن كنتٍ صنَعتِ ما قال الناسُ، فاستغفِرِى اللَّهَ،
وإن لم تكونى صنَعتِه، فأخبرى رسولَ اللّهِ وَهِ بعذرِك(٢) . قلت: ما أجدُ لى ولكم
إلا كأبى يوسفَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴾ [ يوسف: ١٨].
قالت : فالتمَستُ اسمَ يعقوبَ، فما قدَرتُ - أو: فلم أقدِرْ عليه - فشخَص بصر
رسولِ اللهِ مَه إلى السقفِ، وكان إذا نُزِّل عليه وَجَد قالَ اللَّهِ): ﴿إِنَّا سَتُلْقِى
(١) الصالب من الحمى : الحارة غير النافض ، وقيل: التى معها حر شديد .. اللسان (ص ل ب).
(٢) سقط من : ت٢ .
(٣) القال مصدر بمعنى القول، والمراد وجد قال الله، أى: أدركه قول الله عز وجل وتحقق فيه.

٢١١
سورة النور : الآيتان ١٢،١١
عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [ المزمل: ٥]. فوالذى هو أكرَمَه، وأنزل عليه الكتابَ ، ما زال
يضحكُ - حتى إنى لأنظر إلى نواجذه - سرورًا، ثم مسح عن وجهه، فقال: « یا
عائشةُ، أبشرى، فقد أنزَل اللَّهُ عُذْرَكِ)). قلت: بحمدِ اللَّهِ لا بحمدِك، ولا بحمدٍ
أصحابِك. قال اللَّهُ: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِآلْإِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ﴾. حتى بلَغ: ﴿وَلَا
يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾. وكان أبو بكرٍ حلَف ألّ ( ينفعَ مسطحًا"
بنافعةٍ، وكان بينَهما رَحِيمٌ، فلما أُنزِلت: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾. حتى
بلَغ: ﴿ وَاَللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]. قال أبو بكرٍ: بلى، أيْ ربِّ. فعاد إلى
الذى كان لمسطح. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ﴾ [النور: ٢٣]. حتى بلغ:
أُوْلِكَ مُبَرَّءُونَ مَِّا يَقُولُونَّ لَهُم مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور: ٢٦]. قالت
عائشةُ : واللَّهِ ما كنتُ أرجو أن ينزِلَ فيَّ كتابٌ ، ولا أطمعُ به، ولكن ("قد كنت٢)
أرجو أن يرَى رسولُ اللَّهِ عَه رؤيا تُذْهِبُ ما فى نفسِه. قالت: وسأل الجاريةَ
الحبشيةَ ، فقالت: واللَّهِ لعائشةُ أَطِيبُ من طَيِّبِ الذهبِ، وما بها عيبٌ(٢)، إلا أنها
ترقُدُ حتى تدخُلَ الشاةُ فتأكلَ عجينَها، ولئن كانت صنَعت ما قال الناسُ،
ليخبرَتَّك اللَّهُ . ) قالت(٥): فعجِب الناسُ) من فهمِها(٦).
/ القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ لَوْلَاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بِأَنْفُسِهِمْ ٩٦/١٨
(١ - ١) فى ت١: ((ينفق على مسطح ولا ينفعه)).
(٢ - ٢) سقط من: م، ت١، ف .
(٣) سقط من: ت٢، ت٣.
(٤ - ٤) سقط من: ص، ت١، ت٢، ت٣، ف .
(٥) فى م: ((قال)).
(٦) فى م، ((فقهها)).

٢١٢
سورة النور : الآية ١٢
١٢
خَيْرًا وَقَالُواْ هَذَا إِنْكُ مُبِينٌ
وهذا عتابٌ مِن الله تعالی ذِ گره أهل الإيمان به فیما وقع فی أنفسِھم من إرجافٍ
مَن أُرجَف فى أمرٍ عائشةً، بما أرجَف به، يقولُ لهم تعالَى ذِكرُه: هلََّ أيُّها الناسُ إِذْ
سمِعتُم ما قال أهلُ الإفكِ فى عائشةً، ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ﴾ منكم ﴿وَالْمُؤْمِنَتُ
بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾. ( يقولُ: ظنَنْتُم بمن قُرِف بذلك منكم خيرًا"، ولم يظنُّوا به أنَّه أَتَى
الفاحشةً .
وقال: ﴿بِأَنْفُسِهِمْ﴾. لأنَّ أهلَ الإسلامِ كلَّهم بمنزلةٍ نَفْسٍ واحدةٍ ؛ لأنَّهم أهلُ
ملةٍ واحدةٍ .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ ، قال: ثنا سَلَمَةُ ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ ، عن أبيه ، عن بعضٍ
رجالٍ بنى النجارِ ، أن أبا أيوبَ خالدَ بنَ زيدٍ ، قالت له امرأتُه أم أيوبَ: أما تسمعُ ما
يقولُ الناسُ فى عائشةَ؟ قال: بلى، وذلك الكذبُ ، أكنتٍ فاعلةٌ ذلك يا أمَّ أيوبَ ؟
قالت : لا واللَّهِ ما كنتُ لأفعلَه. قال: فعائشةُ واللَّهِ خيرٌ منك. قال: فلمَّا نزَل
القرآنُ، ذكَر اللَّهُ مَن قال مِن(٢) الفاحشةِ ما قال مِن أهلِ الإفكِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو
بَلْإِفِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ﴾: وذلك حَسَّانُ وأصحابُه الذين قالوا ما قالوا، ثم قال: ﴿لَّوَلَاً
إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ أُلْمُؤْمِنُونَ﴾ الآية. أى: كما قال أبو أيُّوبَ وصاحِبتُه(٢) .
(١ - ١) سقط من: ت١، ت٢، ت٣، ف.
(٢) فى م، وتفسير ابن أبى حاتم: ((فى)).
(٣) سيرة ابن هشام ٣٠٢/٢، وأخرجه المصنف فى تاريخه ٦١٧/٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره
٢٥٤٦/٨ من طريق سلمة به ، وأخرجه ابن عساكر فى تاريخه ٤٨/١٦ من طريق ابن إسحاق به ، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٣٣/٥ إلى ابن المنذر وابن مردويه .

٢١٣
سورة النور : الآية ١٢
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهب ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ لَّوَلاَ إِذْ
سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾: ما هذا الخيرُ؟ ظنُّ المؤمنِ أن المؤمنَ
لم يكُنْ ليفُرَ بِأُمِّه، وأنَّ الأُمَّ لم تكُنْ لتفجُرَ بابِها ، إن أرادَ أن يفجُرَ فَجَر بغيرٍ أمّه ،
يقولُ: إنما كانت عائشةُ أُمَّا، والمؤمنون بنونَ لها، محرَّمًا عليها. وقرأ: ﴿لَّوْلَا جَاءُو
عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءً﴾ الآيةُ [النور: ١٣].
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُرَيجٍ، عن
مجاهدٍ قولَه: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا﴾: قال لهم: ﴿خَرّ﴾.
ألا ترى أنه يقولُ: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. يقولُ: بعضكم بعضًا،
فَسَلِّمُواْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ ﴾ [النور: ٦١]. قالُ: بعضُكم على بعضٍ (١).
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ ، قال: ثنا هَوْذةُ، قال: ثناعوفٌ، عن الحسنِ فى قولِه: ﴿ لَّوَلَآ
إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾: يَعْنى بذلك المؤمنين
والمؤمناتِ(٥) .
وقولُه: ﴿وَقَالُواْ هَذَآ إِفٌْ مُّبِينٌ﴾. يقولُ: وقال المؤمنون والمؤمناتُ : هذا
الذى سمِعنا مِن القولِ الذى رُمِىَ به عائشةُ مِن الفاحشةِ، كذبٌ وإثمٌ، يَبِينُ لمن عقَل
وفكّر فيه، أنه كذبٌ وإثمٌ وبهتانٌ .
كما حدَّثنا ابنُ بَشَّارِ، قال: ثنا هَوْذَةُ، قال: أخبرنا عوفٌ ، عن الحسنِ :
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥٤٦/٨ من طريق أصبغ ، عن ابن زيد .
(٢ - ٢) سقط من: ت١، ت٢، ت٣، ف.
(٣) بعده فى م: (( يسلم)).
(٤) ينظر التبيان ٣٦٨/٧ .
(٥) ذكره البغوى فى تفسيره ٢٣/٦.

٢١٤
سورة النور: الآيات ١٢ - ١٤
﴿وَقَالُواْ هَذَآَ إِفٌْ مُّبِينٌ﴾ . قالوا : إِنَّ هذا لا ينبغى أن يَتَكلَّمَ به إلا مَن أقام عليه
أربعةً مِن الشهودِ وأُقِيم عليه حدٌّ الزّنى(١) .
٩٧/١٨
/ القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ لَوْلَا جَاءُو عَيْهِ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَآءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوَأْ
١٣
بِالشُّهَدَآءٍ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَذِبُونَ
يقولُ تعالى ذكره : هلَّا جاء هؤلاء العصبةُ الذين جاءُوا بالإِفكِ ، ورمَوا عائشةً
بالبهتانِ - بأربعة شهداءَ يَشْهدون على مقالتِهم فيها، وما رَمَوها به، فإذ لم يأتُوا
بالشهداءِ الأربعةِ على حقيقةِ ما رمَوْها به، ﴿فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَذِبُونَ﴾ .
يقولُ: فالعُصْبةُ الذين رمَوْها بذلك عندَ اللَّهِ هم الكاذبون فيما جاءُوا به مِن
الإفكِ .
القولُ فى تأويل قوله تعالى: ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ
لَمَسَّكُمْ فِىِ مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ
١٤
يقولُ تعالى ذِكرُه: ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أيها الخائضون فى أمرٍ
عائشةَ، المُشِيعُون فيها الكذبَ والإثمَ، بتركِه تعجيلَ عقوبتِكم، ﴿ وَرَحْمَتُهُ﴾
إیا کم ؛ لعفوه عنکم ، ﴿ فی آلُنيا والآخرة ﴾ بقبول تویتکم مما کان منکم فی ذلك ۔
لَمَشَكم فيما خضتُم فيه مِن أمرِها عاجلًا فى الدنيا ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهب، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَلَوْلًا
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥٤٩/٨ من طريق هوذة به .

٢١٥
سورة النور : الآيتان ١٤، ١٥
فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾: هذا للذين تكلَّموا(١) فنشَروا ذلك الكلامَ، ﴿لَسَّكُمْ
فِيِ مَّا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٢).
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَهِكُمْ مَّا لَيْسَ
١٥
لَكُمْ بِهِ، عٌِّ وَتَحْسَبُونَهُ هَيْنَا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ
يقولُ تعالى ذِكرُه : لمسَكم فيما أَفَضْتُم فيه مِن شأنٍ عائشةَ عذابٌ عظيمٌ حينَ
تلقَّونه بألسنتِكم .
و﴿ إِذْ﴾ مِن صلة قوله: ﴿ لَمَتَكُمْ﴾.
ويعنى بقولِه : ﴿ تَلَقَّوْنَهُ﴾: تتلقَّوْن الإفكَ الذى جاءت به العصبةُ مِن أهلِ
الإِفكِ، فتقبلونه، ويرويه(٢) بعضُكم عن بعضٍ .
يقالُ: تلقَّيتُ هذا الكلامَ عن فلانٍ. بمعنى : أخذتُه مِنه . وقيلَ ذلك لأنَّ
الرجلَ منهم فيما ذُكِرٍ يَلْقى آخرَ، فيقولُ: أَوَمَا بلغَك كذا وكذا عن عائشةً؟ ليُشِيعَ
عليها بذلك الفاحشةَ .
وذُكِر أنها فى قراءةٍ أُبىّ: (إِذْ تَتَلقَّوْنَهُ) بتاءِينَ(٤) ، وعليها قَرَأَةُ الأُمصارِ ، غيرَ
أنهم قرءُوها: ﴿ تَلَقَّوْنَهُ﴾ بتاءٍ واحدةٍ ؛ لأنها كذلك فى مصاحفِهم.
/ وقد رُوِى عن عائشةً فى ذلك ما حدَّثنى به محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ ٩٨/١٨
عبدِ الحكم ، قال : ثنا خالدُ بنُ نِزارٍ ، عن نافع، عن ابنِ أبى مُلَيْكةً، عن عائشةَ زوج
النبيِّ عَّمِ أنها كانت تقرأُ هذه الآيةَ: (إِذْ تَلِقُونَهُ). تقولُ: إنما هو وَلْقُ الكذبِ.
(١) فى ت٢: ((علموا))، وبعده فى ص: ((سمعوا))، وبعده فى ت١: ((استمعوا)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥٤٨/٨ من طريق أصبغ ، عن ابن زيد .
(٣) فى ص، ت١، ف: (ترونه)) وفى ت٢: ((تردونه)).
(٤) مختصر الشواذ لابن خالويه ص ١٠٢، والبحر المحيط ٤٣٨/٦.

٢١٦
سورة النور : الآية ١٥
وتقولُ : إِنما كانوا يَلِقُون الكذبَ . قال ابنُ أبى مُليكةً: وهى أعلمُ بما فيها أُنزلَت .
قال نافعٌ : وسمِعتُ بعضَ العربِ يقولُ : اللَّيْقُ الكذبُ .
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال : ثنا يحيى بنُ واضِحٍ ، قال : ثنا نافعُ بنُ عمرَ بنِ عبدِ اللَّهِ
ابنِ " عبد الرحمنِ بنِ مَعْمَر١ٍ الجُمَحِىُ، عن ابن أبي مليكةَ، عن عائشةَ أنها كانت
تقرأ : ( إِذْ تَلِقُونَهُ بأَلْسِنَتِكُمْ). وهى أعلمُ بذلك وفيها أَنْزِلَت . قال ابنُ أبى مُلَيْكةً: هو
مِن وَلْقِ الكذبِ(٣) .
قال أبو جعفرٍ: وكأنَّ عائشةَ وَجَّهت معنى ذلك بقراءتها : (تلِقُونَهُ) بكسرٍ
اللامٍ وتخفيفِ القافِ إلى: إذ تستمرّون فى كذبِكم عليها ، وإفكِكم بألسنتِكم .
كما يقالُ: وَلَق فلانٌ فى السيرِ فهو يَلِقُ. إذا استمرَّ فيه، وكما قال الراجزُ():
إِنَّ الجُلَيْدَ زَلِقٌ وَزُمَّلِقْ(٤)
جاءتْ بِهِ عَنْسٌ(٥) مِنَ الشَّأْمِ تَلِقْ
مُجَوَّعُ البَطْنِ كِلَائِىُّ الخُلُقْ
وقد رُوِى عن العربِ فى الوَلْقِ، الكذبُ، الأَلْقُ والإِلْقُ؛ بفتح الألفِ
(١ - ١) فى مصادر ترجمته: ((جميل بن عامر)). وينظر تهذيب الكمال ٢٨٧/٢٩.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥٤٨/٨، والطبرانى ١٤٣/٢٣ (٢٠٠) من طريق نافع بن عمر
الجمحى به. وأخرجه البخارى (٤٧٥٢)، والطبرانى ١٤٣/٢٣ (٢٠١) من طريق ابن أبى مليكة به . وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٣٣/٥ إلى ابن المنذر وابن مردويه .
(٣) معانى القرآن للفراء ٢٤٨/٢ . ونسبه فى اللسان (زل ق) إلى القلاخ بن حزن المنقرى، ونسبه فى
( ول ق) إلى الشماخ .
(٤) رجل زلق زملق : هو الذى ينزل قبل أن يجامع . والزملق أيضا: الخفيف الطائش . اللسان (زل ق ،
زملق ) .
(٥) فى ت٢، ف: ((عيس)). والعنس: الناقة القوية. والعيس: الإبل البيض مع شقرة يسيرة. اللسان (ع ن
س ، ع ی س ).

٢١٧
سورة النور : الآية ١٥
وكسرِها، ويقالُ فى ((فعلتُ)) منه: أَلَقْتُ، فأنا أَلِقُ. وقال بعضُهم (١) :
(٢)
مَن لِىَ بالمُزَرَّرِ اليَلامِقِ
صاحِبٍ إِذهانٍ(٢) وألْقٍ آلِقٍ
والقراءةُ التى لا أستجيزُ غيرَها: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ على ما ذكرتُ مِن قراءةِ قرأةٍ(٤)
الأمصارِ ؛ لإجماعِ الحجةِ مِنِ القَرَأَةِ عليها .
وبنحوِ الذى قُلنا مِن التأويلِ فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مُجُرَيجٍ، عن
مجاهدٍ : ﴿ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ ﴾. قال: تَزْؤُونه بعضُكم عن بعضٍ (٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
﴿ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾. قال: تَرْؤُونه بعضُكم عن بعضٍ (١).
(١) معانى القرآن للفراء ٢٤٨/٢، واللسان ( ول ق ) .
(٢) اليلمق : القباء ، فارسى معرب . اللسان ( يلمق ).
(٣) الإدهان : الغش : اللسان (د هـ ن).
(٤) سقط من : م ، ت ٢ .
(٥) أخرجه لطيرانى ١٤٢/٢٣ (١٩٩) من طريق ابن جريج به .
(٦) تفسير مجاهد ص ٤٩٠، ومن طريقه الفريابى - كما فى التغليق ٢٦٥/٤ - والطبرانى فى الكبير ١٤٢/٢٣
(١٩٨). وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥٤٨/٨ من طريق شبل عن ابن أبى نجيح به. وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٣٣/٥ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

٢١٨
سورة النور : الآيات ١٥ - ١٨
٩٩/١٨
/ وقولُه: ﴿ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَحِكُم مَّا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ، عِلْمٌ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه:
وتقولون بأفواهِكم ما ليسَ لكم به علمٌ مِن الأمرِ الذى تَرْؤُونه ، فتقولون : سمِعْنا أن
عائشةَ فعَلتْ كذا وكذا. ولا تعلمون حقيقةً ذلك ولا صحته، ﴿ وَتَحْسَبُونَهُ
هَيْنَا﴾: وتظنون أن قولَكم ذلك، وروايتكموه بألسنتِكم، وتلقُّكموه بعضُكم
مِن(١) بعضٍ، هيِّنٌ سهلٌ، لا إثمَ عليكم فيه ولا حرجَ، ﴿ وَهُوَ عِندَ اللّهِ عَظِيمٌ﴾ .
يقولُ : وتلقِّيكم ذلك كذلك، وقولُكموه بأفواهِكم - عندَ اللَّهِ عظيمٌ مِن الأمرِ؛
لأَنَّكم كنتُم تؤذون به رسولَ اللَّهِ عَه وحليلْتَه(٢) .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَّا أَنْ تَّتَكَلَّمَ
◌ِهَذَا سُبْحَتَكَ هَذَا بُهْتَنُ عَظِيمٌ
يقولُ تعالى ذِكرُه: فلولا أيها الخائضون فى الإفكِ الذى جاءت به عصبةٌ
منكم، إذ سمِعْتموه ممن جاءَ به، قلتُم: ما يحلّ لنا أن نتكلَّمَ بهذا، وما ينبغى لنا أن
نتفوَّه به، ﴿ سُبْحَنَكَ هَذَا بُهْتَؤُ عَظِيمٌ﴾: تنزيهًا لك يا ربِّ، وبراءةً إليك مما جاء
به هؤلاء، ﴿هَذَا بُهْتَنُ عَظِيمٌ﴾: يقولُ: هذا القولُ بهتانٌ عظيمٌ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالَى: ﴿يَعِطَّكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُواْ لِمِثْلٍِ أَبَدًا إِن كُمْ
وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِّ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمُ
مُؤْمِنِينَ (١٧
يقولُ تعالی ذ کرُه: یذكِّرُ كم اللّهُ وينهاكُم بآي كتابه لئلا تعودُوا لمثلٍ فعلِكم
الذى فعلتُموه فى أمرٍ عائشةَ مِن تلقِّيكم الإفكَ الذى رُوِى عليها بألسنتِكم ، وقولِكم
بأفواهِكم ما ليسَ لكم به علمٌ فيها، أبدًا، ﴿إِن كُ مُؤْمِينَ﴾. يقولُ: إن كُم
(١) فى م، ف: ((عن)).
(٢) فى ت١، ف: ((خليلته)).

٢١٩
سورة النور : الآيتان ١٨، ١٩
تتعظون بعظاتِ اللَّهِ ، وتأتمرون لأمرِه، وتنتهون عما نهاكُم عنه .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَهُيِّنُ
اللّهُ لَكُمُ الْآَيَتِّ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمُ﴾. قال: والذى هو خيرٌ لنا مِن هذا، أنَّ اللَّهَ
أعلَمنا هذا لكيلا نقَعَ فيه ، لولا أنَّ اللَّهَ أعلمناه لهلكْنا كما هلَك القومُ، أنْ يقولَ
الرجلُ : أنا سمِعتُه ولم أخترِقْه ولم أتقوَّلْه، فكان خيرًا حينَ أعلمناه اللَّهُ؛ لئلا ندخُلَ
فى مثلِه أبدًا، وهو عندَ اللَّهِ عظيمٌ(١).
وقولُه: ﴿ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِّ﴾: ويفصِّلُ اللَّهُ لكم حُجَجَه عليكم،
بأمرِه ونهيِهِ؛ ليتبيَّنَ المطيعُ له منكم مِن العاصى ، ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمُ﴾ بكم وبأفعالِكم،
لا يخفَى عليه شىءٌ، وهو مجازٍ المحسنَ منكم بإحسانِه، والمسىءَ بإساءتِه،
﴿ حَكِيمُ﴾ فى تدبيرِه خلقه، وتكليفِه ما كلَّفَهم مِن الأعمالِ ، وفرضِه ما فرض
عليهم مِن الأفعالِ .
/ القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِى الَّذِينَ ١٠٠/١٨
ءَامَنُوْ لَمْ عَذَابٌ أَلِيُمُ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
١٩
يقولُ تعالى ذِكرُه: إنَّ الذين يُحبُون أن يَذْيعَ الزِّنى فى الذين صدَّقوا بِاللَّهِ
ورسولِه، ويظهرَ ذلك فيهم، ﴿لَّمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يقولُ: لهم عذابٌ وجيعٌ فى
الدنيا ، بالحدِّ الذى جعَله اللَّهُ حدًّا لرامى المحصَناتِ والمحصَنين إذا رموهم بذلك، وفى
(١) ينظر التبيان ٣٧٠/٧ بمعناه مختصرا .
:

٢٢٠
سورة النور : الآيتان ١٩، ٢٠
الآخرة عذابُ جهنمَ إن مات مصرًّا على ذلك غيرَ تائبٍ .
کما حدّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسینُ، قال : ثنی حجاج ، عن ابن جريج ،
عن مجاهدٍ قوله: ﴿ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ اُلْفَاحِشَةُ ﴾. قال : تَظْهَرَ فى شأنٍ عائشةً.
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ إِنَّ
الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَحِشَةُ فِى الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . قال : الخبيثُ
عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ ابنُ سَلولَ، المنافقُ، الذى أشاعَ على عائشةَ ما أشاعَ عليها من
الفرية - لهم عذابٌ أليمُ(١) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قوله: ﴿أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾. قال: تَظْهِرَ؛ يُتَحَدَّثُ عن شأنٍ عائشةً(١).
وقولُه: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: واللَّهُ يعلمُ
كذبَ الذين جائُوا بالإفكِ مِن صدقِهم، وأنتم أيُّها الناسُ لا تعلمون ذلك ؛ لأنكم
لا تعلمون الغيب، وإنما يعلمُ ذلك علَّامُ الغيوبِ . يقولُ : فلا تَزْؤُوا ما لا علمَ لکم به
مِن الإفكِ على أهلِ الإيمانِ باللّهِ، ولا سيما على حلائلِ رسولِ اللَّهِ عَهِ،
فتهلِکوا .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهُ
رَءُوفٌ رَّحِیمٌ
٢٠٦
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥٥٠/٨ من طريق أصبغ ، عن ابن زيد .
(٢) تفسير مجاهد ص ٤٩٠. ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥٥٠/٨، والطبرانى ١٤٦/٢٣ (٢١٢).
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤/٥ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر .