Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
سورة المؤمنون : الآيتان ١٠٦، ١٠٧
منهم، وأقبَلَ بعضُهم ينْبَحُ فى وجهِ بعضٍ، فَأُطْبِقَت عليهم (١).
قال عبدُ اللهِ بنُ المباركِ فى حديثهِ: فحدَّثنى الأزهرُ بنُ أبى الأزهرِ أنه
قال: فذلك قوله: ﴿ هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ ﴿٢) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَغْنَذِرُونَ﴾ [ المرسلات:
٣٥، ٣٦].
حدثنا القاسمُ، قال: "ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبى بكرِ بنِ
عبدِ اللَّهِ أنه قال: فوالذى أنزل القرآنَ على محمدٍ، والتوراةَ على موسى، والإنجيلَ
على عيسى ، ما تكلّم أهلُ النارِ كلمةً بعدَها إلا الشهيقَ والزَّفيرَ() فى الخلدِ أبدًا ،
لیس له نفادٌ .
قال: ثنى حجاج، عن أبى معشرٍ، قال: كنا فى جنازةٍ ومعنا أبو
جعفرٍ (٤القارئُ، فجلسنا، فتنَخَّى أبو جعفرٍ) ، فبكى ، فقيل له : ما يُبكيك يا أبا
جعفرٍ؟ قال: أخبرنى زيدُ بنُ أسلمَ أنَّ أهلَ النارِ لا يتنفَّسُون(٥).
وقولُه: ﴿وَكُنَّا قَوْمًا ضَآلِينَ﴾. يقولُ: كنا قومًا ضَلَّلْنا عن سبيلٍ
الرشادِ ، وقصدِ الحقِّ .
(١٠٧
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ رَبَّآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَلِمُونَ
(١) أخرجه سعيد بن منصور - كما فى الدر المنثور ١٦/٥ - ومن طريقه البيهقى فى البعث (٦٦٠)، وفى
الأسماء والصفات (٤٨٢)، وأخرجه ابن أبى الدنيا فى صفة النار (٢٥١) من طريق ابن المبارك، عن الحكم،
عن عمر به، وعزاه السيوطى إلى ابن المنذر. وينظر زوائد نعيم بن حماد (٣١٩)، والتذكرة للقرطبى (١٣٦٨).
(٢ - ٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ت٣.
(٣) فى ص: ((الرقيق))، وفى م، ت ١، ف: ((الزعيق)).
(٤ - ٤) سقط من : ت ٢.
(٥) أخرجه ابن أبى الدنيا فى صفة النار (١٥٨) من طريق أبى معشر به، وذكره ابن رجب فى التخويف من
النار ص ٩٢، وقال : خرجه الجوزجاني .

١٢٢
سورة المؤمنون : الآيتان ١٠٧، ١٠٨
قَالَ أَخْسَشُواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ
١٠٨
يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ الذين خفَّت موازينُ صالحِ أعمالِهم يومَ
القيامةِ فى جهنَّمَ : ربَّنا أخرجْنا من النَّارِ، فإنْ عُدْنا لما تكرهُ منَّا مِن عملٍ، فإنَّا
ظالمون .
٥٩/١٨
/وقولُه: ﴿ قَالَ أَخْسَشُواْ فِيهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه : قال الربُّ لهم جلّ ثناؤه
مجيبًا : ﴿ آخْسَنُواْ فِهَا ﴾ . أى : اقعُدُوا فى النارِ .
يقالُ منه: حَسَأْتُ فلانًا أَحْسَؤُه خَسْئًا وخُسوءًا، وحَسَأَ(١) هو يخسأُ، وما
كان خاسئًا ، ولقد خسِىَّ .
﴿ وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ . فعندَ ذلك أيس المساكينُ مِن الفرج، وقد كانوا طامعين فيه .
كما حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِىِّ، قال: ثنا
سفيانُ ، عن سَلَمَةَ بنِ كُهَيلٍ ، قال: ثنى أبو الزَّعْراءِ، عن عبدِ اللَّهِ ، فى قصةٍ ذكرها
فى الشفاعةِ، قال: فإذا أراد اللَّهُ ألَّا يُخْرِجَ منها - يعنى من النارِ - أحدًا، غيَّر
وجوهَهم وألوانَهم(١) ، فيجىءُ الرجلُ مِن المؤمنين، فيشفعُ فيه (٣) ، فيقولُ: ياربِّ.
فيقولُ: من عَرَفَ أحدًا فلْيُخرجْه. قال: فيجىءُ الرجلُ فينظرُ، فلا يعرفُ أحدًا،
فيقولُ: يا فلانُ، يا فلانُ. فيقولُ: ما أعرِفُك. فعندَ ذلك يقولون: ﴿ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا
مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَلِمُونَ﴾. فيقولُ: ﴿أَخْسَتُواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونٍ ﴾. فإذا قالوا
ذلك ، انطبَقتْ عليهم جهنمُ ، فلا يخرجُ منها بشرٌ .
(١) فى م: ((خسئ)).
(٢) فى م: ((ألوانها)).
(٣) فى م: (( فيهم)) .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥٠٨/٨ من طريق عبد الرحمن بن مهدى به .

١٢٣
سورة المؤمنون : الآية ١٠٨
حدَّثنا تميمُ بنُ المنتصرِ ، قال : أخبرنا إسحاقُ ، عن شريك، عن الأعمشِ ، عن
عمرو بنٍ مُرَّةَ، عن شَهرِ بنِ حَوْشبٍ، عن معدِيكربَ، عن أبى الدَّرْداءِ، قال :
يُؤْسَلُ، أو يُصَبُّ، على أهلِ النارِ الجوعُ، فيعدِلُ ما هم فيه مِن العذابِ ، فيستغيثون ،
فيُغاثُون بالضَّريع الذى لا يُشْمِنُ [٤٤٨/٢ظ] ولا يُغْنِى من جوع، فلا يُغْنِى ذلك
عنهم شيئًا ، فيستغيثون ، فيُغاثُون بطعام ذى غُصَّةٍ ، فإذا أكلوه نَشِب فى حلوقِهم ،
فيذكرون أنَّهم كانوا فى الدنيا يحدِرون(٢) الغُصةَ بالماءِ، فيستغيثون ، فيُرفعُ إليهم
الحميمُ فى كلاليبِ الحديدِ ، فإذا انتهى إلى وجوهِهم شَوَى وجوهَهم ، فإذا شرِبوه
قطَّع أمعاءَهم. قال: فينادُون مالكًا: ﴿ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبٌُّ﴾. قال: فيتركُهم ألفَ
سنةٍ، ثم يجيئُهم: ﴿ إِنَّكُم مَّكِّتُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]. قال: فينادُون خَزَنَةً
قَالُواْ أَوَلَمْ تَكُ
٤٩
جهنمَ: ﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ اُلْعَذَابِ
تَأْتِيَكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَتِّ قَالُواْ بَلَّ قَالُواْ فَأَدْعُواْ وَمَا دُعَدَوُاْ أَلْكَفِرِينَ إِلَّا فِى
ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٤٩، ٥٠]. قال: فيقولون: ما نجدُ أحدًا خيرًا لنا من ربِّنا. فينادُون
ربَّهم: ﴿ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَلِمُونَ﴾. قال: فيقولُ اللَّهُ: ﴿ أَخَُْواْ
فِيَهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ﴾. قال: فعندَ ذلك يئسوا من كلِّ خيرٍ ، فيدْعُون بالويلٍ والشَّهيقِ
(٣)
والتُبُورِ(٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ عُمارةَ الأسدىُّ، قال : ثنا عاصمُ بنُ يوسفَ اليَرْبوعىُ ، قال :
(١) فى ص، ف: ((يعفى)).
(٢) حَدَرَه يخْدِرُه ويَحْذُرُه حَدْرًا وحُدُورًا فانْحَدَرَ: حطَّه من عُلْوٍ إلى سُفْلٍ . ينظر التاج (ح در) .
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة فى مصنفه ١٥٥/١٣ من طريق الأعمش عن عمرو بن مرة عن شهر، عن أم الدرداء،
عن أبى الدرداء، وأخرجه ابن أبى الدنيا فى صفة النار (٨٤) من طريق الأعمش به بدون ذكر معديكرب .
قال فى تحفة الأحوذي ٣٤٥/٣: وهو وإن كان موقوفًا لكنه فى حكم الرفع، فإن أمثال ذلك ليس مما يمكن أن
يقال من قبل الرأى .

١٢٤
سورة المؤمنون : الآية ١٠٨
ثنا قُطْبةُ(١) بنُ عبدِ العزيزِ الأسدىُّ(٢) ، عن الأعمشِ، عن شِئْرِ بنِ عطيةً، عن
شَهْرِ بنِ حوشبٍ، عن أمّ الدَّرداءِ، عن أبى الدرداءِ، قال: قال رسولُ اللَّهِ مَّعِ:
((يُلْقَى عَلى أهْلِ النَّارِ الجُوعُ)). ثم ذكَر نحوًا منه (٣).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا يعقوبُ القُمِّئُ، عن هارونَ بنِ عنترةَ ، عن عمرو بنِ
مُرَّةَ ، قال : يرَى أهلُ النارِ فى كلِّ سبعين عامًا ساقَ مالكٍ خازنِ النارِ ، فيقولون :
يَمَلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧]. فيجيبُهم بكلمةٍ ، ثم لا يرَؤْنه سبعين
عامًا، فيستغيثون بالخَزَّنَةِ، فيقولون لهم: ﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ
اُلْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩]. فيُجيبونهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيْنَتِّ
الآية [غافر: ٥٠]. فيقولون: ادعوا ربّكم، فليس أحدٌ أرحمَ من ربِّكم . فيقولون :
رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَلِمُونَ ﴾. قال: فيجيبُهم: ﴿ أَخَْتُواْ فِيهَا وَلَا
تُكَلِّمُونٍ ﴾. فعندَ ذلك يَأْيسون(٤) من كلِّ خيرٍ، ويأخذون فى الشهيقِ والوَيْلِ والثُّبورِ .
/حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أُخْسَنُواْ
فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾. قال: بلغنى أنهم ينادُون مالكًا، فيقولون: ﴿ لِيَقْضِ عَلَيْنَا
رَبُّكَّ﴾. فيسكُتُ عنهم قدرَ أربعين سنةً، ثم يقولُ: ﴿ إِنَّكُم مََّكِنُونَ﴾. قال : ثم
ينادُون ربّهم، فيسكُتُ عنهم قدرَ الدنيا مرَّتين، ثم يقولُ: ﴿أُخْسَنُواْ فِيهَا وَلَا
تُكَلِّمُونٍ ﴾. قال: فيبأسُ القومُ، فلا يتكلَّمون بعدَها كلمةً، وكان إنما هو الزفيرُ
والشهيقُ . قال قتادةُ : صوتُ الكافرِ فى النارِ مثلُ صوتِ الحمارِ ، أوَّلُه زفيرٌ، وآخرُه
٦٠/١٨
(١) فى ت ٢: ((قطنة)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت٣، ف: (( السعدى)). وينظر تهذيب الكمال ٦٠٧/٢٣.
(٣) أخرجه الترمذى (٢٥٨٦)، والبيهقى فى البعث والنشور (٦٠٠) من طريق عاصم به ، وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ١٦/٥ إلى ابن المنذر وابن مردويه .
(٤) فى م: (( ييأسون)).

١٢٥
سورة المؤمنون : الآيتان ١٠٨، ١٠٩
شهيقٌ .
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه(١).
حدَّثنا الحسنُ، "قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ)، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ عيسى، قال:
أخبرنى زيادٌ الخُراسانىُ، قال: أسندَه إلىَّ بعضُ أهلِ العلم فنسيتُهُ(١) ، فى قولِه:
أَخْسَنُواْ فِيَهَا وَلَا تُكَلِّمُونٍ﴾. قال: فيسكُتون . قال: فلا يُسمَعُ فيها حِسِّ إلا
كطنينِ الطَّئْتِ(٤).
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ أَخَْئُواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونٍ ﴾. قال : هذا قولُ الرحمنِ
عزَّ وجلَّ، حينَ انقطع كلامُهم منه ١٢ .
القولُ فى تأويل قوله تعالى: ﴿ إِنَُّ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا
١٠٩
فَاغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الزَّحِينَ
يقولُ تعالى ذكره: ﴿ إِنَّهُ﴾ - وهذه الهاءُ فى قوله: ﴿إِنَّهُ﴾. هى الهاءُ
التى يُسمِّيها أهلُ العربية المجهولةَ . وقد بينتُ معناها فيما مضى قبلُ ، ومعنى دخولها
فى الكلام، بما أغنى عن إعادتِه فى هذا الموضع (١) - ﴿كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِى﴾.
(١) تفسير عبد الرزاق ٤٩/٢. وينظر التخويف من النار لابن رجب ص ٢٠٥ .
(٢ - ٢) سقط من النسخ ، والمثبت من مصدرى التخريج .
(٣) فى ت ٢: ((فنسيه)).
(٤) فى ت ١: (( الطشت)).
والأثر فى تفسير عبد الرزاق ٤٩/٢، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥٠٩/٨ من قول زياد ابن سعد،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧/٥ إلى عبد بن حميد.
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥٠٩/٨، والبيهقى فى الأسماء والصفات (٤٨١) من طريق محمد بن
سعد به .
(٦) ينظر ما تقدم فى ٥٩٦/١٦، وسيأتى الكلام مفصلًا فى ١٣/١٨، ١٤.

١٢٦
سورة المؤمنون : الآيات ١٠٩ - ١١١
يقولُ : كانت جماعةٌ من عبادى، وهم أهلُ الإِيمانِ باللّهِ، يقولون فى الدنيا: ﴿ رَبَّنَآ
ءَامَنَّا ﴾ بك وبرسلِك(١)، وما جاءوا به من عندِك، ﴿فَاغْفِرْ لَنَا﴾ ذُنُوبَنَا﴿ وَأَرْحَمْنَا وَأَنْتَ
خَيْرُ الزَّحِينَ﴾. يقولُ) : وأنت خيرُ من رحِم أهلَ البلاءِ، فلا تعذِّبْنا بعذابِك.
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿فَتَّخَذْتُمُ سِخْرِيًّا حَتَّىَ أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِى وَكُنتُم
مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (18) إِنِّى جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوَاْ أَنَّهُمْ هُمُ الْفَإِزُونَ
يقولُ تعالى ذكره: فاتخذتُم أيُّها القائلون لربِّهم: ﴿ رَبَّنَا غَلَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا
وَكُنَّا قَوْمَا ضَالِّينَ﴾. فى الدنيا، القائلين فيها: ﴿ رَبَّنَآ ءَامَنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَا
وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّحِينَ ﴾ - سِخْريًّا .
والهاءُ والميمُ فى قولِه: ﴿فَتَّخَذْتُمُوُهُمْ﴾. من ذكرِ (( الفريقِ)).
واختلفتِ القرأةُ [٤٤٩/٢ و] فى قراءةِ قولِه: ﴿سِخْرِيًّا ﴾ ؛ فقرأه بعضُ قرأةٍ
الحجازِ، وبعضُ أهلِ البصرة والكوفةِ: ﴿فَأَتَّخَذْ تُمُ سِخْرِيًّا﴾. بكسرِ السينِ،
ويتأوَّلون فى كسرِها أن معنى ذلك الهُزْءُ، ويقولون: إنها إذا ضُمَّت ، فمعنى
الكلمةِ : السُّخْرةُ والاستعبادُ. فمعنى الكلام على مذهبٍ هؤلاء: فاتخذتم أهلَ
٦١/١٨ الإيمانِ بى/ فى الدنيا هُزُؤًا ولعبًا، تهزءون بهم، حتى أنسَوْكم ذكرى.
وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ: (فَاتَّخَذْتموه سُخْريًّا). بضمٌ السينِ(٤)،
وقالوا : معنى الكلمةِ فى الضمِّ والكسرِ واحدٌ .
وحكى بعضُهم(١) عن العرب سماعًا لجئ ولِجِى، ودُرِّئُ ودِرِّىٌ ، منسوبٌ
(١) فى ت٢: ((برسولك)).
(٢ - ٢) سقط من: ص ، م، ف .
(٣) هى قراءة ابن كثير وأبى عمرو وعاصم وابن عامر. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٤٤٨ .
(٤) هى قراءة نافع وحمزة والكسائى . المصدر السابق .
(٥) هو الكسائى، كما فى معانى القرآن للفراء ٢٤٣/٢.

١٢٧
سورة المؤمنون : الآية ١١٠
إلى الدُّرِّ، وكذلك كُرسىٌّ وكِرسىٌّ. وقالوا: ذلك من قيلِهم كذلك نظيرُ قولِهم فى
جمعِ العصا: العِصِىُّ. بكسرِ العينِ، والعُصئُّ بضمِّها. قالوا: وإنما اخترنا الضمَّ فى
الشُّخرىِّ لأنه أفصحُ اللغتين .
والصوابُ من القولِ فى ذلك أنهما قراءتانِ مشهورتانٍ ، ولغتانِ معروفتانِ ،
بمعنَى واحدٍ ، قد قرأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القرأةِ ، فبأَيَّتِهما قرأ القارئُ ذلك
فمصيبٌ، وليس " يُعْرفُ من فَرْق١ٍ) بينَ معنى ذلك إذا كُسِرت السينُ وإذا
ضُمَّت ؛ لِما ذكرتُ من الروايةِ عمن سمِع من العربِ ما حَكَيتُ عنه .
ذكرُ الروايةِ عن بعضٍ مَنْ فَرَّق فى ذلك بينَ معناه
مكسورةً سينُه ومضمومةً
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿ فَأَتَّخَذْتُمُوهُمْ
سِخْرِيًّا ﴾. قال: هما مختلفان: سِخريًّا، وسُخريًّا، يقولُ اللَّهُ: ﴿ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ
فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِبًّا
[ الزخرف: ٣٢]. قال : هذا
شخرىٌّ(٢)، يُسَخِّرونهم، والآخرون الذين يستهزئون بهم، هم ((سِخريًّا))، فتلك
◌ُخريًّا، تُسَخِّرونهم - عبيدُك(٢) - تَسْخِرَةً(٤)، رفعَك فوقَه، والآخرون استهزءوا
بأهلِ الإسلامِ، هى ((سِخريًّا))، يَسْخَرون منهم(٢) ، فهما مختلفان. وقرأ قولَ اللَّهِ :
﴿ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأْ مِّن قَوْمِهِ، سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ
كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [هود: ٣٨]. وقال: يَسخرون منهم كما سخِر قومُ نوحٍ بنوحٍ،
(١ - ١) فى ص، ف: ((لفرق من قرن))، وفى ت ٢: ((لفرق من فرق)).
(٢) فى م: ((سخريا)).
(٣) فى م، ف: ((عندك))، وفى ت ٢: ((بذل)).
(٤) فى م: ((فسخرك))، وفى ف: ((بسخره)).
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((منهما)).
أ

١٢٨
سورة المؤمنون : الآيتان ١١٠، ١١١
اتخذوهم سِخريًّا: اتخذوهم هُزُؤًا، لم يزالوا يَستهزئون بهم(١).
وقولُه: ﴿حََّ أَنْسَوَّكُمْ ذِكْرِى﴾. يقولُ: لم يزلِ استهزاؤُكم بهم حتى (١)
أنساكم ذلك من فعلِكم بهم ذكرى ، فأَلْهاكم عنه، ﴿ وَكُنْتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ ﴾ .
کما حدّثنی یونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : قال ابنُ زيدٍ فی قولِه :
حَتَّ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِى ﴾ . قال : أنسى هؤلاء اللّه استهزاؤُ هم بهم ، وضحگُهم بهم .
وقرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضْحَكُونَ﴾ حتى بلَغْ ﴿ إِنَّ هَؤُلَاءٍ
لَضَالُّونَ ﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٢].
وقولُه: ﴿ إِنِّ جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُواْ ﴾ . يقولُ تعالى ذكرُّه : إنى ، أيُّها
المشركون باللّهِ ، المخلَّدُون فى النارِ ، جَزَيْتُ الذين اتخذتموهم فى الدنيا سِخْرِيًّا من
أهل الإيمانِ بی ، و کنتم منهم تضحكون ، اليوم بما صبروا على ما كانوا يلقون بينكم
من أذَى سُخريتِكم وضحكِكم منهم فى الدنيا ، أنهم هم الفائزون .
اختلفت القرأةُ فى قراءةٍ: ﴿أَنَّهُمْ﴾؛ فقرأتْه عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ
وبعضُ أهلِ الكوفةِ: ﴿ أَنَّهُمْ﴾ بفتحِ الألفِ من ﴿أَنَّهُمْ﴾ (١) . بمعنى: جزيتُهم
هذا. فـ ((أنَّ)) فى قراءةِ هؤلاء فى موضعٍ نصبٍ بوقوعِ قولِهِ: ﴿جَزَيْتُهُمُ﴾ عليها؛
لأن معنى الكلام عندَهم : إنى جزيتُهم اليومَ الفوزَ بالجنةِ . وقد یحتملُ النصب من
وجه آخر، وهو أن یکون موجها معناه إلی : إنی جزیتُهم اليومَ بما صبروا ؛ لأنهم هم
٦٢/١٨ الفائزون بما صبروا فى الدنيا، على ما لَقُوا/ فى ذاتِ اللَّهِ.
وقَرَأْ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ (إنهم)(٤) بكسرِ الألفِ منها (٥)، بمعنى الابتداءِ،
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥١٠/٨ من طريق أصبغ ، عن ابن زيد .
(٢) زيادة يقتضيها السياق .
(٣) وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وابن عامر وعاصم . السبعة لابن مجاهد ص ٤٤٨ .
(٤) فى النسخ: ((إنى)).
(٥) هى قراءة حمزة والكسائى . السبعة لابن مجاهد ص ٤٤٩ .

١٢٩
سورة المؤمنون : الآيات ١١١ - ١١٣
وقالوا : ذلك ابتداءٌ من اللَّهِ مدْخُهم .
وأولى القراءتين فى ذلك بالصوابَ : قراءةُ من قرأ بكسرٍ الألفِ ؛ لأنَّ قولَه :
جَزَيْتُهُمُ﴾ قد عمِل فى الهاءِ والميم، والجزاءُ إنما يعمَلُ فى منصوبين، وإذا
عمِلُ فى الهاءِ والميم، لم يكنْ له العملُ فى ((أن))، فيصيرَ عاملًا فى ثلاثةٍ ، إلا أن
يُنْوَى به التكريرُ، فيكونَ "نصبُ ((أنَّ))) حينئذٍ بفعلٍ مضمرٍ، لا بقولِه:
جَزَيْتُهُمُ ﴾. وإن هى نُصبت بإضمارٍ لامٍ، لم يكن له أيضًا كبيرُ معنّى؛ لأن
جزاءَ اللَّهِ عبادَه المؤمنين الجنةً(٢) ، إنما هو على ما سَلَفَ من صالح أعمالهم فى الدنيا ،
وجزاؤُه إياهم، وذلك فى الآخرةِ هو الفوزُ، فلا معنَى لأُنْ يَشْرُطَ لهم الفوزَ
بالأعمالِ ، ثم يُخبرَ أنهم إنما فازوا لأنَّهم هم الفائزون .
فتأويلُ الكلام إذن - إذا كان الصوابُ من القراءةِ ما ذكرنا - : إنى جزيتُهم
اليومَ الجنةَ بما صبّروا فى الدنيا على أذاكم بها ، فى أنَّهم اليومَ هم الفائزون بالنعيمِ
الدائم، والكرامةِ الباقيةِ أبدًا، بما عمِلوا من صالحاتِ الأعمالِ فى الدنيا، ولقُوا فى
طلبٍ رضاىَ من المکارِه فيها .
[٤٤٩/٢ ظ] القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَلَ كُمْ لَبِثْتُمْ فِ الْأَرْضِ عَدَدَ
١٣
قَالُواْ لَبِئْنَا يَوْمَّا أَوْ بَعَّضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعَآدِينَ
(١١٢
سِنِينَ
اختلفتِ القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿قَلَ(٤) كَمْ لَبِئْتُمْ فِ اُلْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ .
وفى قوله: ﴿قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [المؤمنون: ١١٤]؛ فقرأ ذلك عامةُ قرأةٍ
٥)
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((عملت)).
(٢ - ٢) فى ت ١: ((نصب))، وفى ت ٢: ((النصب)).
(٣) فى م: ((بالجنة)).
(٤) سقط من النسخ ، ولا بد منها ، فهى موضع الاختلاف.
(٥ - ٥) فى النسخ: ((لبثنا يوما أو بعض يوم)). ولا اختلاف فيها، والمثبت موضع الاختلاف، كما =
( تفسير الطبرى ٩/١٧ )

١٣٠
سورة المؤمنون : الآيتان ١١٢، ١١٣
المدينةِ والبصرةِ وبعضُ أهلِ الكوفةِ على وجهِ الخبرِ: ﴿قَلَ كَمْ لَبِئْتُمْ﴾. وكذلك
قولُه: ﴿قَالَ إِن ◌َِّثْتُمْ﴾(١). ووجَّه هؤلاء تأويلَ الكلام إلى أنَّ اللَّهَ قال لهؤلاء
الأشقياءِ من أهلِ النارِ، وهم فى النارِ: ﴿كَمْ لَبِئْتُمْ فِ الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾.
وأنهم أجابُوا اللَّهَ فقالوا: ﴿لَبِثْنَ يَؤْمَا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾. فنسِىَ الأشقياءُ لعظيمٍ ما هم
(٣)
فيه من البلاءِ والعذابِ، مدةَ مُكثِهِم(٢) كانت فى الدنيا ، وقَصُر عندَهم أمدُ مُكثِهم
كان فيها؛ لما حلّ بهم من نقمةِ اللَّهِ، حتى حسبوا أنهم لم يكونوا مكثُوا(4) فيها إلا يومًا
أو بعضَ يومٍ . ولعلَّ بعضَهم كان قد مَكَّث فيها الزمانَ الطويلَ والسنين الكثيرةَ .
وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ، على وجهِ الأمرِ لهم بالقولِ (٥) ، كأنه قال
لهم: قولوا(٢): كم ليثُم فى الأرضِ؟ وأَخْرَج الكلامَ مُخْرِجَ الأمرِ الواحدِ، والمعنىُّ به
الجماعةُ؛ إذ كان مفهومًا معناه. وإنما اختار هذه القراءةَ من اختارها من أهلِ الكوفةِ ؛
لأن ذلك فى مصاحفِهم: ((قُل)) بغيرِ ألفٍ(٧)، (*) وفى غيرٌٍ) مصاحفِهم بالألفِ.
وأولى القراءتين فى ذلك بالصوابِ قراءةُ من قرأه: ﴿قَلَ كَمْ لَبِئْتُمْ﴾ . على
وجهِ الخبرِ؛ لأن وجهَ الكلام، لو كان ذلك أمرًا، أن يكونَ ((قُولوا)) على وجهِ
الخطابِ للجمع؛ لأن الخطابَ فيما قبلَ ذلك وبعدَه جرى لجماعةِ أهلِ النارِ ،
= سيذكر المصنف ، وكما سيأتى فى ص ١٣٢ .
(١) هى قراءة نافع وأبى عمرو وعاصم وابن عامر، وقرأ ابن كثير فى الموضع: (قل)، وفى الثانى: (قال).
حجة القراءات ص ٤٩٣ .
(٢) بعده فى م: (( التى)).
(٣) بعده فى م: ((الذى)).
(٤) فى ت ٢: ((لبثوا)).
(٥) هى قراءة حمزة والكسائى. المصدر السابق .
(٦) بعده فى ت ٢: ((لهم)) .
(٧) ينظر المصاحف لابن أبى داود ص ٤٩.
(٨ - ٨) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((وهو فى)).

١٣١
سورة المؤمنون : الآيتان ١١١، ١١٢
فالذى هو أولى أن يكونَ كذلك قولُه: (قل)(١). لو كان الكلامُ جاء على وجهِ
الأمرِ ، وإن كان الآخرُ جائزًا ، أعنى التوحيدَ ؛ لما بيَّنتُ من العلةِ لقارئ ذلك كذلك.
" فإذ كان ذلك كذلك، وجاء الكلامُ بالتوحيدِ / فى قراءةِ جميع القرأةِ، كان ٦٣/١٨
معلومًا أن قراءةَ ذلك على وجهِ الخبرِ عن (١) الواحدِ أشبهُ، إذ كان ذلك هو الفصيحَ
المعروفَ من كلام العربِ . فإذا كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلام: قال اللَّهُ: كم
لبثتُم فى الدنيا من عددٍ سنينَ؟ قالوا مُجيبين له : لِثْنا فيها يومًا أو بعضَ يومٍ ، فاسألٍ
العادِّين؛ لأنا لا ندْرِى، قد نسينا ذلك .
واختلف أهلُ التأويلِ فى المعنىِّ بالعادِّين؛ فقال بعضُهم: هم الملائكةُ الذين
يحفظون أعمالَ بنى آدمَ، ويُخْصُون عليهم ساعاتِهم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، وحدثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ
فى قولِه: ﴿فَسَْلِ الْعَآَدِّينَ﴾. قال: الملائكةَ(٤).
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريج، عن
مجاهدٍ مثله .
وقال آخرون : بل هم الحُشَّابُ .
(١) فى م، ت ١: ((قولوا)).
(٢ - ٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت٣، ف.
(٣) فى ت ٢: ((على)).
(٤) تفسير مجاهد ص ٤٨٨، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥١٢/٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٧/٥ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

١٣٢
سورة المؤمنون : الآيات ١١٣ - ١١٥
ذكرُ مَنْ قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ : ﴿فَسْئَلِ
اٌلْعَآَدِينَ﴾. قال: فاسألِ الحُشَّابَ(١) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قَتَادةَ: ﴿ فَسْتَلِ الْعَآْدِينَ﴾. قال: فاسألْ أَهلَ الحسابِ(١) .
وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ أنْ يقالَ كما قال اللَّهُ جلَّ ثناؤه: ﴿فَسْتَلِ
الْعَآْدِينَ ﴾. وهم الذين يَعُدُّون عددَ الشهورِ والسنين وغيرِ ذلك، وجائزٌ أَنْ
يكونوا(٢) الملائكةَ، وجائزٌ أنْ يكونوا بنى آدمَ وغيرَهم، ولا حجةَ بأىِّ ذلك من أىِّ
ثبتتْ صحتُها ، فغيرُ جائزِ توجيهُ معنى ذلك إلى بعضِ العادِّين دونَ بعضٍ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿قَالَ إِن لَّيِثْتُمْ إِلَّا قَلِلًاٌ لَّوْ أَنَّكُمْ كُمْ
(١١٥)
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ
تَعْلَمُونَ (ِيَ)
اختلفتِ القرأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿قَالَ إِن لَِّثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً﴾. اختلافَهم فى
قراءةٍ قوله: ﴿قَلَ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾. والقولُ عندَنا فى ذلك فى هذا الموضِعِ نحوُ القولِ
الذى بيَّناه قبلُ فى قوله: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾(٤). وتأويلُ الكلامِ على قراءتِنا؛ قال اللّهُ
لهم: ما لبثتُم فى الأرضِ إلَّا قليلًا يسيرًا، لو أنَّكم كنتم تعلمون قدرَ لُبثِكم فيها .
وقولُه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْتَكُمْ عَبَثًا﴾ . يقولُ تعالى ذكرُه: أفحسِبتم
أُّها الأشقياءُ أنّا إنما خلقْنا کم إذ خلقنا کم لَعِبًا وباطلًا ، وأنكم إلى ربِّکم بعد مماتِكم
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥١١/٨ من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٧/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر .
(٢) تفسير عبد الرزاق ٤٩/٢.
(٣) فى ص، ت ٢، ف: (( تكون)).
(٤) ينظر ما تقدم فى ص ١٢٩، ١٣٠.

١٣٣
سورة المؤمنون : الآيتان ١١٥، ١١٦
لا تصيرون أحياءً، فتُجْزَون بما كنتم فى الدنيا تعملون ؟
وقد اختلفتِ القرأةُ فى قراءةِ ذلك ؛ فقرأه بعضُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ والكوفةِ :
﴿لَا تُجَعُونَ ﴾ بضمٌّ [٢/ ٤٥٠ و] التّاءِ ، بمعنى: لا تُردُّون. وقالوا: إنما هو
من مَرْجِعِ الآخرةِ، لا من رجوعٍ إلى الدنيا .
وقرأ ذلك عامةُ قرأةٍ / الكوفةِ: (لا تَرْجعون)(١). وقالوا: سواءٌ فى ذلك مرجعُ ٦٤/١٨
الآخرةِ والرجوع إلى الدنيا .
وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ أنْ يقالَ : إنهما قراءتان متقاربتا المعنى ؛ لأنَّ
من ردَّه اللَّهُ إلى الآخرةِ من الدنيا بعدَ فنائِه، فقد رَجَعَ إليها ، وأنَّ منْ رجَع إليها ، فبردِّ
اللَّهِ إياه إليها رجَع. وهما مع ذلك قراءتان مشهورتان ، قد قرأ بكلٍ واحدةٍ منهما
علماءُ من القرأةِ ، فبأيّتِهما قرأ القارئُّ فمصيبٌ .
وبنحوِ الذى قلنا فى معنى قوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَكُمْ عَبَثًا﴾ قال
أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَنْ قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ:
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَقْتَكُمْ عَبَثًا﴾. قال: باطلاً .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَتَعَلَى اللَّهُ أَلْمَلِكُ الْحَقِّ لَآَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ
اُلْعَرْشِ الْكَرِيِ
يقولُ تعالى ذكرُه: فتعالى اللَّهُ الملكُ الحقُّ عمَّا يصِفُه به هؤلاء المشركون ، مِن
(١) هى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو وابن عامر وعاصم. التيسير ص ١٣٠ .
(٢) هى قراءة حمزة والكسائى . المصدر السابق.

١٣٤
سورة المؤمنون : الآيتان ١١٦، ١١٧
أنَّ له شريكًا، وعمَّا يُضيفون إليه من اتخاذِ البناتِ، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. يقولُ: لا
معبودَ تنبغى له العبودةُ إلَّ اللَّهُ الملكُ الحقُّ، ربُّ العرشِ الكريمِ .
((والربُّ)) مرفوعٌ بالردِّ على ((الحقِّ))، ومعنى الكلام: فتعالى اللَّهُ الملكُ الحقُّ،
ربُّ العرشِ الكريم ، لا إلهَ إلا هو.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ لَا بُرْهَنَ لَهُ بِهِ،
١٧
فَإِنَّمَا حِسَابُ عِندَ رَبِّهٍِّ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ
يقولُ تعالى ذكره : ومن يدعُ مع (١) المعبودِ الذى لا تصلُحُ العبادةُ إلا له معبودًا
آخرَ، لا حجةَ له بما يقولُ ويعملُ من ذلك ، ولا بينةً .
کما حدثنی محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ، وحدَّثنی
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿لَا بُرْهَنَ لَهُ بِهِ﴾. قال: بينةً(٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾. قال: حُجةً .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا حكامٌ ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن
القاسم بن أبي بَزَّةً، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿لَا بُرْهَنَ لَهُ بِهِ،﴾. قال: لا حجةً(١).
وقولُه: ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُ عِندَ رَبٍِّ ﴾. يقولُ: فَإنَّما حسابُ عملِهِ السَّيِّئُ عندَ
٦٥/١٨ ربِّه، وهو مُوَفِيه جزاءَه إذا/ قدِم عليه .
(١) بعده فى ت ٢: ((الله)).
(٢) تفسير مجاهد ص ٤٨٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧/٥ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن
المنذر وابن أبى حاتم .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧/٥ إلى المصنف.

١٣٥
سورة المؤمنون : الآيتان ١١٧، ١١٨
﴿ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ اَلْكَفِرُونَ﴾. يقولُ: إنه لا يُنجحُ أهلُ الكفرِ باللَّهِ عندَه،
ولا يُذْركون الخلودَ والبقاءَ فى النعيمِ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ أَغْفِرْ وَأَرْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ
الزَّحِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ مَّله: وقلْ يا محمدُ: ربِّ (١) استُوْ علىَّ ذنوبى
بعفوك عنها، وارحمنى بقبولٍ توبتك، وتركِك عقابى على ما اجترمتُ .
﴿ وَأَنْتَ خَيْرُ الْزَّحِينَ﴾. يقولُ: وقلْ: وأنت ياربِّ خيرُ مَنْ رحِم ذا ذنبٍ فقبِل
توبته ، ولم يعاقبه على ذنبِه .
آخرُ تفسير سورة المؤمنين
(١) بعده فى ت ٢: ((اغفر)).

١٣٦
سورة النور : الآية ١
تفسير سورةِ النورِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
القولُ فى تأويل قوله تعالى: ﴿سُورَةُ أَنْزَلْتَهَا وَفَرَضْنَهَا وَأَنْزَلْنَا فِيَهَآ ءَايَتٍ بَيْنَتٍ
لََّلَّكُمْ نَذَّكَّرُونَ
قال أبو جعفرٍ: يعنى بقولِه تعالى ذكرُه: ﴿ سُورَةُ أَنْزَلْنَهَا﴾ وهذه السورةُ
أنزلناها .
وأَما قلْنا : معنى ذلك كذلك؛ لأنَّ العربَ لا تكادُ تبتدِئُ بالنكراتِ قبلَ
أخبارها إذا لم تگنْ جوابًا ؛ لأنَّها تُوصَلُ کما یُوصَلُ «الذی))، ثم يُخبرُ عنها بخبرٍ
سوى الصلةِ، فيُستقبحُ الابتداءُ بها قبلَ الخبرِ إذا لم تكنْ موصولةً ، إذ كان يصيرُ
خبرُها إذا ابتُدِىَّ بها كالصلةِ لها ، ويصيرُ السامعُ خبرَها كالمتوقِّع خبرَها بعدُ ، إذ كان
الخبرُ عنها بعدَها كالصلةِ لها ، وإذا ابتدِئَّ بالخبرِ عنها قبلَها، لم يدخُلِ الشُّ على
سامعِ الكلامِ فى مرادِ المتكلمِ.
وقد بيَّنا فيما مضى قبلُ أنَّ ((السورةَ)) وصفٌ لما ارتفَع، بشواهدِه، فأغنَى
ذلك عن إعادته فى هذا الموضع .
وأمَّا قولُه: ﴿ وَفَرَضْنَهَا﴾. فإنَّ القَرأةَ اختلَفتْ فى قراءتِه؛ فقرَأَتْهُ بعضُ قَرَأَةٍ (٢)
(١) ينظر ما تقدم فى ١٠١/١ وما بعدها .
(٢) بعده فى ت ٢: (( أهل)).

١٣٧
سورة المؤمنون : الآية ١
الحجازِ والبصرةِ: (وَفَرَّصْناها)(١). ويتأوَّلُونَه: وفصَّلناها ونزَّلنا فيها فرائضَ
مختلفةً . وكذلك كان مجاهدٌ يقرؤُه ويتأوَّلُه .
حدَّثنى أحمدُ بنُ يوسفَ ، قال : ثنا القاسمُ ، قال : ثنا ابنُ مهدىٍّ، عن عبدٍ
الوارثِ بنِ سعيدٍ ، عن حميدٍ ، عن مجاهدٍ أنَّه كان يقرؤُها : ( وفرَّضْناها) . يعنى
(٢)
بالتشديد .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
= (٣)
فى قوله: ﴿وَفَرَضْنَهَا﴾. قال: الأمرُ بالحلالِ، والنهى عن الحرامِ.
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ مجرَيجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
وقد يَحتملُ / ذلك إذا قُرِئَّ بالتشديدِ وجهًا(٤) غيرَ الذى ذكرنا عن مجاهدٍ ، ٦٦/١٨
وهو أنْ يوجّه إلى أنَّ معناه: وفرّضْناها عليكم وعلى مَن بعدَ كم مِن الناسِ إلى قيامِ
الساعة .
وقرأ ذلك عامةُ قرَأَةِ المدينةِ والكوفةِ والشام: ﴿ وَفَرَضْنَهَا﴾ بتخفيفِ الراءِ(٥)،
بمعنى : أوجبنا ما فيها من الأحكام عليكم، وألزَمناكُموه ، وبيّنا ذلك لكُم.
(١) وهى قراءة ابن كثير وأبى عمرو. حجة القراءات ص ٤٩٤.
(٢) ينظر البحر المحيط ٤٢٧/٦.
(٣) تفسير مجاهد ص ٤٨٩، ومن طريقه ابن أبى حاتم ٢٥١٦/٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨/٥ إلى
ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر .
(٤) بعده فى ت ٢: ((آخر)).
(٥) وهى قراءة نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائى. ينظر حجة القراءات ص ٤٩٤.

١٣٨
سورة النور : الآية ١
والصوابُ من القولِ فى ذلك أنَّهما قراءتانِ مشهورتانِ قد قرَأ بكلٍ واحدةٍ
منهما علماءُ من القرأةِ ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ ؛ وذلك أنَّ اللَّهَ قد فصَّلَها،
وأَنزَل فيها ضُروبًا من الأحكام ، وأمَر فيها ونهَى، وفرَض على عبادِه فيها فرائضَ،
ففيها المعنيانِ كِلاهُما؛ التفريضُ، والفرضُ، فلذلك قلنا : بأيَّةِ القراءتينِ قرَأ
القارئُ) فمصيبٌ الصوابَ .
ذكرُ مَن تأوَّل ذلك بمعنى الفَرْضِ والبيانِ من أهلِ التأويلِ
حدّثنی علیٌّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
فى قولِه: ﴿ وَفَرَضْنَهَا﴾. يقولُ: بَنَّاها(١).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿ سُورَةُ
أَنْزَلْتَهَا وَفَرَضْنَهَا﴾. "قال: فرَضْناها لهذا الذى يتلُوها مِمّا فُرِض فيها. وقرأ:
◌ٍ فِيهَآ ءَتٍ بَيْنَتٍ لَّعَلَّكُمْ نَذَّكَّرُونَ﴾ .
وقولُه: ﴿ وَأَلْنَا فِيهَآ ءَايَتٍ بَيْنَتٍ﴾. يقول تعالى ذكره: وأَنزَلنا فى هذه
السورةِ علاماتٍ ودَلالاتٍ على الحقِّ ﴿ بَيْنَتٍ ﴾. يعنى: واضحاتٍ لَمَنْ تأمَّلها
وفكّر فيها بعقل، أنَّها مِن عندِ اللَّهِ ، فإنَّها الحقُّ المبينُ، وإنَّها تَهدِى إلى الصراطِ
المستقيم .
كما (٤) حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ:
(١ - ١) سقط من: ت ٢.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم ٢٥١٦/٨ من طريق مجاهد عن ابن عباس . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨/٥
إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر .
(٣ - ٣) سقط من: ت ١ ، ف .
(٤) سقط من : م .

١٣٩
سورة النور : الآيتان ٢،١
﴿ وَأَنْزَلْنَا فِيَهَآ ءَايَتٍ﴾. قال ابنُ جُرَيج): الحلال والحرامُ والحدودُ(٢) .
وَلَّعَلَّكُمْ نَذَّكَّرُونَ ﴾. يقولُ: لتتذكَّروا بهذه الآياتِ البيناتِ التى أَنزَلناها .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ الزَِّيَةُ وَالَِّ فَأَجْلِدُواْ كُلَّ وَحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةً جَلْدَةٍ وَلَا
تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِ دِنِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِلّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِّ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَاِفَةٌ
مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ
يقولُ تعالى ذكره: مَن زنَى مِن الرجالِ ، أو زنَتْ مِن النساءِ، وهو حُرِّ
بِكْرٌ غيرُ(٢) مُخْصَنٍ بَوج، فاجِلِدُوه ضربًا مائةَ جلدةٍ ؛ عقوبةً لما صنَع، وأتَى مِن
معصيةِ اللَّهِ، ﴿ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِ دِنِ اللَّهِ ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لا
تأخذْكُم(٤) بالزانى والزانيةِ ، أيُّها المؤمنونَ ، ﴿ رَأَفَةٌ ﴾ . وهی رقُ الرحمة ، ﴿فی ◌ِنِ
اللهِ﴾. يعنى: فى طاعةِ اللَّهِ فيما أمَركُم بهِ مِن إقامةِ الحدِّ عليهما، على ما ألزَمَكُم(٥)
به .
واختلف أهلُ التأويل فى المنهىّ(١) عنه المؤمنونَ مِن أَخْذِ الرأفةِ بهما؛ فقال
بعضُهم: هو تركُ (٨) إقامةِ حدِّ اللَّهِ عليهما، فأمّا إذا أُقيم عليهما الحدُّ ، فلم تأخذْهم(١)
(١ - ١) سقط من: م .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨/٥ إلى المصنف وابن المنذر.
(٣) بعده فى ت ٢: ((مميز)).
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت٣: ((يأخذكم)).
(٥) فى ت ١، ف: ((أكرمكم)).
(٦) فى ت ١، ت ٢: ((النهى)).
(٧) فى ت ٢: ((الرحمة)).
(٨) سقط من: ت ٢.
(٩) فى ت ١: ((تأخذكم))، وفى ت ٢: ((يأخذهم)).

١٤٠
سورة النور : الآية ٢
بهما رأفةٌ فى دينِ اللَّهِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو هشام، قال: ثنا يحيى بنُ أبى زَائدةً، عن نافعِ بنِ عمرَ، عن ابنٍ
٦٧/١٨ أبى مُلَيكةً، عن عبيدٍ(١) اللَّهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، قال: جَلَدَ ابنُ عمرَ جاريةٌ له
أَحدَثتْ؛ فجلَد رِجلَيها. قال نافعٌ: وحسِبتُ أَنَّه قال: وظهْرَها. فقلتُ: ﴿ وَلَا
تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِ دِيِنِ اللَّهِ﴾. فقال: وأخَذتْنى بها رأفةٌ! إِنَّ اللَّهَ لم يأمُنى أنْ
(٢)
أقثْلَها(٢) .
حدَّثنى يعقوبُ ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ ، عن ابنِ جُرَيج ، قال : سمِعتُ عبدَ اللَّهِ بنَ
أبى مُلَيكةً يقولُ: ثنى عبيدُ(٣) اللَّهِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أنَّ عبدَ اللَّهِ بِنَ عمرَ حدَّ جاريةً
له، فقال للجالدِ، وأشار إلى رِجلِها، وإلى أسفلِها. قلت: فأينَ قولُ اللَّهِ: ﴿ وَلَا
تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِ دِنِ اللهِ ﴾ ؟ قال: أفأقتُها(٤)؟!
حدَّثنا ابنُ بشّارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ، قال : ثنا سفيانُ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ،
عن مجاهدٍ: ﴿ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِمَا رَأَفَةٌ فِ دِينِ اللَّهِ﴾. قال: أن تقيمَ الحدَّ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيج: ﴿ وَلَ
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((عبد)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥١٨/٨ من طريق نافع به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨/٥ إلى
عبد بن حميد وابن المنذر .
(٣) فى ص، ت ٢، ف: ((عبد)).
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (١٣٥٣٧)، والبيهقى ٢٤٥/٨ من طريق ابن جريج .
٠
(٥) سقط من : م .