Indexed OCR Text
Pages 621-640
٦٢١ سورة الحج : الآيات ٦٠ - ٦٢ فأنزل اللهُ هذه الآيةَ: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا هُوَقِبَ بِهِ، ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ ﴾ . بأن بُدىَ بالقتالِ، وهو له كارة، ﴿ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ وقولُه: ﴿إِنَ اللَّهَ لَعَفُوُّ غَفُورٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن اللهَ لذو عفوٍ وصفح لمن انتصَر ممَّن ظلَمه - من بعدِ ما ظلَمه الظالمُ - بحقٌّ، ﴿غَفُورٌ﴾ لِماَ فعَل بيادئِه بالظلم، مثلَ الذى فُعل به، غيرُ معاقبِه عليه . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَ اُللَّهَ يُولِعُ الَّيْلَ فِىِ النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِ الَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿ ذَلِكَ﴾: هذا النصرُ الذى أنصرُه من بُغى عليه على الباغى؛ بأنى القادرُ على ما أشاءُ، فمن قُدرتِه أن ﴿ يُولِجُ اَلَيْلَ فِي النَّهَارِ ﴾. يقولُ: يُدخِلُ ما ينقُصُ من ساعاتِ الليلِ فى ساعاتِ النهارِ، فما نقَص من هذا زاد فى هذا، ﴿ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِ اَلَّيْلِ﴾: ويُدخِلُ ما انتقص من ساعاتِ النهارِ فى ساعاتِ الليلِ، فما نقَص من طولٍ هذا، زاد فى طولٍ هذا، وبالقُدرةِ التى تفعلُ ذلك ينصُرُ محمدًا / عَّهِ وأصحابَه على الذين ١٩٦/١٧ بغَوا عليهم فأخرَجوهم من ديارِهم وأموالهم، ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعُ بَصِيرٌ﴾ . يقولُ: وفعل ذلك أيضًا بأنه ذو سمع لما یقولون من قول ، لا يخفى عليه منه شىء ، بصير بما يعملون، لا يغيبُ عنه منه شىءٌ، كلُّ ذلك منه بمرأى ومسمع، وهو الحافظُ لكلِّ ذلك، حتى يجازِىَ جميعَهم على ما قالوا وعمِلوا من قول وعملٍ جزاءَه . القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ ٦٢ مِن دُونِهِ، هُوَ الْبَطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ (١) فى ت ١: ((لمن)). ٦٢٢ سورة الحج : الآية ٦٢ يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿ ذَلِكَ﴾: هذا الفعلُ الذى فعلتُ ، من إيلاجى الليلَ فى النهارِ، وإيلاجِى النهارَ فى الليلِ؛ بأنى (١) أنا الحقُّ الذى لا مِثلَ لى، ولا شريك ولا ندَّ، وأن الذى يدعوه هؤلاء المشركون إلهًا من دونه ، هو الباطلُ الذى لا يقدرُ على صنعةٍ شىءٍ، بل هو المصنوعُ. يقولُ لهم تعالى ذكره : أفترُكون أيها الجمّالُ عبادةَ مَن منه النفعُ وبيدِه الضرّ، وهو القادرُ على كلِّ شىءٍ(٢)، وكلُّ شىءٍ دونه ، وتعبدون الباطلَ الذی لا تنفعُکم عبادتُه ! وقولُه: ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ﴾. يعنى بقولِه: ﴿اَلْعَلِىُّ﴾. أنَّه(٢) ذو العلوُّ على كلِّ شيءٍ، هو فوقَ كلِّ شيءٍ، وكلَّ شىءٍ دونَه ، ﴿ اَلْكَبِيرُ﴾. يعنى: العظيمُ، الذى كلَّ شىءٍ دونَه، ولا شىءَ أعظمُ منه . وكان ابنُ جريج يقولُ فى قوله: ﴿ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، هُوَ اَلْبَطِلُ﴾. ما حدَّثنا به القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاج، قال : قال ابنُ مجريجٍ فى قوله: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، هُوَ الْبَطِلُ﴾. قال: الشيطانُ . واختلفت القرأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾؛ فقرأته عامةُ قرأةِ المدينةِ(٤) والحجازِ: (تدْعُونَ). بالتاءِ على وجهِ الخطابِ(*). وقرأته عامةٌ قرأةِ العراقِ غيرَ عاصمٍ بالياءِ على وجهِ الخبرِ(١) . والياءُ أعجبُ القراءتين إلىّ؛ لأن (١) فى ص، م: ((لأنى)). (٢) بعده فى ت ٢: ((بل هو المصنوع يقول لهم تعالى ذكره)). (٣) سقط من : م. (٤) فى م: ((العراق)). (٥) وهى قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر، وعاصم فى رواية أبى بكر . السبعة لابن مجاهد ص ٤٤٠. (٦) وهى قراءة أبى عمرو وحمزة والكسائى، وقرأ بها حفص عن عاصم. السبعة لابن مجاهد ص ٤٤٠. ٦٢٣ سورة الحج : الآيات ٦٢ - ٦٤ ابتداءَ الخبرِ على وجهِ الخطابِ . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ الشَّمَاءِ مَآءُ (٦٣ فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَةٌ إِنَّ اللّهَ لَطِيفُ خَبِيٌ يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ يا محمدُ، ﴿أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ ج السَّمَاءِ مَآءُ﴾. يعنى: مطرًا، ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَةً ﴾ بما ينبُتُ فيها من النباتِ ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفُ﴾ باستخراجِ النباتِ من الأرضِ بذلك الماءِ، وغيرِ ذلك من ابتداع ما شاء أن يبتدعَه، ﴿ خَبِيرٌ﴾ بما يحدُثُ عن ذلك النبتِ من الحبِّ وبه . وقال: ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ﴾. فرفَعَهُ(١) و(٢) قد تقدَّمه قولُه: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾. وإنما قيل ذلك كذلك؛ لأن معنى الكلام الخبرُ. كأنه قيل : اعلم يا محمدُ أن الله يُنزلُ من السماءِ ماءً فتصبحُ الأرضُ. ونظيرُ ذلك قولُ الشاعرِ (٣): وهل تُخبرَنْك اليومَ بيداءُ سْلَقُ(٥) /ألم تسألٍ (٤) الربعَ القديمَ فينطقُ ١٩٧/١٧ لأن معناه : قد سألتُه فنطَق . القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿لَّهُ مَا فِ السََّوَتِ وَمَا فِي الْأَرْضِّ وَإِنَّ اللَّهَ ٦٤ لَهُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ يقولُ تعالى ذكره : له مُلكُ ما فى السماواتِ وما فى الأرضِ من شىءٍ، هم (١) فى م، ت ٢: ((فرفع)). (٢) سقط من: ت ١، ف . (٣) هو جميل ، والبيت فى ديوانه ص ٩١. (٤) فى ص، ت ٢: (( يسأل)). ٦ (٦) السملق: القاع المستوى الأملس والأجرد لا شجر فيه، وهو القَرِق . اللسان (سملق) . ٦٢٤ سورة الحج : الآيتان ٦٤، ٦٥ عبيدُه ومماليكُه وخلقُه، لا شريكَ له فى ذلك، ولا فى شىءٍ منه، ﴿ وَإِنَّ اللَّهَ ذَهُوَ اَلْغَنِىُّ ﴾ عن كلِّ ما فى السماواتِ وما فى الأرضِ من خلقه وهم المحتاجون إليه، ﴿اَلْحَمِيذُ﴾ عندَ عبادِه فى إفضالِهِ عليهم ، وأيادِيه عندهم . القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ سَخَّرَ لَكُ مَّا فِ الْأَرْضِ وَاَلْفُلْكَ تَّجْرِى فِى الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَآءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ، إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ يقول تعالى ذكره: ألم ترَ أن اللهَ سخّر لكم أيها الناسُ ما فى الأرضِ من الدوابِ والبهائمِ، (جعَل ذلك) كلَّه لكم، تُصرّفونه فيما أردتم من حوائجكم، ﴿ وَالْفُلْكَ تَجْرِى فِى الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ﴾. يقولُ: وسخّر لكم السفنَ تجرى فى البحرِ بِأَمْرِهِ﴾ . یعنی : بقدرته وتذليله إياها لكم كذلك . واختلفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿ وَاَلْفُلْكَ تَجْرِى﴾؛ فقرأتْه عامةُ قرأةٍ الأمصارِ: ﴿ وَالْفُلْكَ﴾. نصبًا، بمعنى: سخّر لكم ما فى الأرضِ، والفلكَ. عطفًا على ﴿مَّا﴾، وعلى تكريرِ ((أن)): وأن الفلكَ تجرى. ورُوى عن الأعرج أنه قرَأُ ذلك رفعًا على الابتداءِ ) . والنصبُ هو القراءةُ عندَنا فى ذلك ؛ لإجماع الحجة من القرأةِ عليه . وَيُمْسِكُ السَّمَآءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ﴾. يقولُ: ويُمسِكُ السماءَ بقدرتِه ؛ كى لا تقعَ على الأرضِ ﴿ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾﴾. ومعن قوله: ﴿أَنْ تَقَعَ﴾: ألا تقعَ. (١ - ١) فى س، ف: ((فذلك ذلك))، وفى ٠ ٢ ٤١)) (٢) وهى قراءة السلمى وطلب رأيى حيوة والزسعرانى. ينظر البحر المحيط ٣٨٧/٦. ٦٢٥ سورة الحج : الآيات ٦٥ - ٦٧ ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾. يعنى: إنه بهم لذو رأفةٍ() ورحمةٍ، فمن رأفته بهم ورحمته لهم أمسك السماءَ أن نقعَ على الأرضِ إلا بإذنه، وسخّر لكم ما وصَف فى هذه الآيةِ تَفَضُّلًا منه عليكم بذلك . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِىّ أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُسِئُكُمْ ثُمَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ / جَعَلْنَا مَنْسَكَا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا ١٩٨/١٧ ٦٦ يُحِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَنَ لَكَفُورٌ يُتَزِعُتَّكَ فِى أَلْأَمْيَّ وَدْعُ إِلَى رَيْكٌ إِنَّكَ لَعَلَى هُدَّى تُسْتَقِيمٍ يقولُ تعالى ذكره: واللهُ الذى أنعمَ عليكم هذه النعمَ ، هو الذى جعَلكم ( أجسامًا أحياءً بحياةٍ أحدثها فيكم، ولم تكونوا شيئًا، ثم هو يميتُكم من بعد حياتِكُم، فيُفنيكم عندَ مجىءٍ آجالِكم، ثم يُحييكم بعدَ مماتِكم عندَ بعثِكم لقيامٍ الساعةِ، ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَكْفُورُ ﴾. يقولُ: إن ابنَ أَدمَ لجحودٌ لنعمِ اللهِ التى أُنْعَمَ بها عليه ؛ من حُسنٍ خلْقِه إياه، وتسخيرِه له ما سخّر مما فى الأرضِ والبرِّ والبحرِ، وتركِه إهلاكَه بإمساكِه السماءَ أن تقعَ على الأرضِ - بعبادتِه غيرَه من الآلهةِ والأندادِ ، وتركِه إفراده بالعبادةِ وإخلاص التوحيد له . وقولُه: ﴿لِكُلِّ أَمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾. يقولُ: لكلِّ جماعةٍ ؛ قومٍ نبِىِّ خلاً؟ من قبلك، جعلنا مألَفًا يألَفونه، ومكانًا يعتادونه لعبادتى(٤) فيه وقضاء فرائضی ، وعملًا ◌َلزّمونه . وأصلُ المنسكِ فى كلامِ العربِ الموضعُ المعتادُ الذى يعتادُه الرجلُ ويألفُه ، (١) فى ص، ت ١، ت ٢: ((رقة)). (٢) فى م: (( جعل لكم)) . (٣ - ٣) فى م: ((هى خلت)). (٤) فى ص، ت ٢، ف: ((لعبادته)). ( تفسير الطبرى ٤٠/١٦ ) ٦٢٦ سورة الحج : الآية ٦٧ لخيرٍ (١) أو شرٌّ. يقالُ: إن لفلانٍ منسكا يعتادُه. يُرادُ: مكانًا يغشاه ويألفُه، لخيرٍ () أو شرّ. وإنما سُمِّيتٌ) مناسك الحجّ بذلك لترددِ [٤٢٩/٢ و] الناس إلى الأماكنِ التى تُعملُ فيها أعمالُ الحجّ والعُمرةِ . وفيه لغتان: ((مَنسِك)). بكسرِ السينِ وفتحِ الميمٍ ، وذلك من لغةِ أهلِ الحجازِ. و ((مَنسَك)). بفتح الميم والسينِ جميعًا، وذلك من لغةٍ أسدٍ. وقد قُرئً باللغتين (٤) جميعًا (). وقد اختلف أهلُ التأويلِ فى المعنىِّ بقولِه: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾. أُّ المناسكِ عُنى به ؟ فقال بعضُهم: عُنى به عيدُهم الذى يعتادونه . ذكر من قال ذلك حدّثنی علىّ ، قال : ثنا عبدُ اللهِ ، قال: ثنی معاویةُ ، عن علىّ ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا﴾. قال: عيدًا (٥). وقال آخرون : عُنى به ذبح يذبحونه، ودمّ ◌ُهَرِيقونه . ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا أبو كريب، قال : ثنا ابنُ يمانٍ ، قال: ثنا ابنُ مجريج، عن مجاهدٍ فی قولِه: ﴿لَّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهٌ ﴾ . قال: إراقةُ الدمٍ بمكةً. (١) فى ت ١، ف: ((بخير)). (٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: (( بخير)). (٣) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ف: (( المناسك)). (٤) قرأ حمزة والكسائى (منسكا) بكسر السين، وقرأ الباقون بفتحها. السبعة لابن مجاهد ص ٤٣٦. (٥) أخرجه ابن أبى حاتم - كما فى الإتقان ٣٠/٢ - من طريق عبد الله بن صالح به . ٦٢٧ سورة الحج : الآية ٦٧ حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿هُمْ نَاسِكُوُهُ﴾. قال: إهراقةُ دماءِ الهدي (١). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأُعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةً : . ﴿مَنْسَكًا﴾. قال: ذبحًا وحًا(٢) . والصوابُ من القولِ فى ذلك أن يُقالَ: عُنى بذلك إراقةُ الدم أيامَ النحرِ بمنّى . لأن المناسكَ التى كان المشركون جادلوا فيها رسولَ اللهِ نَّمِ كانت إراقةَ الدمٍ فى هذه الأيام ، على أنهم قد كانوا جادلوه فى إراقة الدماءِ التى هى دماءُ ذبائح الأنعامِ بما قد أخبر اللهُ عنهم فى سورة ((الأنعام)) . غير أن تلك لم/ تکنْ مناسك ، فأما التی هی مناسكُ، فإنما هى هدايا أو ضحايا، ولذلك قلنا: عُنى بالمنسكِ فى هذا الموضعِ الذبخُ الذى هو بالصفةِ التى وصَفنا . ١٩٩/١٧ وقولُه: ﴿فَلَا يُتَزِعُنَّكَ فِى الْأَمْيَّ﴾. يقولُ تعالى ذكره : فلا ينازِ عَنَّك هؤلاء المشركون باللهِ يا محمدُ فى ذَبْحِك ومَنْسَكِك بقولهم: أتأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون الميتةَ التى قتلها اللهُ؟ فإنك أولى بالحقِّ منهم؛ لأنك محقٌّ وهم مبطلون . وبنحوِ الذى قلنا فى تأويلٍ ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن (١) تفسير مجاهد ص ٤٨١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٣٦٠، ٤٦٩ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم . (٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٤١/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦٩/٤ إلى ابن أبى حاتم. ٦٢٨ سورة الحج : الآيات ٦٧ - ٦٩ مجاهدٍ : ﴿فَلَا يَُزِعُنَّكَ فِ الْأَمْيِّ﴾. قال: الذَّبِحِ(١). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأُعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةً: ﴿فَلَا يُشَزِعُنَّكَ فِىِ الْأَنْيِّ﴾: فلا تتحامَ(٢) لحمَك. وقولُه: ﴿ وَأَدْعُ إِلَى رَبِّكٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وادُ يا محمدُ منازعيك من المشركين باللهِ فى نسكِك وذبحِك، إلى اتباع أمرِ ربِّك فى ذلك ، بأن لا يأكلوا إلا ما ذبحوه بعدَ اتِّباعِك، وبعدَ التصديقِ بما جئتَهم به من عندِ اللهِ، ويجتنبوا (٣) الذبح للآلهةِ والأوثانٍ، ويتبرَّءوا منها. إنك لعلى طريقٍ مستقيم، غيرِ زائلٍ عن محجةِ الحقِّ والصوابِ فى نسكِك الذى جعَله لك ولأُمَّتِك ربُّك. وهم الضُّلَّلُ عن قصدِ السبيلِ؛ لمخالفتِهم أمرَ اللهِ فى ذبائحِهم، ومطاعمِهم، وعبادتِهم الأوثانَ(٤) . القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَإِن جَدَلُوَكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَصِكُمْ يَوْمَ الْفِيَئِمَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَّخْتَلِفُونَ ٦٩ ٦٨ يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَلِّ: وإن جادَلك يا محمدُ هؤلاء المشركون باللهِ فى نسكِك، فقل: اللهُ أعلمُ بما تعملون ونعملُ. كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جریجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ وَإِن جَدَلُوكَ﴾. قال: قولُ أهلِ الشركِ: أما ما ذَبَح اللهُ - (١) تقدم تخريجه فى الصفحة السابقة . (٢) أى: لا تجتنبه، من قولهم: تحاماه الناس. أى: توقوه واجتنبوه. اللسان (ح م و). (٣) فى ص، م: ((تتجنبوا))، وفى ت١: ((يجتنبوا))، وفى ت ٢: ((تجنبوا)). (٤) فى ص، م، ت ١، ت٣، ف: ((الآلهة)). ٦٢٩ سورة الحج : الآيات ٦٨ - ٧٠ للميتةٍ(١) - " فلا تأكُلون منه، وأما ما ذبحتم بأيديكم فهو حلالٌ! ﴿فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ لنا أعمالنا ولكم أعمالكم (٣) . وقولُه: ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُمْ فِيهِ تَّخْتَلِفُونَ ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه : واللهُ يقضى بينَكم يومَ القيامةِ فيما كنتم فيه من أمرٍ دينكم تختلفون ، فتعلمون حينئذٍ أيها المشركون المحقَّ من المبطِلِ . /القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِّ ٢٠٠/١٧ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَبٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ٧٠ يقولُ تعالى ذكره: ألم تعلمْ يا محمدُ أنَّ اللهَ يعلمُ كلّ ما فى السماواتِ السبع، والأُرَضِين السبع، لا يَخْفَى عليهِ مِن ذلك شىءٌ، وهو حاكمٌ بينَ خلقِه يومَ القيامةِ ، على علم منه بجميع ما عمِلُوه فى الدُّنيا، فمُجازٍ ) المحسنَ منهم بإحسانِهِ ، والمسئءَ بإساءتِه ، ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَبٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنَّ علمه بذلك فى كتابٍ، وهو أمُّ الكتابِ الذى كتَب فيه ربّنا جلَّ ثناؤه قبلَ أنْ يخلُقَ خلقَه ما هو كائنٌ إلى يومِ القيامةِ، ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ . كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا مُبَشِّرُ بنُ إسماعيلَ (١) فى م، والدر المنثور: ((بيمينه). (٢ - ٢) سقط من النسخ، والمثبت ما يقتضيه السياق، وينظر ما تقدم فى ٩/ ٥٢٢، ٥٢٤. (٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦٩/٤ إلى ابن المنذر إلى قوله: فهو حلال. وأما قوله : لنا أعمالنا ولكم أعمالكم . فقد عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦٩/٤ إلى ابن المنذر عن ابن جريج قوله . (٤) فى م: ((فمجازى))، وفى ت١: ((فيجازى)). (٥) فى م، ت١: ((ميسر)). وينظر تهذيب الكمال ١٩٠/٢٧. ٦٣٠ سورة الحج: الآية ٧٠ الحَلَبِىُّ، عن الأوزاعِيّ، عن عبدَةَ بنِ أبى لُبابةَ، قال: علِم اللهُ ما هو خالقٌ، وما الخلقُ عاملون، [٤٢٩/٢ ظ] ثم كتَبِه، ثم قال لنبيّه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَاءِ وَالْأَرْضِّ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَبٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اَللَّهِ يَسِيرٌ﴾. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى مُبشٌِّ، عن أرطاةَ بنِ المنذرِ، قال: سمِعتُ ضَمِرَةَ بنَ حَبيبٍ يقولُ: إنَّ اللهَ كان على عرشِه على الماءِ، وخلق السماواتِ والأرضَ بالحقِّ، وخلَق القلمَ، فكتَب به ما هو كائنٌ من خلقِه، ثم إنَّ ذلك الكتابَ سبَّح اللهَ ومَّده ألفَ عامٍ، قبلَ أن يُبدِىَ(٢) شيئًا من (٣) الخلقِ(). حدّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسینُ ، قال : ثنی مُعتمِرُ بنُ سلیمانَ ، عن أبيه ، عن سيَّارٍ، عن ابنِ عباس أنَّه سأل كعبَ الأحبارِ عن أمّ الكتابِ ، فقال: علِم اللهُ ما هو خالقٌ وما خلقُه عاملون ، فقال لعلمِه: كُنْ كِتَابًا(٤). وكان ابنُ مُجريجٍ يقولُ فى قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَبٍ﴾. ما حدَّثنا به القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ نجريجٍ: ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَبٍ﴾. قال: قولُه: ﴿اَللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْفِيَمَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ . وَمَا اخترنا القولَ الذى قُلنا فى ذلك؛ لأنَّ قولَه: ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ إلى قولِهِ: (١) فى م: ((ميسرة))، وفى ت١، ت٢: ((ميسر). (٢) فى م، ت٢ : (( يبدأ)). (٣) تقدم تخريجه فى ٣٣٤/١٢. (٤) تقدم تخريجه فى ٥٧٢/١٣ . (٥ - ٥) سقط من : م . ٦٣١ سورة الحج : الآيتان ٧٠ ، ٧١ ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِّ﴾ أقربُ منه إلى قوله: ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَّخْتَلِفُونَ﴾ . فكان إلحاقُ ذلك بما هو أقربُ إليه أولى منه بما بَعُدَ . وقولُه: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. اختُلف فى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه : إنَّ الحكمَ بين المختلِفِينَ فى الدنيا يومَ القيامةِ على اللهِ یسیرٌ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ نجريج: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ /قال: حُكمُه يومَ القيامةِ. ثم قال: بيَّنَ ذلك: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِّ إِنَّ ذَلِكَ فِ كِتَبٍ﴾. ٢٠١/١٧ وقال آخرون: بل معنى ذلك : إنَّ كتابَ القلم الذى أمرَه اللهُ أن یکتب فى اللوحِ المحفوظِ ما هو كائنٌ، على اللهِ يسيرٌ. يعنى : هيِّنٌ. وهذا القولُ الثانى أولى بتأويلِ ذلك؛ وذلك أنَّ قولَه: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. إلى قوله: ﴿ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَبٍ ﴾ . أقربُ ، وهو لَه مجاورٌ، ومِن قوله: ﴿اَللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْفِيَمَةِ﴾ مُتباعدٌ، ومع دخولِ قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ بينَهما(١)، فإلحاقُه بما هو أقربُ ، أولى ما وُجِد للكلام - وهو كذلك - مَخرَجٌ فى التأويلِ صحيحٌ . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنْزِّلْ بِهِ، سُلْطَانًا ٧١ وَمَا لَيْسَ لَهُ بِهِ، عِمُ وَمَا لِّلِينَ مِن نَّصِيرٍ (١) فى ص، ت١، ت٢، ف: (( بينهم). ٦٣٢ سورة الحج : الآيتان ٧٢،٧١ يقولُ تعالى ذكرُه: ويعبدُ هؤلاءِ المشركون باللهِ مِن دونِهِ ما لم يُنزِّلْ به جلَّ ثناؤُه لهم حُجَّةً من السماءِ فى كتابٍ من كُتبِهِ التى أَنزَلِها إلى رُسلِهِ ، بأنَّها آلهةٌ تصلُحُ عِبادَتُها، فيعبُدُوها بأنَّ اللهَ أذن لهم فى عبادتِها. ﴿ وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ، عِلْمٌ﴾. ( يقولُ: ويعبدونَ من دُونِ اللهِ ما ليس لهم به علمٌ" أنَّها آلهةٌ. ﴿ وَمَا لِظَّالِنَ مِن تَّصِيرٍ﴾. يقولُ: وما للكافرين باللهِ الذين يعبدونَ هذهُ() الأوثانَ "مِن دونِ اللهِ " من ناصرٍ ينصُرُهم يومَ القيامةِ، فينقِذَهم من عذابِ اللهِ ، ويدفعَ عنهم عِقابَه إذا أراد عقابهم . القولُ فى تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَيَتُنَا بَيِّنَتٍ تَعْرِفُ فِى وُجُودٍ الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمُنكَرِّ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِلَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ ءَايَتِنَأُ قُلْ أَفَأَنَبِتُكُمْ بِشَرٍ مِّن ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ٧٢ يقولُ تعالى ذكره : وإذا تُتلى على مشركى قُريشِ العابدين من دونِ اللهِ ما لم يُنزِّل به سُلطانًا ﴿ءَايَتُنَا﴾. يعنى: آياتُ القرآنِ، ﴿ بَيِّنَتِ﴾. يقولُ: واضحاتٍ حُجِجُها وأدلتُها فيما أُنزِلت فيه، ﴿تَعْرِفُ فِ وُجُودِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمُنْكَرِّ﴾. يقولُ: تتبيَّنُ(٤) فى وُجُوهِهم ما يُنكرُّه أهلُ الإيمانِ باللهِ مِن تغيُّرِها لسماعِهم ،(٥) القُرآنَ(٥) .. وقولُه: ﴿ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ ءَايَتِنَا﴾. يقولُ: يكادون يَبطِشُونَ بالذين يَتْلُون عليهم آياتِ كتابِ اللهِ من أصحابِ النبىِّ سَلِّ ؛ (١ - ١) سقط من: م، ت١، ت٣، ف . (٢) فى ت٢: ((هؤلاء)). (٣ - ٣) سقط من : م . (٤) فى ت ١، ف: ((يتبين)). (٥) فى م: (( بالقرآن)). ٦٣٣ سورة الحج : الآية ٧٢ لشدةِ تكُّهِهِم أن يَسمعُوا القرآنَ ، ويُتلى عَليهم . وبنحوِ ما قُلنا فى تأويل قوله: ﴿ يَسْطُونَ﴾. قال أهلُ التأويلِ. ٢٠٢/١٧ / ذكر من قال ذلك حدَّثنى علىّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ ، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿ يَكَادُونَ يَسْطُونَ ﴾. يقولُ: يبطِشُونَ(١). حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن أبيه، عن ابن عباس قولَه: ﴿ يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾. يقولُ: يَقَعُون بمن ذگرهم . حدَّثنا محمدُ بنُ عُمارةَ ، قال : ثنا عُبيدُ اللهِ بنُ موسى ، قال : أخبرنا إسرائيلُ ، عن أبى يحيى، عن مجاهدٍ: ﴿ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ ءَايَتِنَا﴾ . قال : يكادون يقعُونَ بهم . حدَّثنى محمدُ [٤٣٠/٢ و] بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عیسی ، وحدَّثنى الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن < (٢) مجاهدٍ فى قوله: ﴿ يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾. قال: يَبْطِشون؛ كفارُ قُريشٍ(). حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثله . حُدِّثتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ : أخبَرنا عبيدٌ ، قال: سمِعتُ (١) أخرجه ابن أبى حاتم - كما فى الإتقان ٣١/٢ - من طريق عبد الله به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٧٠/٤ إلى ابن المنذر . (٢) تفسير مجاهد ص ٤٨٣، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٧٠/٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم. ٦٣٤ سورة الحج : الآيات ٧٢ - ٧٤ الضَّحَّاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ ءَايَئِنَّأْ﴾. يقولُ: يكادون يأخذونَهم بأيدِيهم أخذًا . وقولُه: ﴿قُلْ أَفَأُبِّئُكُمْ بِشَرٍّ ◌ِنِ ذَلِكُمْ﴾. يقولُ: أَفْأُنبِتُكم أيُّها المشركونَ بأكره إليكم مِن هؤلاءِ الذين تتكرّهُون (١) قراءتَهم القرآنَ عليكم، هى النارُ وعَدها اللهُ الذين كفَروا . وقد ذُكِر عن بعضِهم أنَّه كان يقولُ : إِنَّ المشركين قالوا: واللهِ إِنَّ محمدًا وأصحابَه لشر خلقِ اللهِ. فقال اللهُ لهم(١) : أفأَ نبتُكم أيُّها القائلونَ هذا القولَ بشرٌّ مِن محمدٍ عَّهِ وأصحابِه٢ ؛ أنتم أيُّها المشركونَ الذين وعَدهم اللهُ النارَ. ورُفِعتِ ﴿ النَّارُ﴾ على الابتداءِ، ولأنَّها معرفةٌ لا تصلُحُ أن يُنعتَ بها الشرُّ وهو نَكرةٌ، وهو كما يقالُ: مررتُ برجلينٍ ؛ أخوك وأبوك . ولو كانت مخفوضةً كان جائزًا، وكذلك لو كان نصبًا للعائدِ مِن ذِكرِها فى ﴿ وَعَدَهَا﴾. وأنت تَنوى بها الاتصالَ بما قبلَها . يقولُ تعالى ذكرُه : فهؤلاءِ هم شِرَارُ(١٤) الخلقِ، لا محمدٌ وأصحابُه . وقولُه: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. يقولُ: وبئس المكانُ الذى يصيرُ إليه هؤلاءٍ المشركون باللهِ يومَ القيامةِ . القولُ فى تأويل قوله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوْ لَّ وَإِن يَسْلُبُهُمُ الذُّبَابُ (١) فى ت١، ت٢: ((تكرهون))، وفى ف: ((يتكرهون)). (٢) بعدها فى م: ((قل)). (٣ - ٣) سقط من : م، ف . (٤) فى م، ت١، ف: (( أشرار)). ٦٣٥ سورة الحج : الآية ٧٣ ج شَيْئًا لَّا يَسْتَنَقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقّ VE قَدْرِهِةٍ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَِزُ يقولُ تعالى ذكره: يا أيها الناسُ، بجعِل للهِ(١) مثلٌ وذِكرٌ. ومعنى ﴿ضُرِبَ﴾ فى هذا الموضع: جُعلَ. مِن قولهم : ضرَب السلطانُ على الناسِ البَعْثَ . بمعنى: مُجُعِل عليهم ، وضرَب الجزيةَ على النصارَى. بمعنى: جُعِل ذلك / عليهم . والمثَلُ: ٢٠٣/١٧ الشَّبَهُ . يقولُ جلَّ ثناؤه: جُعِل لى شَبَةٌ أَيُّها الناسُ. يعنى بالشَّبهِ والمثَلِ: الآلهةَ. يقولُ: جعَل لى المشركون الأصنامَ(٢) شبهًا، فعبدُوها معى، وأشرَكُوها فى عبادَتِى. ﴿فَأَسْتَمِعُواْ لَهٍُ﴾. يقولُ: فاستمِعُوا حالَ ما مثَّلُوه وجعَلوه لى فى عبادتِهم إياهُ شبهًا. وصِفتُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُواْ ذُبَابًا﴾. يقولُ: إِنَّ جميعَ ما تعبدونَ من دونِ اللهِ مِن الآلهةِ والأصنام ، لو جُمعتْ لم يخلُقوا ذُبابًا فى صغرِه وقلَّتِه؛ لأنَّها لا تقْدِرُ على ذلك ولا تُطيقُه، ولو اجتمع لخلقِه جميعُها. والذُّبابٌ واحدٌ ، وجمعُه فى القلةِ أَذِيَّةٌ ، وفى الكثرةِ(١) ذِبَّنٌ، نظيرُ غُرابٍ ، يُجمعُ فى القلةِ أغربةٌ ، وفى الكثرةِ غِربانٌ . وقولُه: ﴿وَ إِن يَسْلُبُهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا﴾ . يقولُ: وإنْ يسلُبِ الآلهةَ والأوثانَ الذبابُ شيئًا ممّا عليها؛ مِن طِيبٍ وما أشبهَه مِن شىءٍ ﴿لَّا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ ج يقولُ : لا تقدِرُ الآلهةُ أَنْ تستنقِذَ ذلك منه . واختُلِف فى معنى قوله: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾؛ فقال بعضُهم: (١) فى ت ١، ت ٢، ت٣: ((الله)). (٢) فى م: ((والأصنام )). (٣) فى ص، م، ت١، ت٣، ف: ((الكثير)). ٦٣٦ سورة الحج : الآية ٧٣ عنى بالطالبِ الآلهةَ، وبالمطلوبِ الذُّبابَ . ذكر من قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاج، قال: قال ابنُ جريج، قال ابنُ عباسٍ فى قولِهِ: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ ﴾. قال: آلهتُهم، ﴿ وَالْمَطْلُوبُ ﴾ : الذبابُ(١) . وكان بعضُهم يقولُ: معنى ذلك: ﴿ضَعُفََ اٌلَّالِبُ﴾ مِن بنى آدمَ إلى الصَّنمِ حاجته، ﴿ وَالْمَطْلُوبُ﴾ إليه: الصنمُ أن يُعطِىَ سائلَه من بنى آدمَ ما سأَلَه . يقولُ : ضعُف عن ذلك وعَجَز . والصوابُ من القولِ فى ذلك عندَنا ما ذكّرتُه عن ابنِ عباسٍ من أنَّ معناه : عجز الطالبُ - وهو الآلهةُ - أن يَسْتَنْقِذَ(١) من الذبابِ ما سلَبه(٢) إِياهُ، وهو الطِّيبُ وما أشبهَه . والمطلوبُ الذبابُ . وأَّما قلتُ : هذا القولُ أولى بتأويلِ ذلك. لأنَّ ذلك فى سياقِ الخبرِ عن الآلهةِ والذبابِ ، فأن يكونَ ذلك خبرًا عمَّا هو به متصلٌ أَشبَهُ من أن يكونَ خبرًا عمَّا هو عنه مُنقطِعٌ، وأَما أخبَر جلَّ ثناؤه عن الآلهةِ بما أخبرَ به عنها فى هذه الآيةِ من ضَعِفِها ومهانتها ؛ تقریعًا منه بذلك عبدتها مِن مشر کی قُریش . يقولُ تعالى ذكره: كيف يُجعَلُ لى(٤) مثلٌ فى العبادةِ ، ويُشرَكُ فيها معى ما لا قدرةً له على خلقٍ ذبابٍ ، وإن استذلَّهُ(١) الذبابُ فسلَبه شيئًا عليهِ لم يَقْدِرُ أنْ يمتنِعَ منه (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٧٠/٤ إلى المصنف وابن المنذر. (٢) فى م، ت١، ف: ((تستنقذ)). (٣) فى م : ((سلبها)). (٤) سقط من : م . (٥) فى م: ((أخذ له)). ٦٣٧ سورة الحج : الآيتان ٧٣، ٧٤ ولا ينتصِرَ، وأنا الخالقُ ما فى السماواتِ والأرضِ، ومالكٌ جميعَ ذلك، والمحيى مَن أردتُ، والمُفْنِى (١) ما أردتُ [٤٣٠/٢ظ] ومن أردتُ؟! إنَّ فاعلَ ذلك لا شكَّ أنَّه فى غاية الجهلِ . وقولُه: ﴿ مَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِةٍ﴾. يقولُ: ما عظّم هؤلاء الذين جعلوا الآلهةَ للهِ شريكًا فى العبادةِ حقٍّ عظَمتِهِ حينَ أشرَ كوا به غيرَه، فلم يُخلِصوا له العبادةَ، ولا عرَفوه حقَّ مَعرفتِه. من قولِهم: ما عرَفتَ لِفُلانٍ قدرَه . إذا خاطبوا بذلك من قصَّر بحقِّه، وهم يُريدون تعظيمه . وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ من قال ذلك حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَإِن يَسْلُهُمُ الذُّبَابُ / شَيْئًا﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: هذا مثلٌ ضرَبه اللهُ لآلهتهم. وقرَأْ ٢٠٤/١٧ ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ) مَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهٍ﴾. حينَ يَعبدون ٧٢ مع اللهِ ما لا يَنْتَصِفُ من الذبابِ ولا يمتنعُ منه (١). وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىّ﴾. يقولُ: إن اللهَ لقوىٌّ على خلقِ ما يشاءُ؛ من صغيرِ ما يشاءُ(١) خَلْقَه، وكبيرِه. ﴿عَزِيزٌ﴾ يقولُ: منيع فى مُلكِه، لا يقدرُ شىءٌ دونَه أن يسلُبَه من مُلكِه شيئًا، وليس كآلهتكم أيُّها المشركونَ الذين تدعونَ من دونِه ، الذين لا يقدِرونَ على خلقٍ ذبابٍ ، ولا على الامتناع من الذبابِ إذا استلَبها (١) فى م: ((المميت)). (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٧٠/٤ إلى ابن أبى حاتم . (٣) بعده فى م: (( من)). (٤) فى ت١: ((إن)). ٦٣٨ سورة الحج : الآيات ٧٤ - ٧٧ شيئًا، ضعفًا ومَهانةً. القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَئِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ ٧٥ النَّاسِنَّ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ يقولُ تعالى ذكره : اللهُ يختارُ من الملائكة رسلاً ؛ كجبريلَ وميكائيلَ اللذَينِ كانا يُرسِلُهما إلى أنبيائه ومَن شاء مِن عبادِه ﴿ وَمِنَ النَّاسَِ﴾ ؛ كأنبیائِه الذین أرسلهمإلی عباده من بنى آدم . ومعنی الکلام : اللهُ یصطفِی من الملائكة رسلا ، ومن الناسِ أيضًا رسلًا . وقد قيل: إنّما أُنزلت هذه الآيةُ لَّ قال المشركونَ: أَأُنزل (١) عليه الذكرُ مِن بينِنا ؟ فقال اللهُ لهم : ذلك إلىَّ وبيدِى دونَ خلقِى ، أختارُ من شئتُ منهم للرسالةِ. وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾. يقولُ: إِنَّ اللهَ سميعٌ لَما يقولُ المشركون فى محمدٍ ، وما جاء به من عندِ اللهِ ، بصيرٌ بمن يختارُه لرسالته من خلقِه . القولُ فى تأويلِه قولِه تعالى: ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُورُ يقولُ تعالى ذكرُه: اللهُ يعلمُ ما كان بينَ أيدِى ملائكتِهِ ورُسلِه من قبلٍ أن يخلُقَهم، ﴿ وَمَا خَلْفَهُمُ﴾. يقولُ: ويعلمُ ما هو كائنٌ بعدَ فنائِهم، ﴿ وَ إِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾ . يقولُ : إلى الله فى الآخرة تصير أمور الدنيا ، وإليه تعودُ كما كان منه البدءُ . القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَرْكَعُواْ وَأَسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وَأَفْعَلُواْ الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ VV (١) فى م: (( أنزل )). 1 ٦٣٩ سورة الحج : الآيتان ٧٧، ٧٨ يقولُ تعالى ذكره: يأيُّها الذين صدَّقوا اللهَ ورسولَه، ﴿آَرَكَعُواْ﴾ للهِ فى صلاتِكم، ﴿وَأَسْجُدُواْ﴾ له فيها، ﴿وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ﴾. يقولُ: وذِلُّوا لربّكم، واخضَعوا له بالطاعةِ، ﴿ وَأَفْعَلُواْ الْخَيْرَ﴾ الذى أمَركم ربُّكم بفعِله؛ ﴿ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. يقولُ: لِتُفْلِحوا بذلك، فتُدْرِكوا به طَلِباتِكم عندَ ربكم . ٢٠٥/١٧ / القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿وَجَهِدُواْ فِ اَللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ، هُوَ اجْتَبَلِكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الدّينِ مِنْ حَرَجْ قِلَّةَ أَبِيَكُمْ إَِهِمَّ هُوَ سَمَّنكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلٌ وَفِ هَذَّا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسَِّ﴾ واختلف أهلُ التأويلِ فى تأويل قوله: ﴿وَحَِهِدُواْ فِ اَللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه : وجاهِدُوا المشركين فى سبيلِ اللهِ حقَّ (١جهادِ اللهِ). ذكرُ من قال ذلك حدَّثنی يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : أخبرنى سليمانُ بنُ بلالٍ ، عن ثورِ بنِ زيدٍ ، عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ فى قوله: ﴿ وَجَهِدُواْ فِ اَللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾: كما جاهَدتُم أوَّلَ مرَّةٍ . فقال عمرُ : مَن أُمِر بالجهادِ ؟ قال : قبيلتانِ من قُریشٍ ؛ مخزوم وعبدُ شمسٍ. فقال عمرُ: صدَقتَ . وقال آخرون : بل معنى ذلك : لا تخافوا فى اللهِ لومةَ لائم. قالوا: وذلك هو حقُّ الجهادِ . ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مُريجٍ، قال : (١ - ١) فى م، ت١: ((جهاده)). ٦٤٠ سورة الحج : الآية ٧٨ قال ابنُ عباسٍ فى قولِه: ﴿وَجَهِدُواْ فِىِ اَللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾: لا تخافوا فى اللهِ (أ) لومة لائم (١). وقال آخرون : معنى ذلك : اعملوا بالحقِّ حقَّ عمله. وهذا قولٌ ذكره عن الضحاكِ بعضُ مَن فى روايته نظرٌ . والصوابُ من القولِ فى ذلك قولُ مَن قال: عُنِى به الجهاد فى سبيلِ اللهِ . [٤٣١/٢ و] لأنَّ المعروفَ من الجهادِ ذلك، وهو الأغلبُ على قولِ القائل: جاهدتُ فى اللهِ. وحقَّ الجهادِ هو استفراغُ الطاقةِ فيه . وقولُه: ﴿هُوَ أَجْتَبَنكُمْ﴾ . يقولُ : هو اختارَ كم لدينه ، واصطفا کم حربٍ أعدائه ، والجهادِ فی سبیله . وقال ابنُ زيدٍ فى ذلك ما حدَّتنى به يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهب ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿هُوَ اجْتَبَنكُمْ﴾. قال: هو هداكم . وقولُه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما جعَل علیکم رُکم فی الدین الذی تعبَّدَ کم به من ضِيقِ لا مخرج لکم ممّا ابتُليتُم به فيه ، بل وسَّع عليكم، فجعَل التوبةَ مِن بعضٍ مخرجًا ، والكفارةَ من بعضٍ، والقِصاصَ من بعض، فلا ذنبَ يُذْنِبُ المؤمنُ إلَّا وله منه فى دينِ الإسلامِ مَخرجٌ . ء وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حذَّثنى يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرنى (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٧١/٤ إلى ابن المنذر.