Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
سورة الحج : الآية ٥
وهذا احتجاجٌ من اللَّهِ على الذى أخبَر عنه من الناس أنَّه يُجادلُ فى اللَّهِ بغيرِ
علم ، اتّباعًا منه للشيطانِ المَريدِ، وتنبية له على موضِع خطأ قيلِه، وإنكارِه ما أنكر من
قدرةٍ ربِّه. قال: يأَيُّها الناسُ إن كنتُم فى شَكِّ من قُدرتِنا على بعثِكم من قبورِ كم بعدَ
ماتِكم وبِلَا كم، اسْتِعْظَامًا مِنكم لذلك، فإن فى ابْتِدائِنا خَلْقَ أبيكم آدمَ عليه السلامُ
من ترابٍ ، ثم إنشائِناكُم من نطفةِ آدمَ ، ثم تَصْرِيفِنا كم أُخْوالا ، حالًا بعدَ حالٍ ؛ من
نطفةٍ إلى علقةٍ، ثم مِن علقةٍ إلى مُضْغَةٍ لكم معتبرًا ومُتَّعظًا تعتَبِرون به ، فتعلمون أن
مَن قدَر على ذلك فغيرُ متعذّرَةٍ(١) عليه إعادتُكم بعدَ فنائِكم، كما كنتُم أحياءٌ قبلَ
الفناءِ .
واختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ قولِه: ﴿تُخَلَّقَةٍ وَغَيْرٍ مُخَلَّقَةٍ﴾؛ فقال
بعضُهم : هى من صِفةِ النُّطفةِ . قال: ومعنى ذلك : فإنَّا خَلَقْناكم من ترابٍ ، ثم مِن
نطفةٍ مخلقةٍ وغيرِ مخلقةٍ . قالوا: فأمَّا المخلَّقةُ، فما كان خَلْقًا سَوِيًّا، وأما غيرُ
مُخلَّقةٍ ، فما دفَعته الأرحامُ مِن النَّطَفِ وألْقَته قبلَ أن يكونَ خلقًا .
/ذِكرُ مَن قال ذلك
١١٧/١٧
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال : ثنا أبو معاويةً، عن داودَ بنِ أبى هندٍ ، عن عامٍ ، عن
علقمةَ، عن عبدِ اللَّهِ، [٤٠٥/٢ظ] قال: إذا وقَعتِ النُّطفةُ فى الرَّحم، بعَثَ اللَّهُ
ملكًا ، فقال: ياربِّ، مخلقةٌ أو غيرُ مخلَّقةٍ؟ فإن قال: غيرُ مخلَّقَةٍ مَجَّتْها الأرحامُ
دمًا ، وإن قال: مخلَّقةٌ. قال: ياربِّ، فما صِفةُ هذه النُّطفةِ؟ أذكرٌ أم أنثى؟ ما
رزقُها؟ ما أجلُها؟ أشَقِيٍّ أو سعيدٌ ؟ قال: فيقالُ له : انْطلِقْ إلى أُمّ الكتابِ فاسْتَنسِخْ
منه صفةً هذه التُّطفةِ . قال : فينطلِقُ المَلَكُ فِيَنْسَخُها ، فلا تزالُ معه حتى يأتىَ على
(١) فى م: (( متعذر)).

٤٦٢
سورة الحج : الآية ٥
آخرٍ صِفَتِها(١).
وقال آخرون : معنى ذلك : تامَّةٍ وغيرٍ تامّةٍ .
ذِکُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال: ثنا سليمانُ ، قال : ثنا أبو هلالٍ ، عن قتادةَ فى قولِ اللَّهِ :
تُعَلَّقَةٍ وَغَيْرٍ مُخَلَقَةٍ﴾. قال: تامَّةٍ وغيرٍ تامَّةٍ .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، ("عن معمر٣ٍ) ، عن قتادةً:
تُخَلَقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾. فذكَر مثلَه(٣).
وقال آخرون: معنى ذلك : المضغةُ مصَوَّرةٌ إنسانًا وغيرُ مصوَّرةٍ ، فإذا صُوِّرت
فهى مخَلَّقَةٌ، وإذا لم تصوَّرْ فهى غيرُ مخَلَّقةٍ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا حكام، عن عنبسةَ ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ،
عن القاسم بن أبى بَزَّةَ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿ُخَلَّفَةٍ﴾. قال: السّقطُ ؛ مخلَّقةٌ
وغيرُ مخلَّقَةٍ .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أَبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٥/٤ إلى المصنف، وذكر ابن كثير فى تفسيره ٣٩١/٥ نحوه بأطول منه
وعزاه إلى المصنف وابن أبى حاتم .
(٢ - ٢) سقط من: م.
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٢/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٥/٤ إلى عبد بن حميد.

٤٦٣
سورة الحج : الآية ٥
فى قولِ اللَّهِ: ﴿تُخَلَّقَةٍ وَغْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾. قال: السّقطُ؛ مخلوقٌ وغيرُ مَخلوقٍ(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ بنحوه .
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ ، عن عامٍ، أنَّه قال فى
النَّطفةِ والمُضْغةِ : إذا نُكِسَت فى الخَلْقِ الرابعِ كانت نَسَمةً مخلَّقَةً ، وإذا قذَفتْها قبلَ
ذلك فهى غيرُ مخلقةٍ(٢) .
قال : ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهدئٍّ، عن حماد بنٍ(٢) سلمةً، عن داود بنِ ابی
هندٍ، عن أبى العاليةِ: ﴿تُخَلَّفَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾. قال: السّقْطُ(٢).
وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال : المخلقةُ المصورةُ خلقًا تامًّا ،
وغيرُ مخلقةٍ السّقطُ قبلَ تمام خَلْقِه؛ لأن المخلَّقةَ وغيرَ المخلقةِ مِن نعتِ المُضغةِ ،
والنطفةُ بعدَ مصيرِها مضغةً لم يبقَ لها حالٌ(٤) حتى تصيرَ خلقًا سويًّا ، إلا التصويرَ،
وذلك هو المُرَادُ بقولِه: ﴿أُخَلَّقَةٍ وَغَيْرٍ مُخَلَّقَةٍ ﴾ خلقًا سويًّا، ﴿ وَغْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾
بأن تُلْقِيَّه الأُمُّ(٥) مضغةً ولا يُصَوَّرُ ولا يُنَفَخُ فيها الروحُ.
/ وقولُه: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكره: جعَلْنا المضغةَ؛ مِنها المخلقةُ ١١٨/١٧
التَّامةُ ، ومِنها السّقطُ غيرُ التَّامِّ ؛ لنُبيِّنَ لكم قدرَتَنا على ما نشاءُ، ونُعَرِّفَكم انتِداءَنا
خلْقَکم .
(١) تفسير مجاهد ص ٤٧٧، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٥/٤ إلى المصنف وسعيد بن منصور وابن
أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٥/٤ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٣) بعده فى م: ((أبى)).
(٤) سقط من: م.
(٥) فى ص، ت ٢: ((الأير)). غير منقوطة، وكتب فوقها فى ص: ((ط)).

٤٦٤
سورة الحج : الآية ٥
وقولُه: ﴿ وَنُفِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَتَّى﴾. يقولُ تعالى
ذِكرُه: ومَن كُنَّا كَتَتَنا له بقاءً وحياةٌ إلى أَمدٍ وغايةٍ ، فإنَّا نَقِرُّه فى رحِم أمّه إلى وَقْتِه
الذى جَعَلْنا له أن يَمْكُثَ فى رحِمِها، فلا تُسقِطُه ولا يَخْرُجُ منها حتى يبلُغَ أَجَلَه،
فإِذا بلَغْ وقتَ خروجِه مِن رحِمِها أُذِنَّا له بالخروج منها ، فخرَجَ .
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿ وَنُقِرُّ فِ الْأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ﴾. قال: التَّمامُ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله : ﴿ وَنُقِرُّ
فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَ أَجَلٍ مُسَنَّى﴾. قال: الأجلُ المُسَمَّى إقامتُه فى الرَّحِم
حتى يخرج().
وقولُه: ﴿ثُمَّ نُخْرِحُكُمْ ◌ِفْلًا﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: ثم نُخرِجُكم مِن أرحامٍ
أَمَّهاتِكم إذا بلَغْتُمُ الأجلَ الذى قَدَّرتُه لخروجِكم منها طفلًا صغارًا. ووخَّد ((الطفلَ))
وهو صفةٌ للجميع؛ لأنَّه مصدرٌ مثلَ ((عَدْلٍ))(١) و ((زَورِ)).
(١) تقدم تخريجه فى الصفحة السابقة .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٥/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
(٣) فى ص ، ت ١، ت ٢، ف: ((عدد)).

٤٦٥
سورة الحج : الآية ٥
وقولُه: ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ﴾. يقولُ: ثم لِتَبلغوا كمالَ عقولِكم ونهايةً
قُواكم بعُمُرٍ كم .
وقد ذكرتُ اختلافَ المُختَلِفِين فى ((الأُشْدِّ))، والصوابَ مِن القولِ فى ذلك
عندى(١) بشواهدِه فيما مضَى بما أغْنَى عن إعادته(٢).
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿وَمِنكُم مَن يُنَوَقَّ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى
أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلِمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا
عَلَيَّهَا الْمَآءَ أَهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجَ بَهِيج
يقولُ تعالى ذكره: ومنكم أيُّها الناسُ من يُتَوفَّى من قبلٍ أن يبلُغَ أَشُدَّه،
فيموتُ، ومنكم من يُنْسَأُفِى أُجَلِهِ فَيُعَمَّرُ حتى يَهرَمَ فيردُّ مِن بعدِ انتهاءِ شبابهِ وبلوغِه
غايةَ أشُدِّه إلى أرذلِ عُمُرِه، وذلك الهَرَمُ ، حتى يعودَ كهيئتِه فى حالِ صِباهُ ، لا يَعْقِلُ
مِن بعدٍ عَقْلِه الأوَّلِ شيئًا .
ومعنى الكلام: ومنكم من يُرَدُّ إلى أرذلِ العُمُرِ بعدَ بلوغِه [٤٠٦/٢ و] أَشُدَّه ،
﴿ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ﴾ كان يعلَمُه ﴿شَيْئاً﴾.
وقولُه: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾. يقولُ تعالى ذكره: وترَى الأرضَ يا
محمدُ يابِسةٌ / دارسةَ الآثارِ مِن النباتِ والزَّرع. وأصلُ الهُمودِ الدُّروسُ والدُّثورُ. ١١٩/١٧
ويُقالُ منه: هَمَدَتِ الأرضُ تَهمُدُ هُمُودًا. ومنه قولُ الأعشى ميمونٍ بن قيسٍ :
وأُرَى ثِيابَك بالِياتٍ هُمَّدًا (٢)
قالت قُتَيْلةُ ما لجسمِك شاحِبًا
(١ - ١) فى ص، م، ت ١، ف: (( فيه عندنا).
(٢) بعده فى ص، م، ت ١، ف: ((فى هذا الموضع)). وينظر ما تقدم فى ٦٦٣/٩ وما بعدها.
(٣) ديوانه ص٢٢٧ وفيه: ((مايقًا)) مكان: ((شاحبًا)).
( تفسير الطبري ٣٠/١٦ )

٤٦٦
سورة الحج : الآية ٥
والهُمَّدُ جمعُ هامدٍ، كما الرُّكَّعُ جمع راكعٍ .
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذَكرٌ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُرَيج فى قوله :
﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾ . قال: لا نباتَ فيها(١).
وقولُه: ﴿فَإِذَا أَنَزَلْنَا عَلَيَّهَا الْمَآءَ اهْتَزَّتْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه : فإذا نحنُ
أَنزَلْنا على هذه الأرضِ الهامِدَةِ التى لا نباتَ فيها ، المطرَ مِن السماءِ ﴿ أَهْتَزَّتْ﴾.
يقولُ: تحرَّكت بالنباتِ، ﴿ وَرَبَتْ﴾. يقولُ: وَأُضْعَفَتِ النباتَ بمجىءٍ الغيثِ.
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ :
﴿ أَهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾. قال: عُرِف الغيثُ فى رُبُوِّها .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةً: ﴿أَهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾. قال: حَسُنَتِ، وعُرِف الغيثُ فى رُبُوِّها(١).
وكان بعضُهم يقولُ: معنى ذلك: فإذا أَنزَلْنا عليها الماءَ اهْتَزَّت . ويوجّهُ المعنى
إلى الزرعِ، وإن كان الكلامُ مخرَجُه على الخبرِ عن الأرضِ .
وقرأت قرأةُ الأمصارِ: ﴿ وَرَبَتْ﴾. بمعنى الرُّبُوِّ الذى هو النماءُ والزِّيادةُ.
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٥/٤ إلى المصنف.
(٢) تفسير عبد الرزاق ٣٢/٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٥/٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .

٤٦٧
سورة الحج : الآيات ٥ - ٧
وكان أبو جعفرِ القارئُ يقرأُ ذلك: (ورَبَّأَتْ). بالهمزٍ(١).
حُدِّثت عن الغراءِ، عن أبى عبدِ اللَّهِ التميمىِّ عنه(٢) .
وذلك غلطٌ؛ لأنَّه لا وَجْهَ للرَّبْءِ ههنا، وإنما يُقالُ: رَباً . بالهمزِ، بمعنى :
حَرَسَ. من الرَّبيئةِ، ولا معنَى للحراسةِ فى هذا الموضع، والصحيحُ من القراءةِ ما
عليه قرأةُ الأمصارِ .
وقولُه: ﴿وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجَ بَهِيجٍ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: وأنتتت هذه
* (٣)
الأرضُ الهامدةُ بذلك الغيثِ، من كل نوعٍ بهيجٍ. يعنى بالبَهِيجِ البَهِجَ، وهو
الحسنُ .
/ وبنحوِ ما قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
١٢٠/١٧
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً:
﴿ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْچ بَهِيچ﴾ . قال : حسنٍ .
حدَّثنا الحسنُ ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قَتَادةَ مثلَه (٤).
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَنَّهُ يُحِي الْمَوْنَ وَأَنَّهُ عَلَى
وَأَنَّ السَّاعَةَ ءَاتِيَّةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِى
كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
الْقُبُورِ
٧
(١) ينظر النشر ٢٤٤/٢.
(٢) معانى القرآن للفراء ٢١٦/٢.
(٣) بعده فى ص: ((زوج بهيج الغيث من كل)).
(٤) تقدم تخريجه فى الصفحة السابقة .

٤٦٨
سورة الحج : الآيات ٦ - ١٠
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ذَلِكَ﴾: هذا الذى ذكَوْتُ لكم أيُّها الناسُ،
مِن بَدْئِنا خَلْقَكم فى بُطونِ أَمهاتِكم، ووَصْفِنا أحوالكم قبلَ الميلادِ وبعدَه؛ طفلًا ،
وكهلاً، وشيخًا هَرَمًا، وتَنْبِيهِنَاكم على فِعْلِنا بالأرضِ الهامدةِ بما نُنَزِّلُ عليها من
الغيثِ؛ لتؤمنوا وتُصَدِّقوا بأنَّ ذلك الذى فعَل ذلك اللَّهُ الذى هو الحقُّ لاشكَّ فيه،
وأن مَن سواه مما تعبُدُون مِن الأوثان والأصنام باطلٌ ؛ لأنها لا تقدِرُ على فعلِ شىءٍ
مِن ذلك ، وتَعْلَموا أن القدرةَ التى جعَلُ بها هذه الأشياءَ العجيبةَ، لا يتعذَّرُ عليها أن
يُحْيِىَ بها الموتَى بعذَ فنائِها ودُروسِها فى التُّرابِ ، وأن فاعلَ ذلك على كلِّ ما أراد
وشاء مِن شىءٍ قادرٌ، لا يَتَنِعُ عليه شىءٌ أرادَه، ولتُوقِنُوا بذلك أن الساعةَ التى
وعَدتُكم أن أبعَثَ فيها الموتَى من قبورِهم جائيةٌ لا محالةَ ﴿لَّا رَيْبَ فِيهَا﴾. يقولُ:
لاشكَّ فى مَجِيئِها وحدوثِها، ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِ الْقُبُورِ﴾ حينئذٍ ، مَن فيها
مِن الأمواتِ أحياءً إلى موقفِ الحسابِ، فلا تَشُكُوا فى ذلك، ولا تَمْتَرُوا فيه .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدَّى
وَلَا كِنَبٍ مُنِ
يقولُ تعالى ذكرُه : ومِن الناسِ من يُخاصمُ فى توحيدِ اللَّهِ وإفرادِه بالألوهةِ بغيرِ
علم منه بما يُخَاصِمُ بهِ، ﴿ وَلَا هُدِّى﴾. يقولُ: وبغيرِ بيانٍ معه لِما يقولُ ولا يُؤْهاٍ،
﴿ وَلَا كِتَبٍ مُِّيرٍ﴾. يقولُ: وبغيرِ كتابٍ مِن اللَّهِ أتاه لصحَّةٍ ما يقولُ،
مُنِيرٍ﴾. يقولُ: يُنيرُ عن حُجَّتِه، وإنما يقولُ ما يقولُ مِن الجهلِ ظنًّا منه وحِشْبانًا .
وذُكِر أَنَّه عُنِى بهذه الآيةِ والتى بعدَها النضرُ بنُ الحارثِ مِن بنى عبدِ الدارِ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ثَانِىَ عِطْفِهِ، لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((هو)).

٤٦٩
سورة الحج : الآيتان ٩، ١٠
ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَالَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ
٩
خِزْىٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ
بِظَلَّمٍ لِلْعَبِيدِ
/ يقولُ تعالى ذِكرُه: يجادلُ هذا الذى يجادلُ فى اللَّهِ بغيرِ علم ثانىَ عِطفِه. ١٢١/١٧
واختلف أهلُ التأويلِ فى المعنى الذى من أجلِه وُصِف بأنَّه يَثْنِى(١) عِطْفَهُ، وما
المرادُ مِن وَصْفِه إِيَّاه بذلك؛ فقال بعضُهم: [٤٠٦/٢ظ] وصَفه بذلك لتَكثُّرِه
وتبَخْتُرِه (١) . وذُكِر عن العربِ أنها تقولُ: جاءنى فلانٌ ثانىَ عِطْفِه. إذا جاء مُتَبَخْتِرًا
مِن الكبرِ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىّ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىّ ، عن ابنِ عباسٍ
فى قوله: ﴿ ثَانِىَ عِطْفِهِ،﴾. يقولُ: مُسْتَكِرًا فى نفسِه(١٢).
وقال آخرون : بل معنى ذلك : لَاوِ رقَبْتَه .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿ثَانِىَ عِطْفِهِ،﴾. قال: رقِبْتَهُ(٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
(١) فى ص، ت ٢: (( ثنى)).
(٢) فى ت ٢، ف: ((تجبره)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٦/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم وابن المنذر.
(٤) تفسیر مجاهد ص ٤٧٧.

٤٧٠
سورة الحج : الآية ٩
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأُعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ: ﴿ ثَانِىَ
عِطْفِهِ ﴾. قال: لاوٍ عُنْقَهُ(١) .
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه(٢) .
وقال آخرون : معنى ذلك أنه يُغْرِضُ عما يُدْعَى إليه فلا يَسْمَعُ له .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال: ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿ثَانِىَ عِطْفِهِ﴾. يقولُ: يُغْرِضُ عن ذِكْرِى(٣).
حدَّثنی يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿ نَاِىَ عِطْفِهِ.
لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللّهِ﴾. قال: لَاوِيًّا رأسَه، مُعْرِضًا مُوَلِيًّا، لا يريدُ أن يسمعَ ما قيل
له. وقرَأَ: ﴿ وَإِذَا قِلَ لَهُمْ تَعَالَوْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْ رُءُوسَهُمْ وَرَأَنْتَهُمْ يَصُدُونَ
وَهُم ◌ُسْتَكَثِرُونَ﴾ [المنافقون: ٥]. ﴿ وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِ ءَايَنُنَا وَلَى مُسْتَكْبًِا﴾
(٣)
[ لقمان : ٧].
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُرَيجٍ، عن
مجاهدٍ قولَه: ﴿ ثَانِىَ عِطْفِهِ،﴾. قال: يُغْرِضُ عن الحقِّ(٤).
قال أبو جعفرٍ: وهذه الأقوالُ الثلاثةُ مُتَقارباتُ المعنى، وذلك أن مَن كان ذا
(١) فى ت ١، ف: ((عطفه)).
(٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٣٣، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٦/٤ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر وابن أبى
حاتم .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٦/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٦/٤ إلى المصنف من قول ابن جريج.

٤٧١
سورة الحج : الآيتان ٩، ١٠
اسْتِكْبَارِ فمِن شأنِهِ الإعراضُ عما هو مُسْتكبِرٌ عنه، وَلَّ عُنُقِه عنه والإعراضُ .
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن يُقالَ: إن اللَّهَ وصَف هذا المخاصمَ فى اللَّهِ بغيرِ
علم أنَّه مِن كبرِه إذا دُعِى إلى اللَّهِ أعرَضَ عن دَاعِيهِ، ولَوى ◌ُنقَه عنه ، ولم يَسمعْ ما
يقالُ له اسْتِكبارًا .
وقولُه: ﴿لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللهِ ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: يجادلُ هذا المشركُ
فى اللَّهِ بغيرٍ علم مُعْرِضًا / عن الحقِّ استكبارًا لِيَصُدَّ المؤمنين باللّهِ عن دينهم الذى ١٢٢/١٧
هَذَاهم له، ويَستَزِلّهم عنه، ﴿لَهُ فِ الدُّنْيَا خِزْىٌ ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: لهذا المجادلِ
فى اللّهِ بغيرِ علم، ﴿فِي الدُّنْيَا خِزْىٌ﴾ وهو القتلُ والذلَّ والمهانةُ بأيدِى المؤمنين ،
فقتَلَه اللَّهُ بأيديهم يومَ بدرٍ .
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيج
قوله: ﴿لَهُ (١) فِ الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾. قال: قَتْلٌ يومَ بدٍ(٧) .
وقولُه: ﴿ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه : ونُحرِقُه
يومَ القيامةِ بالنَّارِ .
وقولُه: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: ويُقالُ له إذا أُذِيق
عذابَ النارِ يومَ القيامةِ: هذا العذابُ الذى نُذيقُكَهُ اليومَ بما قدَّمَت يداكَ فى
الدُّنيا مِن الذنوبِ والآثامِ، واكْتَسَبْتَه فيها من الإجرامِ، ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّمٍ
لِلْعَبِيدِ﴾. " يقولُ: وفعَلنا ذلك لأنَّ اللَّهَ ليس بظلام للعبيدِ" فيعاقبَ بعضَ عبيدِه
(١) سقط من: م.
(٢) تتمة الأثر المتقدم فى الصفحة السابقة .
(٣ - ٣) سقط من: ت ١، ف.

٤٧٢
سورة الحج : الآيتان ١٠، ١١
على مجرْمٍ، وهو يعفوُ مثلَه عن(١) آخرَ غيرِهِ، أو يَحمِلَ ذَنبَ مذنبٍ على غيرٍ مذنبٍ
فيعاقبَه به، ويعقُوَ عن صاحبِ الذَّنبِ، ولكِنَّه لا يعاقبُ أحدًا إِلَّا على مجومِه، ولا
يعذِّبُ أحدًا على ذنبٍ يغفرُ مثلَه لآخرَ إلّ بسببٍ اسْتَحقَّ به منه مَغْفرتَهِ.
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍّ فَإِنْ أَصَابَهُ خَرُّ
الْمَأَنَّ بِهِ، وَإِنْ أَصَابَهُ فِثْنَهُ أَنْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ، خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ ذَلِكَ هُوَ
اْخُسْرَانُ الْمُبِينُ
١١
يعنى جلَّ ذِكرُه بقوله: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ ﴾ أغرابًا كانوا يَقْدَمون
على رسولِ اللَّه ◌َّمِ مهاجرين من باديَتِهم، فإن نالوا رخاءً من عيشٍ بعدَ الهجرةِ
والدخول فى الإسلام أقامُوا على الإسلام، وإلَّ ارْتَدُوا على أعقابهم. فقال اللَّهُ: ومِن
الناسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ على شَكُ، ﴿ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرُّ الْمَأَنَّ بِّ﴾. وهو السَّعةُ مِن
العيشِ وما يُشْبِهُهُ(٢) من أسبابِ الدُّنيا، ﴿اَلْمَأَنَّ بِ﴾. يقولُ: اسْتقرَّ بالإسلامِ
وثَبَت عليه. ﴿ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِئْنَةٌ﴾. وهو الضيقُ بالعيشِ وما يُشبهُه(٢) من أسبابٍ
الدُّنيا، ﴿ أَنْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ،﴾. يقولُ: ارْتَدَّ فانقلَب على وَجْهِه الذى كان عليه
من الكُفرِ باللَّهِ.
وبنحو الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال : ثنى أبى ، عن
(١) فى م: (( يغفر)).
(٢) فى م: (( من)).
(٣) فى ت ١، ت٢: ((يشتهيه).

٤٧٣
سورة الحج : الآية ١١
أبيه، عن ابنِ عباس قوله: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ إلى قوله:
﴿ أَنْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾. قال: الفتنةُ البلاءُ، كان أحدُهم إذا قَدِم المدينةَ وهى
أرضٌ [٢/ ٤٠٧ و] وَبِيئَةٌ، فإِن صَحَّ بها جِسْمُه، ونُتِجت فَرسُه مُهْرًا حسنًا ، ووَلَدَتِ
امرأتُه غلامًا رَضِى به، واْمَأنَّ إِليه، وقال: ما أصبتُ منذُ كنتُ على دينى هذا إلَّا
خيرًا. وإن / أصابَه وجَعُ المدينةِ، ووَلَدَتِ امرأتُه جاريةً، وتأخّرت عنه الصَّدقةُ، أتاه ١٢٣/١٧
الشيطانُ فقال: واللَّهِ ما أصبتَ منذُ كنتَ على دينك هذا إلَّا شؤًا. وذلك الفتنةُ(٢)
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا حكامٌ، قال : ثنا عنبسةُ أبو بكرٍ ، عن محمدِ بنِ
عبد الرحمنِ بنِ أبى ليلى، عن القاسم بن أبى ◌َزَّةَ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿ وَمِنَ
النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾. قال: على شَكِّ.
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿عَلَى حَرْفٍ﴾. قال: على شَكُ. ﴿ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ﴾: رَخاءٌ وعافيةٌ
أَطْمَأَنَّ ◌ِ،﴾: اسْتَقَرَّ، ﴿ وَإِنْ أَصَابَهُ فِئْنَةٌ﴾: عذابٌ ومصيبةٌ، ﴿ أَنْقَلَبَ﴾
ارتَدَّ ﴿عَلَى وَجْهِهِ،﴾: كافرًا().
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ بنحوِه .
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((دونه)). وقد أوبأت الأرض فهى موبئة، ووبِئَت فهى وبيئة، ووُبِئت أيضًا
فهى موبوءة . والوباء: الطاعون والمرض. النهاية ١٤٤/٥.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٦/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم وابن مردويه.
(٣) فى م: ((عن أبى)). وينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ٤٠٦، وما سيأتى فى ص ٥٤٠ .
(٤) تفسير مجاهد ص ٤٧٧، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٦/٤ إلى سعيد بن منصور وابن أبى شيبة
وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .

٤٧٤
سورة الحج : الآية ١١
قال ابنُ جُرَيج: كان ناسٌ من قبائلِ العربِ وثمَّن حولَهم مِن أَهلِ القُرَى
يقولون: نأتى محمدًا عَ لَهِ، فإن صادَفْنا خيرًا مِن معيشةِ الرزقِ ثَبَتْنا معه، وإلَّا لَحِقْنا
(١)
بأهلِنا (١) .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةً: ﴿مَنْ
يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾. قال: شَكِّ، ﴿ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ﴾. يقولُ: كَثُر مالُه،
وكَثُرت ماشيتُه اطْمَأنَّ وقال: لم يُصِبْنى فى دينى هذا منذُ دخَلتُه إلَّا خيرٌ، ﴿ وَإِنْ
أَصَاَنَّهُ فِتْنَةٌ﴾. يقولُ: وإن ذهَب مالُه، وذهبَت ماشيتُه، ﴿ أَنْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ،
خَسِرَ الذُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ﴾ .
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قَتَادةَ
(٢)
نحوه(٢).
محُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدٌ، قال:
سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾
الآية: كان ناسٌ من قبائل العربٍ، وممّن حولَ المدينةِ مِنَ القُرَى كانوا يقولون: نأتى
محمدًاً مَّ لِ فننظرُ فى شأنِهِ، فإن صادَفْنا خيرًا ثَبْنا معه، وإلَّا لَحِقْنا بمنازِلِنا وأهْلِينا،
وكانوا يأتُّونَه، فيقولون: نحنُ على دينِك. فإن أصابوا معيشةً، ونَتجوا خَيْلَهم،
ووَلَدت نساؤهم الغِلْمانَ اطْمَأَنُّوا وقالوا: هذا دينُ صدقٍ . وإن تأخّر عنهم الرِّزقُ،
وَأَزْلَقَت (٣) خيُولُهم، ووَلَدت نساؤهم البناتِ ، قالوا: هذا دينُ سَوْءٍ. فانقَلَبوا على
(١)
وجوههم(١).
(١) ینظر تفسير ابن كثير ٣٩٦/٥
(٢) تفسير عبد الرزاق ٣٣/٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٧/٤ إلى عبد بن حميد وابن أبى حاتم.
(٣) أزلقت الفرس والناقة: أسقطت، وهى مزلق، ألقت لغير تمام. اللسان (زل ق).

٤٧٥
سورة الحج : الآيتان ١٢،١١
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهب، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَمِنَ
النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍّ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرُّ أْمَنَّ بٌِ وَإِنْ أَصَابَهُ فِتْنَهُ أَنْقَلَبَ عَى
وَجْهِهِ، خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ﴾. قال: هذا المنافقُ، إن صَلَحَتْ له دنياه أقامَ على
العبادةِ ، وإن فَسَدَتْ عليه دنياه وتَغيَّرَتْ (١) انقَلَب، ولا يقيمُ على العبادةِ إلّ لمَا صَلَح
مِن دُنياه، وإذا أصابَتْه شدَّةٌ أو فتنةٌ ، أَو اختبارٌ أو ضيقٌ، ترَك دينَه ورجَع إلى الكُفرِ(٢).
وقولُه: ﴿خَسِرَ الذُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ﴾. يقولُ: غَينِ هذا الذى وصَف جلَّ ثناؤه
صِفَتَهِ دُنياه؛ لأنَّه لم / يَظْفَرْ بحاجتِه منها بما كان مِن عبادتِهِ اللَّهَ على الشكُ، ووَضِع ١٢٤/١٧
فى تجارتِه فلم يَرْبَحْ، ﴿ وَالْآَخِرَةَ﴾. يقولُ: وخسِر الآخرةَ؛ لأنه (٢) مُعَذَّبٌ فيها
بنارِ اللَّهِ المُؤْقَدةِ .
وقولُه: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾. يقولُ: وخَسارتُه الدنيا والآخرةَ هى
﴿ اْخُسْرَانُ﴾. يعنى: الهلاكُ ﴿الْمُبِينُ﴾. يقولُ: يَبِينُ لمن فكّر فيه وتدَبَّره أنه
قد خسر الدنيا والآخرةَ .
واخْتَلَفَت القرأةُ فى قراءةِ ذلك ؛ فقرَأَته قرأةُ الأمصارِ جميعًا غيرَ محُميدِ الأعرج :
خَسِرَ الذُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ﴾. على وجهِ المُضِىِّ. وقرَأَه حُميدٌ الأعرجُ: (خاسِرَ)
نصبًا على الحالِ، على مثالٍ ((فاعلٍ))(١).
-(٤)
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا
١٢
يَنفَعُهُ, ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ
(١) فى ت ١: ((نفرت)).
(٢) ينظر تفسير ابن كثير ٣٩٦/٥.
(٣) فى م: ((فإنه )) .
(٤) فى م: ((خاسرًا)).
(٥) وهى قراءة مجاهد وابن محيصن من طريق الزعفرانى وقعنب والجحدرى وابن مقسم. البحر المحيط ٣٥٥/٦.
٠

٤٧٦
سورة الحج : الآيتان ١٣،١٢
يقولُ تعالى ذكرُه : وإن أصابَت هذا الذى يَعْبُدُ اللَّهَ على حرفٍ فتنةٌ ، ارْتَدَّ عن
دينِ اللَّهِ ، يَدْعُو مِن دونِ اللَّهِ آلهةً لا تَضُرُّه إن لم يَعْبُدْها فى الدنيا، ولا تَنْفَعُه فى
الآخرةِ إِن عبّدها، ﴿ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾. يقولُ: ارتدادُه ذلك داعيًا مِن
دونِ اللهِ هذه الآلهةَ هو الأخْذُ على غيرِ استقامةٍ، والذَّهابُ عن دينِ اللَّهِ ذَهابًا بعيدًا .
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿يَدْعُواْ
مِن دُونِ اللَّهِ [٤٠٧/٢ظ] مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾: يَكْفُرُ بعدَ إِيمانِه، ﴿ذَلِكَ
هُوَ الصَّلَلُ الْبَعِيدُ﴾.
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿يَدْعُوْ لَمَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِةٍ، لَبِئْسَ الْمَوْلَى
وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ
يقولُ تعالى ذكره : يَدْعو هذا المُقَلِبُ على وجهِهِ مِن أن أصابته فتنةٌ - آلهةً ،
لَضَرُها فى الآخرةِ له ، أقربُ وأسرعُ إليه مِن نفعِها .
وذُكِر أن ابن مسعودٍ كان يَقْرَؤُه: (يَدْعو مَن ضَرُّه أقربُ مِن نفعِه)(١).
واختَلَف أهلُ العربيةِ فى موضعِ ((مَن))، فكان بعضُ نحوبى البصرةِ يقولُ :
موضعُه نصبٌ بـ﴿يَدْعُواْ﴾. ويقولُ: معناه: يَدْعو لَآلهةً ضرُها أقربُ مِن نفعِها.
ويقولُ: هو شاذٌّ؛ لأنه لم يُوجَدْ فى الكلامِ: يدعو لَزِيدًا .
وكان بعضُ نحوبى الكوفةِ يقولُ: اللامُ مِن صلةِ ما بعدَ ((مَن)). كأن معنى
الكلام عندَه : يَدْعو مَن لَضُه أقربُ مِن نفعِه. وحُكِى عن العربِ سماعًا منها :
عندى لما غيرُه خيرٌ منه. بمعنى: عندى ما لَغيرُه خيرٌ منه. وأَعْطَيْتُك لما غيرُه خيرٌ منه .
بمعنى : ما لغيرُه خيرٌ منه . وقال: جائزٌ فى كلِّ ما لم يَتَبَيَّنْ فيه الإعرابُ الاعتراضُ
باللامِ دونَ الاسمِ .
(١) ينظر البحر المحيط ٣٥٧/٦.

٤٧٧
سورة الحج : الآية ١٣
وقال آخرون منهم: جائزٌ أن يكونَ معنى ذلك: ذلك(١) هو الضلالُ البعيدُ،
يَدْعُو. فيكونُ: ﴿يَدْعُواْ﴾ صلةَ ﴿اَلْضَّلَلُ الْبَعِيدُ﴾، وتُضْمِرُ فى ﴿يَدْعُواْ﴾
الهاءَ، ثم تَسْتَأْتِفُ الكلامَ باللام ، فتقولُ: لمن ضرُه أقربُ مِن نفعِه لَبئس المولى.
كقولك فى الكلام فى مذهبِ الجزاءِ: لما فعَلْتَ لَهو خيرٌ لك.
فعلى هذا القولِ ((مَن)) فى موضعٍ رفعٍ بالهاءِ/ فى قوله: ﴿ضَرُّهُ﴾؛ لأن ١٢٥/١٧
((مَن)) إذا كانت جزاءً فإنما يُعْرِبُها ما بعدَها، واللامُ الثانيةُ فى: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾.
جوابُ اللامِ الأُولى. وهذا القولُ الآخرُ على مذهبِ العربيةِ أصحُ، والأولُ إلى
مذهبٍ أهلِ التأويلِ أقربُ .
وقولُه: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾. (٢ يقولُ: لبئس ابنُ العمِّ هذا الذى يَعْبُدُ اللَّهَ على
حرف١ٍ، ﴿ وَلَبْسَ الْعَشِيرُ﴾. يقولُ: ولبئس الخليطُ المعاشِرُ والصاحبُ هو.
كما حدَّثنی یونُسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
﴿ وَلَبِْسَ الْعَشِيرُ﴾. قال : العشيرُ هو المعاشرُ الصاحبُ.
وقد قيل : عُنِى بالمولى فى هذا الموضعِ الولىُّ الناصرُ.
وكان مجاهدٌ يقولُ: عُنِى بقولِه: ﴿لَيْسَ الْمَوْلَى وَلَفْسَ الْعَشِيرُ ﴾ الوَثَنُّ.
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ
فى قولِ اللَّهِ: ﴿ وَلَيْسَ الْعَشِيرُ﴾. قال: الوَقَنُ(٣).
(١) سقط من: م، ت ١، ف .
(٢ - ٢) سقط من: ت ٢.
(٣) تفسير مجاهد ص ٤٧٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ص ٢٩٩ (المخطوط المحمودية) إلى عبد بن
حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .

٤٧٨
سورة الحج : الآيات ١٤ - ١٦
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ
(١٤
جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ
يقولُ تعالى ذكرُه: إن اللَّهَ يُدْخِلُ الذين صدَقوا اللَّهَ ورسولَه، وعمِلوا بما
أمَرَهم اللَّهُ فى الدنيا ، وانْتَهَوْا عما نهاهم عنه فيها - ﴿ٍ جَنَّاتٍ﴾. يعنى : بساتينَ
تَّجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ﴾. يقولُ: تجرى الأنهارُ مِن تحتِ أشجارِها، ﴿ إِنَّ اللَّهَ
يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾. فيُعْطِى ما شاء مِن كرامتِهِ أهلَ طاعتِهِ، وما شاء مِن الهَوانِ أهلَ
معصيته .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَن لَّنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِ الدُّنْيَا
وَلْآَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لَيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا
يَغِيظُ
١٦
" وَكَذَلِكَ أَنْنَهُ مَايَتٍ بَيْنَتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يُرِيدُ
١٥
اختَلَف أهلُ التأويلِ فى المعنىِّ بالهاءِ التى فى قولِهِ: ﴿أَنْ لَّنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ ﴾ ؛ فقال
بعضُهم: عُنِى بها نبىُّ اللَّهِ عِلَّه. فتأويلُه على قولٍ بعضٍ قائلى ذلك: مَن كان مِن
الناسِ يَحْسَبُ أن لن يَنْصُرَ اللَّهُ محمدًا فى الدنيا والآخرةِ ، فَلْيَعْدُدْ بحبلٍ، وهو
السببُ، ﴿إِلَى السَّمَاءِ﴾. يعنى: سماءِ البيتِ، وهو سقفُه، ﴿ثُمَّ لَيَقْطَعْ}
السببَ بعدَ الاختناقِ به، ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَ﴾(١) اختناقُه ذلك، وقطعُه السببَ
بعدَ الاختناقِ ، ﴿ مَا يَغِيُظُ﴾. يقولُ: هل يُذْهِبَنَّ ذلك ما يَجِدُ فى صدرِهِ مِن الغيظِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا نصرُ بنُ علىٍّ ، قال : ثنى أبى، قال: ثنى خالدُ بنُ قيسٍ، عن قتادةً: من
(١ - ١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف .
(٢) بعده فى ت ١: ((كيده ما يغيظ)).

٤٧٩
سورة الحج : الآية ١٥
كان يَظُنُّ أن لن / يَنْصُرَ ( ١) اللهُ نبيّه ولا دينَه ولا كتابَه، ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾. يقولُ: ١٢٦/١٧
بحبلٍ إلى سماءِ البيتِ ، فَلْيَخْتَِقْ به، ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾.
حدّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةً: ﴿مَنْ
كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَّنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِى " الذُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾. قال: مَن كان يَظُنُّ أن لن
يَنْصُرَ اللَّهُ نبيّهِ عَهِ، ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾. يقولُ: بحبلٍ إلى سماءِ البيتِ، ﴿ثُمَّ
ايَقْطَعْ﴾ . يقولُ: ثم لْيَخْتَيِقْ، ثم لْيَنْظُرْ هل يُذْهِبَنَّ كيدُه ما يَغِيظُ.
حدّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ
(٣)
بنحوِه (١) .
وقال آخرون ممن قال: الهاءُ فى: ﴿يَنْصُرَهُ﴾ مِن ذكرِ اسم رسولِ اللَّهِ عَلَّهِ :
السماءُ التى ذُكِرَت فى هذا الموضع هى السماءُ المعروفةُ . قالوا: معنى الكلام ما
حدَّثنى به يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿مَنْ كَانَ
يَظُنُّ أَنْ لَّنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾. فقرَأُ حتى بلَغ: ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ
مَا يَغِيظُ ﴾. قال: مَن كان يَظُرُّ أن لن يَنْصُرَ اللَّهُ) نبيّه ◌َمٍ، ويُكايِدَ(٥) هذا الأمرَ
ليَقْطَعَه (١) عنه ومنه، فلْيَقْطَع ذلك مِن أصلِه(٧) مِن حيثُ يَأْتيه ، فإن أصلَه فى السماءِ،
فلْيَعْدُدْ بسببٍ إلى السماءِ، ثم لْيَقْطَعْ عن النبيِّ ◌َّهِ الوحىَ الذى يَأتيه مِن اللَّهِ ، فإنه لا
(١) فى ص، ت٢، ت٣: ((ينصره).
(٢ - ٢) ليست فى: ص.
(٣) تفسير عبد الرزاق ٣٣/٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٧/٤ إلى عبد بن حميد وابن أبى حاتم .
(٤ - ٤) سقط من: ت ٢.
(٥) فى م، ت١: ((يكابد))، وفى ت ٢: ((مكايد)). وبدون نقط فى ص.
(٦) فى ت ٢: ((لقطعه)).
(٧) فى ص، ت ١، ف: ((أجله)).

٤٨٠
سورة الحج : الآية ١٥
يُكايِدُهُ(١) حتى يَقْطَعَ أَصلَه عنه، فكايَد ذلك حتى قطَع أصلَه عنه، ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ
يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾. ما دخَلَهم مِن ذلك، وغاظَهم اللَّهُ به مِن نصرةِ النبيِّ ◌َّ
وما يَنْزِلُ عليه(٢) .
وقال آخرون(٣) ممن قال: الهاءُ التى فى قوله: ﴿يَنْصُرَهُ﴾. مِن ذكرِ
محمدٍ عَِّ : معنى النصرِ ههنا الرزقُ. فعلى قولِ هؤلاء تأويلُ الكلامِ: مَن
كان يَظُنُّ أن لن يَرْزُقَ اللَّهُ محمدًا فى الدنيا، ولن يُعْطِيَه. وذكروا سماعًا من
العربِ: مَن يَنْصُرْنى نصرَه اللَّهُ. بمعنى: مَن يُعْطِنِى أعطاه اللَّهُ. وحكَوا أيضًا
سماعًا منهم: نصَر المطرُ أرضَ كذا. إذا جادَها وأحياها. واسْتُشْهِدٌ(*) لذلك
ببيتِ الْفَفْعَسىّ (٥) :
ولا تَمْلِكُ الشِّقَّ الذى الغيثُ ناصِرُهْ
وإِنَّكَ لا تُعطِى امرَأْ فَوْقَ حظّهِ
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريب ، قال: ثنا ابنُ عطيةً، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبى إسحاقَ ، عن
التميمىٌّ، قال: قلتُ لابن عباسٍ: أرأيتَ قولَه: ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَّنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ
١٢٧/١٧ في الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ / يِسَبٍَ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا
يَغِيظُ﴾. قال: مَن كان يَظُنُّ أن لن يَنْصُرَ اللَّهُ محمدًا ، فَلْيَرْبِطْ حبلاً فى سقفٍ ، ثم
لْيَخْتَنِقْ به حتى يموتَ(١).
(١) فى ص، ف: (( یکابده)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٧/٤ إلى ابن أبى حاتم مختصرا.
(٣) ينظر مجاز القرآن لأبى عبيدة ٤٦/٢.
(٤) فى ت ١: ((واستشهدوا)).
(٥) مجاز القرآن ٤٧/٢، والتبيان ٢٦٥/٧، وتفسير القرطبى ٢٢/١٢.
(٦) أخرجه الحاكم ٣٨٦/٢ من طريق أبى إسحاق به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٧/٤ إلى الفريابى
وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه .