Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١
سورة الأنبياء : الآية ٩٦
(مُبيدِ اللَّهِ بنِ أبى يزيد١َ) ، قال: رأى ابنُ عباسٍ صِيْيانًا يَتْزُو بعضُهم على بعضٍ؛
يَلْعَبون، فقال ابنُ عباسٍ: هكذا يَخرجُ يأجوج ومأجوجُ(١).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال : ثنا الحَكَمُ ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيس ، قال: بَلَغَنا أن
مِكًا دونَ الرَّدْمِ يَبْعَثُ خَيْلًا كلَّ يومٍ يَخْرُسون الردمَ ، لا يَأْمَنُ يأجوج ومأجوجَ أن
تَخْرُجَ عليهم . قال: فَيَسْمَعون جَلَبَةً وأمرًا شديدًا .
/حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَورٍ، عن معمرٍ، عن أبى إسحاقَ ، أن ٨٩/١٧
عبدَ اللَّهِ بنَ عمرو، قال : ما يموتُ الرجلُ مِن يأجوج ومأجوجَ حتى يُولَدَ له مِن صُلْبِه
ألفُ رجُلٍ(٣) ، وإن مِن وَرائِهِم لَثَلاثَ أُممَ ما يَعْلَمُ عددَهم إلا اللَّهُ؛ منسكٌ ، وتاويلُ ،
(٤)
وتاریسُ ).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَنادةَ، عن عمرٍو
البِكاليّ، قال: إن اللَّهَ جَزَّأ الملائكةَ والإنسَ والجِنَّ عشرةَ أْزاءٍ؛ فتسعةٌ منهم
الكَرْوِيُّونَ، وهم الملائكةُ الذين يَحْمِلون العرشَ، ثم هم أيضًا الذين يُسَبِّحون الليلَ
والنهارَ لا يَفْتُرون . قال: ومَن بَقِىَ مِن الملائكةِ لأُمْرِ اللَّهِ ووَحْيِهِ ورِسالتِه. ثم جَزَّأَ
الإنسَ والجنَّ عشرةَ أجزاءٍ؛ فتسعةٌ منهم الجنُّ، [٢/ ٣٩٧ظ] لا يُولَّدُ مِن الإنسِ وَلَدٌ ،
إلا ؤُلِد مِن الجنِّ تسعةٌ. ثم جزَّأَ ("الإِنسَ على عشرة أجزاءٍ؛ فتسعةٌ منهم يأجوج
(١ - ١) فى ص، ت ٢: ((عبيد الله عن أبى يزيد))، وفى ت١، والدر المنثور: ((عبد الله بن أبى يزيد)). وهو
عبيد الله بن أبى يزيد المكى. ينظر تهذيب الكمال ١٧٨/١٩.
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٦٧/٥ عن المصنف .
(٣) سقط من: م.
(٤) أخرجه معمر فى جامعه (٢٠٨١٠) مطولا، ومن طريقه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٩/٢، ونعيم بن حماد
فى الفتن (١٦٤٢).
(٥ - ٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: (( الجن)).
( تفسير الطبري ٢٦/١٦ )
٤٠٢
سورة الأنبياء : الآية ٩٦
(١) . . (٢)
ومأجوجُ، وسائرُ الناسِ(١) جزءٌ(٢) .
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ تجريج قولَه:
﴿حَتَّىَ إِذَا فُتِحَتْ بَأْجُوجُ وَمَأْجُوعُ﴾. قال: أُمَّتَانِ مِن وراءِ رَدْمِ ذى القَرْنينِ ".
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَورٍ، عن معمرٍ، عن غيرٍ واحدٍ ، عن
مُحميدٍ بنِ هلالٍ، عن أبى الضَّيْفِ (٤)، قال: قال كعبٌ) : إذا كان عندَ خروجٍ
يأجوج ومأجوجَ ، حفَروا حتى يَسْمَعَ الذين يُلُونَهم قَرْعَ فُوسِهم ، فإذا كان الليلُ قالوا :
تَجِىءُ غدًا فَتَخْرُجُ. فيُعيدُها اللَّهُ كما كانت، فيَجِيئون مِن الغدِ، " فيَخْفِرون حتى
يَسْمَعَ الذين يَلُونَهم قَرْعَ فُوسِهم، فإذا كان الليلُ قالوا : شَجِىءُ غدًا فتَخْرُجُ. فيَجِيئون
مِن الغَدِ) ، فيَجِدونَه قد أعاده اللَّهُ كما كان، فيَحْفِرونَه حتى يَسمعَ الذين يُلُونهم قَرْعَ
فُوسِهم ، فإذا كان الليلُ أَلْقَى اللَّهُ على لسانِ رجلٍ منهم يقولُ: نجىءُ غدًا فتَخْرُجُ إِن
شاءَ اللَّهُ. فَيَجِيئُونَ مِن الغدِ فِيَجِدونَه كما ترَكوه، فيَحْفِرونَ ثم يَخْرُ جُون ، فَتَمُرُ الزُّمْرَةُ
الأَولَى بالبحيرةِ فِيَشْرَبون ماءَها، ثم تمُ الزُّمْرةُ الثانيةُ فيَلْحَسون طِينَها ، ثم تمرُّ الزُّمرةُ
الثالثةُ فيقولون: قد كان هلهنا مرةً ماءٍ. ويَفِرُّ الناسُ منهم، فلا يقومُ لهم شىءٌ ، يَزْمون
بسهامِهم إلى السماءِ، فَتَرْجِعُ مُخَضَّبَةً بالدماءِ، فيقولون: غَلَئِنا أهلَ الأرضِ وأهلَ
(١) فى م: ((الإنس)).
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٨/٢ عن معمر، عن قتادة، عن عامر البكالى ، وأخرجه الحاكم ٤٩٠/٤ من
طريق معدان بن طلحة عن عمرو البكالى عن عبد الله بن عمرو . نحوه بزيادة فى آخره ، وكذا عزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٢٤٩/٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم من طريق عمرو البكالى عن عبد الله بن عمر.
(٣) ينظر ما تقدم تخريجه فى ٣٨٦/١٥، ٣٨٧.
(٤) فى ص: ((الصف))، وفى م، ت ٢، وتفسير عبد الرزاق: ((الصيف)). وينظر ترجمته فى الكنى
ص ٤٥، والجرح والتعديل ٩/ ٣٦٩.
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((سمعت))، وهو تحريف واضح.
(٦ - ٦) سقط من: م.
٤٠٣
سورة الأنبياء : الآية ٩٦
السماءِ. فيَدْعو عليهم عيسى ابن مريمَ، فيقولُ: اللَّهُمَّ لا طاقةً ولا يَدَيْنِ لنا بهم،
فاكْفِناهم بما شِئتَ. فيُسَلِّطُ اللَّهُ عليهم دُودًا يُقالُ له(١): التَّغَفُ. فَتَفْرِسُ رقابَهم،
ويَبْعَثُ اللَّهُ عليهم طَيْرًا، فتَأْخُذُهم بِمَنَاقِيرِها(٣) ، فتُلْقيهم فى البحرِ، ويَبْعَثُ اللَّهُ عِينً(*)
يُقالُ لها: الحياةُ. تُطَهِّرُ الأرضَ منهم وتُنْبِتُها، حتى إن الرُّمَّانَةَ لِيَشْبَعُ منها السَّكْنُ.
قيل: وما الشَّكْنُ يا كعبُ ؟ قال: أهلُ البيتِ. قال(٥): فِبَيْنا الناسُ كذلك، إذ أتاهم
الصَّرِيخُ أن ذا السُّوَيِقَتَيْ " قد غَزَا البيتَ) يُرِيدُه، فَيَبْعَثُ عيسى طَليعةً، سبعمائةٍ أو بينَ
السَّبْعِمائة والثمانمائة ، حتى إذا كانوا ببعضِ الطريقِ بعَث اللَّهُ رِيحًا يَمَانِيَّةً طَيِّةٌ ، فَيَقْبِضُ
اللَّهُ فيها رُوعَ كلٌّ مؤمنٍ، ثم يَتْقَى عَجَاجٌ(١) مِن الناسِ يَتَسَافَدُونَ(١) كما تَتَسافَدُ
البهائمُ، فَمَثَلُ الساعةِ كمثَلٍ رَجُلٍ يُطيفُ حولَ فَرَسِهِ، يَنْتَظِرُها متى تَضَعُ، فمَنْ
تَكَلَّف بعدَ قولى هذا شيئًا ، أو على هذا شيئًا، فهو المُتُكَلِّفُ(٩).
حدَّثنا العباسُ بنُ الوليدِ البَيْروتيُ ، قال: أخبرنى أبى ، قال : سَمِعتُ ابنَ جابرٍ،
قال: ثنى محمدُ(١٠) بنُ جابر الطَّائىُّ، ثم الحِمْصِىُّ، ثنى عبدُ الرحمنِ بنُ جُبيرِ بنِ نُغيرٍ
(١) فى ص، ت ١: (( لها)).
(٢) فَرَس فريسته: دقَّ عُنْقَها. والفَرْس: الكَشْر. وكلُّ قتلٍ فَرْسٌ. ينظر تاج العروس (فى رس).
(٣) فى م، ت ١، ف: ((بمناقرها)).
(٤) العبارة فى تفسير عبد الرزاق جاءت هكذا: ((غيثا يقال له: الحياة)).
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: (( قيل)).
(٦ - ٦) سقط من النسخ، وفى الدر المنثور: (( أتى البيت)) وبمعناه فى الفتن لنعيم بن حماد والمثبت من :
تفسير عبد الرزاق والسنن الواردة فى الفتن .
(٧) العجاج: رَعَامُ الناس والغوغاءُ والأراذِلُ ومَن لا خير فيه. تاج العروس (ع ج ج).
(٨) التَّساقُد يُكْنَى به عن الجماعِ. يُنظر تاج العروس (س فى د).
(٩) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢ / ٢٨، ٢٩، وأخرجه أبو عمرو الدانى فى السنن الواردة فى الفتن (٦٧٩)
من طريق حميد به، وأخرجه نعيم حماد فى الفتن (١٦٤١، ١٦٧٠) عن عبد الرزاق ، عن معمر، عن
أيوب ، عن أبى الضيف به نحوه .
(١٠) كذا فى النسخ، والصواب: ((يحيى))، كما فى مصادر التخريج الآتية . وابن جابر الذی یروی عن یحیی
ابن جابر الطائى، هو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزدی ، كما فى ترجمته فى تهذيب الكمال ٥/١٨.
٤٠٤
سورة الأنبياء : الآية ٩٦
٩٠/١٧
الحَضْرَمُ، قال: ثنى أبى، أنه سَمِعِ النَّوَّاسَ بنَ سَمْعانَ الكِلابِىُّ، يقولُ: ذكَر رسولُ اللَّهِ
سَّهِ الدَّجَالَ، وذكَر أمرَه، وأنَّ عيسى ابن مريمَ / يَقْتُلُه. ثم قال: ((فبينا(١) هو
كذلك، أَوْحَى اللَّهُ إليه: يا عيسى، إنى قد أخرجتُ عِبادًالى (" لا يَدَ) لأحدٍ بقتالهم،
فحَرِّزْ عبادى إلى الطُّورِ . فِيَبْعَثُ اللَّهُ يأجوج ومأجوجَ، وهم مِن كلِّ حَدَبٍ يَنْسِلون ،
فيَمُوُّ أحدُهم على بُحيرةٍ طَبَرِيَّةَ، فَيَشْرَبون ما فيها، ثم يَنْزِلُ آخِرُهم، فيقولُ(١) : لقد
كان بهذه مَرَّةً ماءٌ. فيُحاصَرُ نبىُّ اللَّهِ عيسى وأصحابُه، حتى يكونَ رأسُ الثورِ يومَئذٍ
خيرًا لأحدِهم مِن مائةٍ دينارٍ لأحدِ كم. فيَرْغَبُ نبىُّ اللَّهِ عيسى وأصحابُه إلى اللَّهِ،
فَيُرْسِلُ اللَّهُ عليهم النَّغَفَ فى رِقائِهِم، فيُصْبِحون فَرْسَى (١) موتٍ نفسٍ واحدةٍ ، فَيَهْبِطُ
نبىُ اللَّهِ عيسى وأصحابُه، فلا يَجِدُون موضعًا إلا وقد ملَه زَهَمُهم(٥) ونَتْثُهم
ودِماؤُهم ، فيَرْغَبُ نبُ اللَّهِ عيسى وأصحابُه إلى اللَّهِ، فيُرسِلُ اللَّهُ عليهم طيًا كأعْناقٍ
البُخْتِ (١) . فتَحْمِلُهم فتَطْرَحُهم حيثُ شاءَ اللَّهُ، ثم يُرسِلُ اللَّهُ مطرًا لا يُكِنُّ منه بيتُ
مَّدَرٍ ولا وَبَرٍ ، فَيَغْسِلُ الأرضَ حتى يَتْرُكَها كالزَّلَقَةِ(٧)) .
(١) فى ت ١، ت ٢: ((فبينما)). وهو موافق لما فى مسلم، والترمذى، وابن ماجه، ومستدرك الحاكم.
والمثبت من ع، م، ف موافق لما فى مسند أحمد .
(٢ - ٢) سقط من: ت ٢، وفى ص، ت ١، ف: ((لا يدى)).
(٣) فى ص، م، ت ٢، ف: ((ثم يقول)). والمثبت من ت ١ موافق لما فى الترمذى، وفى مسلم وابن ماجه
والمستدرك: ((فيقولون)).
(٤) فَرْسَى : قَتْلَى. جمع فَرِیس. ينظر تاج العروس (ف ر س ).
(٥) الزَّهَم بالتحريك: مصدر زَهِمت يدُه تَزْهَمُ؛ مِن رائحة اللحم. والزُّهْمة بالضم: الريح المُثِنَةُ . أراد أن
الأرض تُنتن من جِيفهم. النهاية ٣٢٣/٢.
(٦) البخت: جِمّال ◌ِوَال الأعناق. ينظر النهاية ١/ ١٠١.
(٧) فى م، ت ١، ومسلم، والترمذى، والمستدرك: ((كالزلفة)). والمثبت من ص، ت ٢، ف موافق لما فى
مسند أحمد، وابن ماجه . والزلفة بالتحريك، جَمْعُها زَلَفٌ: مصانع الماء. أراد أن المطر يُعدِّر فى الأرض - أى
يصنع فيها غُذْران ماء. وقيل : الزلغة : المرآةُ . شَبَّهها بها لاستوائها ونظافتها. ويقال بالقاف أيضًا . ينظر النهاية
٣٠٩/٢. والحديث أخرجه أحمد ١٧٢/٢٩ - ١٧٥ (١٧٦٢٩)، ومسلم (٢٩٣٧)، وأبو داود =
٤٠٥
سورة الأنبياء : الآية ٦ ٩
وأما قولُه: ﴿وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾. فإن أهلَ التأويلِ اخْتَلَفوا
فى المَغَنِيِّ به ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك بنو آدمَ أنهم يَخْرُجون مِن كلِّ موضع كانوا
دُفِنوا فيه مِن الأرضِ، وإنما عُنِى بذلك الحَشْرُ إلى موقفِ الناسِ يومَ القيامةِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ، قال : ثنا الحسنُ، عن ابنِ أبى نَجيح، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿مِّن كُلِّ
حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾. قال: جميعُ الناسِ مِن كلِّ مكانٍ جاءوا منه يومَ القيامةِ ، فهو
خَدَبٌ(٢).
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج: ﴿وَهُم
مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾. قال ابنُ مجريج: قال مجاهدٌ: جميعُ() الناسِ مِن
كلٌّ حَدَبٍ؛ مِن مكانٍ جاءُوا منه يومَ القيامةِ، فهو حَدَبٌ .
وقال آخرون: بل عَنَى بذلك يأجوج ومأجوجَ. وقولُه: ﴿وَهُمْ﴾ كنايةُ
أسمائهم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سَلَمَةَ بن
= (٤٣٢١)، والترمذى (٢٢٤٠)، والنسائى فى الكبرى (١٠٧٨٣،٨٠٢٤)، والحاكم ٤٩٢/٤ - ٤٩٤،
من طريق ابن جابر، عن يحيى بن جابر الطائى به، مختصرًا عند أبى داود والنسائى، وأخرجه ابن ماجه (٤٠٧٥)
من طريق ابن جابر عن عبد الرحمن بن جبير به ، مطولًا ، بتمامه .
(أ) فى م، ت ١، ت ٢، ف: ((جمع)).
(٢) تفسير مجاهد ص ٤٧٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤ / ٣٣٥، ٣٣٦ إلى عبد بن حميد.
(٣) فى م، ت ١: (( جمع)).
٤٠٦
سورة الأنبياء : الآية ٩٦
كُهيلٍ، قال: ثنى أبو الزَّعْراءِ، عن عبدِ اللَّهِ أنه قال: يَخْرُجُ [٣٩٨/٢و] يأجوج
ومأجوجُ فَيَمْرَحون فى الأرض فيُفْسِدون فيها. ثم قرأ عبدُ اللَّهِ: ﴿وَهُم مِّن كُلّ
حَذَبٍ يَنْسِلُونَ﴾. قال: ثم يَبْعَثُ اللَّهُ عليهم دائَّةً مثلَ النَّغَفِ ، فَتَلِجُ فى أسماعِهم
ومَناخِرِهم، فيَمُوتون منها، فتُنْتِنُ الأرضُ منهم، فيُرْسِلُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ ماءٍ فِيُطَهِّرُ
(١)
الأرضَ منهم (١).
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك ما قاله الذين قالوا: عَنَى بذلك يأجوج ومأجوجَ،
وإن قولَه: ﴿وَهُمْ﴾. كنايةٌ عن أسمائهم ؛ للخبرِ الذى حدَّثنا به ابنُ حُميدٍ ، قال :
ثنا سَلَمَةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن عاصم بنِ عمرَ بنِ ١ قتادةَ الأنْصارىِّ، ثم
الظّفَرَىِّ، عن محمودِ بنِ لَبِيدِ أخى بنى عبدِ الأَشْهَلِ، عن أبى سعيدِ الخُدْرىِّ، قال:
سَمِعتُ رسولَ اللهِ عَ لَه يقولُ: ((يُفْتَحُ يأجوج ومأجوجُ؛ يَخْرُجون على الناسِ كما
قال اللَّهُ: ﴿مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَكْسِلُونَ﴾، فَيَغْشَوْن الأرضَ))(٣).
٩١/١٧
/حدَّثنى أحمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمُ بنُ بَشيرٍ، قال: أخبرنا العَوَّامُ بنُ
حَوْشَبٍ ، عن جَبَلَةَ بنِ سُحيمٍ، عن مُؤْثِرٍ، وهو ابنُ عَفَازَةَ العَبْدُّ، عن عبدِ اللهِ بن
مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ عَه فيما يَذْكُرُ عن عيسى ابن مريمَ، قال: ((قال
عيسى : عَهِد إلىَّ ربِّى أن الدَّجالَ خارِجٌ، وأنه مُهْبِطى إليه. فذكَر أن معه قَضِيبَيْنْ،
فإذا رآنى أهْلَكَه اللَّهُ. قال: فيَذُوبُ كما يذوبُ الرّصاصُ، حتى إن الشجرَ والحجَرَ
لَيَقولُ: يا مسلمٌ ، هذا كافرٌ فاقْتُلْه. فيُهْلِكُهم اللَّهُ تبارك وتعالى، ويَرْجِعُ الناسُ إلى
بلادِهم وأوطانِهِم ، فيَسْتَقْبِلُهم يأجوج ومأجوجُ مِن كلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُون، لا يَأْتُونَ
(١) جزء من أثر طويل تقدم تخريجه فى ٣٤/٣.
(٢) فى النسخ: ((عن)). والمثبت مما تقدم فى ٣٩٩/١٥، وترجمة عاصم بن عمر بن قتادة، فى تهذيب
الكمال ٥٢٨/١٣.
(٣) جزء من أثر طويل تقدم تخريجه فى ١٥/ ٤٠٠.
٤٠٧
سورة الأنبياء : الآية ٩٦
على شىءٍ إلا أهْلَكوه، ولا يُّون على ماءٍ إلا شَرِبوه))(١).
حدَّثنَى عُبِيدُ بنُ إسماعيلَ الهَبَّارِىُّ، قال: ثنا المحارِبِىُّ، عن أصْبَغَ بنِ زيدٍ ، عن
العَوّامِ بنِ حَوْشَبٍ، عن جَبَلَةَ بنِ سُحيمٍ، عن مُؤْثِرِ بنِ عَفَازَةَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ
مسعودٍ ، عن رسولِ اللَّهِ مَ الِ بنحوِه (١) .
وأما قولُه: ﴿مِّن كُلِّ حَدَبٍ﴾. فإنه يَعْنى: مِن كلِّ شَرَفٍ ونَشَرِ
وأَكَمَةٍ(٣).
وبنحوِ ما قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ) قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿مِّن كُلّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾. يقولُ: مِن كلِّ شَرَفٍ يُقْبِلون(٤).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةً: ﴿مِّن كُلِّ
حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾. قال: مِن كلِّ أَكْمَةٍ(٥).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهب، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿وَهُم
مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾. قال: الحَدَبُ الشىءُ الْمُشْرِفُ.
(١) تقدم فى ٤١٣/١٥، ٤١٤، بأتمّ من هذا.
(٢) تقدم تخريجه فى ١٥/ ٤١٤.
(٣) الشّرّف: العُلُوُّ والمكان العالى. والنَّشَز: المكان المرتفع من الأرض، والأكمة: الثَّلُّ من القُفِّ؛
والقفُّ ما ارتفع من الأرض وغلُظ ولم يبلُغ أن یکون جبلًا. ينظر تاج العروس (ن ش ز، ش رف ، ق
فى ف ، أ ك م).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٦/٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٥) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٧/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٦/٤ إلى ابن المنذر.
٤٠٨
سورة الأنبياء : الآيتان ٩٦، ٩٧
وقال الشاعر(١):
٠٠٠
على الجِدابِ تُمُورُ(٢)
.......
٠٠
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿حَتََّ
إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوبُ وَهُم مِّن ◌ْكُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾. قال: هذا مبتدأً
(٣)
يومِ القيامةِ().
وأما قولُه: ﴿يَنْسِلُونَ﴾. فإنه يَعْنى أنهم يَخْرُجون مُشاةٌ مُشْرِعِين فى
مَشْبِهِم كنَسلانِ الذِّئبِ، كما قال الشاعرُ(٤):
عسَلانَ(٥) الذّئبِ أمْسَى قارِبًا(١) بَرَدَ الليلُ عليه فَتَسَلْ
٩٢/١٧
/ القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿وَأَقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِىَ شَخِصَةُ
أَبْصَرُ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِ غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا بَلْ كُنَّا
تاللمسن
يقولُ تعالى ذِكرُه : حتى إذا فُتِحت يأجوج ومأجوجُ واقْتَرِب الوَعُدُ الحقُّ .
وذلك وَعْدُ اللَّهِ الذى وعَد عبادَه أَنَّه يَبْعَثُّهم من قبورِهم للجزاءِ والثواب والعقابِ ،
وهو لا شكَّ حقٌّ كما قال جلَّ ثناؤه .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
(١) هو الأخطل. وهو جزء من بيت فى ديوانه ص ٤٤٠، وهو بتمامه :
إذ رأتها على الحداب تمورُ
تضحكُ الضَّبْعُ مِن دماءٍ غنى
(٢) تمور: تتحرّك وتجرى وتجىء وتذهب. اللسان (م ور).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٦/٤ إلى المصنف.
(٤) هو النابغة الجعدى. والبيت فى ديوانه (مجموع) ص ٩٠.
(٥) عَسَل الذئبُ والثعلبُ: مضى مُسرِعا واضطرب فى عَدْوِهِ وهَزَّ رأسه. ينظر اللسان (ع س ل).
(٦) قارب الخطْوَ: داناه. والتقريب: أن يرفع الفَرَس بديه معًا ويضعهما معًا. ينظر اللسان (ق ر ب).
٤٠٩
سورة الأنبياء : الآية ٩٧
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرو ، يعنى ابنَ قیسٍ،
قال : ثنا حذيفةُ : لو أن رجلًا اقْتَلَى قُلُوًّا(١) بعد خروج يأجوج ومأجوج لم يُؤْ کَبْه حتى
ءٍ(٢)
تقومَ القيامةُ(٢) .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَأَقْتَرَبَ
الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾. قال: اقْتَرَب يومُ القيامةِ منهم .
والواوُ فى قولِه: ﴿ وَأَقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾. مُقْحَمَةٌ، ومعنى الكلامِ: حتى
إذا فُتِحت يأجوج ومأجوجُ اقْتَرَب الوعدُ الحقُّ. وذلك نظيرُ قولِهِ: ﴿ فَلَّا أَسْلَمَا وَتَلَُّ
) وَنَدَيْنَهُ﴾ [الصافات: ١٠٣، ١٠٤]. معناه: نادَيْناه . بغيرِ واوٍ، كما قال
لِلْجَبِيِ
امْرُؤُ القيسِ) :
(٥)
بِنا بَطنُ خَبْتٍ ذی حِقَافٍ عَقَتْقَلِ
فلمَّا أَجَزْنا ساحَةَ الحَىِّ وانْتَحَى
يريدُ : فلمَّا أَجَزْنا ساحةَ الحىِّ انْتَحَى بنا .
وقولُه: ﴿فَإِذَا هِىَ شَخِصَةُ أَبْصَرُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. ففى ((هى)) التى فى
قوله: ﴿فَإِذَا هِىَ﴾. وجهان؛ أحدُهما: أن تكونَ كنايةً عن الأبصارِ، وتكونَ
(١) فَلَا الصبى والمُهر والجحش وأفلاه وافتلاه: عزله عن الرضاع وفَصَله . والفَلُوَّ والفُلُّ والفَلْوُ: الجحش والمُهر
إذا فطم .
(٢) ذكره البغوى فى تفسيره ٣٥٥/٥. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٨/٤ إلى المصنف. كلاهما
بلفظ : اقتنی فلوًا .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٨/٤ إلى ابن أبى حاتم .
(٤) ديوانه ص ١٥.
(٥) الخبت: ما اتسع من بطون الأرض. والحقاف جمع حِقْف، والحقف من الرمل: المعوج. والعقنقل:
الکثیب العظیم المتداخل الرمل. اللسان (خ ب ت، ح ق ف، ع ق ل).
٤١٠
سورة الأنبياء : الآيتان ٩٧، ٩٨
الأبصارُ الظاهرةُ بيانًا عنها، كما قال الشاعرُ(١):
لَعَمْرُ أبيها لا تَقولُ ظَعِينَتَى أَلا فَرَّ عَنِّى مالكُ بنُ أَبِى كَعبٍ
/فكَنَّى عن الظَّعينةِ فى: لَعَمْرُ أبيها. ثم أَظْهَرَها. فيكونُ تأويلُ الكلام حينئذٍ :
فإِذا الأبصارُ شاخصةٌ أبصارُ الذين كَفَروا .
٩٣/١٧
والثانى: أن تكونَ عمادًا، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَىَ الْأَبْصَرُ
[ الحج: ٤٦]. وكقولِ الشاعرِ (١):
# [٢/ ٣٩٨ظ] فَهَلْ هوَ مَرْفُوعٌ بما هَهُنا رَاسُ»
وقولُه : ﴿يَوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِ عَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا﴾ . يقولُ تعالى ذِ كرُه : فإذا
أبصارُ الذين كَفَروا قد شَخَصَت عندَ مَجىءِ الوعيدِ ١١ الحقِّ بأهواله، وقيامِ الساعةِ
بحقائقِها، وهم يقولون: ﴿يَوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا﴾ قبلَ هذا الوقتِ فى الدنيا ﴿ فِ
غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا﴾ الذى نَرَى ونُعاينُ ، ونزَل بنا من عظيم البلاءِ. وفى الكلامِ متروكٌ
تُرِك ذِكْرُه استغناءً بدلالةٍ ما ذُكِر عليه عنه، وذلك ((يقولون))، مِن قوله: ﴿فَإِذَا
هِ شَخِصَةُ أَبْصَرُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يقولون: ﴿يَوَيَلَنَا﴾ .
وقولُه: ﴿بَلْ كُنَّا ظَلِمِينَ﴾. يقولُ مُخبِرًا عن قيلِ الذين كَفَروا باللّهِ
يومَئذٍ : ماكُنَّا نعملُ لهذا اليومِ ما يُنْجِينا من شدائدِه، بل كُنَّا ظالمين بمعْصِيَتِنا ربَّنا ،
وطاعَتِنا إبليسَ وجُندَه فى عبادةِ غيرِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ
جهنم
٩٨
جَهَنَّمَ أَنْشُرْ لَهَا وَرِدُونَ
(١) هو مالك بن أبى كعب، كما فى الأغانى ١٦/ ٢٣٤، وهو فى معانى القرآن للفراء ٢١٢/٢ غير منسوب.
(٢) شطر بيت من ثلاثة أبيات تقدمت فى ٢١٥/٢.
(٣) فى م: (( الوعد)).
٤١١
سورة الأنبياء : الآية ٩٨
يقولُ تعالى ذكره : إنَّكم أيُّها المُشْرِكون باللَّهِ، العابِدُون من دونِه الأوثانَ
والأصنامَ ، وما تَعْبُدون من دونِ اللهِ مِنَ الآلهةِ .
كما حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ ، قال:
سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ .
يعنى : الآلهةَ ومَن يَعْبُدُها(١).
حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾. وأمَّا حَصَبُ جَهَنَّمَ؛ فقال بعضُهم: معناه: وقودُ
جَهَنَّمَ وشَجَرُها .
/ذِكرُ مَن قال ذلك
٩٤/١٧
حدَّثنى علىّ ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾. قال: شَجَرُ جَهَنَّمَ(١).
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی ابی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ
جَهَنَّمَ﴾. يقولُ: وقُودُها(٢) .
وقال آخرون : بل معناه : خَطَبُ جُهَنَّمَ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، "وحدَّثنی
الحارثُ ، قال: حدثنى الحسنُ، قال: حدثنا وَرْقَاءُ، جميعًا" عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٩/٤ إلى المصنف.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٩/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
(٣ - ٣) سقط من: ص، م، ت ٢، ف.
٤١٢
سورة الأنبياء : الآية ٩٨
مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾. قال: حَطَيُّها(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريج، عن
مجاهدٍ . وزاد فيه : وفى بعضٍ القراءة : ( حَطَبُ جَهَنَّمَ ). يعنى: فى قراءةِ عائشةً " .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً :
حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾. قال: خَطَبُ جَهَنَّمَ يُقْذَفون فيها(١) .
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ الحُرِّ، عن
عكرِمةَ فى قوله: ﴿ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾. قال: حَطَبُ جَهَنَّمَ().
وقال آخرون : بل معنى ذلك أنَّهم يُؤْمَى بهم فى جَهَنَّمَ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ ، قال: سمِعتُ
الضَّحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾. يقولُ: إِن جَهَنَّمَ إنما تُحْصَبُ بهم ،
وهو الرَّمِىُّ. يقولُ: يُؤْمَى بهم فيها(١) .
واختُلِف فى قراءةِ ذلك؛ فَقَرَأتْه قَرَأَةُ الأمصارِ: ﴿ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ .
بالصادِ ، وكذلك القِراءةُ عندَنا؛ لإجماعِ الحُجَّةِ عليه .
ورُوِى عن علىٍّ وعائشةَ أنَّهما كانا يَقْرَآن ذلك: ( حَطَبُ جَهَنَّمَ). بالطاءِ .
(١) تفسير مجاهد ص ٤٧٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٩/٤ إلى ابن أبى حاتم.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٩/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم.
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٠/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٩/٤ إلى عبد بن
حميد وابن أبى حاتم .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٩/٤ إلى عبد بن حميد.
(٥) أخرجه عنهما الفراء فى معانى القرآن ٢/ ٢١٢، وينظر مختصر الشواذ لابن خالويه .
٤١٣
سورة الأنبياء : الآيتان ٩٨، ٩٩
ورُوِى عن ابنِ عباسٍ أَنَّه قرَأَه: (حَضَبُ ). بالضادِ .
حدَّثنا بذلك أحمدُ بنُ يوسفَ ، قال : ثنا القاسمُ ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ محمدٍ ،
عن عثمانَ بنِ عبدِ اللهِ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ أنَّه قرَأَها كذلك(١).
وكأنَّ ابنَ عباسٍ - إن كان قرَأ ذلك كذلك - أرَاد أنَّهم الذين تُسَجَّرُ بهم
جَهَنَّمُ ، ويُوقَدُ بهم فيها النارُ؛ وذلك أنَّ كلَّ ما هُيَّجَت به النارُ وأُوقِدَت به فهو عندَ
العربِ حَضَبٌ() لها .
فإذا كان الصوابُ من القراءةٍ فى ذلك ما ذَكَوْنا، وكان المعروفُ من معنى
الحَصَبِ عندَ العربِ الرَّمْىَ، مِن قولهم: حَصَبْتُ الرجلَ. إذا رَمَيْتَه، كما قال جلَّ
ثناؤه : ﴿ إِنَّ أَرْسَلْنَا عَنِهِمْ حَاصِبً﴾ [القمر: ٣٤]. كان الأَوْلَى بتأويلِ ذلك قولُ مَن
قال : معناه أنَّهم تُقْذَفُ جَهَنَّمُ بهم، ويُْمَى بهم فيها .
وقد ذُكِر أنَّ الحَصَبَ / فى لغةِ أهلِ اليمنِ الحَطَبُ . فإن يَكُنْ ذلك كذلك، ٩٥/١٧
فهو أيضًا وجةٌ صحيح. وأُمَّا ما قلنا من أن معناه الرَّمْىُ، فإنَّه فى لغةِ أهلِ نجدٍ .
وأما قولُه: ﴿ أَنْتُمْ لَهَا وَرِدُونَ﴾. فإنَّ معناه: أنتم عليها أيُّها الناسُ ، أو
إليها، ﴿ وَرِدُونَ﴾. يقولُ: داخِلُون .
وقد بيّنتُ معنَى (الورودٍ) فيما مضى قبلُ بما أغْنَى عن إعادته فى هذا الموضعِ(٢).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ ءَالِهَةُ مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ
٩٩
فِيهَا خَلِدُونَ
يقولُ تعالى ذِكرُه لهؤلاء المشركين الذين وصَف صفتَهم أنَّهم ﴿ مَا يَأْنِهِم مِّن
(١) أخرجه الفراء فى معانى القرآن ٢١٢/٢ بإسناده عن ابن عباس.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((حصب)).
(٣) ينظر ما تقدم فى ٥٩٠/١٥ وما بعدها .
٤١٤
سورة الأنبياء : الآيات ٩٩ - ١٠١
ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء: ٢]، وهم مشركو
قريشٍ: أنتم [٢/ ٣٩٩و] أيُّها المشرِكون وما تَعْبُدون مِن دونِ اللَّهِ وارِدو جَهَنَّمَ ، ولو
كان ما تَعْبُدون من دونِ اللَّهِ آلهةً ما وَرَدُوها ، بل كانت تَمْنَعُ مَن أراد أن يُورِدَ كُمُوها ؛
إذ كنتم لها فى الدنيا عابدين، ولكنها إذ كانت لا نَفْعَ عندَها لأَنفُسِها ، ولا عندَها
دفعُ ضرِّ عنها، فهى مِن أن يكونَ ذلك عندَها لغيرِها أبعدُ ، ومَن كان كذلك كان
بَيِّنَا بُعْدُه مِن الأَلوهَةِ، وأنَّ الإلهَ هو الذى يَقْدِرُ على ما يشاءُ، ولا يَقْدِرُ عليه شىءٌ ،
فأمّا من كان مَقْذُورًا عليه ، فغيرُ جائٍ أن يكونَ إلهًا .
وقولُه: ﴿ وَكُلُّ فِيهَا خَلِّدُونَ﴾. يعنى الآلهةَ ومَن عبَدها، أنَّهم ما كِئون
فى النارِ أبدًا بغيرِ نهايةٍ . وإَما معنَى الكلام: كلِّكم فيها خالِدُون .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ لَوْ
كَانَ هَؤُلَاءِ ءَالِهَةٌ مَّا وَرَدُوهَا وَكُلُّ فِيهَا خَلِدُونَ﴾. قال: الآلهةُ التى عبَد
القومُ. قال: العابدُ والَغْبودُ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيْرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ
إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْنَ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ
١٠١
يعنى تعالى ذِكرُه بقولِه: ﴿لَهُمْ﴾. المشركين وآلهتَهم.
والهاءُ والميمُ فى قوله: ﴿لَهُمْ﴾. مِن ذِكرِ ﴿وَكُلٌ﴾ التى فى قولِه:
﴿ وَكُلُّ فِيَهَا خَلِدُونَ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: لِكُلُّهم فى جَهَنَّمَ زفيرٌ، ﴿ وَهُمْ
فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾. يقولُ: وهم فى النارِ لا يَسْمَعون .
وكان ابنُ مسعودٍ يتأوَّلُ فى قولِه: ﴿ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾. ما حدَّثنا
٤١٥
سورة الأنبياء : الآيتان ١٠٠، ١٠١
القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن المسعودِىِّ، عن يونسَ بنِ
خَبَّابٍ، قال: قَرَأْ ابنُ مسعودٍ هذه الآيةَ: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيْرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا
يَسْمَعُونَ﴾. قال: إذا أَلْقِىَ فى النارِ مَن يُخلَّدُ فيها بُعِلوا فى توابيتَ من نارٍ ، ثم
جعلت تلك التوابيتُ فی توابيت أُخْرى ، ثم جعلت التوابيتُ فى توابيتَ أُخرى فيها
مساميرُ مِن نارٍ، فلا يَرَى أحدٌ منهم أن فى النارِ أحدًا يُعذّبُ غيرَه. ثم قرأ: ﴿لَهُمْ
فِيهَا زَفِرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾(١).
/ وأما قولُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْنَ أَوْلَكِكَ عَنْهَا ٩٦/١٧
مُبْعَدُونَ﴾ . فإنَّ أهلَ التأويلِ اختَلَفوا فى المعنىِّ به ؛ فقال بعضُهم: عنَى به كلَّ مَن
سبَقَت له من اللَّهِ السعادةُ مِن خَلْقِهِ أَنَّه عن النارِ مُبعَدٌ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبى
بشرٍ، عن يوسفَ بنِ سعدٍ وليس بابنٍ ماهِكَ، عن محمدِ بنِ حاطبٍ ، قال :
سمِعتُ عليًّا يخطُبُ فقرَأ هذه الآيةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْنَ
أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾. قال: عثمانُ رضِى اللَّهُ عنه مِنهم(١).
(١) أخرجه ابن أبى الدنيا فى صفة النار (١٠٣)، وابن أبى حاتم - كما فى تفسير ابن كثير ٣٧٢/٥ - وهو
فى تفسير مجاهد ص ٤٧٥ - ومن طريقه البيهقى فى البعث والنشور (٦٥٦) - من طريق المسعودى به .
وأخرجه الطبرانى فى الكبير (٩٠٨٧) من طريق يونس بن خباب عمن حدثه ، عن ابن مسعود به .
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة فى المصنف ١٢/ ٥١، ٥٢، وأحمد فى فضائل الصحابة (٧٧١)، وابن أبى عاصم
فى السنة (١٢١٦)، وابن أبى حاتم - كما فى تفسير ابن كثير ٣٧٣/٥ - وابن عساكر فى تاريخ دمشق
٤٧١/٤٦ (طبعة مجمع اللغة العربية بدمشق) من طريق شعبة ، عن أبى بشر جعفر بن إياس به . ووقع فى
تفسير ابن أبى حاتم وتاريخ دمشق: (( يوسف المكى)). وهو يوسف بن ماهك ووقع فى المصنف والسنة :
(يوسف بن ماهك)). وكلاهما يوسف بن سعد الجمحى ويوسف بن ماهك المكى من طبقة واحدة. تنظر
ترجمتاهما فى تهذيب الكمال ٤٢٦/٣٢، ٤٥١.
٤١٦
سورة الأنبياء: الآية ١٠١
وقال آخرون: بل عنَى مَن عُبِد مِن دونِ اللَّهِ ، وهو للَّهِ طائعٌ، ولعبادةٍ مَن يَعبُدُه
كارة .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهد
فى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾. قال: عيسى، وعُزَيْرٌ، والملائكةُ(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن
مجاهدٍ مثلَه .
قال ابنُ مجرَيج قولَه: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾: ثم اسْتَثنى
فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْنَ﴾.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحسين، عن يزيدَ ، عن
عكرمةَ والحسن البصرىِّ، قالا: قال فى سورةِ ((الأنبياءِ)): ﴿إِنَّكُمْ وَمَا
لَوْ كَانَ
تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَرِدُونَ
ـ) لَهُمْ فِيهَا زَفِيْرٌ وَهُمْ فِيهَا
٩٩
هَكُلَاءِ ءَالِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلُّ فِيهَا خَلِدُونَ
لَا يَسْمَعُونَ﴾. ثم اسْتَثنى فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْنَّ أَوْلَئِكَ
عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾. فقد عُبِدت الملائكةُ مِن دونِ اللهِ، وُزَيرٌ، وعيسى، من دونٍ
= (٢)
اللَّهِ(٢) .
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ ، عن أشعثَ ، عن جعفر، عن سعيدٍ :
(١) تفسير مجاهد ص ٤٧٥.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٩/٤ إلى المصنف.
٤١٧
سورة الأنبياء : الآية ١٠١
﴿ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾. قال: عيسى(١).
حدَّثنى إسماعيلُ بنُ سَيفٍ ، قال: ثنا علىُّ بنُ مُشْهِرٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبى
خالدٍ، عن أبى صالح فى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْنَى﴾. قال:
عيسى، وأُّه، وعُزَيْرٌ، والملائكةُ(١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: جلس رسولُ اللَّهِ
عَمِ، فيما بلغنى، يومًا مع الوليدِ بنِ المغيرةِ [٣٩٩/٢ظ] " فى المسجدِ"، فجاء النَّضْرُ
ابنُّ الحارثِ حتى جلس معهم، وفى المجلسِ غيرُ واحدٍ من رجالٍ قريشٍ، فتكلُّم رسولُ
اللَّهِ مٍَّ، فعرَض له النَّضْرُ بنُ الحارثِ، وكلَّمه رسولُ اللَّهِ عَ لِّ حتى أَفْحَمه(١، ثم
تلا عليه وعليهم: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ
لَهَا وَرِدُونَ ﴿﴿ لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ وَالِهَةُ مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ .
إلى قولِه: ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾. ثم قام رسولُ اللَّهِ ◌َّهِ، وأقبَل عبدُ اللَّهِ بنُ
الزِّبَعْرَى بنِ قيسٍ / بنِ عدىٍّ السَّهْمىُ، حتى جلَس، فقال الوليدُ بنُ المغيرةِ لعبدِ اللَّهِ ٩٧/١٧
ابنِ الزّبَعْرَى: واللهِ ما قام النَّضرُ بنُّ الحارثِ لابنِ عبدِ المطلبِ آنفًا وما فعَد، وقد زعم
أَنَّا وما نَعْبُدُ مِن آلهتنا هذه حصَبُ جَهَنَّمَ. فقال عبدُ اللَّهِ بنُ الزّبَعْرَى: أَمَا واللَّهِ لو
وجَدتُه لَخَصَمْتُه، فسلوا محمدًا: أكُلُّ مَن ◌ُبِد مِن دونِ اللَّهِ فى جَهَنَّمَ مع مَن عَبَدَه ؟
فنحن نعبدُ الملائكةَ ، واليهودُ تعبدُ عُزَيْرًا، والنَّصارى تعبدُ المسيح عيسى ابن مريمَ.
فعجِب الوليدُ بنُ المغيرةِ ومَن كان فى المجلِسِ مِن قولِ عبدِ اللهِ بنِ الزِّبَعْرَى، ( ورَأَوا
أنه قد خاصَم واحتَجّ، فذُكِر ذلك لرسول اللَّهِ مَّهِ مِن قولِ ابنِ الزِّبَعْرَى ، فقال
(١) ينظر تفسير ابن كثير ٣٧٤/٥.
(٢ - ٢) سقط من: م.
(٣) فى ت ٢، ف: ((ألجمه)).
(٤ - ٤) سقط من: م.
( تفسير الطبرى ٢٧/١٦ )
٤١٨
سورة الأنبياء : الآية ١٠١
رسولُ اللَّهِ عَ لَّهِ: ((نَعَم، كلُّ مَن أَحَبَّ أن يُعبَدَ مِن دونِ اللَّهِ فهو مع مَن عَبَدَه ، إنما
يَعِبُّدون الشياطينَ ومَن أَمَرَنْهم(١) بعبادتِهِ)). فأنزل اللَّهُ عليه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ
لَهُم مِّنَا الْحُسْنَ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ﴾ إلى: ﴿ خَلِدُونَ﴾. أى: عيسى ابنُ
مريمَ، وعُزيرٌ، ومَن عُبِدوا مِن الأحبارِ والُّهبانِ الذين مَضَوا على طاعةِ اللَّهِ،
فاتَّخَذهم مَنْ بعدَهم من أهلِ الضلالةِ أربابًا مِن دونِ اللَّهِ ، فأنزل اللَّهُ فيما ذكروا أنَّهم
يَعْبُدون الملائكةَ، وأَنَّها بناتُ اللَّهِ: ﴿ وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدَأُ سُبْحَتَهُ بَلْ عِبَادٌ
مُكْرَمُونَ﴾ إلى قوله: ﴿نَجْزِى الَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٩].
(٢)
حُدِّثتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ : أُخبرنا عبيدٌ ، قال: سمِعتُ
الضحاكَ قال: يقولُ ناسٌ مِن الناسِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْفَ
أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾: يعنى مِن الناسِ أجمعين. فليس كذلك، إَما يعنِى مَن
يُعْبَدُ مِن(٢) الآلهةِ وهو للَّهِ مطيعٌ؛ مثلَ عيسى وأمّه، وعُزَيْرٍ، والملائكةِ، واسْتَثْنِى اللَّهُ
هؤلاءِ مِنْ) الآلهةِ المعبودةِ التى هى ومَن يَعْبُدُها فى النارِ(١).
حدِّثنا ابنُ سِنانِ القزَّازُ، قال: ثنا الحسنُ بنُ الحسينِ الأُشْقَرُ، قال: ثنا أبو
◌ُدَينةً، عن عطاءِ بنِ السائبِ ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍٍ، قال: لمّ نزَلت :
﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا
وَرِدُونَ ﴾. قال المشركون: فإنَّ عيسى يُعبَدُ، وعُزَيْرٌ، والشمسُ، والقمرُ
يُعبَدُون! فأنزل اللَّهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا اُلْحُسْنَ أُوْلَئِكَ عَنْهَا
(١) فى م: ((أمرهم)).
(٢) سيرة ابن هشام ٣٥٨/١ - ٣٦٠.
(٣) سقط من : م.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٩/٤ إلى المصنف.
٤١٩
سورة الأنبياء : الآية ١٠١
مُبْعَدُونَ ﴾ ؛ لعيسى وغيرِه (٢) .
وأولى الأقوالِ فى تأويلِ ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عنَى بقولِه: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا اُلْحُسْنَ أُوْلَكَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ ما كان مِن مَعبودٍ كان
المشركون يَعْبُدُونه ، والمعبودُ للَّهِ مطيع، وعابِدُوه بعبادتِهم إياه باللّهِ كفارٌ؛ لأن قولَه
تعالى ذِكرُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْنَ﴾. ابتداءُ كلامٍ مُحقِّقٍ لأمرٍ
كان يُنْكِرُه قومٌ، على نحوِ الذى ذكَرْنا(٢) الخبرَ عن ابنِ عباسٍ، فكأنَّ المشركين قالوا
النبيِّ اللّهِ عَه، إذ قال لهم: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ
جَهَنَّرَ﴾: ما الأمر كما تقولُ ؛ لأنَّا نَعْبُدُ الملائكةَ، ويعبدُ آخرون المسيحَ وعُزَيرًا .
فقال اللَّهُ جَلَّ وعزَّ راذًا(١) عليهم قولَهم: بل ذلك كذلك ، وليس الذين سبقت لهم
مِنَّا الْحُشْنى، هم عنها مُبْعَدون؛ لأنَّهم غيرُ مَعْنِيِّين بقولِنا: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا
تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اَللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ .
فأمّا قولُ الذين قالوا: ذلك استثناءٌ مِن قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن
دُنِ اَللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾. فقولٌ لا معنَى له؛ لأنَّ الاستثناءَ أَّما هو إخراج
المستَثْنَى مِن المستثنَى منه، ولا شكَّ أنَّ الذين سبقت لهم(٤ من اللَّهِ) الحُشْنَى ◌َّماهم؛
إمّا ملائكةٌ ، وإمّا / إنس، أو جانٌّ، وكلُّ هؤلاءِ إذا ذكَرَتْها العربُ فإِنَّ أَكثَر ما ٩٨/١٧
تذكُّرُها بـ ((مَن))، لا بـ (( ما))، واللَّهُ تعالى ذِكرُه إِّما ذكَر المعبودين الذين أخبر أنَّهم
حَصَبُ جَهِنمَ بـ ((ما)) قال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٧٥/٥ عن أبى كدينة به .
(٢) بعده فى م: ((فى)).
(٣) فى م: (( رداء)).
(٤ - ٤) فى ص، م: ((منا)).
٤٢٠
سورة الأنبياء : الآيتان ١٠٢،١٠١
جَهَنَّمَ ﴾. إنّمَا أُرِيد به ما كانوا يَعْبُدونه من الأصنامِ والآلهةِ مِن الحجارةِ والخشبِ،
لا مَن كان مِن الملائكةِ والإنسِ. فإِذُ(١) كان ذلك كذلك لما وصَفْنا، فقوله: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا اُلْحُسْفَ﴾. جوابٌ من اللَّهِ للقائلين ما ذكَرْنا مِن
المشركين، مبتداً .
وأما ((الحُسنى)) فإنها الفُعْلَى من الحُسنِ ، وإنما عنَى بها السعادةَ السابقةَ مِن اللَّهِ
لهم .
کما حدّثنی یونسُ ، [ ٤٠٠/٢ر] قال : اخترنا ابنُ وهپ ، قال : قال ابنُ زید فی
قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْنَى﴾. قال: الحُسنى السعادةُ . وقال:
سبقت السعادةُ لأهلِها مِنِ اللَّهِ، وسبق الشَّقاءُ لأهلِهِ مِن اللَّهِ(٢).
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِى مَا اشْتَهَتْ
١٠٢)
أَنْفُسُهُمْ خَلِدُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه: لا يَشْمَغُ هؤلاء الذين سبقت لهم مِنا الحُسنى حَسِيسَ
النارِ. ويعنى بالحَسيسِ : الصوتَ والحِسَّ .
فإن قال قائلٌ: فكيف لا يسمعون حَسيسَها، وقد علِمتَ ما رُوِى مِن أن
جَهِنَّمَ يُؤْتَى بها يومَ القيامةِ فَتَزْفِرُ زَفْرَةً، لا يبقى مَلكٌ مقرَّبٌ ، ولا نبيٌّ مُرسلٌ إلا جَثا
على ركبتيه خوفًا مِنها(٢) ؟
قيل : إن الحالَ التى لا يسمَعون فيها حَسيسَها هى غيرُ تلك الحالِ ، بل هى
(١) فى م: ((فإذا)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٩/٤ إلى المصنف وابن مردويه وابن أبى حاتم .
(٣) أثر مروى عن كعب الأحبار فى مصنف ابن أبى شيبة ١٣/ ١٥١، وصفة النار لابن أبى الدنيا (١٧٥)،
والبعث والنشور (٤٧٩)، وحلية الأولياء ٣٦٩/٥، ٣٧٣.