Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ سورة الأنبياء : الآيتان ٨٣، ٨٤ من الأُخرَى، وإن دماغى ليسيلُ من فَمِى، تساقَط (شعَرُعينى) فكأنَّما حُرِّق بالنارِ وَجْهى، وحدَقتاى هما مُتدلِيتان على خَدِّى، ورِمَ لسانى حتى ( ملأُ فى" ، فما أَدْخِلُ فيه طعامًا إلا غصّنى، ورِمتْ شفتاى حتى غطَّت العليا أَنْفى، والشّفْلى ذَقَنِى ، تقطّعت أمعائى فى بَطنى، فإنى لأُدخِلُ الطعامَ فيخرجُ كما دخَل، ما أُحِشُّه ولا ينفَعُنى ، ذهَبَتْ قوَّةُ رِجلَىَّ فكأنهما قِربَتا ماءٍ مُلقَتا لا أُطيقُ حَملَهما، أحمِلُ لحافى بيدىَّ وأسنانى، فما أُطيقُ حمْلَه حتى يحمِلَه معى غيرِى، ذهَب المالُ فصِرتُ أسألُ بكفِّى ، فيُطعِمُنى من كنتُ أَعولُه اللقمةَ الواحدةَ، فيمُنُّها علىّ، ويعيُِّنِى هُلْكَ بَنِىَّ وبناتى، ولو بقى منهم أحدٌ أعاننى على بلائی ونفَعَنی(٢) ، وليس العذابُ بعذابٍ الدُّنيا ، إنه يزُولُ عن أهلِها ويموتُونَ عنه، ولكن طُوتَى لمن(٤) كانت له راحةٌ فى الدارِ التى لا يموتُ أهلُها ، ولا يتحوَّلون عن منازلهم ، السعيدُ من سعد هنالك، والشقيّ من شَقِی فيها . قال بِلْدَدُ: كيف يقومُ لسانُك بهذا القولِ، وكيف تُفصِحُ به؟ أتقولُ: إِن العدْلَ يجورُ؟ أم تقولُ : إن القوىَّ يضعُفُ ؟ ابكِ على خطِيئَتِكَ، وتضرَّعْ إلى رَبِّك، عسَى أن يرحَمَك ويتجاوزَ عن ذَنْبِك ، وعسَى إن كنتَ بريئًا أن يجعَلَ هذا لك ذُخْرًا فى آخرَتِك، وإن كان قلبُك قد قسَا فإن قولَنا لن ينفَعَك، ولَن(٥) يأخذَ / فيك، ٦١/١٧ هيهاتَ أن تنبُتَ الآجالمُ فى المفاوزِ، وهيهاتَ أن ينبُتَ البَزْدِىُّ فى الفَلاةِ، مَن توَّلَ على الضعيفٍ كيف يَرْجُو أن يمنَعَه، ومَن حَد الحقَّ كيف يَرْجُو أن يُوَنَّى حقّه ؟ (١ - ١) فى م: ((شعرى عنى). (٢ - ٢) فى م: ((ملأ فمى))، وفى ت ١، ت ٢، ف: ((مِنكفى)). (٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((عنفنى)). (٤) فى ص، ت ١، ف: ((من)). (٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: (لكن)). ٣٤٢ سورة الأنبياء: الآيتان ٨٤،٨٣ قال أيوبُ: إنى لأعلَمُ أن هذا هو الحقُّ، لن يَفْلُجَ(١) العبدُ على رَبِّه، ولا يُطِيقُ أن يخاصِمَه، فأىُّ كلامٍ لى معه، وإن كان إلىَّ القوّةُ؟ هو الذى سمَك السماءَ : فأقامَها وحدَهِ، وهو الذى يكشُطُها إذا شاءَ فتَنْطَوى له، وهو الذى سطح الأرضَ فَدَحَاها وحِدَه ، ونصَب فيها الجبال الراسياتِ ، ثم هو الذى يُزَلْزِلُها من أُصولِها ، حتى تعودَ أسافِلُها أعالِيَها ، وإن كان فيَّ الكلامُ، فأىُّ كلامٍ لى معه؟ من خلَق عَرْشَه العظيمَ بكلِمةٍ واحدةٍ ، [٣٨٨/٢و] فحَشاهُ السماواتِ والأرضَ وما فيهما من الخلْقِ، فوسَّعَهِ فِى سَعةٍ واسعةٍ ، وهو الذى كلَّم البحارَ ففهِمَت قولَه، وأمَرَها فلم تَعْدُ أمرَه، وهو الذى يفْقَهُ الحِيتَانَ والطيرَ وكلَّ دابَّةٍ، وهو الذى يكلِّمُ المؤْتَى فيُحييهم قولُه، ويكلِّمُ الحجارةَ فَتَفْهَمُهُ(٢) ، ويأمُرُها فتُطِيعُه . قال أليفزُ: عظيمٌ ما تقولُ يا أيوبُ، إن الجلودَ لتقشَعِرُ من ذكرِ ما تقولُ ، إِنما أصابَك ما أصابَك بغيرِ ذنبٍ أَذْنَبْتَه، مثلُ هذه الحدَّةِ وهذا القولِ أَنزَلَك هذه المنزلةَ، عظُمَتِ خطيئْتُكَ، وكثُر طُلَّابُك، وغَصَبْتَ أهلَ الأموالِهِ على أموالهم، فلبِشْتَ وهم عراةٌ، وأكَلْتَ وهم جياتٌ، وحبَسْتَ عن الضعيفِ بابَك، وعن الجائعِ طعامَك، وعن المحتاج معروفَك، وأسْرَرتَ ذلك وأخفيتَه فى بيتك، وأُظْهَرتَ أعمالًا كنا نَراك تعمَلُها، فظنَنْتَ أن اللَّهَ لا يَجزِيك إلا على ما ظهَر مِنك، وظتَنْتَ أُن اللَّهَ لا يَطَّلِعُ على ما غيَّبْتَ فى بيتِك، وكيف لا يطَّلِعُ على ذلك وهو يعلَمُ ما غيَّبَتِ الأَرَضون ، وما تحتَ الظلماتِ والهواءِ؟ قال أيوبُ عليه السلامُ: إن تكلَّمتُ لم ينفَعْنى الكلامُ، وإن سكتُّ لم تَعَذِرونی، قد وقَع علىَّ كَيْدِى، وأسخطتُ ربِّى بخطيئتِى، وأشمَتُّ أعدائى، (١) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((يفلح)). ويفلج: يظفر. اللسان (ف ل ج). (٢) فى م: (( فتفهم قوله)). ٣٤٣ سورة الأنبياء : الآيتان ٨٣، ٨٤ وأمكنتُهم من عُنُقى، وجعَلتنى للبلاءِ غَرَضًا، وجعَلتنى للفتنةِ نُصُبًا ، لم تُنْفِشْنى مع ذلك، ولكن أتْبَعَنى (١) ببلاءٍ على إثرٍ بلاءٍ، أَلَم أكُنْ للغريبِ دارًا، وللمسكينِ قرارًا، ولليتيم وليًّا، وللأرملةِ قَيِّمًا؟ ما رأيتُ غريبًا إلا كنتُ له دارًا مكانَ دارِهِ، وقرارًا مكانَ قرارِه ، ولا رأيتُ مسكينًا إلا كنتُ له مالًا مكانَ مالِه، وأهلًا مكان أهلِه، وما رأيتُ يتيمًا إلا كنتُ له أَبًا مكانَ أَبِه، وما رأيتُ أَيُّمًا إِلا كنتُ لها قَيِّمًا ترضَى قِيامَه ، وأنا عبدٌ ذليلٌ، إن أحسَنتُ لم يكُنْ لى كلامٌ بإحسانٍ؛ لأن الَنَّ لِرَبِّى وليسَ لى، وإن أُسَأَتُ فِبيدِهِ عُقوبَتى، وقد وقَع علىَّ بلاءٍ لو سلَّطتَه على جبَلِ ضعُف عن حملِهِ، فکیف یحمِلُه ضَغْفِی ؟ قال أليفزُ: أَتُحاجُ اللَّهَ يا أيوبُ فى أمْرِه؟ أم تريدُ أن تُناصِفَه وأنت خاطِئٌّ ؟ أو تُرََّها وأنت(١٢) غيرُ برىءٍ؟ خلَق السماواتِ والأرضَ بالحقِّ، وأحصَى ما فيهما من الخُلْقِ ، فكيف لا يعلَمُ ما أَسْرَرْتَ؟ وكيف لا يعلَمُ ما عمِلتَ فيجزيَك به؟ وضَع اللّهُ ملائكته صفوفًا حولَ عرِه وعلى أرجاءِ سماواتِه ، ثم احتَجَب بالنورِ، فأبصارهم عنه كليلةٌ ، وقوَّتُهم عنه ضَعيفةٌ، وعزُّهم(١) عنه ذليلٌ، وأنتَ تزعُمُ أن لو خاصَمَك، وأَدْلى إلى الحكم معك! وهل تراه فتُناصِفَه؟ أم هل تسمَعُه فتحاوِرَه ؟ قد عرَفنا فيك قضاءَه، إنه مَن أرادَ أن يرتَفِعَ وضَعه، ومَن اتَّضَعَ لە رِفَعه . .. / قال أيوبُ : إن أهلكنى فمن ذا الذى يَعرِضُ له فى عبدِه ويسألُه عن أمرِه؟ لا ٦٢/١٧ يُدُّ غضبَه شىءٌ إِلا رجمتُه، ولا ينفَعُ عبدَه إلا التضرُّعُ له، رَبِّ أقبِلْ علىَّ برحمتك، وأَعلِمْنى ما ذَنْبى الذى أذنبتُ ؟ أو لأىِّ شىءٍ صرَفتَ وَجْهَك الكريمَ عنى ، وجَعَلْتنى (١) فى ص: ((أتعبتنى))، وفى ت ١، ف: ((ألعبتنى)). (٢) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((ذوى)). (٣) فى م: ((عزيزهم))، وفى ت ١، ت ٢، ف: (عزرهم)) .. ٣٤٤ سورة الأنبياء: الآيتان ٨٣، ٨٤ لك مثلَ العدوِّ، وقد كنتَ تُكرِمُنى؟ ليس يغيبُ عنك شىءٌ، تُحصِى قَطْرَ الأمطارِ، وورَقَ الأشجارِ ، وذرَّ الترابِ ، أصبح جِلدِى كالثوبِ العَفِنِ، بِأَيُّهِ أَمسَكتُ سقَط فى يدِى، فَهَبْ لى قُربانًا من عندِك، وفرَجًا من بلائِى، بالقدرَةِ التى تبعَثُ مَوْتَّى العبادِ، وتنشُرُ بها مَيْتَ البلادِ ، ولا تُهلِكْنى بغيرِ أن تُعلِمَنى ما ذَنْبِى، ولا تُفسِدْ عمَلَ يَدِيْكَ ، وإن كنتَ غنيًّا عِنِّى، ليس ينْبَغِى فى محُكْمِك ظُلْمٌ ، ولا فى نِقْمتِك عَجَلٌ ، وإنما يحتاجُ إلى الظُّلْمِ الضعيفُ، وإنما يعجَلُ مَن يخافُ القَوْتَ، ولا تُذَكِّزْنِى خطَئى وذُنوبى، اذكُرْ كيفَ خَلَقتَنی من طينٍ، فجُعِلتُ مضغةً ، ثم خلَقتَ المضغةَ عِظامًا ، وكسَوتَ العظامَ لحمًا وجِلدًا، وجعَلتَ العصَبَ والعروقَ لذلك قوامًا وشدَّةً، ورَبَّيْتَنى صغيرًا، ورَزَقتنى كبيرًا، ثم حفظتُ عهدَك وفعَلتُ أمرَك، فإن أخطأتُ فبيِّنْ لى، ولا تُهلِكْنى غمًّا، وأعلِمْنى ذَنْبِى، فإن لم أُرْضِك فأنا أَهْلٌ أن تعذِّبَنِى ، وإن كنتُ من بينٍ خلْقِك تُحصِى علىَّ عمَلِى، وأستَغْفِرُك فلا تغفِرُ لى، إن أحسنتُ لم أزفَغ رأسِی ، وإن أسأتُ لم تُبلغنی رِیقی ، ولم تُقلْنی عثرتی، وقد ترَى ضَغْفی تحتَك، [٣٨٨/٢ظ] وتضرُّعِى لك، فلِمَ خَلَقْتنى؟ أو لِمَ أخرَجْتَنى من بطنٍ أمِّى؟ لو كنتُ كمن لم يكُنْ لكان خيرًا لی، فليسَتِ الدنيا عندى بخطَرٍ لغضبك ، ولیس جسَدِى يقومُ بعذابِك، فارْحَمْنى وأُذِقْنى طعْمَ العافيةِ من قبلٍ أن أصيرَ إلى ضِيقِ القبرِ وظُلمةِ الأرضِ وغمِّ الموتِ . قال صافِرُ(١): قد تكلَّمتَ يا أيوبُ، وما يُطيقُ أحدٌ أن يحبِسَ فمَك، تزعُمُ أنك برىءٌ، فهل ينفَعُك إن كنتَ بريئًا، وعليك مَن يُحصِى عمَلَك؟ وتزْعُمُ أنك تعلَمُ أن اللَّهَ يغفِرُ لك ذنوبَك، هل تعلَمُ سُمْكَ السماءِ كم بُعدُه؟ أم هل تعلَمُ عُمْقَ (١) فى ص، ت ١، ت ٢: ((طافر))، وفى ف: ((ظافر)). ٣٤٥ سورة الأنبياء : الآيتان ٨٣، ٨٤ الهواءِ كم بعدُه؟ أم هل تعلَمُ أَىُّ الأرضِ أعْرَضُها؟ أم هل (١) عندَك لها من مقدارٍ تُقَدِّرُها به ؟ أم هل(٢) تعلَمُ أَىُّ البحرِ أَعمَقُه؟ أم هل تعلَمُ بأىِّ شىءٍ تحبِسُه؟ فإن كنتَ تعلَمُ هذا العلمَ ، وإن كنتَ لا تعلَمُه، فإن اللَّهَ خلَقه وهو يُحصِيه، لو تركْتَ كثرةَ الحديثِ ، وطلَبتَ إلى رَبِّك، رَجَوْتُ أن يرحمَك، فبذلك تستخرجُ رحمته، وإن كنتَ تقيمُ على خطيقَتِك وترفَعُ إلى اللَّهِ يدَيْك عندَ الحاجةِ ، وأنت مُصِرٍّ على ذنبِك إصرارَ الماءِ الجارِى فى صَبَبٍ لا يُستطاُ إحباسُه ، فعندَ طَلَبِ الحاجاتِ إلى الرحمنِ تسوَدُّ وجوهُ الأشرارِ، وتُظْلِمُ عيونُهم، وعندَ ذلك يُسَرُّ بنجاحِ حوائجهم الذين ترَكوا الشهواتِ تزيًّا بذلك عندَ ربِّهم، وتقدَّموا فى التضرّع ليستَحِقُوا بذلك الرحمةَ حين يحتاجونَ إليها ، وهم الذين كابَدوا الليلَ، واعتزَلوا الفُرْشَ، وانتظَروا الأسحارَ. قال أيوبُ: أنتم قومٌ قد أعجبتكُم أنفسُكم، وقد كنتُ فيما خَلا والرجالُ يُؤَقِّرونَنِى، وأنا معروفٌ حَقِّى، مُنتَصِفٌ من خَصْمِى، قاهرٌ لمن هو اليومَ يَقْهَرُنى، يسألُنى عن علْم غيبِ اللَّهِ لا أعلَمُه ويسألُنى، فَلَعَمْرِى، ما نُصْحُ الأُخ لأُخِيه حينَ نزَل به البلاءُ كذلك، ولكنه يَكِى معه، وإن كنتَ جادًّا فإن عقلِى يقصُرُ عن الذى تسألُنى عنه، فسَلْ طيرَ السماءِ هل تُخِرُك؟ وسَلْ وُحوشَ الأرضِ هل تَرْجِعُ إليك؟ وسَلْ سباعَ البَرِّيَّةِ هل تُجيبُك؟ وسَلْ حيتانَ البحرِ هل تَصِفُ لك كُلَّ ما عدَدتَ؟ تَعَلَّمْ أن اللَّهُ صنَع هذا بحكمتِهِ، وهِثََّهَ بُطْفِهِ . / أما يعلَمُ ابنُ آدمَ من الكلامِ ما سمِع بأَذُنيه، وما طعِم بفِيه، وما شَمَّ بأنفِه، ٦٣/١٧ وأن العلْمَ الذى سألتَ عنه لا يعلَمُه إلا اللَّهُ الذى خلَقَه ، له الحكمةُ والجبروتُ ، وله (١) سقط من: م. (٢) بعده فى ت ٢: ((عندك)). ٣٤٦ سورة الأنبياء: الآيتان ٨٤،٨٣ العظمةُ واللُّطِفُ ، وله الجلالُ والقدرةُ ، إِن أَفسَد فمن ذا الذى يُصلِحُ ؟ وإن أعجم فمن ذا الذى يُفْصِحُ؟ إن نظَر إلى البحارِ بِسَتْ من خوفِه، وإن أَذِن لها ابتلَعت الأرضَ، فإنما يحمِلُها بقدرَتِهِ، هو الذى تبْهَتُ الملوكُ عندَ مُلكِه، وتَطِيشُ العلماءُ عندَ علْمِهِ، وتَعْيا الحكماءُ عندَ حكْمتِهِ، ويخسَأُ المبطِلُونُ عندَ سلطانِهِ، هو الذى يُذكِّرُ المنسِىَّ، ويُنسِّى المذكورَ، ويُجرِى الظلماتِ والنورَ، هذا علمِى، وخلقُه أعظَمُ من أن يُحصيَه عَقْلِى، وعظمتُه أعظَمُ من أن يَقْدُرَها مِثلى . قال ◌ِلْدَدُ : إن المنافِقَ يُجزَى بما أسَرَّ من نِفاقِهِ، وَتَضِلُ عنه العلانيةُ التى خادَع بها، ويُوكَّلُ على الجزاءٍ بها على (١) الذى عمِلها، ويَهلِكُ ذِكرُه من الدنيا ، ويُظلِمُ نورُه فى الآخرةِ، ويُوحِشُ سبيلُه، وتوقِعُه فى الأُحبولَةِ سريرتُه، وينقَطِعُ اسمُه من الأرضِ، فلا ذِكْرَ له(١) فيها ولا عُمرانَ، لا يرِثُه ولدٌ مُصلِحونَ من بعدِه، ولا يبقَى له أصلٌ يُعْرَفُ به، ويَبْهَتُ من يراهُ، وتقِفُ الأشعارُ عندَ ذكْرِه. قال أيوبُ: إِن أَكُنْ غَوِيًّا فعلَىَّ غَواى، وإن أُكُنْ بَرِيًّا فَأُّ مَنَعَةٍ عندِى؛ إن صرَّختُ فمن ذا الذِى يُصرِخُنى؟ وإن سكتُّ فمَن ذا الذى يعذِرُنى ؟ ذهَب رجائى وانقضَتْ أحلامى، وتنكّرتْ لى معارفى، دعَوْتُ غلامى فلم يُجِبْنى، وتضرَّعتُ لِأُمَتى فلم ترْحَمْنى، وقَع علىَّ البلاءُ فرفَضُونى ، أنتم كنتُم أشدَّ علىَّ من مُصِيبتى، انظُرُوا تَبْهَتُوا (١) من العجائبِ التى فى جسدِى، أما سمِعتمُ بما أصابَنى؟ وما شغَلكم عنى ما رأيتُم بى؟ لو كان عبدٌ يُخاصِمُ رَبَّه رجَوتُ أن أَتغلَّبَ عندَ الحكم، ولكنَّ لى رَبًّا جبارًا تعالى فوقَ سماواتِه، وألقَانى هلهنا، وهُنْتُ عليه، لا هو عذَرَنی (١) سقط من: م. (٢) فى م، ت ١، ت ٢، ف: ((وابهتوا)). (٣) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((لى)). ٣٤٧ سورة الأنبياء: الآيتان ٨٣، ٨٤ بِعُذْرِى، ولا هو أَذْنانى فأُخاصِمَ عن نفسِى، يَسمَعُنى ولا أَسمَعُه ، ويرانى ولا أرَاه، وهو محيطٌ بى، ولو تجلّى لى لذابَتْ كُليتاى، وصحِقِ رُوحِى، ولو نَفَّسَنى فأتكلَّمَ بملءِ فى ، ونزَع الهيبةَ مِنى، علِمتُ بأىِّ ذنبٍ عَذَّبنى . نُودِى فقيلَ: يا أيوبُ. قالَ: لَبَّيْكَ. قال: أنا هذا قد دَنوتُ مِنك، فقُمْ فاشدُدْ إزارَك ، وقُمْ مقامَ جبَّارٍ، فإنه لا ينبغى لى أن يُخاصِمَنى إلا جبَّارٌ مِثلى، ولا ينبغى أن يُخَاصِمَنى إلا من يجعَلُ الزِّمامَ(١) فى فَم الأسدِ، والسّخالَ(٢) فى فَم العنقاءِ(٣) ، واللجامَ(٤) فى فَمِ التِّّينِ، ويَكيلُ مكيالًا من النورِ، ويزِنُ مثقالًا من [٣٨٩/٢و] الريحِ، ويَصُرُّ صُرَّةً من الشمسِ، ويُدُّ أمسٍ لغدٍ، لقد مَنَّتْك نفسُك أمرًا ما يبلُغُ بمثلٍ قَوَّتِك، ولو كنتَ إذ مَنَّتْك نفسُك ذلك ودَعَتْك إليه تذكّرْتَ أىَّ مرامٍ رامَتْ بك ، أَرَدتَ أَن تُخاصِمَنى بِغِيِّك؟ أم أُرَدتَ أن تُحَاجَنى بخطَئِك؟ أم أُرَدتَ أَن تُكاثِرَنى بضَغْفِك؟ أينَ كنتَ (٥) مِنى يومَ خلَقتُ الأرضَ فوضعتُها على أساسِها ؟ هل علمتَ بأىِّ مقدارٍ قدَّرْتُها ؟ أم كنتَ معى تمرُّ بأطرافِها ؟ أم تعلَمُ ما بُعدُ زَواياها ؟ أم علَى أَىِّ شىءٍ وضَعتُ أكنافَها؟ أبطاعتِك حمَل الماءُ الأرضَ؟ أم بحكْمتِك كانتَ الأرضُ للماءِ غطاءٌ؟ أين كُنتَ مِنِّى يومَ رفَعتُ السماءَ سَقفًا فى الهواءِ لا بعلائِقَ ثبتَتْ من فوقِها، ولا يحمِلُها دعائمُ(٦) من تحتِها؟ هل يبلُغُ من حكمتِك أن تُجرِىَ نورَها؟ أو (١) فى ص، م، ت١، ف: ((الزنار))، وفى ت ٢: ((الزمان)). (٢) السخال جمع السخلة: ولد الشاة من المعز والضأن، ذكرًا كان أو أنثى. اللسان (س خ ل). (٣) العنقاء: طائر ضخم ليس بالعقاب ، وقيل: العنقاء المُغْرِب كلمة لا أصل لها ، يقال : إنها طائر عظيم لا تری إلا فی الدهور. اللسان (ع ن ق). (٤) فى م، وعرائس المجالس: ((اللحم)). (٥) فى ص، ت ٢: (( أنت)). (٦) فى ص، ت ٢: (( دعم)). ٣٤٨ سورة الأنبياء : الآيات ٨٣، ٨٤ ٦٤/١٧ تُسَيَِّ نجومَها، أو يختلِفَ بأمرِك ليلُها ونهارُها؟ أينَ كنتَ(١) منى يومَ سَّرتُ(٢) البحارَ وأَنبَعتُ الأنهارَ؟ أقدرتُك حبَستْ أمواجَ البحارِ على حدودِها؟ أم قدرتُك فتَحَتِ الأرحامَ حينَ بلَغتْ مدتَها؟ أين أنتَ منى يومَ صبَبتُ الماءَ على الترابِ، ونصبتُ شوامِخَ الجبال ؟ هل لك من ذراع تُطيقُ خَمْلها ؟ أم هل تدری کم من مثقالٍ فيها؟ أم أينَ الماءُ الذى أُنزِلُ من السماءِ؟ هل تدرِى (٣أمّ تِدُه أو أبٌّ تَوَلَّدَه٣)؟ أُحِكمتُك / أحصَتِ القَطْرَ، وقسمتِ الأرزاقَ ؟ أم قدرتُكِ تُثيرُ السحابَ ، وتغشِيه الماءَ؟ هل تدرِى ما أصواتُ الرعودِ ؟ أم من أىِّ شىءٍ لهبُ البروقِ ؟ هل رأيتَ عُمقَ البحرِ (٤)؟ أم هل تدرِى ما بُعدُ الهواءِ؟ أم هل خزَنتَ أرواحَ الأمواتِ ؟ أم هل تدرِى أينَ خِزانةُ الثلج، أو أينَ خزائِنُ البَرَدِ ؟ أم أين جبالُ البَرَدِ ؟ أم هل تدرِى أينَ خِزانةٌ الليل بالنهارِ، وأين خِزانةُ النهارِ بالليلِ؟ وأين طريقُ النورِ؟ وبأىِّ لغةٍ تتكلَّمُ الأشجارُ؟ وأين خِزانةُ الريح؟ وكيف تحبِسُه الأغلاقُ؟ ومن جعَل العقولَ فى أجوافٍ الرجالٍ ؟ ومن شَقَّ الأسماع والأبصارَ؟ ومن ذَلَّت الملائكةُ لملكِه؟ وقهَر الجبارين بجبروتِه؟ وقسم أرزاقَ الدوابُ بحكمتِه؟ ومن قسم للأُسدِ أرزاقَها؟ وعرّف الطيرَ معايشَها؟ وعطَفها على أفراخِها؟ من أعتقَ الوحشَ من الخدمةِ ، وجعَل مساكنَها البرِّيَّةَ، لا تستأنِسُ بالأصواتِ ولا تهابُ السلاطينَ(٥)؛ أمِن حكمتِك تفرَّعت أفراخُ الطيرِ وأولادُ الدَّوابُ لأمهاتِها؟ أم مِن حكمتِك عطَفت أمهاتُها عليها حتى أخرَجت لها الطعامَ من بطونها ، وآثرَتْها بالعيشِ على نفوسِها ؟ أم (١) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((أنت)). (٢) فى ت ١، ت ٢، ف: ((سخرت))، وغير منقوطة فى: ص، والمثبت موافق لما فى عرائس المجالس. (٣ - ٣) فى عرائس المجالس: (( كم بلدة أهلكتها )). (٤) فى م: (( البحور)). (٥) فى ص، م، ت ١، ف: ((المسلطين)). ٣٤٩ سورة الأنبياء : الآيتان ٨٤،٨٣ مِن حكمتِك (١ يبصِرُ العُقابُ " الصيدَ البصرَ البعيدَ) فأصبَح فى أماكنِ القتلَى(١)؟ أين أنت منى يومَ خلَقتُ بهموتَ مكانَه فى منقطع الترابٍ ؟ والوتيان ) يحملانِ الجبالَ والقرّى والعمرانَ ، آذانُهما كأنها شجَرُ الصَّنَوْبَرِ الطوالِ ، رُءوسُهما كأنها آكامُ (٤) الجبالِ، وعروقُ أفخاذِهما كأنها أوتادُ الحديدِ، وكأن جلودَهما فِلَقُ الصخورِ، وعظامُهماً) كأنها عُمُدُ النُّحاسِ، هما رأسا خلْقى الذين(٢) خلَقْتُ للقتالِ ، أأنت ملأتَ جلودَهما لحمًا؟ أم أنت ملأتَ رءوسَهما دِماغًا ؟ أم هل لك فى خلقِهما من شِرْءٍ ؟ أم لك بالقوَّةِ التى عمِلَتْهما(٢) يدانٍ؟ أو هل يبلُغُ من قوَّتِك أن تَخطِمَ على أَنوفِهما؟ أو تضَعَ يدَك على رُءوسِهما؟ أو تقعُدَ لهما على طريقٍ فتحبِسَهما، أو تصُدَّهما عن (٨) قوَّتِهما؟ أين أنتَ يومَ خلَقتُ الثّنِّينَ ؟ رِزقُه فى البحرِ ومسگتُه فى السحاب ، عيناهُ توقَّدان نارًا ، ومِنخراه یثورانِ دُخَانًا ، أذناه مثلُ قوسٍ السحابِ، يثورُ منهما لهبّ كأنه إعصارُ العجاج، جَوفُه يَخْتَرِقُ ، ونَفَسُه يلتهِبُ ، وزبدُه " جمرٌ أمثالُ" الصخورِ، وكأن صريفَ أسنانِه أصواتُ الصواعقِ، وكأن نظرً عينيهِ لهبُ البرقِ، أسرارُ(١٠) لا تدخُلُه الهمومُ، تمرُ به الجيوشُ وهو مُتَّكِئٌ لا يُفْزِعُه شىءٌ ، ليس فيه مِفصَلٌ (١) ، الحديدُ عندَه مثلُ التبنِ، والنُّحاسُ عندَه مثلُ الخيوطِ، لا (١ - ١) فى عرائس المجالس: ((يبصر العقاب الصيد البعيد واضحا فى أماكن الفلا)). (٢ - ٢) سقط من : م . (٣) فى م: ((الوتينان))، وفى ت ٢: ((الويتان))، وفى عرائس المجالس: ((اللوتيا)). (٤) فى ص، ت ١، ف: ((كوم)، وفى ت ٢: ((أكرم)). (٥) فى ت ٢: ((أفخاذهما)). (٦) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((الذى )). (٧) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((علمتها)). (٨) فى ص، ت ١، ف: ((من)). (٩ - ٩) فى م: ((كأمثال)). (١٠) فى م: ((أسراره)). (١١) بعده فى م بين معكوفین: (( زب)). ٣٥٠ سورة الأنبياء : الآيتان ٨٤،٨٣ يفزَعُ من التُّشَّابِ ، ولا يُحِسُّ وقْعَ الصخورِ على جسدِه ، ويضحَكُ من النيازِكِ ، ويَسيرُ فى الهواءِ كأنه عصفورٌ، ويُهلِكُ كلَّ شىءٍ يمُ به ، ملكُ الوحوشِ، وإياه آثرتُ بالقوّةِ على خلْقِى، هل أنت آخِذُه بأُحبولَتَك فرابطُه بلسانِهِ، أو وَاضِعٌ اللجامَ فى شِدقِه؟ أتظنُّه يُوفِى بعهدِك، أو يُسبِّحُ من خوفِك؟ هل تُحصِى عُمُرَه، أم هل تدرِى أجلَه؟ أو تُفوِّتُ رزْقَه؟ أم هل تدرى ماذا خرّبَ من الأرضِ؟ أم ماذا يُخرِّبُ فيما بقِى من عُمُرِهِ؟ أتطيقُ غضبَه حينَ يغضَبُ؟ أم تأمرُه فيُطيعَك(١)؟ تبارَك اللَّهُ وتعالَى . قال أيوبُ عليه السلامُ: قَصَرْتُ عن هذا الأمرِ الذى تعرِضُ لى، ليتَ الأرضَ انشَقَّت بى، فذهبتُ فى بلائى، ولم أتْكَلَّمْ بشىءٍ يُسخِطُ رَبِّى، اجتَمَع علىَّ البلاءُ ، إلهى جعَلتنى لك مثلَ العدوِّ، وقد كنتَ تُكرِمُنى، وتعرِفُ نُصْحِى، وقد علِمتُ أن كلَّ(٢) الذى ذكَرتَ صُنْعُ يديْك، وتدبيرُ حكمتِك، وأعظَمُ من هذا ما شئتَ عمِلتَ ، لا يُعجِزُك شىءٌ، ولا تخفَى عنك (١) خافيةٌ، ولا تغيبُ [٣٨٩/٢ظ] عنك غائبةٌ، مَنْ هذا الذى يظُنُّ أن يُسِرَّ عنك سرًا، وأنت تعلَمُ ما يخطُرُ على القلوبِ؟ وقد علِمتُ منك فى بَلائِى هذا ما لم أكُنْ أَعلَمُ، وَخِفْتُ / حينَ بلوتُ أمرَك أكثرَ مما كنتُ أخافُ ، إنما كنتُ أُسمَعُ بِسَطوتِك(٤) سَمعًا، فَأمَّا الآنَ فهو بصَرُ العينِ ، إنما تكلَّمتُ حينَ تكلمتُ لتعذِرَنى، وسكتُّ حينَ سكتُّ لترحَمَنى ، كلمةٌ زَلَّتْ فلن أعودَ ، هد وضَعتُ يدى على فَمِى، وعَضَضتُ على لسانى، وألصَقتُ ٦٥/١٧ (١) فى م: ((فيعطيك))، وفى ت ٢: ((فتطيعك)). (٢) سقط من: م. (٣) فى م، ف: (( عليك)). (٤) فى ت ٢، ف: (( بصوتك)). ٣٥١ سورة الأنبياء : الآيتان ٨٣، ٨٤ بالترابٍ خَدِّى، ودَسَسْتُ (١) وَجْهِى لصَغَارِى، وسكتُّ كما أسكَتَتْنى خطيئَتِى، فاغفِرْ لى ما قلتُ ، فلن أعودَ لشىءٍ تكرّهُه مِنِّى . قال اللَّهُ تباركَ وتعالَى: يا أيوبُ نفَذ فيك عِلْمى، وبحِلْمى صرّفتُ عنك غَضَبِى إِذ خطِئْتَ ، فقد غَفَرتُ لك وردَدتُ عليك أهلَك ومالَك ومثلَهم معهم، فاغتَسِلْ بهذا الماءِ، فإن فيه شفاءَك، وقرّبْ عن صحابتِك قُربانًا، واستغفِرْ لهم، فإنهم قد عَصَوْنی فيك(٢) . حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ ، عمَّن لا يَتَّهِمُ ، عن وهبٍ بنِ مُنبهِ اليمانيّ وغيرِه من أهلِ الكُتبِ الأولِ ، أنه كان من حديثٍ أيوبَ أنه كان رجلاً من الروم، وكان اللَّهُ قد اصطفاه ونتاَه، وابتَلاهُ فى الغِنَى بكثرةِ الولدِ والمالٍ ، وبسط عليه من الدنيا ، فوسَّع عليه فى الرزقِ ، وكانت له البَشَنيةُ من أرضِ الشامِ ، أعلاها وأسفلُها، وسهلُها وجبَلُها، وكان له فيها من أصنافِ المالِ كلِّه؛ من الإبلِ والبقرِ والغنمِ والخيلِ والحميرِ ما لا يكونُ للرجلِ أفضَلُ منه فى العِدَّةِ والكثرة، وكان اللَّهُ قد أعطاهُ أهلًا وولدًا من رجالٍ ونساءٍ، وكان بَرًّا تَقيًّا رحيمًا بالمساكين، يُطعِمُ المساكينَ، ويحمِلُ الأراملَ، ويكفُلُ الأيتامَ، ويُكرِمُ الضيفَ، ويُلِّغُ ابنَ السبيلِ، وكان شاكِرًا لأُنْعُمُ اللَّهِ عليه، مؤدِّيًا لحقِّ اللَّهِ فى الغِنى ، قد امتَنَع من عدوّ اللَّهِ إِبليسَ أن يُصيبَ منه ما أصابَ من أهلِ الغِنى من العِزَّةِ والغقْلَةِ ، والسهوِ والتشاغُلِ عن أمرِ اللَّهِ بما هو فيه من الدنيا، وكان معه ثلاثةٌ قد آمنوا به (١) فى م: ((دست)). (٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ٣٢٢/١ مختصرًا جدًّا، وذكره الثعالبى فى عرائس المجالس ص ١٣٥ عن وهب وكعب وغيرهما، وذكره البغوى فى تفسيره ٣٣٧/٥ عن وهب، وقال ابن كثير فى تفسيره ٣٥٤/٥: وقد ذكر عن وهب بن منبه فى خبره قصة طويلة ساقها ابن جرير وابن أبى حاتم بالسند عنه ، وذكرها غير واحد من متأخرى المفسرين، وفيها غرابة ، تركناها لحال الطول . (٣) فى ت ١، ت ٢: ((الشهوة)). ٣٥٢ سورة الأنبياء: الآيتان ٨٣، ٨٤ وصدَّقوه، وعرَفوا فضْلَ ما أعطاه اللَّهُ على مَن سِواه ؛ منهم رجلٌ من أهلِ اليمنِ يقالُ له : أليفزُ. ورجلانٍ مِن أهلِ بلادِه يقالُ لأحدِهما: صوفرُ. وللآخرِ: بلددُ. وكانوا من بلادِه كُهولًا، وكان لإبليسَ عدوٌّ اللَّهِ مُنزَلٌ من السماءِ السابعةِ يقَعُ به كلِّ سنةٍ مَوقِعًا يسألُ فيه ، فصعد إلى السماءِ فى ذلك اليومِ الذى كان يصعَدُ فيه ، فقال اللَّهُ له، أو قيلَ له عن اللَّهِ: هل قدَرْت من أيوبَ عبدِى على شىءٍ؟ قال: أىْ رَبِّ، وكيف أقدِرُ منه على شىءٍ و(١) إِنما ابتلَيْتَه بالرخاءِ والنعمَةِ والسَّعةِ والعافيةِ، وأعطيتَه الأهلَ والمالَ والولدَ والغِنى والعافيةَ فى جسّدِه وأهله ومالِهِ، فما له لا يشكُّوك ويعبدُك ويُطيعُك وقد صنَعتَ ذلك به، لو ابتليتَه بنَزْع ما أعطيتَه لحالَ عما كان عليه من شُكْرِك، ولترَك عبادتك، ولخرَج من طاعتِك إلى غيرِها . أو كما قال عدوُ اللَّهِ، فقال: قد سلَّطتُك على أهلِه ومالِه. وكان اللَّهُ هو أعلَمَ به، ولم يُسلِّطْه عليه إلا رحمةً؛ ليُعظِمَ له الثوابَ بالذى يُصيبُه مِن البلاء، وليجعَلَه عبرً للصابرین، وذِ كری للعابدين، فی كُلِّ بلاءٍ نزَل بهم ، ليأْتَسُوا(٢) به، وليرجوا من عاقبةِ الصبرِ فى عَرَضِ الدنيا ثوابَ الآخرةِ، وما صنَع اللَّهُ بأيوبَ، فانحطَّ عدوُّ اللّهِ سريعًا، فجمعَ عفاريتَ الجنِّ ومَرَدةً الشياطين من جنودِه، فقال : إنى قد سُلُّطتُ على أهلِ أيوبَ ومالِه، فماذا عليكم؟ فقال قائلٌ منهم : أكونُ إعصارًا فيه نارٌ ، فلا أمُرُ بشىءٍ من مالِه إلا أهلكْتُه . قال : أنت وذاك . فخرج حتی أتی إِبلَه ، فأحرقها وُرعاتها جميعًا ، ثم جاءَ عدُّ اللَّهِ إلى أيوب فى صورةٍ قَيِّمِه عليها وهو فى مُصلَّى، فقال : يا أيوبُ أُقبلَت نارٌ حتى غَشِيت إِبَك / فأحرقَتها ومن(٢) فيها غيرِى، فجئتُك أُخِرُك ذلك(٤) . فعرَفه أيوبُ ، فقال: الحمدُ للَّهِ الذى هو أعطاها، وهو أخَذها، الذى أُخرَجك منها كما يُخْرَجُ الزُّؤانُ () من الحبِّ ٦٦/١٧ (١) فى م: (( أو)). (٢) فى م: (( ليتأسوا)). (٣) فى ت ٢: (( ما)). (٤) فى م، ت ٢: (( بذلك)). (٥) فى ص، ت ١، ف: ((الزلال))، وفى ت ٢: ((الدلال)). والزؤان، بهمز وبغيره: حب يخالط البُرَّ فيكسبه رداءة ، وهو حب يُسكِر . اللسان (ز أن، زون). ٣٥٣ سورة الأنبياء: الآيتان ٨٣، ٨٤ النقىّ . ثم انصرف عنه، فجعَل يُصيبُ مالَه مالًا مالًا ، حتى مرّ على آخِرِهِ، كلَّما انتهى إليه هلاكُ مالٍ من مالِهِ حمِد اللَّهَ وأحسَن عليه الثناءَ، ورَضِىَ بالقضاءِ، ووطُّن نفسَه للصبرِ على البلاءِ، حتى إذا لم يبقَ له مالٌ أَتَّى أُهلَه وولَده وهم فى قصرٍ لهم ، معهم حَظِيَّاتُهم وخدّامُهم، فتمثِّل ريحًا عاصفًا، فاحتَمل القصرَ من نواحِيه ، فألقاه على أهلِه ووَلَدِە ، فشدَخهم تحته ، ثم أتاه فى صورةِ قَهْرمانِه عليهم ، قد شُدِخِ وَ جْهُه ، فقال : يا أيوبُ، قد أَتَتْ ريحٌ عاصفٌ، فاحتَملَت القصرَ من نواحِيه، ثم ألقَتْه على أهلِك وولدك فشدَخَهم غيرِى، فجئْتُك أخيِرُك ذلك. فلم يجزَعْ على شىءٍ أصابَه جزَعه على أهلِهِ وولَدِه، وأخَذ ترابًا فوضَعه على رأسِه، ثم قال: ليتَ أُمِّى لم تِلِذْنى، ولم أكُ شيئًا. [٣٩٠/٢و] وسُرَّ بها عدوُ اللَّهِ منه، فأصعد إلى السماءِ جَذِلًا، وراجَع أيوبُ التوبةَ مما قال ، فحمِد اللَّهَ، فسبقت توبتُه عدوًّ اللَّهِ إلى اللهِ، فلما جاءًوذكر ما صنع، قيل له : قد سبقتْك توبته إلى اللّهِ ومراجَعتُه. قال: أىْ رَبِّ، فسلُّطْنى على جسَدِه. قال: قد سلَّطتُك على جسَدِه إلا على لسانِهِ وقلبِه ونفَسِه وسَمعِه وبصَرِه . فأقبلَ إليه عدوُّ اللَّهِ وهو ساجِدٌ ، فنفَخ فى جسدِه نفخةً أشعَل ما بين قرنه إلى قدمِه ، کحريقِ النار ، ثم خرج فى جسدِه ثآليلُ كألياتِ الغنَم، فحَكَّ بأظفارِهِ حتى ذهبت ، ثم بالفَخَّرِ والحجارةِ حتى تساقَطَ لحمُّه، فلم يبقَ منه إلا العروقُ والعصَبُ والعظامُ، عيناه تجولانٍ فى رأسِه للنظرِ، وقلبُه للعقلِ، ولم يخلُصْ إلى شىءٍ من حشوِ البطْنِ؛ لأنه لا بقاءً للنفسِ إلا بها ، فهو يأكُلُ ويشرَبُ على التواءٍ من حُشوتِه، فمكَث كذلك ما شاءَ اللَّهُ أَن يِكُثَ . فحدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، عن ابنٍ إِسحاقَ ، عن الحسنِ بنِ دينارٍ، عن الحسن، أنه كان يقولُ : مكَث أيوبُ فى ذلك البلاءِ سبعَ سنينَ وستةَ أشهرٍ ملقَى على رمادٍ مكنسةٍ فى جانبٍ القرية. قال وهبُّ بنُ منبهٍ : ولم يبقَ من أهلِه إلا امرأةٌ واحدةٌ تقومُ عليه وتكسِبُ له، ولا يقدِرُ عدوُ اللَّهِ منه على قليلٍ ولا كثيرٍ مما يريدُ . (١) سقط من: م، وينظر الجرح والتعديل ٣/ ١١. ( تفسير الطبرى ٢٣/١٦ ) ٣٥٤ سورة الأنبياء: الآيتان ٨٣، ٨٤ فلما طالَ البلاءُ عليه وعليها، وسئِمها الناسُ، وكانت تكسِبُ عليه ما تُطعِمُه ونَسقِيه. قال وَْبُ بنُ منبهٍ: فحُدِّثتُ أنها التَمَست له يومًا من الأيام ما تُطعِمُه، فما وجَدَت شيئًا حتى جزَّت قَوْنًا من رأسِها(١) فباعَته برغيفٍ. فأتَّته به (١) فعشَّتْه إياه، فلبِث فى ذلك البلاءِ تلك السنينَ ، حتى إن كان المارٌّ لِيمُرُّ فيقولُ: لو كان لهذا عندَ الله خيرٌ لأراحه مما هو فيه . حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، قال: فحدَّثنى محمدُ بنُّ إسحاقَ ، قال : وكان وهبُ بنُ منبهِ يقولُ: لَبِث فى ذلك البلاءِ ثلاثَ سنينَ لم يزِدْ يومًا واحدًا ، فلما غَلَبه أيوبُ فلم يستَطِعْ منه شيئًا، اعترَض امرأته" فى هيئةٍ ليست كهيئةٍ بنى آدمَ فى الْعِظَمِ والجسْمِ والطولِ، على مركبٍ ليس من مراكبِ الناسِ، له عِظَمٌ وبهاءٌ وجمالٌ ليس لها ، فقال لها: أنت صاحبةُ أيوبَ هذا الرجلِ المبتلَى؟ قالت: نعم. قال : هل تعرِفِينَنى؟ قالت: لا . قال: فأنا إِلَّهُ الأرضِ، وأنا الذى صنَعتُ بصاحبِك ما صنعتُ ، وذلك أنه عبَد إلَهَ السماءِ وترَكنى فأغضَبَنى ، ولو سجَد لى سجدةٌ واحدةٌ ردّدتُ عليه وعليكِ كلَّ ما كان لكُما من مالٍ وولَدٍ ، فإنه عِندى . ثم أراها إياهم فيما ترَى ببطنٍ الوادى الذى لَقيها فيه . قال: وقد سمِعتُ أنه إنما قال: لو أن صاحِبَك أكَل / طعامًا ولم يُسَمِّ عليه، لعُوفِى مما به من البلاءِ. واللَّهُ أُعلَمُ . وأرادَ عدوُ اللَّهِ أن يأتيَه من قِبَلِها، خرجَعت إلى أيوبَ فأخبرَته بما قال لها وما أَراها، قال: أقد (٤) أتاكِ عدوُ اللَّهِ ليفتِنَكِ عن دِينكِ؟ ثم أقسم إن اللَّهُ عافاه ليضرِبِنَّها مائةَ ضربةٍ . ٦٧/١٧ فلما طالَ عليه البلاءُ، جاءه أولئك النفَرُ الذين كانوا معه قد آمنوا به وصدَّقوه ، (١) فى ت ٢: ((شعرها)). (٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف . (٣ - ٣) فى ص، ف: ((أعرض امرأته)). (٤) فى م: (( أو قد)). ٣٥٥ سورة الأنبياء : الآيتان ٨٣، ٨٤ معهم فتّى حديثُ السنِّ ، قد كان آمن به وصدَّقه ، فجلَسُوا إلى أيوبَ ونظَروا إلى ما به من البلاءِ، فأعظَموا ذلك وفَظِعوا به ، وبلغ من أيوبَ صلواتُ اللهِ عليه مجهودُه ، وذلك حينَ أرادَ اللَّهُ أن يُفرِّجَ عنه ما به، فلما رأى أيوبُ ما أعظَموا مما أصابَه ، قال: أى رَبِّ ، لأىِّ شىءٍ خَلَقْتَنِى؟ ولو كنتَ إذ قضَيْتَ علىَّ البلاءَ تْرَ كتَنى فلم تخلُقْنى ، ليتَنى كنتُ دَمَا أَلْقَتْنى أُمِّى. ثم ذكّر نحوَ حديثِ ابنِ عشكٍَ، عن إسماعيلَ بنِ عبدِ الكريمِ، إلى: وكابَدُوا الليلَ، واعتزَلوا الفُرْشَ، وانتظَروا الأسحارَ. ثم زاد فيه : أولئك الآمنون الذين لا يَخافُون ، ولا يهتَقُّون ولا يحزَنون، فأين عاقبةُ أمرِك يا أيوبُ من عواقبِهم؟ قال فتّى حضَرهم، وسمِع قولَهم ١ ، ولم يفطِنوا له، ولم يأبهوا (٢) لمجلِسِه، وإنما قيّضَه اللَّهُ لهم؛ لما كان من جَوْرِهم فى المنطِقِ وشطَطِهِم، فأرادَ اللَّهُ أن يُصغِرَ به إليهم أنفسَهم، وأن يُسَفِّهَ بصَغَرِه لهم أحلامَهم ، فلما تكلّم تمادَى فى الكلام فلم يزدَدْ إلا حُكْمًا، وكان القومُ من شأنِهِم الاستماعُ والخشوعُ إذا وُعِظوا أو ذُكِّروا ، فقال: إنكم تكلَّمتُم قَبْلى أيها الكهولُ، وكُنتُم أحقَّ بالكلامِ وأَوْلى به منى؛ لحقٌّ أسنانِكم، ولأنكم قد جرَِّثُم قَبْلى، ورأيتُم وعلمتم ما لم أعلَمْ ، وعرفتُم ما لم أعرِفْ ، ومع ذلك قد ترَكُم من القولِ أحسَنَ من الذى قلتُم ، ومن الرأيِ أصوبَ من الذى رأيتُم ، ومن الأمرِ أجملَ من الذى أتيتُم ، ومن الموعظةِ أحكَمَ من الذى وصَفْتُم، وقد كان لأيوبَ عليكم من الحقِّ والذّمامِ أفضلُ من ٥ الذى وصَفتم، فهل تدرونَ أيها الكهولُ حقَّ مَن انتقَصْتم؟ وحُرْمةً مَن انتهَكْتم؟ ومَن الرجلُ الذى عِبْتُم واتَّهَمْتم؟ ألم تعلموا أيها الكهولُ أن أيوبَ نبىُ اللَّهِ (١) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((قوله)). (٢) فى ت ١: ((ينتبهوا)). ٣٥٦ سورة الأنبياء: الآيتان ٨٣، ٨٤ وخيرتُه وصِفوتُه من أهلِ [٣٩٠/٢ظ] الأرضِ يومكم هذا؟ اختارَه اللَّهُ لوحيه، واصطفاه لنفسِه، وائْتَمنه على نبؤَّتِه، ثم لم تعلَموا ولم يُطلِعكم اللَّهُ على أنه سخِط شيئًا من أمرٍه مذ آتاه ما آتاه إلى يومكم هذا، ولا على أنه نزَع منه شيئًا من الكرامةِ التى أكرمه بها مذ آتاه ما آتاه إلى يومِكم هذا، ولا أن أيوبَ غَيَّر الحقَّ فی طولٍ ما صِبتُموه إلى يومِكم هذا، فإن كان البلاءُ هو الذى أزْرَى به عندَ كم، ووضَعه فى أنفسكم ، فقد علمتم أن اللَّهَ يَبْتَلِى النبيِّين والصدِّيقين والشهداء والصالحين، ثم ليس بلاؤُه لأولئِكْ بدليلٍ سخْطِه عليهم ، ولا لهوانِه لهم، ولكنها كرامةٌ وخِيَرَةٌ لهم ، ولو كان أيوبُ ليس من اللَّهِ بهذه المنزلةِ ، ولا فى النبوَّةِ ولا فى الأثرةِ ولا فى الفضيلةِ ولا فى الكرامةِ ، إلا أنه أخْ آخَيْتُموهُ(١) على وَجْهِ الصحابةِ، لكان، (وهو" لا يجمُلُ بالحكيم أن يعذِلَ أخاه عندَ البلاءِ، ولا يُعيَّرَه بالمصيبةِ بما لا يعلَمُ وهو مكروبٌ حزينٌ، ولكن يرحَمُه وبيكِى معه، ويستغفِرُ له، ويحزّنُ لحزنِه ، ويدُلُّه على مراشِدِ أمرِهِ، وليس بحكيم ولا رشيدٍ من جهِل هذا، فاللَّهَ اللَّهَ أيها الكهولُ فى أنفسِكم. قال: ثم أقبل على (١) أيوبَ عليه السلامُ فقال، وقد كان فى عَظمةِ اللَّهِ وجلالِه، وذكْرٍ الموتِ: ما يُقطَعُ لسانَك، ويكسِرُ قلبَك، ويُنسيك محُجَجَك، ألم تعلَمْ يا أيوبُ أن للَّهِ عبادًا أسكتَتْهم ◌َخَشْيتُه من غيرِ عِىّ(٤) ولا بَكْمٍ؟ وإنهم لهم الفصحاءُ النَّطَقاءُ النبلاءُ الألبّاءُ العالمون باللَّهِ وبآياتِه، ولكنهم إذا ذكرُوا عظمةَ اللَّهِ / انقطَعت ألسنتُهم، واقْشَعرَّت جلودُهم، وانكسرَت قلوبُهم، وطاشَت عقولُهم، إعظامًا للَّهِ، وإعزازًا وإجلالًا، فإذا استفاقوا من ذلك استَبَقُوا إلى اللَّهِ بالأعمالِ ٦٨/١٧ (١) فى م: ((أجبتموه)). (٢ - ٢) سقط من: م. (٣) فى ت ٢: ((إلى)). (٤) فى ص، ت ١، ف: ((عمى)). ٣٥٧ سورة الأنبياء : الآيتان ٨٤،٨٣ الزاكيةِ ، يَعُدُّونَ أنفسَهم مع الظالمين والخاطئين، وإنهم لأنزاةٌ برآءُ، مع ١١ المقصِّرِين والمفرّطين، وإنهم لأكياسٌ أقوياءُ، ولكنهم لا يستكثرون للَّهِ الكثيرَ، ولا يَرْضَوْن للَّهِ بالقليل، ولا يُدِلُّون عليه بالأعمالِ ، فهم مُروَّعون مُفزَّعون مغتَمُون، خاشِعون وجِلون ، مستكِينون معترِفون ، متى ما رأيتَهم يا أيوبُ . قال أيوبُ : إن اللَّهَ يزرَُ الحكمةَ بالرحمةِ فى قلبِ الصغيرِ والكبيرِ، فمتى نبتَت فى القلبِ يُظهِرُها اللَّهُ على اللسانِ، وليست تكونُ الحكمةُ من قِبَلِ السنِّ ولا الشبيبةِ، "ولا" طولِ التجربةِ، وإذا جعَل اللَّهُ العبدَ حكيمًا فى الصِّبًا () لم تَسْقُطْ منزلتُه(٤) عندَ الحكماءِ، وهم يَرَون عليه من اللَّهِ نورَ الكرامةِ ، ولكنكم قد أعجبتْكُم أنفسُكم، وظنَنْتم أنكم عُوفِيتم بإحسانِكم، فهنالك بغَيتم وتعزَّزْتم، ولو نظَرتم فيما بينكم وبينَ رَبِّكم، ثم صدَقتم أنفسكم، لوجدتم لكم عيوبًا ستَرها اللَّهُ بالعافية التى ألبَسكم، ولكنى قد أصبحتُ اليومَ وليس لى رأىٌ ولا كلامٌ معكم، قد كنتُ فيما خَلا مسموعًا كلامِى، معروفًا حقِّى، مُنتصِفًا من خَصْمِى، قاهرًا لمن هو اليومَ يقهَرُنى ، مَهيبًا مَكانى، والرجالُ مع ذلك يُنصِتون لى ويوقِّرونى ، فأصبحتُ اليومَ قد انقَطَع رَجائى، ورُفِع حَذَرِى، ومَلَّنى أهلِى، وعَقَّنى أرحامِى، وتنكَّرَت لى معارِفى، ورغِب عنِّى صَديقى، وقطَعنى أصحابى، وكفَرنى أهلُ بيتى، وجُحِدَتْ حُقوقى، ونُسِيت صنائِعِى ، أصرُُ فلا يُصْرِخونَنى، وأعتذِرُ فلا يُعذِروننى، وإن قضاءَه هو الذى أذلَّنى، وأقمأَنى، وأخسأَنى، وإن سُلطانَه هو الذى أسقَمنى، (١) فى م، ت ١، ت ٢، ف: ((ومع )). (٢ - ٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((إلا)). (٣) فى م: (( الصيام)). (٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢: ((منزله)). (٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((ظنى)). ٣٥٨ سورة الأنبياء : الآيتان ٨٣، ٨٤ وأنحَل جِسْمى ، ولو أن رَبی نزَع الهيبةَ التى فى صَدرِى، وأطلَق لِسانى حتى أتكلّمَ ملءِ فَمِی ، ثم کان ینبغی للعبد أن يُحاجّ عن نفسِه ، لرجوتُ أن يُعافیتی عند ذلك مما بى ، ولكنه ألقانى وتعالى عنى، فهو يَرانى ولا أَراه، ويسمَعُنى ولا أَسمَعُه، لا نظَر إلىَّ فرحِمنى، ولا دَنا منى ولا أدنانى فأُذْلِىَ بِعُذرِى، وأتكلَّمَ ببراءَتى، وأُخاصِمَ عن نفسِى . لمّ قال ذلك أيوبُ وأصحابُه عندَه، أظَلَّه غمامٌ حتى ظَنَّ أصحابُه أنه عذابٌ ، ثم نُودِىَ منه (١) : يا أيوبُ، إن اللَّهَ يقولُ: ها أنذا ذا قد دَنوتُ منك، ولم أَزَلْ منك قريبًا، فقُمْ فأَدْلٍ بِعُذرِك الذى زَعَمتَ ، وتكلَّمْ ببراءتِك، وخاصِمْ عن نفسِك، واشدُدْ إزارَك. ثم ذكَر نحوَ حديثِ ابنِ عسكرٍ ، عن إسماعيلَ ، إلى آخرِه ، وزاد فيه: ورَحمتى سبقت غضَبِى، فاركُضْ برِجلِك هذا مغتَسَلٌ باردٌ وشرابٌ فيه شفاؤك ، وقد وهَبتُ لك أهلَك ومثلَهم معهم ، ومالَك ومثله معه . وزعموا : ومثلَه معه لتكونَ لمن خلفك آيةٌ ، ولتكونَ عبرةً لأهلِ البلاءِ، [٣٩١/٢و] وعزاءً للصابرين . فركَض برِجْلِه، فانفجرتْ له عَيْنٌ، فدخَل فيها فاغتَسل، فأذهَب اللَّهُ عنه كلَّ ما كان به من البلاءِ، ثم خرَج فجلس ، وأقبلَت امرأتُه تلتمِسُه فى مضجَعِه ، فلم تجِدْه ، فقامَتْ كالوالهةِ متلدِّدةً، ثم قالت: يا عبدَ اللَّهِ، هل لك عِلمٌ بالرجلِ المبتَلى الذى كان هلهنا؟ قال: لا . ثم تتَسّم، فعرَفته بمضحكِه، فاعتنقَتْه . حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ ، عن بعضٍ أهلِ العلم، عن وهبٍ بنٍ منبهٍ، / قال: فحدَّثتُ عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ حديثَه، واعتِناقَها إِیاہ ، فقال عبدُ اللّهِ: فوالذی نفسُ عبد اللّهِ بیده، ما فارقته من عِناقه حتى مرّبهما ٦٠٩/١٧ (١) بعده فى م: (( ثم قيل له )). (٢) فى م: (( بها)). ٣٥٩ سورة الأنبياء : الآيتان ٨٤،٨٣ كلُّ مالٍ لهما وولَدٍ (١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، عن ابنِ إسحاقَ ، قال: وقد سمِعتُ بعضَ من يذكُرُ الحديثَ عنه أنه دَعاها حينَ سألتْ عنه ، فقال لها : وهل تعرِفِينَه إذا رأيتِه ؟ قالت : نعَم، ومالى لا أعرِفُه؟ فتبسَّم ، ثم قال: ها أنا هو، وقد فرَّج اللَّهُ عنى ما کنتُ فيه . فعند ذلك اعتنقَتْه . قال وهبّ: فأوحَى اللَّهُ إليه(١) فى قسَمِه ليضرِبَنَّها فى الذى كلَّمتْه أن: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْتًا فَاضْرِب ◌ِّهِ، وَلَا تَحْنَثُ﴾ [ص: ٤٤]. أى: قد بَرَرَتَ يِينَك. يقولُ اللَّهُ تعالى: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَهُ صَابِأَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ، أَوَّابٌ﴾. يقولُ اللَّهُ: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ: أَهْلَهُ وَمَثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ ﴾ [ص: ٤٣]. حدَّثنا يحيى بنُ طلحةَ اليربوعىُّ، قال: ثنا فُضَيلُ بنُّ عياضٍ ، عن هشامٍ، عن الحسنِ، قال: لقد مكَث أيوبُ مطروحًا على كُناسةٍ سبعَ سنينَ وأشهرًا ما يسألُ اللَّهَ أن يكشِفَ ما به . قال: وما على وَجْهِ الأرضِ خلقٌ أُكرَمُ على اللَّهِ من أيوبَه، فيزعمون أن بعضَ الناسِ قال: لو كان لرَّبِّ هذا فيه حاجةٌ ما صنَع به هذا. فعند ذلك (٣) دَعا (٣). حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن يونسَ ، عن الحسنِ ، قال : بَقِى أيوبُ على كُناسةٍ لبنى إسرائيلَ سبعَ سنينَ وأشهرًا تختلِفُ فيه (٤) الدوابُ(٥). (١) ذكره البغوى فى تفسيره ٣٤٢/٥ عن ابن عباس. (٢) سقط من : م . (٣) أخرجه المصنف فى تاريخه ٣٢٤/١. (٤) فى م: (( عليه)) . (٥) أخرجه المصنف فى تاريخه ٣٢٤/١، ووقع فى آخره: اختلف فيها - فيه - الرواة. وهو خطأ. ٣٦٠ سورة الأنبياء : الآيتان ٨٣، ٨٤ حدَّثنى محمدُ بنُّ إسحاقَ ، قال : ثنا يحيى بن معينٍ ، قال : ثنا ابنُ عُيينةً، عن عمرو، عن وهب بن منبه ، قال : لم یکنْ بأیوب الأگَلَةُ ، إنما كان يخرج به مثلُ ثَدي مـ (١)(٢) النساءِ ثم ينقُفُهُ()() . حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنا مخلدُ بنُّ حسينٍ ، عن هشامٍ ، عن الحسنِ، وحجاجٌ، عن مباركٍ، عن الحسنِ - زاد أحدُهما على الآخرِ - قال: إِن أيوبَ آتاه اللَّهُ مالًا، وأوسَع عليه، وله من النساءِ والبقرِ والغَنَمِ والإبلِ، وإن عدوَّ اللَّهِ إبليسَ قيل له: هل تقدِرُ أن تفتِنَ أيوب ؟ قال: رَبِّ إِن أیوب أصبح فى دُنيا من مالٍ وولَدٍ ، ولا يستطيعُ ألا يشكُّرَك، ولكن سلِّطْنى(١) على مالِه وولَدِه، فسترى كيف يُطيعُنى ويَعصِيك. قال: فسلَّطَهُ(١) على ماله وولَدِه. قال: فكان يأتى بالماشيةِ من مالِه من الغنم فیحرِقُها بالنيرانِ ، ثم یأتی أیوب وهو ◌ُصلِّی متشبها براعى الغنم، فيقولُ : یا أيوبُ ، تُصلِّى لربِّك! ما ترَك اللَّهُ لك من ماشيتِك شيئًا من الغنم إلا أحرَقها بالنيرانِ ، وكنتُ ناحيةً فجئتُ لأخبِرَك. قال: فيقولُ أيوبُ: اللهمَّ أنت أعطيتَ، وأنتَ أخذت ، مهما تُثْقِ نفسِی أحمدك علی خشنٍ بلائِك . فلا یقْدِرُ منه علی شیءٍ مما یریدُ ، ثم يأتى ماشيته من البقرِ فيحرِقُها بالنيرانِ ، ثم يأتى أيوبٌ فيقولُ له ذلك، ويُدُّ عليه أيوبُ مثلَ ذلك. قال: وكذلك فعَل بالإبلِ حتى ما ترَك نه (٤) ماشيةً، حتى هدم البيتَ على ولَدِه، فقال: يا أيوبُ أرسَل اللَّهُ على ولَدِك من هدم عليهم البيوتَ، حتى هلكوا. فيقول أيوبُ مثلَ ذلك، وقال: رَبِّ هذا حينَ أحسنتَ إلىَّ الإحسانَ كلَّه، قد كنتُ قبلَ اليومِ يشغَلُنى حُبُّ المالِ بالنهارِ ، ويشغَلُنى حُبُّ الولّدِ بالليلِ شفقةً عليهم، فالآن (١) النَّقْفُ: كسر الهامة عن الدماغ ونحو ذلك، كما ينقف الظليم الحنظل عن حبه - أى يشقه - ونقف الفرخُ البيضة : نقبها وخرج منها . التاج (ن ق ف). (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٨/٤ إلى المصنف. (٣) بعده فى ت ٢: (( عليه و). (٤) بعده فى م، ت ١، ف: ((من).