Indexed OCR Text
Pages 601-620
٦٠١
سورة مريم : الآية ٧١
مُسَلَّمٌ، ومُكدَّسُ(١) فى جهنمَ، ومَحْدوشٌ ثم ناجٍ .
وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال : يَرِدُها الجميعُ ثم يصدُرُ عنها
المؤمنون فيُتَجِّيهم اللَّهُ، ويَهْوِى فيها الكفارُ. وورودُهموها هو ما تظاهرتْ به الأخبارُ
عن رسولِ اللهِ عَ ظَه مِن مرورِهم بها (١) على الصِّراطِ المنصوبِ على مَثْنِ جهنمَ، فناجٍ
مُسَلَّمٌ، ومُكَدَّس فيها .
ذكرُ الأخبارِ المَزْوِيَّةِ عن رسولِ اللهِ وَمِ بذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال : ثنا ابنُ إدريسَ، عن الأعمشِ، عن أبى سفيانَ ، عن
جابرٍ، عن أمِّ مبشرٍ امرأةٍ [٣٠/٣٥ظ] زيد بن حارثةَ، قالت: قال رسولُ اللَّهِ مَلٍ وهو
فى بيتٍ حفصةَ: ((لا يَدْخُلُ النارَ أحدٌ شَهِدَ بَدْرًا والحديبيةَ)). قالت(٢): فقالت
حفصةُ: يا رسولَ اللَّهِ، أليس اللَّهُ يقولُ: ﴿وَإِن ◌ِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ ؟ فقال
رسولُ اللَّهِ عَهِ: ((فَمَةُ(٣) (٤) ﴿ثُمَّ تُنِىُ) الَّذِينَ أَنَّقَواْ﴾(٥).
حدَّثنا الحسنُ بنُ مدركٍ، قال: ثنا يحيى بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أبو عَوانةً، عن
الأعمش، عن أبى سفيانَ، عن جابرٍ، عن أمِّ مبشرٍ، عن رسولِ اللَّهِ مْ لِ بمثله(٦).
(١) فى ص: ((فحدس))، وفى م، ت ٢: ((منكوس))، وفى ت ١: ((مخدش))، وفى ف:
((فخدس)). وتكدس الإنسان إذا دفع من ورائه فسقط، ويروى بالشين المعجمة، من الكدش، وهو
السوق الشديد، والكدش: الطرد والجرح أيضا. النهاية ٤ / ١٥٥.
(٢) سقط من: ص، م، ت ١، ف.
(٣) سقط من: ت ٢. وفى الأصل: ((قال)).
(٤ - ٤) فى الأصل، م: ((ینجی الله)) .
(٥) أخرجه أحمد ٣٦٢/٦ (الميمنية)، وابن أبى عاصم فى السنة (٨٦١)، والطبرانى ١٠٢/٢٥ (٢٦٦)
من طريق ابن إدريس به. وأخرجه ابن سعد ٢/ ١٠١، ٤٥٨/٨ من طريق أبى الزبير، عن جابر. وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٢/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم وابن الأنبارى وابن مردويه.
(٦) أخرجه الطبرانى ١٠٢/٢٥ (٢٦٥) من طريق يحيى بن حماد به .
٦٠٢
سورة مريم : الآية ٧١
حدَّثنا أبو كريب ، قال: ثنا أبو معاويةً، عن الأعمش، عن أبى سفيانَ ، عن
جابٍ، عن أمّ مبشرٍ، عن حفصةَ، قالت: قال رسولُ اللَّهِمَ ◌ّهِ: ((إنى لأَرْجو ألا
يَدْخُلَ النارَ ( إن شاء اللَّهُ أحدٌ شَهِدَ بدرًا والحُدَنِيةَ)). قالت: فقلتُ(٢): أليس اللَّهُ
يقولُ: ﴿وَإِن مِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾؟ قال: ((فلم تَسْمَعِيه يقولُ: ﴿ثُمَّ ◌َُِّى الَّذِينَ
أَتَّقَواْ وَّنَذَرُ الَّالِمِينَ فَِهَا جِئِيًّا﴾ (١).
١١٣/١٦
؟
/حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ ،
قال: ثنى عبيدُ اللَّهِ بنُ المغيرةِ بنِ مُعَيْقيبٍ (٢)، عن سليمانَ بنِ عمرو بنِ
عبدٍ العُتْوارِىِّ، (أحدُ بنىْ ليثٍ، وكان فى حَجْرِ أبى سعيدٍ، قال: سمعتُ أبا
سعيد الخدرىَّ يقولُ: سمِعتُ رسولَ اللّهِ عَهِ يقولُ: ((يُوضَعُ الصِّرَاطُ بِينَ ظَهْرَىْ
جَهَنَّمَ، عليه حَسَكٌ كَحَسَكِ السَّغْدانِ(١)، ثم يَشْتَجِيزُ الناسُ، فناجٍ مُسَلَّمٌ،
ومَجْروحٌ به، ثم ناج ومُخْتَبَسّ ومُكَّدَّسٌ فيها، حتى إذا فَرَعَ اللَّهُ مِن القضاءِ بينَ
العبادٍ() تَفَقَّدَ المؤمنون رجالًا كانوا معهم فى الدنيا؛ يُصَلُّون صلاتهم، ويُزَكُون
ز کاتهم، ويصومون صيامهم، ويُّون حجهم ، ويَغْزُون غَزْوهم ، فيقولون : أىْ
ربَّنا، عبادٌ مِن عبادِك كانوا معنا فى الدنيا؛ يُصَلُّون صلاتنا، ويُزَكّون زكاتَنا ،
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت ١، ف.
(٢) بعده فى ص، م، ت ١، ف: ((يا رسول الله)).
(٣) أخرجه أحمد ٢٨٥/٦، وهناد فى الزهد (٢٣٠)، وابن ماجه (٤٢٨١)، وابن أبى عاصم فى السنة
(٨٦٠)، وأبو يعلى (٧٠٤٤)، والبغوى فى تفسيره ٥/ ٢٥٢، وفى السنة ١٩٣/٤، والطبرانى ٣٥٨/٢٣
من طريق أبی معاوية به .
(٤) فى م: ((معيقب)) .
(٥ - ٥) فى ص، ت ١، ف: ((حدثنى)).
(٦) السعدان: نبت ذو شوك. النهاية ٢/ ٣٦٧.
(٧) فى ت ١: ((الناس)).
٦٠٣
سورة مريم : الآية ٧١
ويَصُومون صِيامَنا، ويَحُُون حَجَّنا، ويَغْزُون غَزْوَنا لا نَرَاهم؟! فيقولُ: اذْهَبوا إلى
النارِ، فَمَن وَجَدْتُ (١) فيها منهم فأخْرِجوه (١) . فيَجِدُونهم قد أخَذَتْهم النارُ على قَدْرٍ .
أعمالِهم؛ فمنهم مَن أَخَذَتْه النارُ إلى قَدَمَيْه، ومنهم مَن أَخَذَتْه إلى نصفٍ ساقَيْه ،
ومنهم مَن أَخَذَتْه إلى رُكْبَتَيْهِ، ومنهم من أزَرَتْه)، ومِنهم مَن أَخَذَتْه إلى ثَدْيَئِهِ ) ،
ومنهم مَن أخَذَتْه إلى عُنُقِه، ولم تَغْشَ الوُجُوهَ، فَيَسْتَحْرِ جُونهم منها،
فِيَطْرَحُونَهم [٣١/٣٥و] فى ماءِ الحياةِ)). قيل: وما ماءُ الحياةِ يا رسولَ اللَّهِ؟ قال :
((غُسْلُ أهلِ الجنةِ)). قال(٥): ((فِيَتْبُون كما تَنْبُتُ الزَّرْعةُ فى غُثَاءِ السَّيْلِ، ثم تَشْفَعُ
الأنبياءُ فى كلِّ مَن كان يَشْهَدُ أن لا إلهَ إلا اللَّهُ مُخْلِصًا، فيَسْتَخْرِ جونهم منها (٢) ، ثم
يَتَحَنَّنُ اللّهُ برحمتِه على مَن فيها، فما يَتْرُكُ فيها عبدًا فى قلبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِن الإيمانِ إلا
أخرجه منها )»(٧).
حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكم ، قال : ثنا أبى وشعيبُ بنُ الليثِ ، عن
الليثِ، "عن خالدٍ بن يزيدَ، عن ابنِ أبى هلالٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاء بنٍ
يسارٍ، عن أبى سعيدِ الخُدرىِّ، أن رسولَ اللَّهِ مَّمِ قال: ((يُؤْتَّى بالجِشْرِ - يعنى يومَ
القيامةِ - فَيُجْعَلُ بِينَ ظَهْرَىْ جهنمَ)). قلنا: يا رسولَ اللَّهِ، وما الجِشْرُ؟ قال:
(١) بعده فى الأصل: ((منهم)).
(٢) فى الأصل، ت ٢: ((فأخرجوهم))، وفى ص، ت ١، ف: ((فأخرجوبهم)).
(٣ - ٣) سقط من: م، ت ٢، وفى ص، ت ١، ف: ((أردته)).
(٤) فى الأصل: ((ثديه)).
(٥) سقط من: م.
(٦) فى م، ف: (منهم)).
(٧) أخرجه الحسين المروزى فى زوائد الزهد (١٢٦٨) من طريق يعقوب بن إبراهيم به. وأخرجه أحمد
١٤١/١٧ (١١٠٨١)، وابن خزيمة فى التوحيد ص٢١١ من طريق ابن علية به. وأخرجه ابن أبى شيبة
١٧٦/١٣، ١٧٧، وابن ماجه (٤٢٨٠)، والحاكم ٤/ ٥٨٥، ٥٨٦ من طريق محمد بن إسحاق به .
(٨ - ٨) فى ص، م، ت ١، ف: (( بن خالد عن یزید)).
٦٠٤
سورة مريم : الآية ٧١
((مَدْحَضَةٌ مَزَلَّةٌ، عليه خَطاطِيفُ وكَلَالِيبُ، وحَسَكَةٌ مُفَلْطَحَةٌ لها شَوْكَةٌ عَقِيفَاءُ(١)
تكونُ بِنَجْدٍ ، يقالُ لها: السَّعْدانُ . يَمُؤُّ المؤمنون عليها كالطَّرْفِ وكالتَوْقٍ وكالرِّيحِ،
وكأُجَاويدِ الخيلِ والرّكَابٍ (٢)، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، ومَحْدُوشٌ مُسَلَّمْ، ومَكْدُوسٌ(٣) فى
جهنمَ ، ثم يُّآخِرُهم يُسْحَبُ سَحْبًا، فما أنتم بأشَدَّ مُناشَدَةً لى فى الحقِّ ، قد تَبيَّنَ لكم
مِن المؤمنين يومَئذٍ للجبَّارِ تبارك وتعالى، إذا رَأَوهم قد نَجَوْا وَقِىَ إخوانُهم)) (٤).
١١٤/١٦
حدَّثنى أحمدُ بنُ عيسى ، قال: ثنا سعيدُ بنُ كثيرٍ بنِ عُفَيرٍ، قال : ثنا ابنُ لَهِيعةً،
عن أبى الزبيرِ، قال: سألتُ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ عن الوُرُودِ ، فقال: سمِعتُ رسولَ
اللَّهِ مَّمِ يقول: ((هو الدُّخولُ، تَرِدُون النارَ حتى يَخْرُجوا منها، فَآَخِرُ مَن يَبْقَى
رجلٌ على الصِّراطِ تَزْحَفُ ، فَيَرْفَعُ اللَّهُ تبارك وتعالى /له شَجَرَةً، قال: فيقولُ: أىْ
ربِّ، أدْنِنى منها. قال: فَيُدْنِيه اللَّهُ، تبارك وتعالى منها، قال: ثم يقولُ: أْ ربِّ،
أَدْخِلْنى الجنةَ. قال: "فيُدْخِلُه الجنةَ. قال: °) فيقولُ: سَلْ. قال: فيسألُ. فيقولُ:
ذلك لك وعَشَرَةُ أَضْعافِهِ، أو نحوها . قال: فيقولُ : يا ربِّ، تَسْتَهْزِئُّ بى؟ قال:
فِيَضْحَكُ حتى تَبْدِوَ لَهَواتُّه وأَضْراسُه))(٦) .
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: أخبرَنى يحيى بنُ أيوبَ، وحدَّثنا
ابو کریب ، قال : ثنا محمدُ بنُ زیدٍ ، عنڕشدین ، جمیعًا عن زبان بنِ فائدٍ ، عن
(١) أى: ملوية كالصنارة. النهاية ٢٧٦/٣.
(٢) فى ت ٢: ((الركبان)).
(٣) فى ت ١: مكدوش. وينظر ص ١١٢.
(٤) أخرجه البخارى (٧٤٣٩)، ومسلم عقب ح (٣٠٢/١٨٣)، وابن خزيمة فى التوحيد ص ٢٠١، وأبو عوانة
فى مسنده ١٦٩/١، وابن حبان (٧٣٧٧)، والآجرى فى الشريعة (٦٠٠) مختصرًا، وابن منده فى الإيمان
(٨١٧)، وفى الرد على الجهمية (٢)، والبيهقى فى الأسماء والصفات (٧٤٥) جميعًا من طريق الليث به.
(٥ - ٥) سقط من: م، ت ١، ف.
(٦) أخرجه أبو عوانة ١/ ١٣٩، وابن منده فى الإيمان (٨٥٠) من طريق أبى الزبير به .
(٧) فى م: ((زياد)). ينظر تهذيب الكمال ٩/ ٢٨١.
٦٠٥
سورة مريم : الآية ٧١
سهلِ بنِ معاذٍ، عن أبيه، عن رسولِ اللهِ مَ لِ أنه قال: «مَنْ حَرَسَ وراءَ المسلمين فى
سبيلِ اللَّهِ مُتَطَوِّعًا، لا يأخُذُه سُلطانٌ بحرسٍ، لم يَرَ النارَ بعَيْنِهِ إِلا تَحِلَّةَ القَسَمِ،
[٣١/٣٥ظ] فإن اللَّهَ جلّ وعزّ يقولُ: ﴿وَإِن مِّنَكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾))(١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحبى ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ ، أخبرنى
الزهرىُّ، عن ابنِ المسيبِ، عن أبى هريرةَ، أن النبيَّ مَ الِ قال: ((مَنْ ماتَ له ثلاثةٌ لم
نَشَّه النارُ إِلا تَمِلَّةَ القَسَمِ ». يعنى الوُرُودَ(٢).
وأما قولُه: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾. فإن أهلَ التأويلِ اختلفوا فى
تأويله ؛ فقال بعضُهم: معناه: كان على ربِّك قضاءً مَقْضِيًّا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿حَثْمًا﴾. قال: قضاءً(٣).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج: ﴿حَتْمًا
مَّقْضِيًّا﴾. قال : قضاءً .
وقال آخرون : بل معناه : كان على ربِّك قَسَمًا واجبًا .
(١) أخرجه البخارى فى الكبير ٤٤٣/٣ من طريق ابن وهب ، عن يحيى، عن رشدين به، وأخرجه أحمد
٣٧٩/٢٤ (١٥٦١٢)، وابن عبد الحكم فى فتوح مصر ص ٢٩٦، وأبو يعلى (١٤٩٠)، والطبرانى
١٨٥/٢٠ (٤٠٢، ٤٠٣)، وابن عدى ١٠١٢/٣، من طريق رشدين به .
(٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٠. وينظر تخريجه فى مسند الطيالسى (٢٤٢٣).
(٣) تفسير مجاهد ص ٤٥٨. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٣/٤ إلى ابن أبى حاتم وابن أبى شيبة وعبد
ابن حميد وابن المنذر .
٦٠٦
سورة مريم : الآيتان ٧٢،٧١
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنا أبو عمرٍو داودُ بنُ الزِّبْرِقانِ ، قال :
سمِعتُ السدىَّ يذكُرُ عن مُؤَّةَ الهمدانيّ، عن ابنِ مسعودٍ: ﴿ كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا
مَّقْضِيًّا﴾. قال: قَسَمًا واجبًا (١) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا
مَّقْضِيًا﴾. يقولُ: قَسَمًا واجبًا .
وقد بَّنْتُ القولَ فى ذلك .
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿ثُمَّ ◌ُنَِّى الَّذِينَ أَتَّقَواْ وَّنَذَرُ الَّلِمِينَ فِيهَا
٧٢
١١٥/١
/ يقولُ تعالى ذكره: ﴿ثُمَّ تُنَجِى﴾ مِن النارِ بعدَ ورودٍ جميعِهم إياها، ﴿الَّذِينَ
أَنَّقَواْ﴾ فخافوه بأداءِ فرائضِه، واجتنابِ مَعاصِيه، ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ
فِيهَا حِيًّا﴾. يقولُ جلّ ثناؤه: ونَدَعُ الذين ظَلَموا أنفسَهم، فعَبَدوا غيرَ اللَّهِ
وعَصَوا ربَّهم، وخالفوا أمْرَه ونَهْتَه فى النارِ ﴿ِنًا﴾ . يقولُ : بُوكًا علی رُكَبِهم.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَّنَذَرُ الَّلِمِينَ
فِيَهَا جِيًا﴾ على رُكَبِهم.
(١) ذكره ابن كثير ٢٥١/٥ عن السدى به .
٦٠٧
سورة مريم: الآ يتان ٧٣،٧٢
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ: ﴿ وَنَذَرُ الَّلِمِينَ فِيهَا ◌ِيًا﴾. قال: على رُكَبِهم(١).
حدَّثنی یونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله [٣٢/٣٥و]:
﴿ وَنَذَرُ الَّلِمِينَ فِيَهَا جِئِيًّا﴾. قال: الجثِيُ شَرُّ الجلوسِ، لا يجلسُ الرجلُ جائيًا إلا
عندَ کَوْبٍ ينزلُ به(٢) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ثُمَّ تُنَّجِى الَّذِينَ
أَتَّقَواْ وَّنَذَرُ الَّلِمِينَ فِيهَا ◌ِيًّا﴾: إن النَّاسَ ورَدوا جهنمَ وهى سوداءُ مُظلِمَةٌ ؛ فأما
المؤمنون فأضاءتْ لهم حسناتهم، فأُنْجوا منها، وأما الكفارُ فَأَوْبَقَتْهم أعمالُهم،
واخْتُبِسوا بذنوبهم .
القولُ فى تأويل قولِه جل ثناؤه: ﴿ وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا بَيِنَتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
لِلَّذِينَ ءَامَنُوْ أَىُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيّاً
٧٣
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِذَا نُتْلَى﴾ على الناسِ ﴿ءَايَتُنَا﴾ التى أنزلْناها على
رسولِنا محمدٍ ﴿ بَيِّنَةٍ﴾، يعنى واضحاتٍ لَمَن تأمَّلها وفَكّر فيها أنها أدلةٌ على ما
جَعَلها اللَّهُ أدلةً عليه لعبادِه ، ﴿ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ باللّهِ وبكتابه وآياتِه وهم قریش
لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾. بذلك(٢) فصَدَّقوا به وهم أصحابُ محمدٍ، ﴿أَىُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيرٌ
مَّقَامًا﴾. يعنى بالمقَامِ: موضعَ إقامتِهم، وهى مساكنُهم ومنازلُهم، ﴿ وَأَحْسَنُ
نَدِيََّ﴾ وهو المَجْلِسُ. يقالُ منه: نَدَوتُ القومَ أَنْدُوهم نَدْوَ إذا جَمَعتَهم فى مجلسٍ.
(١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٠، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٣/٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى
حاتم .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٣/٤ إلى ابن أبى حاتم .
(٣) سقط من: م.
٦٠٨
سورة مريم : الآية ٧٣
يقالُ: هو فى نَدِىٌّ قومِه وفى نادِيهم، بمعنّى واحدٍ ، ومِن النَّدِىِّ قولُ حاتم(١):
يُنْظَرْ إِلىَّ بِأَغْيُنْ خُزْرٍ
ودُعِیتُ فى أُولی الَّدِئِّ ولم
١١٦/١٦
/وتأويلُ الكلام: وإذا تُتْلَى عليهم آياتُنا بيِّناتٍ ، قال الذين كَفَروا للذين آمنوا :
أُّ الفريقَين مِنَّا ومنكم أوسَعُ عَيْشًا ، وأنعمُ بالًا، وأفضلُ مَشْكَنًا، وأحسنُ مَجْلِسًا،
وأجمعُ عددًا وغاشِيةٌ فى المجلسِ، نحن أم أنتم ؟
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ ، عن الأعمشِ، عن
أبِى ظَبيانَ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾. قال: المَقَامُ المَنْزِلُ،
والنَّدِىُّ المجلسُ(١).
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال : ثنا ابنُ أبى عدىٍّ، عن شُعْبةَ، عن سليمانَ ، عن أبى
طبیانَ ، عن ابنِ عباسٍ بمثله .
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی أُبی ، قال: ثنا عمى ، قال : ثنی أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا بَيِنَتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ
ءَامَنُوَأْ أَىُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾. قال: المَقَامُ الْمَسْكَنُ، والنَّدِىُّ
المجلسُ [٣٢/٣٥ظ] والنعمةُ والتَهْجةُ التى كانوا فيها، وهو كما قال اللَّهُ لقومٍ فرعونَ
حينَ أهْلَكَهم وقَصَّ شأنَهم فى القرآنِ قال: ﴿ كَمْ تَرَّكُواْ مِن جَنَّتٍ وَعُونٍ
٢٥
(١) دیوانه ص ٥٤.
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٥٢/٥ عن الأعمش به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٣/٤ إلى المصنف
والفريابى وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
٦٠٩
سورة مريم : الآية ٧٣
وَزُرُوِعُ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: ٢٥، ٢٦]. فالمقامُ المسكنُ والنعيمُ، والنَّدِىُّ المجلسُ
(١) ..
والمَجْمَعُ الذى كانوا يَجْتَمِعون فيه ، وقال اللَّهُ فيما قَصَّ على رسولِه فى أمرٍ لوطٍ إذا
قال: ﴿ وَتَأْتُونَ فِ نَادِيَكُمُ الْمُنكَرِّ﴾. والعربُ تُسَمِّى المجلسَ النادِىَ(١).
حدَّثنى علىُّ ؛ قال : ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىّ ، عن ابنِ عباسٍ،
قولَه: ﴿ وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾. يقولُ: مجلسًا .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قولِ اللَّهِ: ﴿أَىُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾. قال: قريشٌ تقولُها لأصحابِ محمدٍ عَ له.
﴿ وَأَحْسَنُ نَدِيَّ﴾. قال: مجالسُهم يقولونه أيضًا(٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ نحوه .
حدَّثنا بشرّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ
ءَكُنَا بَيِّنَتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوْ أَىُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾: رَأَوا
أصحابَ محمدٍ عَ لَه فى عَيْشِهم خُشُونَةً، وفيهم قَشَافةً ، فعَرَّضَ أهلُ الشركِ بما
تَسْمَعون ، قولُه: ﴿ وَأَحْسَنُ نَدِيًَّ﴾. يقولُ: مجلسًا(٤).
(١) فى النسخ: كنوز. أدخل فى هذه الآية آية سورة الشعراء: ﴿فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام
کريم ﴾ .
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٥٢/٥ عن العوفى عن ابن عباس.
(٣) تفسير مجاهد ص ٤٥٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٣/٤ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر وابن أبى
حاتم .
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٥٣/٥ عن قتادة .
( تفسير الطبرى ٣٩/١٥ )
٦١٠
سورة مريم : الآيتان ٧٣، ٧٤
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمر، عن
قتادةً فى قولِه: ﴿أَىُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾. قال: خيرٌ مكانًا وأحسنُ
(٢)
مجلسًا(٢) .
حدَّثنی يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَأَحْسَنُ
نَدِيََّ﴾٢. قال: النَّدِىُّ المجلسُ. وقرأ قولَ اللَّهِ: ﴿فَلَدْعُ نَادِيَهُ﴾. [ العلق: ١٧]. قال:
مجلسه .
/القول فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَثًا
(٧٤
وَرِهِیًا
١١٧/١٦
يقولُ تعالى ذكره : وكم أهلَكنا يا محمدُ قبلَ هؤلاءِ القائلين مِن أهلِ الكفرِ
للمؤمنين، إذا تُتْلَى عليهم آياتُ الرحمنِ: أىُّ الفريقين خيرٌ منازلَ(١) وأحسنُ
مجالسَ مِن قرنٍ هم كانوا أكثرَ متاعَ منازلَ مِن هؤلاءِ، وأحسنَ منهم منظرًا وأجملَ
صورًا ، فأهلَكنا أموالَهم، وغيَّرنا صورَهم. ومن ذلك قولُ علقمةَ بنِ عَبَدَةً(٥):
.
لَيْعِ الرِّدَاءِ(٦) فى الصَّوَانِ المُكَعَّبِ
[٣٣/٣٥و] كُمَيْتٍ كَلَوْنِ الأَرْجُوَانِ نَشَرْتَهُ
يعنى بالصوانِ : التختَ الذى تصانُ فيه الثيابُ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
(١ - ١) سقط من: م، ت ٢.
(٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١١.
(٣) فى ص، م، ت ١، ف: ((مقاما)).
(٤) بعده فى : م، ت ١، ف: ((نديا)).
(٥) ديوانه ص ٨٨.
(٦) فى ف: ((الرباء))، وفى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: ((الرئى)) والمثبت من الديوان .
٦١١
سورة مريم : الآية ٧٤
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن
أبِى ظَبيانَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أَحْسَنُ أَثَنَّا وَرِهِيًّا﴾. قال: الرِّثْىُ: المنظرُ،
والأثاثُ : المتاعُ(١).
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبى عدىٍّ، عن شعبةَ، عن سليمانَ ، عن أبى
◌َبیانَ ، عن ابنِ عباسٍ ، قال: الرئی المنظرُ.
حدَّثنى علىّ ، قال : ثنا عبدُ اللهِ ، قال : ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ:
قولَه: ﴿أَحْسَنُ أَثَا﴾، مالًا، وقولُه: ﴿وَرِعْيَا﴾. يقولُ: منظرًا(٢).
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أیی ، عن
أبيه ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أَحْسَنُ أَثَثًا وَرِعِيًا﴾، الأثاثُ: المالُ، والرّئُ: المنظرُ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال: ثنا هَوْذَةُ، قال: ثناعوفٌ، عن الحسنِ فى قوله: ﴿ أَنَّا
وَرِهْيًا﴾. قال: الأثاثُ: أحسنُ المتاعِ، والرّئُ. قال: المالُ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ: يقولُ اللهُ تبارَك
وتعالى: ﴿وَكَرْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَثًا وَرِعْيًا﴾. أى: أكثرُ متاعًا
وأحسنُ ("مَرْآةً ومنظرًا)، فأهلَك اللهُ أموالَهم، وأفسَد صورَهم عليهم، تبارَك
(١) تفسير سفيان ص ١٨٨، وأخرجه ابن أبى حاتم كما فى التغليق ٢٤٨/٤ من طريق الأعمش به، وذكره
ابن كثير فى تفسيره ٥ / ٢٥٢، عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٣/٤ إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن
حميد والمصنف وابن المنذر .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم كما فى التغليق ٢٤٩/٤ من طريق معاوية وليس فيه تفسير الرئی. وذكره ابن كثير
فى تفسيره ٥/ ٢٥٣، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٣/٤ إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد
والمصنف وابن المنذر.
(٣ - ٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: ((منزلة ومستقرا)).
٦١٢
سورة مريم : الآية ٧٤
وتعالى .
حدّثنا الحسنُ بنُ یحیی ، قال : أخبرنا عبد الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمر، عن
قتادةً فى قوله: ﴿ أَحْسَنُ أَثَنَّا وَرِهِيًّا﴾. قال: أحسنُ صورًا، وأكثرُ أموالًا (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى. وحدَّثنی
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، / قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن
مجاهدٍ: ﴿أَثَنَا﴾. قال: المتاعُ، ﴿وَرِمْيًا﴾. قال: فيما يَرَى الناسُ(٢).
١١٨/١٦
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن
مجاهدٍ ، بنحوه .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ وبشرُ بنُ معاذٍ ، قالا : ثنا جريرٌ، عن قابوسَ، عن أبيه ، عن ابنٍ
عباسٍ : الأثاثُ : المالُ، والرّئئُ : المنظرُ الحسنُ.
حدَّثنا القاسمُ ، قال ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، عن عطاءٍ
الخُراسانىّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَرِمْيَا﴾: منظرًا فى اللونِ والحُسنِ.
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله : ﴿ أَحْسَنُ
أَثَثَّا وَرِهِيًا﴾. قال: الرئىُ: المنظرُ، والأثاثُ: المتاعُ؛ أحسنُ متاعًا، وأحسنُ
منظرًا .
وحُدِّثت عن الحسينِ، قال: سَمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ أخبرنا عبيدٌ، [٣٣/٣٥ظ]
قال: سمعتُ الضحاكَ يقول١ُ) فى قوله: ﴿أَحْسَنُ أَثَثًا﴾. يعنى المالَ، ﴿ وَرِهْيَا﴾.
(١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١١.
(٢) تفسير مجاهد ص ٤٥٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٣/٤ إلى عبد بن حميد.
(٣ - ٣) سقط من: ص، م، ت ١، ف.
٦١٣
سورة مريم : الآية ٧٤
يعنى المنظرَ الحسنَ .
واختلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ: (وَرِيًّا)(١). غيرَ
مهموزٍ، وذلك إذا قُرِئ كذلك يتوجّه لوجهين؛ أحدُهما أن يكونَ قارُه أراد
الهمزةَ، فأبدَل منها ياءً، فاجتمَعَتِ الياءُ المُبدلةُ من الهمزِ والياءُ التى هى لامُ الفعلِ
فأُدغِمتا فجُعِلتا ياءً واحدةً مشددةً ؛ ليُلْحِقُوا ذلك - إذ كان رأسَ آيةٍ - بنظائِره من
سائرِ رءوسٍ الآياتِ قبلَه وبعدَه. والآخر أن يكونَ مِن: رَؤَنِتُ أَرَوِّى رَوِيَّةً ورِيًّا. وإذا
أَريدَ به ذلك كان معنى الكلام: وكم أهلكنا قبلَهم مِن قرنٍ ، هم أحسنُ متاعًا ،
وأحسنُ نظرًالمالِهِ ، ومعرفةً بتدبيره (١) . وذلك أن العربَ تقولُ: ما أحسنَ رَوِيَّةَ فلانٍ
فى هذا الأمرِ. إذا كان حسنَ النظرِ فيه والمعرفةِ به . وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ العراقِ
والكوفة والبصرةِ: ﴿وَرِعْيَا﴾(١). بهمزِها، بمعنى رؤية العين، كأنه أراد: أحسنُ
متاعًا ومَرآةً. ومحكِى عن بعضِهم أنه قرَأَه: (أحسنُ أثاثًا وزِيًّا) (٤) . بالزاي، كأنه
أراد : أحسنُ متاعًا وهيئةً ومنظرًا. وذلك أن الزِّىَّ هو الهيئةُ والمنظرُ، من قولهم:
زيَّيتُ الجاريةَ . بمعنى : زيَّتُها وهيَّتُها .
وأولى القراءاتِ فى ذلك بالصوابٍ قراءةُ مَن قَرَأَه: ﴿أَثَثًا وَرِهِيَّا﴾﴾(١) . بالراءِ
والهمزِ؛ لإجماع الحجةِ مِن أهلِ التأويلِ على أن معناه المنظرُ، وذلك هو من رؤية
العينِ، لا من الرّوِيَّةِ ؛ فلذلك كان الهمزُ به أولى، فإن قرَأْ قارئ ذلك بتركِ الهمزِ وهو
(١) هى قراءة قالون عن نافع وابن ذكوان عن ابن عامر. التيسير ص ١٢١.
(٢) فى ص، م، ت ١، ف: ((لتدبيره)).
(٣) هى قراءة غير قالون وابن ذكوان . المصدر السابق .
(٤) هى قراءة ابن عباس وسعيد بن جبير، ويزيد البربرى وأبى بن كعب والأعسم المكى، وزياد، وهى قراءة
شاذة . ينظر البحر المحيط ٦/ ٢١١، وتفسير القرطبى ١٤٣/١١.
(٥) القراءتان ( رِئيا ) و(رِيًّا) كلتاهما متواترتان .
٦١٤
سورة مريم : الآيتان ٧٤، ٧٥
يريدُ هذا المعنى ، فغيرُ مخطىٌّ فى قراءتِه . وأما قراءةُ مَن قرَأ بالزاِ فقراءةٌ خارجةٌ عن
قراءة القرأةِ ، فلا أستجيزُ القراءةَ بها؛ لخلافِها قراءَتَهم، وإن كان لهاً ) فى التأويل
وجة صحیح .
واختلف أهلُ العربيةِ فى الأثاثِ ، أجمعٌ هو أم واحدٌ ؟ فكان الأحمرُ(٢) فيما
ذُكِر لى عنه يقولُ: هو جمعٌ واحدتُها أَثَاثةٌ، كما الحمامُ جمعٌ واحدتُها حمامةٌ ،
والسحابُ جمعٌ واحدتُها سحابةٌ .
وأما الفراءُ فإنه كان يقولُ: / لا واحدَ له، كما أن المتاعَ لا واحدَ له . قال :
والعربُ تجمعُ المتاعَ: أَمْتِعَةٌ، وأماتيعُ، ومُتُعٌ. قال: ولو جمعتَ الأثاثَ لقلتَ :
ء . . (٣)
ثلاثةُ آنَّةٍ وَأَثُثٍ (٣) .
١١٩/١٦
وأما الرّئُ فإن جمعَه: أَزَآءُ.
[٣٤/٣٥ و] القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿قُلْ مَن كَانَ فِ الضَّلَلَةِ فَلَيْدُدْ لَهُ
الرَّحْتَنُ مَدَّا حَتَّىَ إِذَا رَأَوْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا
وَأَضْعَفُ جُندًا (٧٥
يقولُ تعالى ذكْرُه لنبيّه محمدٍ عَّهِ: قلْ يا محمدُ لهؤلاءِ المشركين بربِّهم ،
القائِلين إذا تُتْلَى عليهم آياتنا: أُّ الفريقين منا ومنكم خيرٌ مقامًا وأحسنُ نديًّا، مَن
كان مِنا ومِنكم فى الضلالةِ جائرًا عن الطريقِ الحقِّ، سالِكًا غيرَ سبيلِ الهدى،
فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدَّاً﴾. يقولُ: فلْيُطوِّلْ له اللهُ فى ضلالتِهِ، وليُمْلِه فيها إملاءً.
(١) فى ص، م، ت ١، ف: ((لهم)).
(٢) هو على بن المبارك - وقيل: ابن الحسن - الأحمر النحوى شيخ العربية. توفى سنة أربع وتسعين ومائة .
تنظر ترجمته فى إنباه الرواة ٣١٣/٢، وسير أعلام النبلاء ٩/ ٩٢.
(٣) معانى القرآن للفراء ٢ / ١٧١.
٦١٥
سورة مريم : الآيتان ٧٥، ٧٦
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عیسی ، عن ابنِ أبی
نجيح، عن مجاهدٍ قوله: ﴿فِىِ الضَّلَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدَّاً﴾ . فليَدَغْه اللهُ فى
.(١)
طغيانه
حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
وقولُه: ﴿حَقََّ إِذَا رَأَوَأْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾. يقولُ تعالى
ذكْرُه: قلْ لهم: مَن كان منا ومنكم فى الضلالةِ ، فليُعْلِ(١) له الرحمنُ فى ضلالتِه
إلى أن يأتيَهم أمرُ اللهِ؛ إما عذابٌ عاجلٌ، أو يَلقَوا ربَّهم عندَ قيام الساعةِ التى وعَد اللهُ
خلْقَه أن يجمعَهم لها ، فإنهم إذا أتاهم وعدُ اللهِ بأحدِ هذين الأُمْرين ﴿ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ
هُوَ شَرِّ مَّكَانًا﴾، ومسكنًا منكم ومنهم ﴿ وَأَضْعَفُ جُندًا ﴾ أهم أم أنتم،
ويتبيّنون(٢) حينئذٍ أَّ الفريقين خيرٌ مقامًا، وأحسنُ ندیًّا .
القولُ فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْاْ هُدَى وَالْبَقِيَتُ
(١) تفسير مجاهد ص ٤٥٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٣/٤ إلى ابن أبى شيبة، وعبد بن حميد ،
وابن المنذر، وابن أبى حاتم .
(٢) فى م، ت ١، ف: ((فليمدد))، وفى ت ٢: (( فليملل)).
(٣) فى الأصل، ص، ت ٢: ((تتبينون)).
٦١٦
سورة مريم : الآية ٧٦
(٧٦
الصَِّحَتُ خَيْرٍّ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا
يقولُ تعالى ذكْرُه: ويزيدُ اللهُ مَن سَلَك قصدَ المحجَّةِ، واهتدى لسبيلٍ
الرشدِ ، [٣٤/٣٥ظ] فآمَن بربِّه، وصدَّق بآیاتِه ، فعمِلَ بما أمره اللهُ به، وانتهى عما نهاه
عنه ﴿هُدِّئَّ﴾ بما يتجدَّدُ له من الإيمانِ بالفرائضِ التى يَفْرِضُها عليه، (١ والأعمالِ
التى يُوجِبُها عليه، فيُصدِّقُ بوجوبِها عليه٢١، ويُقرُّ بلزوم فرضِها إياه، ويعملُ بها ،
فذلك زيادةٌ من اللهِ تعالى ذكره فى اهتدائِه بآياتِه هدى على هداه . وذلك نظيرُ قولِه :
﴿ وَإِذَا مَآ أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِةٍ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَنَّا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤]. وقد كان بعضُهم يتأوَّلُ ذلك :
ويزيدُ اللهُ الذين اهتدوا هدِی / بناسخ القرآنِ ومنسوخِه، فيؤمنُ بالناسخِ، كما آمَن
قبلُ بالمنسوخ، فذلك زيادةُ هدىٌ من اللهِ له على هُداه من قبلُ .
١٢٠/١٦
وَالْبَقِيَتُ الصَّلِحَتُ خَيْرُّ عِندَ رَيِّكَ ثَوَبًا وَخَيْرٌ مَّرَدًا﴾ يقولُ تعالى ذكْرُه:
والأعمالُ التى أمَر اللهُ بها عبادَه ورضِيها منهم، الباقياتُ لهم غيرُ الفانياتِ
الصالحاتُ، خيرٌ عندَ ربِّك جزاءً لأهلِها، وخَيْرٌ مَرَدًّا عليهم من مقاماتٍ [٣٣٨/٢]
هؤلاءِ المشركين باللهِ ، وأندِيتِهم التى يَفْتَخِرون بها على أهلِ الإيمانِ فى الدنيا .
وقد بيَّنا معنى الباقياتِ الصالحاتِ ، وذكرنا اختلافَ المختلِفين فى ذلك، ودلَّلْنا
على الصوابِ من القولِ فيه فيما مضى بما أغنَى عن إعادته فى هذا الموضع(٣) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا عمرُ(٣) بنُ
راشدٍ ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبى سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ ، قال : جلَس
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت ١، ف.
(٢) تقدم فى ص ٢٧٤ وما بعدها .
(٣) فى الأصل: ((عمرو))، وفى تفسير عبد الرزاق: ((عمير)) ينظر تهذيب الكمال ٣٤٠/٢١.
٦١٧
سورة مريم : الآيات ٧٦ - ٧٨
النبيُّ عَلَّهِ ذاتَ يومٍ، فَأخَذ عودًا يابسًا، فخَطّ ورقَه ثم قال: ((إنَّ قَوْلَ: لا إلهَ إلاَّ
اللهُ، واللهُ أكبرُ، والحمدُ للهِ، وسُبحانَ اللهِ، يحُطُّ الخطايا، كما تَحُطُّ ورَقَ هذه
الشَّجرَةِ الريحُ، خُذْهُنَّ يا أبا الدَّرْدَاءِ قبلَ أنْ يُحالَ بينك وبينَهُنَّ، هُنَّ الباقياتُ
الصالحاتُ، وهُنَّ مِنْ كُنُوزِ الجنَّةِ)). قال أبو سلمةَ: فكان أبو الدرداءِ إِذا ذكَر هذا
الحديثَ قال: لأُهلِّلنَّ اللهَ، ولأُكبرنَّ اللهَ، ولأُسبحتَّ اللهَ، حتى إذا رآنى الجاهلُ
حَسِب أنى مجنونٌ(١).
[٣٥/٣٥ و] القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿أَفَرَءَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بَايَتِنَا
أَطَلَعَ الْغَيْبَ أَمِ أَنَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا
وَقَالَ لَأُوْنَيَ مَالًا وَوَلَدًا (ِيَ
يقولُ تعالى ذْرُه لنبيِّه محمدٍ عَّهِ: أَفَرِأَيْتَ يا محمدُ الذِى كَفَرَ بأدِلَّيْنَا(٢)
وحججِنا فلم يصدِقْ بها، وأنكَر وعيدَنا أهلَ الكفرِ ، وقال وهو باللهِ كافرٌ وبرسولِه :
لأُوتَيَّ فى الآخرةِ مالًا وَوَلِدًا .
وذُكِر أن هذه الآياتِ أَنزلت فى العاصِ بنِ وائلِ السَّهْميِّ أبى عمرو بنِ
العاصِ .
ذكْرُ الروايةِ بذلك
حدَّثنى أبو السائبِ وسعيدُ بنُ يحيى، قالا: ثنا أبو معاويةً ، عن الأعمشِ، عن
مسلم، عن مسروقٍ ، عن خَّابٍ، قال: كنت رجلاً قَيًِّا(١) ، وكان لى على العاصِ
ابنِ وائلٍ السَّهميِّ دَيْنٌ، فَأَتَيْتُه أتقاضَاه، فقال: واللهِ لا أَقْضِيك حتى تكفرَ بمحمدٍ .
(١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٢، وأخرجه ابن ماجه (٣٨١٣)، وابن عدى فى الكامل ١٦٧٥/٥ من طريق
عمر ابن راشد بنحوه مختصرا .
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: (( بآياتنا)).
(٣) القين: الحداد والصائغ. النهاية ٤ / ١٣٥.
٦١٨
سورة مريم : الآيتان ٧٧، ٧٨
قال : فقلت : واللهِ لا أكفرُ بمحمدٍ حتى تَموتَ ثم تُبْعَثَ. قال: فقال: فإذا أنا مِتُّ ثم
يُعِثثُ(١)، جئتنى ولى مالٌ وولدٌ. قال: فأنزل اللهُ تبارك وتعالى: ﴿أَفَرَّيْتَ الَّذِى
أَطَلَعَ الْغَيْبَ أَمِ لْتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ
VV
كَفَرَ بِثَايَتِنَا وَقَالَ لَأُوتَّيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا
عَهْدًا﴾ إلى قوله: ﴿ وَيَأْنِنَا فَرْدًا ﴾(١)
حدَّثنى به أبو السائبِ ، وقرَأ فى الحديثِ: وولدًا.
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أنی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: / أن رجالًا من أصحابِ رسولِ اللهِ عَ ◌ّ كانوا يَطْلُبون العاصَ
ابنَ وائلِ السَّهْمىَّ بدَيْنٍ، فَأَتَوه يتقاضَوْنَه ، فقال: ألستمْ تَزْعُمون أنَّ فى الجنةِ فِضَّةً
وذهبًا وحريرًا ومن كلِّ الثمراتِ؟ قالوا: بلى. قال: فإنّ موعدَكم الآخرةُ ، فواللهِ
لأُوتَيَّ مالًا وولدًا، ولأَوتينَّ مِثْلَ كتابِكم الذى جئتم به. فضرَب اللهُ مثَّلَه فى القرآنِ،
فقال: ﴿أَفَرَءَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِثَايَتِنَا وَقَالَ لَّأُوتَيَنَّ مَالًا﴾ إلى قوله: ﴿ وَيَأْنِيِنَا
(٣)
١٢١/١٦
فَرْدًا ﴾(٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى. وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ ،
فى قولِ اللهِ عز وجل: ﴿لَأَوْتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾. قال العاصُ بنُ وائل يقولُهُ(٤).
(١) بعده فى م: ((كما تقول))، وص: ((بعد)).
(٢) أخرجه مسلم (٣٦/٢٧٩٥)، والترمذى (٣١٦٢)، والنسائى فى الكبرى (١١٣٢٢)، وأخرجه
البخارى (٢٠٩١، ٢٢٧٥، ٢٤٢٥، ٤٧٣٢، ٤٧٣٣، ٤٧٣٤، ٤٧٣٥)، ومسلم (٢٧٩٥ / ٣٥،
٣٦) والترمذى (٣١٦٢) من طريق الأعمش به .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٣/٤ إلى ابن أبى حاتم وابن مردويه.
(٤) تفسير مجاهد ص ٤٥٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٤/٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر
وابن أبى حاتم.
٦١٩
سورة مريم : الآيتان ٧٧، ٧٨
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريج، عن
مجاهدٍ ، مثلَه .
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَفَرَءَيْتَ
الَّذِى كَفَرَ بَِايَتِنَا وَقَالَ لَأُوْتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾، فذُكِر لنا أن رجلًاً(١) من
أصحابِ رسولِ اللهِ عَ لِ أتى رجلًاً [٣٥/٣٥ظ] من المشرِ كين يتقاضَاهِ دَيْنًا له ، فقال له :
أليس يَزْعُمُ صاحبُكم أن فى الجنةِ حريرًا وذهبًا؟ قال: بلى، قال فميعادُكم الجنةُ ،
فواللهِ لا أُومِنُ بكتابِكم الذى جئتم به - استهزاءٌ بكتابِ اللهِ - ولأَوتَيَّ مالاً وولدًا .
يقولُ اللهُ عز وجل: ﴿ أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ أَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحبى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا الثورىُّ، عن
الأعمش، عن أبى الضحى ، عن مسروقٍ قال: قال خبابُ بنُ الأَرَتِّ : كنت قَيْئًا
بمكةَ ، فكنت أعملُ للعاصِ بنِ وائلٍ ، فاجتَمَعَتْ لى عليه دراهم ، فجئت لأتقاضاه ،
فقال لى : لا أَقْضِيك حتى تكفرَ بمحمدٍ . قال : قلت : لا أكفرُ بمحمدٍ حتى تموتَ ثم
تُبْعَثَ . قال : فإذا بُعِثتُ كان لى مالٌ وولدٌ. قال: فذكَوْتُ ذلك لرسولِ اللهِ عَ لَّه ،
فأنزل اللهُ تبارك وتعالى: ﴿ أَفَرَءَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِثَايَتِنَا وَقَالَ لَّأُوْنَيَّ مَالًا
وَوَلَدًا ﴾ إِلى: ﴿ وَيَأْنِينَا فَرْدًا﴾(٢).
واختلفتِ القرأةُ فى قراءةِ قوله: ﴿ وَوَلَدًا﴾. فقرَأته عامَّةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ
وبعضُ أهلِ الكوفةِ: ﴿وَلَدًا﴾. بفتح الواوِ من الوَلَدِ ، فى كلِّ القرآنِ(١). غيرَ
أن أبا عمرو بنِ العلاءِ خصَّ التى فى سورةِ ((نوحِ)) بالضمّ، فقرَأها: (مالُهُ
(١) فى م: ((رجالا)). والذى فى م فيما سيأتى بعد فى هذا الأثر كان بضمير الجمع.
(٢) تفسير عبد الرزاق ١٣/٢.
(٣) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر. السبعة ص ٤١٢.
٦٢٠
سورة مريم : الآيتان ٧٧، ٧٨
وَؤُلْدُهُ ) [نوح: ٢١](١) . وأما عامَّةُ قرأةِ الكوفةِ غيرُ عاصم، فإنهم قَرءوا من هذه
السورةِ من قولِه: ﴿أَفَرَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بَِايَتِنَا وَقَالَ لَأُوْتَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ إلى
آخرِ السورةِ، والتى) فى ((الزخرفٍ))، والتى فى ((نوحِ)) بالضمّ وسكونِ اللامِ ).
وقد اختلف أهلُ العربيةِ فى معنى ذلك إذا ضُمَّت واوُه ، فقال بعضُهم : ضمُّها
وفتحُها واحدٌ، وإنما هما لُغتان، مثلُ قولِهِم: العُدْمُ والعَدَمُ، والحُزْنُ والحَّنُ.
واستشهدوا لقيلهم ذلك بقول الشاعرِ(٤):
وليت فُلانًا كان وُلْدَ حِمارٍ
فليت فُلانًا كان فى بطن أُمِّهِ
/ ويقولُ الحارثُ بنُ حِلِّرةً(٥) :
١٢٢/١٦
قَدْ ثَمَّرُوا مالًا وَؤُلْدَا
وَلَقَدْ رَأيْتُ مَعاشِرًا
وقولُ رُؤْبةً(٦):
لَمْ يَتَّخِذْ مِن وُلْدِ شىءٍ وُلْدًا
الحمدُ للهِ العزِيزِ فَوْدًا
وتقولُ العربُ فى مثَلِها: وُلْدُكِ مَنْ دَمَّى عَقِبَيْكِ(١) . قال: وهذا كلُّه واحدٌ ،
بمعنى الوَلَدِ . وقد ذُكِر لى(٨) أن قيسًا تجعلُ الوُلْدَ جمعًا، والوَلَدَ واحدًا. ولعلَّ الذين
(١) وكذا قرأ ابن كثير. المصدر السابق.
(٢) فى النسخ: ((اللتين)) والمثبت هو الصواب، فذكر الولد فى سورة الزخرف ورد مرة واحدة، وذلك فى
قوله تعالى: ﴿ قل إن كان للرحمن ولد﴾ [الزخرف: ٨١].
(٣) وهى قراءة حمزة والكسائى: ينظر المصدر السابق.
(٤) البيت فى اللسان (ول د) وفى المحتسب ٣٦٥/١ غير منسوب .
(٥) البيت فى معانى القرآن ٢/ ١٧٣، واللسان (ول د).
(٦) البیت لیس فی دیوانه. وذكره ابن کثیر فی تفسیره ٥/ ٢٥٥.
(٧) له قصة تنظر فى مجمع الأمثال ٣/ ٤٢٤.
(٨) ليست فى الأصل ، ص ، ت١ .