Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢١
سورة مريم : الآية ٢٧
كانت تسمعُ، يعنى: ما كانت تسمعُ" من الملائكةِ مِن البشارةِ بعيسى ، حتى إذا
كلَّمها ، يعنى عيسى، وجاءها مصداقُ ما كان اللَّهُ وعدَها احتمَلَتْه، ثم أقبلَت به
إلى قومِها .
وقال السدىُّ فى ذلك ما حدَّثنا موسى ، قال: ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ، قال: لما ولَدْه ذهَب الشيطانُ، فأخبرَ بنى إسرائيلَ أنَّ مريمَ قد ولدَت ،
فأقبلوا يشتدُّون ، فدعَوْها، ﴿فَأَتَتْ بِهِ، قَوْمَهَا تَحْمِلٌْ﴾(٢).
وقولُه: ﴿قَالُواْ يَمَرْيَمُ لَقَدْ حِثْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: فلما
رَأَوْا مريّمَ ، وَرَأَوْا معَها الولدَ الذى ولدَته ، قالوا لها : يا مريمُ لقد جئتِ بأمرٍ عجيبٍ،
وأحدثْتِ حدَثًا عظيمًا .
وكلُّ عامل عملًا أجادَه وأحسَنه فقد فَرَاه، كما قال الراجزُ(١):
قَدْ أُطْعَمْتِى دَقَلا حَجْرِيًّا
قدْ كنتِ تَفْرِينَ به الفَرِيًّا
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عنِ ابنِ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ
(١ - ١) سقط من: م، ت ١، ف .
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ٦٠٠/١، بنفس الإسناد موصولًا عن ابن عباس وابن مسعود .
(٣) هو زرارة بن صعب، تنظر الأبيات فى اللسان ( د ود) (س وس)، (ف را).
٥٢٢
سورة مريم: الآيتان ٢٨،٢٧
فى قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿فَرِيًا﴾. قال: عظيمًا(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عنِ ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ مثلَه .
/حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَقَدْ جِئْتٍ
شَيْئًا فَرِيًّا﴾. قال: عظيمًا(٢).
٧٧/١٦
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿لَقَدْ جِئْتٍ
شَيْئًا فَرِيًا﴾. يقولُ(٣): عظيمًا(٤).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنٍ إِسحاقَ، عمن لا يَتَّهمُ ، عن وهبِ
ابنِ منّهٍ، قال: لما رأوها ورأؤه معها، قالوا: يا مريمُ ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾:
أى الفاحشةَ غيرَ المقاربةِ .
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿يَأُخْتَ هَرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ آمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا
كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّاً
٢٨
اختلف أهلُ التأويل فى السببِ الذى من أجلِه قيل لها : يا أُختَ هارونَ، ومَن
كان هارونُ هذا الذى ذكرُه اللَّهُ، وأخبَر أنَّهم نسبُوا مريمَ إلى أنَّها أختُه ؛ فقال
(١) تفسير مجاهد ص ٤٥٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٠/٤ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن
المنذر وابن أبى حاتم ، وينظر فتح البارى ٤٧٩/٦ .
(٢) ذكره الحافظ فى الفتح ٤٧٩/٦ من طريق سعيد به ، وعزاه إلى المصنف ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٧٠/٤ إلی عبد الله بن أحمد فى زوائد الزهد .
(٣) فى م: ((قال)).
(٤) أخرجه المصنف فى تاريخه ٦٠٠/١، بنفس الإسناد موصولًا عن ابن عباس وابن مسعود، وذكره ابن
کثیر فی تفسيره ٢٢٠/٥ .
....- |
٥٢٣
سورة مريم : الاية ٢٨
بعضُهم: قيل لها: ﴿ يَأُخْتَ هَرُونَ﴾. نسبةً منهم لها إلى الصلاح؛ لأنَّ أهلَ
الصلاح فیھم کانوا یُسمَّؤْن هارون ، وليس بهارونَ أخی موسی .
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ فى
قوله: ﴿يَأُخْتَ هَرُونَ﴾. قال: كان رجلاً صالحاً فى بنى إسرائيلَ يُسمَّى هارونَ،
فشبّهوها به، فقالوا: يا شبيهةً هارونَ فى الصلاحِ(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ فى قوله: ﴿يَأُخْتَ
هَرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ . قال: كانت من أهلِ بيتٍ
يُعرفون بالصلاح، ولا يُعرفون بالفسادِ، ومن الناسِ من يُعرفُ ) بالصلاح
ويتوالدُون به ، وآخرون يُعرفون بالفسادِ ويتوالدُون به، وكان هارونُ مُضْلِحًا محببًا
فى عشيرته، وليس بهارونَ أخى موسى ، ولكنَّه هارونُ آخرُ. قال: وذُكِر لنا أنه شيَّع
جِنازَه يومَ مات أربعون ألفًا، كلُّهم يُسمَّى(٣) هارونَ من بنى إسرائيلَ(٤).
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةً، عن سعيدِ بنِ أبى صدَقَةَ، عن محمدِ بنِ
سيرينَ، قال: نُبئتُ أنَّ كعبًا قال: إنَّ قولَه: ﴿يَأُخْتَ هَرُونَ﴾. ليس
بهارونَ أخى موسى . قال: فقالت له عائشةُ: كذبتَ . قال: يا أمَّ المؤمنين ، إن كان
النبىُّ عَظَلِ قالَه فهو أعلمُ وخيرٌ(٥) ، وإلَّا فإِنِّى أجدُ بينَهما ستَّمائةٍ سنةٍ. قال:
(١) تفسير عبد الرزاق ٧/٢ .
(٢) فى م، ت ١ : ((يعرفون)).
(٣) فى م: ((يسمون)).
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٢٢/٥ نقلاً عن المصنف.
(٥) فى م ١، ت١، ت ٢، ف: ((أُخبر)).
٥٢٤
سورة مريم : الآية ٢٨
فسكنتْ(١).
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهب، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿يَأُخْتَ
هَرُونَ﴾. قال: اسم واطاً اسمًا، كم بينَ هارونَ وبينَها(٢) من الأمم؛ أتمٌ كثيرةٌ .
حدَّثنا أبو كريبٍ وابنُ المثنى وسفيانُ بنُ(٢) وكيعٍ وأبو السائبِ، قالوا: ثنا
عبدُ اللَّهِ بنُ إدريسَ الأودىُّ، قال: سمعتُ أبى يَذْكرُ عن سِماكِ بنِ حربٍ ، عن
٧٨/١٦ علقمةَ بنِ وائلٍ، عن المغيرةِ بنِ شعبةَ، قال: بعثَنى / رسولُ اللَّهِ مٍَّ [١٠/٣٥ظ] إلى
أهلِ نجرانَ، فقالوا لى: ألستُم تقرءون ﴿ يَأُخْتَ هَرُونَ﴾؟ قلتُ: بلى . وقد
علمتُم ما كان بينَ عيسى وموسى ، فرجعتُ إلى رسولِ اللَّهِ يَّلَّهِ ، فأخبرتُه، فقال:
((ألا أَخْبَرتَهم أنهم كانوا يُسمَّون بأبنيائِهم والصالحين قبلَهم)) (٤).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن سماكِ بنِ
حربٍ، عن علقمةَ بنِ وائلٍ، عن المغيرةِ بنِ شعبةَ، قال: أرسَلنى النبىُّ ◌َ ◌ِّ فى بعضٍ
حوائجِه إلى أهلِ نجرانَ ، فقالوا: أليس نبيِّك يزعُمُ أن هارونَ أخو مريمَ هو أخو
موسى؟ فلم أدرِ ما أردُّ عليهم حتى رجعتُ إلى النبيِّ عَظِلّهِ فذكرتُ ذلك له ، فقال:
((إنهم كانوا يُسمَّون بأسماءٍ مَن كان قبلَهم)).
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٢٢/٥ نقلًا عن المصنف، وقال: وفى هذا التاريخ نظر. وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٢٧٠/٤ إلى ابن أبى حاتم.
(٢) فى م، ت ٢: ((بينهما)).
(٣) فى م: ((وابن))، وينظر تهذيب الكمال ٢٠٠/١١ .
(٤) أخرجه مسلم (٢١٣٥)، والترمذى (٣١٥٥) عن محمد بن المثنى به، وأخرجه ابن أبى شيبة ٥٥١/١٤،
وأحمد ١٤١/٣٠ (١٨٢٠١)، ومسلم (٢١٣٥)، والترمذى (٣١٥٥)، والنسائى فى الكبرى (١١٣١٥)،
والبغوى فى تفسيره ٢٢٩،٢٢٨/٥ من طريق عبد الله بن إدريس به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٠/٤ إلى
عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه .
٥٢٥
سورة مريم : الآية ٢٨
وقال بعضُهم: عُنِى به هارونُ أخو موسى ، ونُسِبتْ مريمُ إلى أنَّها أختُه؛ لأنَّها
مِن ولدِه، كما(١) يقالُ للتميميّ: يا أخا تميم. وللمُضَرِىِّ: يا أخا مُضَرٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿يَأُخْتَ
هَرُونَ ﴾ . قال: كانت من بنی هارون أخی موسی ، وهو كما يقالُ(١) : يا أخا بنى
(٣)
فلانٍ(٣) .
وقال آخرون : بل كان ذلك رجلاً منهم فاسقًا مُعْلِنَ الفسقِ ، فنسبُوها إليه .
والصوابُ من القولِ فى ذلك ما جاء به الخبرُ عن رسولِ اللَّه ◌ِ ل الذی ذ کرناه،
وأنَّها نُسبتْ إلى رجلٍ من قومِها ( يقالُ له : هارون٤ُ).
وقولُه: ﴿ مَا كَانَ أَبُوكِ آمْرَأَ سَوْءٍ﴾. يقولُ: ما كان أبوكِ رجلَ سوءٍ يأتى
الفواحشَ، ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ يَغِيَّ﴾. يقولُ: وما كانت أمُّك زانيةٌ .
كما حدَّثنا موسى ، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ: ﴿وَمَا
كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًَّ﴾. قال: زانيةٌ. قال: ﴿ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ . ولم يقُلْ: بغِيَّةً؛
لأَنَّ ذلك مما يوصَفُ به النساءُ دونَ الرجالِ ، فجرَى مَجْرَى : امرأةٌ حائضٌ وطالقٌ .
وقد كان بعضُهم يُشبّه ذلك بقولِهم : مِلْحَفةٌ جديدٌ(٥)، وامرأةٌ قتيلٌ.
(١) سقط من: م، ت ١، ف .
(٢) فى م، ت١: (( تقول)).
(٣) أخرجه المصنف فى تاريخه ٦٠٠/١ بإسناده إلى السدى بإسناده المعروف، وتقدم أوله فى ص ٤٨٣ .
(٤ - ٤) سقط من: ص ، م، ت١ ، ف .
(٥) فى م: ((جديدة)).
٥٢٦
سورة مريم : الآية ٢٩
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهٍ قَالُواْ كَيْفَ تُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِ
٢٩
الْمَهْدِ صَبِيًّا
يقولُ تعالى ذكره : فلمَّا قال قومُها ذلك لها قالت لهم ما أمرَها عيسى بقيله
لهم، ثم أشارتْ [١١/٣٥و] لهم إلى عيسى أنْ كلِّموه .
كما حدَّثنا موسى ، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ، قال: لما
قالوا لها : ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ آمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾. قالت لهم ما أمرَها اللَّهُ
به، فلمَّا أرادُوها بعدَ ذلك على ) الكلام ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾؛ إلى عيسى.
/حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَأَشَارَتْ
إِلَيْهِ﴾. "قال: أمرتهم بكلامِه(٣).
٧٩/١٦
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ ، عمَّن لا يَنَّهمُ ، عن وهبِ
ابنِ منْبِّهِ: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهٌ﴾٢). يقولُ: أشارت إليه أن كلِّموه .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريج قولَه :
فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ أن كَلِّموه(٤) .
وقولُه: ﴿قَالُواْ كَيْفَ تُكَلِّمُ مَن كَانَ فِ اَلْمَهْدِ صَبِيًّا﴾. يقول تعالى ذِكرُه،
قال قومُها لها: كيف نُكلِّمُ من وُجِد فى المهدِ صبيًّا(٢)؟ و﴿ كَانَ﴾ فى قوله :
﴿ مَنْ كَانَ فِ الْمَهْدِ﴾. معناها التمامُ، لا التى تقتضى الخبرَ، وذلك شبيهُ المعنى
(١) فى الأصل: ((عن)) .
(٢ - ٢) سقط من: ت٢.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٠/٤ إلى ابن أبى حاتم.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٠/٤ إلى ابن المنذر.
(٥) سقط من: ص، م، ت١، ف .
٥٢٧
سورة مريم : الآيات ٢٩ - ٣١
بـ ((كان)) التى فى قوله: ﴿هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣]. وإنّما معنى
ذلك : هل أنا إلَّ بشرّ رسولٌ؟ وهل ؤُجِدتُ أو (١) بُعِثتُ؛ وكما قال زهيرُ بنُّ أَبی
(٢)
سُلْمَى(٢):
وَقَدْ كَانَ لَوْنُ اللَّيْلِ مِثْلَ الأَرَنْدَجِ"
زَجَرْتُ علَيْه حُرّةً أَرْحَبِيَّةً
بمعنى : وقد صار أو وُجد .
وقيل : إنه عنَى بالمهدِ فى هذا الموضعِ حِجرَ أمُّه (٤) .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ مَنْ كَانَ فِ الْمَهْدِ
صَبِئًا﴾. والمهدُ: الحِجْرُ(٥).
وقد بيَّنا معنَى المهدِ فيما مضى بشواهدِه، فأغنَى ذلك عن إعادتِه فى هذا
(٦)
الموضع().
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالَ إِنِ عَبْدُ اللَّهِ ءَاتَمِنِىَ الْكِنَبَ وَجَعَلَى
وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَنِ بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوَةِ مَا دُمْتُ
حيًّا
٣١
٣٠
نِيًّا
(١) فى ت١، ف: ((إذ)).
(٢) شرح ديوانه ص ٣٢٣ .
(٣) فى الديوان: ((اليرندج))، وهما بمعنى وهو جلد أسود تصنع منه الأحذية. الوسيط (أرندج).
(٤) ينظر معانى القرآن للفراء ١٦٧/٢.
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٠/٤ إلى ابن أبى حاتم .
(٦) تقدم فى ٤١٢/٥ .
٥٢٨
سورة مريم : الآية ٣٠
يقولُ تعالى ذكرُه: فلما قال قومُ مريمَ لها: ﴿ كَيْفَ تُكَلِّمُ مَن كَانَ فِ اَلْمَهْدِ
صَبِيًّا﴾. وظنُّوا أنَّ ذلك منها استهزاءٌ بهم، قال عيسى لهم متكلِّمًا عن أمّه: ﴿إِنِّ
عَبْدُ اللَّهِ ءَاتَنِىَ الْكِتَبَ﴾ .
وكانوا حينَ أشارتْ لهم إلى عيسى فيما ذُكرِ عنهم غضِبوا .
كما حدَّثنی موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ، قال: لما
أشارَتْ لهم إلى عيسى غضِبوا، وقالوا : لَشُخرِيتُها بنا حينَ تأمُرُنا أن نُكلِّمَ هذا
الصبىَّ أشدُّ علينا من زِناها ... ﴿قَالُواْ كَيْفَ تُكَلِمُ مَن كَانَ فِى الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾(١).
٨٠/١٦
/ حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ ، عن ابنِ إسحاقَ، عمن لا يَتَّهمُ ، عن وهبِ
ابنِ منْبِّهِ ﴿قَالُواْ كَيْفَ تُكَلِّمُ مَن كَانَ فِ اَلْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ . فأجابَهم عيسى عنها
فقال: ﴿ إِنّى عَبْدُ اللَّهِ ءَاتَنْنِىَ الْكِنَبَ وَجَعَلَنِى نَبِيًّا﴾ الآية.
[١/٣٠ ١ظ] حدّثنی یونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهب، قال : قال ابنُ زید فی
قولِهِ: ﴿قَالُواْ كَيْفَ تُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾: فقال لهم: ﴿إِنِِّ عَبْدُ اللَهِ
ءَاتَدِنِىَ الْكِتَبَ وَجَعَلَنِ نَبيًّا﴾. فقرَأ حتَّى بَلَغ: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَّارًا شَقِيًّا﴾.
فقالوا : إنَّ هذا لأمرٌ عظيمٌ .
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدُ بنُ سليمانَ ،
قال : سمعتُ الضحاكَ يقولُ: ﴿ كَيْفَ تُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا قَالَ إِنِ عَبْدُ
اللّهِ﴾. لم يتكلمْ عيسى إلَّ عندَ ذلك حينَ ﴿قَالُواْ كَيْفَ تُكَلِّمُ مَن كَانَ فِ الْمَهْدِ
صَبِيًّا﴾.
(١) أخرجه المصنف فى تاريخه ٦٠٠/١، بإسناده إلى السدى بإسناده المعروف، وتقدم أوله فى ص ٤٨٣ .
(٢) فى ت٢: ((الأمر)).
٥٢٩
سورة مريم : الآية ٣٠
وقولُه: ﴿ءَاتَئِنِىَ الْكِتَبَ﴾. يقولُ القائلُ: أَوَ آتَاه الكتابَ والوحىَ قبلَ أن
يُخلقَ أو (١) فى بطنٍ أمِّه؟ فإنَّ معنى ذلك بخلافٍ ما يظُنُّ، وإنّما معناه: وقضَى يومَ
قضَى أمورَ خلقِه لى (١) أن يؤتيَتى الكتابَ .
كما حدَّثنى بشرُ بنُ آدمَ، قال: ثنا الضحاكُ، ("يعنى ابنَ مَخْلد٣ٍ)، عن
سفيانَ، عن سِمَاكٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿ءَاتَدِنِىَ الْكِنَبَ﴾. قال: قضَى أن يؤتيَنى
الكتابَ فيما قَضَى (٤) .
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال : ثنا أبو عاصم، قال: أخبرنا سفيانُ، عن سِمَاكٍ ،
عن عكرمةَ فى قوله: ﴿إِنِّ عَبْدُ اللَّهِ ءَاتَنِىَ الْكِنَبَ﴾. قال: القضاءَ.
حدَّثنا الحسنُ ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، عن إسرائيلَ، عن سِمَاكٍ، عن عكرمةَ
فى قولِ اللَّهِ: ﴿إِنِّ عَبْدُ اللَّهِ ءَاتَنِىَ الْكِنَبَ﴾. قال: قضَى أن يؤتينى الكتابَ(٥).
وقولُه: ﴿ وَجَعَلَنِى نَبِيًّا﴾. وقد بيَنتُ معنى النبيِّ واختلافَ المختلِفين فيه،
والصحيحَ من القولِ فيه عندَنا بشواهدِه فيما مضى بما أغنَى عن إعادته (١) .
وكان مجاهدٌ يقولُ فى معنى النبىّ وحدَه ما حدَّثنا به محمدُ بنُ عمرو ، قال :
ثنا أبو عاصم ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ
(١) سقط من : م، ف .
(٢) فى ص، م، ت١، ف: ((إلى)).
(٣ - ٣) سقط من: ص ، ف .
(٤) فى م، ت١، ف: ((مضى)). والأثر فى تفسير سفيان ص ١٨٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٠/٤ إلى
ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٥) تفسير عبد الرزاق ٩/٢ .
(٦) تقدم فى ٣٠/٢، ٣١.
( تفسير الطبرى ٣٤/١٥ )
٥٣٠
سورة مريم: الآيتان ٣٠ ، ٣١
جميعًا، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهدٍ، قال: النبىُ وحدَهُ(١) الذى يُكلَّمُ ويُنزَّلُ عليه
الوحىُّ(٢) ولا يُرسَلُ(٣).
وقولُه: ﴿وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا﴾. اختلفَ أهلُ التأويلِ فى معنى ذلك؛ فقال
بعضُهم: معناه : وجعَلنى نفَّاعًا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى سليمانُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ حمادِ الطّلْحىّ، قال: ثنا العلاءُ، عن
عائشةَ امرأةٍ ليثٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا﴾. قال: نفَّاعًا(٤).
وقال آخرون : كانت بركتُه الأمرَ بالمعروفِ والنهى عن المنكرِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى سليمانُ بنُ عبدِ الجَبَّارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ يزيدَ بنِ خُنيسٍ المخزومىُّ،
٨١/١٦ قال: سمعتُ وُهيبَ بنَ / الوردِ مولى بنى مخزومٍ، قال: لَقِىَ عالمٌ عالمً(*)
هو [١٢/٣٥ و] فوقَه فى العلم، فقال له: يرحمُك اللَّهُ، ما الذى أُعلنُ من عملِى (٦)؟
قال: الأمرَ بالمعروفِ والنهىَ عن المنكرِ، فإنَّه دينُ اللَّهِ الذى بعَث بهِ أنبياءَه إلى
عبادِه. وقدِ اجتمعَ الفقهاءُ على قولِ اللَّهِ: ﴿ وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ﴾.
(١) كذا فى النسخ . ولعله انتقال نظر من الناسخ الأول .
(٢) سقط من : الأصل ، ت١، ت٢.
(٣) تفسير مجاهد ص ٤٥٦ .
(٤) أخرجه البيهقى فى الشعب (٧٦٦١) - ومن طريقه ابن عساكر فى تاريخ دمشق ٣٣/١٤ (مخطوط) -
من طريق ليث به .
(٥) بعده فى م: (( لما)).
(٦) فى م: ((علمی)) .
٥٣١
سورة مريم : الآية ٣١
وقيل: ما بركتُه؟ قال: الأمر بالمعروفِ والنهى عن المنكرِ أينما كان (١).
وقال آخرون : معنى ذلك : جعَلنى معلّمَ الخيرِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا سفيانُ فى قولِه: ﴿ وَجَعَلَنِ مُبَارَكًا أَيْنَ
مَا كُنتُ﴾. قال: معلِّمَ الخيرِ(٤).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَجَعَلَنِى
مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ﴾. قال: معلِّمًا للخيرِ حيثُما كنتُ(١).
وقولُه: ﴿وَأَوْصَنِى بِالصَّلَوْةِ وَالزَّكَوَةِ﴾. يقولُ: وقضَى أن يوصيَنى بالصلاةِ
والزكاةِ . يعنى : بالمحافظةِ على حدودِ الصلاةِ وإقامتِها على ما فرَضها علىَّ. وفى
الزكاة معنیان : أحدهما ؛ ز کاةُ الأموالِ أن يؤدِّیھا . والآخرُ: تطهيرُ الجسدِ من دنسِ
الذنوبِ ؛ فيكونُ معناه : وأوصانى بتركِ الذنوبِ واجتنابِ المعاصى .
وقولُه: ﴿ مَا دُمْتُ حَيَّا﴾. يقولُ: ما كنتُ حيًّا فى الدنيا موجودًا، وهذا
ئيينُ عن أن معنى الزكاةِ فى هذا الموضع تطهيرُ البدنِ من الذنوبِ ؛ لأنَّ الذى
يوصفُ به عيسى صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه أنه كان لا يدَّخِرُ شيئًا لغدٍ ، فتجبَ عليه
زكاةُ المالِ ، إِلَّا أن تكونَ الزكاةُ التى كانت فُرِضَت عليه الصدقةَ بكلِّ ما فضَل عن
قُوتِه، فيكونُ ذلك وجهًا صحيحًا .
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٢٣/٥ نقلا عن المصنف .
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٢٣/٥ .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٠/٤، ٢٧١ إلى عبد الله بن أحمد فى زوائد الزهد وابن المنذر وابن أبى
حاتم .
٥٣٢
سورة مريم: الآيتان ٣٣،٣٢
٣٢
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَبَرًّا بِوَالِدَتِ وَلَمْ يَجْعَلْنِ جَبَّارًا شَقِيًّا
٣٣
وَالسَّلَمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدِتُ وَبَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا
يقولُ تعالى ذِكرُه: مُخْبِرًا عن قيلٍ عيسى للقومِ: وجعَلنى مباركًا وبؤًا. («أى
جعَلنى بَرَّا بوالدتى. والبَرُّ هو البارُّ، يُقالُ: هو بَرّ بوالدِه، وبارِّ به. وبفتح الباءِ قَرأتْ
هذا الحرفَ قرَأَةُ الأمصارِ .
ورُوى عن أبى نَهيكِ ( ما حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال :
ثنا عبدُ المؤمنِ، عن أبى نَهيك١ٍ) أنه قرأ: (وبِرَّا بِوَالِدَتى) من قولٍ عيسى، عليه
السلامُ، قال أبو نَهيكٍ : أوصانى بالصلاة والزكاة ، والبِرّ بوالدتى (١) ، كما أوصانى
(٣)
بذلك(٣).
فكأنَّ أبا نَهيكِ وجَّه تأويلَ الكلام إلى أنَّ قوله : ﴿ وَبَرَّا بِوَلِدَتِ﴾ . من خبرِ
عيسى عن وصيّةِ اللَّهِ إِيَّاه ( به، كما(٤) قوله: ﴿ وَأَوْصَنِ بِالصَّلَوةِ وَالزَّكَوْةِ﴾ مِن
خبرِه عن وصيةِ اللَّهِ إِيَّاه بذلك. فعلى هذا القولِ يجبُ أن يكونَ نصبُ البَرِّ بمعنى
عملِ الوصيةِ فيه ؛ لأَنَّ الصلاةَ والزكاةَ وإن كانتا مخفوضتين فى اللفظِ ) ، فإنهما
بمعنى النصبِ من أجلِ أنهما(*) مفعولٌ بهما .
/وقولُه: ﴿ وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًا شَفِيًّا﴾. يقولُ: ولم يجعَلْنى مستكبرًا على
٨٢/١٦
(١ - ١) سقط من : ت٢ .
(٢) فى ص، م، ت١، ت٢، ف: ((بالوالدين)).
(٣) ذكره ابن خالويه فى مختصر الشواذ ص ٨٧ ، وأبو حيان فى البحر المحيط ١٧٧/٦.
(٤) بعده فى م: (( أن )) .
(٥) فى ت٢: ((اللغة)).
(٦) فى ص، م، ت١، ت٢، ف: (( أنه )).
٥٣٣
سورة مريم: الآيتان ٣٢، ٣٣
اللهِ فيما أمَرنى به ونهانى عنه، شقيًّا، ولكن ذلِّلنى لطاعتِه، وجعَلنى متواضعًا .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةً، قال: ذُكِر لنا
أنه - يعنى عيسى - كان يقولُ: سلُونى، فإنَّ قلبى لِيِّنٌ، وإنى صغيرٌ فى نفسى . مما
أعطاه اللهُ من التواضعِ(١) .
وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَبَرَّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ
يَجْعَلْنِى جَبَّارًا شَقِيًّا﴾: ذُكِر لنا أنَّ امرأةً رأْتِ ابنَ مريمَ يُحبى الموتَى، ويُرِئُ الأكْمَةَ
والأبرصَ، فى آياتٍ سلَّطه اللهُ عليهنَّ، وأذن له فيهنَّ، فقالت: طوبَى للبطنِ الذى
حملَك، والثدي الذى أُرضِعتَ به . فقال نبىُّ اللهِ ابنُ مريمَ يجيئُها: طوبى لمن تلا
كتابَ اللهِ ، واتَّبع ما فيه ، ولم يَكُنْ جَبَارًا شقيًا(١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنا محمدُ بنُ كثيرٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ
واقدٍ أبى رجاءٍ، عن بعضِ أهلِ العلم ، قال: لا تجدُ(١) عاقًّا إلا وجَدته جبارًا شقيًّا. ثم
قَرَأْ: ﴿وَبَرَّا بِوَالِدَتِ وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًا شَفِيًّا﴾. قال: ولا تجدُ(٤) سيئَ المَلَكةِ إلا
وجدتَه مختالا فخورًا، ثم قرأ: ﴿ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ
مُخْتَّالَا فَخُورًا﴾(٥) [النساء: ٦
وقولُه: ﴿ وَالسَّلَمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدِتُّ وَيَوْمَ أَمُوثُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾. يقولُ :
والأَمَنَةُ منَ اللهِ علىَّ مِن الشيطانِ وجندِه يومَ ولدتُ ؛ أن ينالُوا منى ما ينالون ممن يُولد
(١) أخرجه أحمد فى الزهد ص ٥٨، ٥٩ بسنده عن قتادة به .
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٢٤/٥ عن قتادة .
(٣) فى الأصل، ص: ((تجده)) .
(٤) فى ص، ف، ت ١: ((تجده) .
(٥) تقدم تخريجه فى ٧/ ٢١.
٠
٥٣٤
سورة مريم: الآيتان ٣٣، ٣٤
عندَ الولادةِ من الطعنِ فيه ، ويومَ أموتُ من هولِ المُطَّلَعِ، ويومَ أُبعثُ حيًّا يومَ القيامةِ؛
أن ينالنى الفزُ الذى ينالُ الناسَ بمعاينتِهم أهوالَ ذلك اليومِ .
کما حدّثنا ابنُ حمیدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، عن ابنِ إِسحاقَ ، عمَّن لا یتھم ، عن
وهب بن منبهٍ رحمه اللهُ: ﴿ وَالسَّلَمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدِتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أَبْعَثُ
حَيًّا﴾. قال: يُخبرهم فى قَصِّهِ خبرَه عن نفسِه ، أنَّه لا أبَ له وأنَّه سيموتُ ثم يُبعث
حيًّا ، يقولُ تبارك وتعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيُمٌ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِى فِيهِ
يَمْتَرُونَ﴾ .
القولُ فى تأويل قوله جلِّ ثناؤه: ﴿ ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَّ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِى
فِيهِ يَمْتَرُونَ
(٣٤
يقولُ تعالى ذِكرُه : هذا الذى (١ وصفتُ لكم أيُّها الناسُ(١) صفتَه، وأخبرتُكم
خبرَه من أمرِ الغلامِ الذى حمَلته مريمُ ، [١٣/٣٥ و] هو عيسى ابنُ مريمَ، وهذه الصفةُ
صفتُه، وهذا الخبرُ خبرُه، وهو ﴿قَوْلَـ اَلْحَقِّ﴾. يعنى أن هذا الخبرَ الذى قصصْتُه
عليكم(١) ، والكلامَ الذى تلوتُه عليكم قولُ اللهِ "وكلامُه وخبرُه، لا خبرُ غيرِه
الذى قد يقعُ فيه الوهمُ والشكُّ والزيادةُ والنقصانُ على ما كان يقولُ تعالى ذِكرُه،
فقولوا فى عيسى أيُّها الناسُ هذا القولَ الذى أخبَر كم اللهُ به عنه، لا ما قالته اليهودُ
الذين زعموا أنَّه لغيرِ رِشْدَةٍ(٤)، وأنه كان ساحرًا كذَّابًا. ولا ما قالته النصارى من أنه
(١ - ١) فى ص، م، ت ١، ف: ((بينت لكم)).
(٢) بعده فى ص، م، ت ١، ف: ((قول الحق)).
(٣ - ٣) سقط من: ص، م، ت ١، ف.
(٤) يقال: هذا ولد رشدة. إذا كان النكاح صحيح، ويقال فى ضده: ولد زِئْية، وقال الأزهرى: كلام
العرب المعروف : فلان ابن زَنية وابن رَشدة. والفتح أفصح اللغتين. ينظر النهاية ٢٢٥/٢.
٥٣٥
سورة مريم : الآية ٣٤
كان للهِ ولدًا، فإنَّ(١) الله لم يتخذْ ولدًا، ولا ينبغى ذلك له.
٨٣/١٦
/وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن
مجاهدٍ قولَه: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيٌ قَوْلَ الْحَقِّ﴾. قال: اللهُ الحقُّ(٢).
حدَّثنى يحيى بنُ إبراهيمَ المسعودىُّ، قال : ثنى أبى، عن أبيه، عن جدِّه ، عن
الأعمشِ، عن إبراهيمَ ، قال : كانوا يقولون فى هذا الحرفِ فى قراءةِ عبدِ اللهِ : (قالُ
اللهِ(٣) الذى فيه يمتَرُون). قال: كلمةُ اللهِ.
ولو ؤُّه تأويلُ ذلك إلى : ذلك عيسى ابنُ مريمَ القولُ الحقُّ، بمعنى: ذلك
القولُ الحقُّ، ثم حُذفت الألفُ واللامُ من القولِ، وأُضيف إلى الحقِّ، كما قيل:
﴿ إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ أَلْيَقِيِنِ﴾ [الواقعة: ٩٥]. وكما قيل: ﴿ وَعْدَ الصِّدْقِ اَلَّذِى كَانُواْ
يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ١٦]. كان تأويلًا صحيحًا .
وقد اختلفتِ القرأةُ فى قراءةِ ذلك ؛ فقرأته عامَّةُ قرأةِ الحجازِ والعراقِ : (قَوْلُ
الحَقِّ ) برفعِ القولِ(٤) على ما وصَفتُ لك(٥) من المعنَى، وجعلوه فى إعرابِه تابعًا
(١) فى ص، م، ت ١، ف: ((وإن))، وفى ت ٢: ((قال)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧١/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٣) ليس فى: ص، م، ت ١، ف. وقراءة عبد الله شاذة، وهى فى معانى القرآن للفراء ١٦٧/٢ - وفيه:
((قالُ اللهِ الحقُّ)) - فى المصاحف لابن أبى داود ص ٦٤، ٦٥ - وفيه: ((قال الحق)) - ومختصر الشواذ
ص ٧٨. وفيه: ((قال الحق))، و ((قال الله)).
(٤) قرأ بالرفع ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائى. السبعة لابن مجاهد ص ٤٠٩.
(٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف .
٥٣٦
سورة مريم : الآية ٣٤
لعيسى كالنعتِ له، وليس الأمرُ فى إعرابِهِ عندِى على ما قاله الذين زعمُوا أنه رُفِع
على النعتِ لعيسى ، إلا أن يكونَ معنى القولِ الكلمةَ؛ على ما ذكرنا عن إبراهيمَ من
تأويله ذلك كذلك ، فيصحَّ حينئذٍ أن يكونَ نعتًا لعيسى، وإلا فرفعُه عندِی بمضمرٍ ،
وهو : هذا قولُ الحقِّ. على الابتداءِ، وذلك أن الخبرَ قد تناهى عن قصة عيسى وأمِّه
عندَ قوله: ﴿ ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيٌ ﴾ ثم ابتدئُّ(١) الخبرُ بأنّ الحقَّ فيما فيه تمترِى الأَمُمُ
من أمرٍ عيسى هو هذا القولُ الذى أخبَر اللهُ به عنه عبادَه دونَ غيرِه .
وقرأ ذلك عاصمُ بنُ أبى النجودِ وعبدُ اللهِ بنُ عامرٍ بالنصبٍ(١) ، وكأنهما أرادا
بذلك المصدرَ: ذلك عيسى ابن مريمَ قولًا حقًّا. ثم أَدخِلت فيه الألفُ واللامُ.
وأما ما ذُكر عن ابن مسعودٍ فى قراءتِه: (ذلك عيسى ابن مريمَ قالُ الحقِّ(٣)).
فإنه بمعنى قولِ الحقِّ، مثلُ العابِ والعيبِ ، والذامِ والذَّيِم .
[١٣/٣٥ ظ] والصوابُ من القراءةِ في ذلك عندَنا الرفعُ؛ لإجماع الحجةِ من
القرأة عليه .
وأما قولُه تعالى ذكره: ﴿الَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾. فإنه يعنى: الذى فيه
يَختصِمون ويَختلِفون، من قولهم: مارَيتُ فلانًا . إذا جادلتَه وخاصمتَه .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادَة قولَه: ﴿ذَلِكَ عِيسَى
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: ((ابتدأ)).
(٢) السبعة لابن مجاهد ص ٤٠٩.
(٣) فى الأصل: ((الله)).
(٤) القراءتان كلتاهما صواب .
٥٣٧
سورة مريم : الآية ٣٤
أَبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ اُلْحَقِّ الَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾: امترت فيه اليهودُ والنصارى؛ فأما
اليهودُ فزعَموا أنه ساحرٌ كذَّابٌ ، وأما النصارى فزعَموا أنه ابنُ اللهِ ، وثالثُ ثلاثةٍ ،
وإلهٌ ، وكذَبوا كلُّهم، ولكنه عبدُ اللهِ ورسولُه وكلمتُه وروحُه(١) .
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج قولَه:
﴿ الَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾. قال: اختلفوا؛ فقالت فرقةٌ : هو عبدُ اللهِ ونبيه، فآمنوا به .
وقالت فرقةٌ : بل هو اللهُ. وقالت فرقةٌ : هو ابنُ اللهِ : تبارك وتعالى عما يقولون علوًّا
كبيرًا. قال: فذلك قوله: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ ﴾ [مريم: ٣٧]. / والتى فى ٨٤/١٦
((الزخرفٍ))(٢)، قال: دَقْيوسُ ونُشْطُورُ ومارٍ يعقوبَ. قال أحدُهم حينَ رُفِع(١)
عيسى : هو اللهُ. وقال الآخر: ابنُ اللهِ. وقال الآخر: كلمةُ اللهِ وعبدُه. قال
المفترِيان: إنَّ قولى هو أشبهُ بقولِك، وقولُك بقولى من قولٍ هذا، فهلمَّ فلنقاتِلْهم .
فقاتلُوهم وأوطَئوهم وغلبوهم حتى خرج النبيُّ عَ ◌ِّ، وهم مُسلمةُ أهلِ
(١)
الكتاب (١) .
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ فى
قوله: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمٌ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِى فِيهِ يَمْثَرُونَ﴾. قال: اجتَمع
بنو إسرائيلَ، فأخرَجوا منهم أربعةَ نفرٍ ، أخرَج كلُّ قومٍ عالمهم ، فامتزَوْا فى عيسى
حينَ رُفِع ؛ فقال أحدُهم: هو اللهُ هبط إلى الأرضِ فأحيا من أحيا، وأمات من
أمات ، ثم صعِد إلى السماءِ. وهم اليعقوبيةُ، فقال الثلاثةُ : كذَبت . ثم قال اثنان
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٢٥/٥.
(٢) يشير إلى الآية: ﴿فاختلف الأحزاب من بينهم﴾.
(٣) بعده فى ص، م، ت ١، ف: ((الله)).
(٤ - ٤) سقط من: م .
٥٣٨
سورة مريم : الآيات ٣٤ - ٣٦
منهم للثالثِ: قُل أنت فيه. قال: هو ابنُ اللهِ. وهم التّسْطُوريَّةُ، فقال الاثنانِ :
كذَبْت. ثم قال أحدُ الاثنينِ للآخرِ: قلْ فيه . قال: هو ثالثُ ثلاثةٍ : اللهُ إلهٌ، وهو
إلهٌ ، وأمُّه إلهٌ. وهم الإسرائيليةُ [١٤/٣٥ و] ملوكُ النصارى، قال الرابعُ: كَذَبْت ، هو
عبدُ اللهِ ورسولُه وروحُه وكلمتُه. وهم المسلمون ، فكان لكلِّ رجلٍ منهم أتبائٌ على
ما قال، فاقتتلوا، فظُهِر على المسلمين، وذلك قولُ اللهِ جلّ وعزّ: ﴿ وَيَقْتُلُونَ
الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ٢١]. قال قتادةُ: وهم الذين
قال اللهُ: ﴿ فَاخْتَلَفَ اَلْأَحْزَابُ﴾ [مريم: ٣٧]. اختلفُوا فيه فصاروا أحزابًا(١) .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَتَهُ، إِذَا قَضََ
أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
وَإِنَّ اللَّهَ رَتِى وَرَبِّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَطٌ
(٣٥
٣٦
مُسْتَقِيمٌ
يقولُ تعالى ذِكرُه: لقد كذَب(٢) الذين قالوا: إنَّ عيسى ابنُ اللهِ، وأعظموا
الفِرْيةَ عليه، فما ينبغى للهِ أن يتخذَ ولدًا، ولا يصلُحُ ذلك له ولا يكونُ، بل كلٌّ
شىءٍ دونَه فخلقُه، وذلك نظيرُ قولِ عمرو بنٍ أحمرَ :
فى رأسٍ خَلْقَاءَ(٤) مِن عَنْقَاءَ مُشْرِفَةٍ
° ما يَتْبِغِىْ) دُوَنها سَهْلٌ وَلا جَبَلُ
و﴿أَنْ﴾ من قوله: ﴿أَنْ يَتَّخِذَ﴾ فى موضعِ رفعٍ ب﴿ كَانَ﴾ .
(١) تفسیر عبد الرزاق ٨/٢، وذكره ابن كثير فى تفسيره ٥/ ٢٢٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧١/٤
إلی ابن أبى حاتم .
(٢) فى ص، ت ١، ف، م: ((كفرت)).
(٣) البيت فى التبيان ٧/ ١٣٦، واللسان (ع ن ق).
(٤) خلقاء: الصخرة ليس فيها وصم ولا كسر، ينظر التاج.
(٥ - ٥) فى م، واللسان: ((لا يبتغى)).
٥٣٩
سورة مريم : الآيتان ٣٥ ، ٣٦
وقولُه: ﴿ سُبْحَتَهٌ ﴾. يقولُ: تنزيهًا للهِ وتبرئةً له أن يكونَ له ما أَضافَ إليه
الكافرون القائلون : عيسى ابنُ اللهِ .
وقولُه: ﴿ إِذَا قَضَ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: إنما ابتدأَ
اللهُ خلقَ عيسى ابتداءٌ، وأنشأه إنشاءً، من غيرٍ فحلِ افتحلَ أمَّه، ولكنَّه قال له :
كُنْ. فكان(١)؛ لأنَّه كذلك يبتدِعُ الأشياءَ ويخترِعُها، إنما يقولُ إذا قضَى خلقَ شىءٍ
أو إنشاءه: كُن. فيكونُ، موجودًا حادثًا ، لا يعظُمُ عليه خلقُه ؛ لأنَّه لا يخلُقُه بمعاناةٍ
وكُلفْةٍ ، ولا ينشئُه بمعالجةٍ وشدَّةٍ .
وقولُه: ﴿ وَإِنَّ اللََّ رَبِّ وَرَبُّكُمْ فَأَعْبُدُوهُ ﴾. اختلفتِ القرّأةُ فى قراءةِ ذلك؛
فقرأته عامَّةُ قرّأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ (١): ( وَأَنَّ اللهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ).
واختلف أهلُ العربيةِ فى وجه فتح ((أنَّ)) إذا فُتحت؛/ فقال بعضُ نحوِنِّى ٨٥/١٦
الكوفةِ(١) : فُتِحت ردًّا على عيسى وعطفًا عليه، بمعنى: ذلك عيسى ابن مريمَ،
وذلك أنَّ اللهَ ربِّى وربُّكم، وإذا كان كذلك كانت ((أن)) رفعًا. قال(٣):
وتكونُ بتأويلٍ خفضٍ، كما قال: ﴿ ذَلِكَ أَنْ لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى
بِظَلٍّ﴾ [الأنعام: ١٣١]. قال: ولو فُتحت على قولِه: ﴿ وَأَوْصَنِ﴾ بأنَّ اللهَ،
كان وجهًا [١٤/٣٥ ظ].
وكان بعضُ البصريين(٤) يقولُ - وذُكر ذلك أيضًا عن أبى عمرو بنِ العلاءِ،
وكان ممن يقرؤُه بالفتح -: إنما فُتحت ((أنَّ)) بتأويلٍ: قَضَى أنَّ اللهَ ربِّى وربُّكم.
(١) فى ص، ت ١، ف، م: ((فيكون)).
(٢) هى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٤١٠.
(٣) هو قول الفراء فى معانى القرآن ٢/ ١٦٨.
(٤) حكاه أبو حيان عن أبى عبيدةً عن أبى عمرو، ينظر البحر المحيط ٦/ ١٩٠.
٥٤٠
سورة مريم : الآيتان ٣٥، ٣٦
وكانت عامةُ قرأةِ الكوفيينِ(١) يقرءونه: ﴿ وَإِنَّ اللَّهَ ﴾ بكسرِ ((إن)) بمعنى
النسَقِ على قولِه: ﴿ فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُمْ﴾ .
وژوی عن أُبىّ بن کعب أنه كان يقرؤُه: ( فإنما يقول له کن فیکون إن الله ربی
وربکم) بغیرِ واوٍ .
والقراءةُ التى نختارُ فى ذلك: الكسرُ على الابتداءِ. وإذا قُرِئ كذلك لم یکنْ
لها موضعٌ، وقد يجوزُ أن تكون عطفًا على ((إن)) التى مع قوله: ﴿قَالَ إِنِ عَبْدُ اللَّهِ
ءَاتَنِنِىَ الْكِتَبَ﴾ - ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّ وَرَبِّكُمْ﴾. ولو قال قائلٌ، ممن قرَأْ ذلك نصبًا:
نُصِبَ على العطفِ على ((الكتاب)) بمعنى: آتانىَ الكتابَ، وآتانىَ أَنَّ اللهَ ربِّی
وربُکم، کان وجهًا حسنًا .
ومعنى الكلام: وإنى وأنتم أيُّها القومُ جميعًا للهِ عبيدٌ ، فإِيَّاه فاعبدُوا دونَ
غيره .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك :
حدّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، عن ابن إسحاقَ، عمن لا يَنَّهِمُ، عن وهبٍ
ابنِ منيّه ، قال: عهد إليهم حين أخبرهم عن نفسِه ومولده وموته وبعثِه : (أَنَّ اللهَ ربِی
ورَبُّكُم فاعبدُوهُ هذا صراطٌ مُستَقيم)، أى: إِنِّى وإيَّاكم عبيدُ اللهِ ، فاعبدوه ولا
تعبُدُوا غيرَه .
(١) وهى قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائى. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٤١٠.
(٢) هى قراءة شاذة. ينظر البحر المحيط ١٨٩/٦.