Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
سورة الكهف : الآيات ٨٨ - ٩١
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطَلِعَ
٨٩
[٣٣/٣٤ و] القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ثُمَّ أَنْعَ سَبَبًّا
الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرً (١٥) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا
لَدَيْهِ خُبْرًا (®
يقول تعالى ذكره : ثم سار وسلَك ذو القرنين طرقًا ومنازلَ .
کما حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی
أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿ثُمَّ أَنْعَ سَبَبًا﴾. يعنى: منزلًا(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ ثُمَّ أَنْعَ سَبِبًا
منازلَ الأرضِ ومعالِمَها(٢).
/﴿ حَتَّىَ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا ١٤/١٦
سِتْرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ووجَد ذو القرنين الشمسَ تطلُعُ على قومٍ لم يجعلِ
اللهُ لهم دونَ الشمسِ " سترًا. وذلك أن أرضَهم لا جبلَ فيها ولا شجرَ، ولا تحتمِلُ
بناءً فيَسكُنُوا البُيُوتَ، وإنما يَغُورون فى المياهِ، و(٢)يُسرِّبُون فى الأسرابِ.
كما حدَّثنى إبراهيمُ بنُ الْمُستمِرٌّ، قال: ثنا سليمانُ بنُ داودَ (٥) أبو داودَ، قال:
= وابن أبى حاتم .
(١) تقدم تخريجه فى ص ٣٧٣ .
(٢) تقدم تخريجه فی ص ٣٧٤.
(٣ - ٣) فى ص، م: ((نجعل لهم من دونها))، وفى ت ١، ت ٢، ف: ((لم نجعل لهم من دون الشمس)).
(٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: ((أو)).
(٥) بعده فى م: ((و)) . وهو خطأ.

٣٨٢
سورة الكهف : الآيات ٨٩ - ٩١
ثنا سهلُ بنُ أبي الصَّلْتِ السَّوَّامجُ، عن الحسنِ: ﴿تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّْ نَجْعَل لَّهُم مِّن
دُونِهَا سِتْرًا﴾. قال: كانت أرضًا لا تَحَّلُ البناءَ، فكانوا إذا طلَعت عليهم الشمسُ
تغَوَّروا (١) فى الماءِ، فإذا غربت خرَجُوا يتراعَون كما ترعَى البهائمُ(٢). قال(٣): ثم قال
الحسنُ: هذا حديثُ سمرةً(٤).
[٣٣/٣٤و] حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿حَتَّىَ إِذَا
بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا﴾. ذُكِر لنا أنهم
كانوا فى مكانٍ لا يَستَقِرُّ عليه البناءُ، ( وأنهم" يكونون فى أسرابٍ لهم، حتى إذا
زالت عنهم الشمسُ خرَجوا إلى معايشِهم وحروثِهم. قال: ﴿ كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا
لَدَيْهِ خُبْرً ﴾.
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج فى قوله :
﴿ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوٍْ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا﴾. قال: لم يَيْنُوا فيها بناءً قطُّ ،
ولم يُبْنَ عليهم فيها بناءٌ قطُّ . وكانوا إذا طلَعت(٧) الشمسُ دخَلوا أسرابًا لهم حتى
(١) فى م: ((تغور)).
(٢) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (٩٧٩)، من طريق سهل به، وذكره البغوى فى تفسيره ٢٠٠/٥، ٢٠١،
وابن كثير فى تفسيره ١٩٠/٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٩/٤ إلى الطيالسى والبزار فى أماليه وابن
المنذر وابن أبى حاتم .
(٣) القائل ابن جريج . ينظر المصدرين الآتيين .
(٤) أخرج أبو يعلى كما فى المطالب العالية (٤٠٣٩)، وأبو الشيخ فى العظمة (٩٧٧، ٩٧٨) حديث سمرة
مرفوعًا . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٩/٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٥ - ٥) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: ((وإنما)).
(٦) ذكره البغوى فى تفسيره ٢٠٠/٥، وابن كثير فى تفسيره ١٩٠/٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٤٩/٤ إلى ابن أبى حاتم .
(٧) بعده فى م: ((عليهم)).

٣٨٣
سورة الكهف : الآيات ٨٩ - ٩١
تزُولَ الشمسُ، أو دخلوا البحرَ، وذلك أن أرضَهم ليس فيها جبلٌ، وجاءهم جيشٌ
مرةً ، فقال لهم أهلُها : لا تطلُعَنَّ عليكم الشمسُ وأنتم بها . فقالوا : لا نبرَحُ حتى تطلُعَ
الشمسُ، ما هذه العظامُ؟ قالوا: هذه جِيَفُ جيشٍ طلَعت عليهم الشمسُ ههنا
فماتوا. قال: فذهَبوا هاربين فى الأرضِ (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ قولَه : ﴿ تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا﴾. قال: بلغَنا أنهم كانوا
فى مكانٍ لا يثبُتُ عليه (٢) بنيانٌ(٢)، فكانوا يدخُلُون فى أسرابٍ لهم إذا طلَعت
(٤)
الشمسُ، حتى تزُولَ عنهم، ثم يخرجون إلى معايشِهم .
وقال آخرون : هم الزَّنْجُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
[٣٤/٣٤ و] حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا
معمرٌ، عن قتادةَ فى قوله: ﴿تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا﴾. قال :
يقالُ: هم الزَّنْجُ(٤).
وأما قولُه: ﴿كَذَلِكَ﴾. فإن معناه: ثم أَنْبَعَ سببًا كذلك، حتى إذا بلَغِ مَطلِعَ
الشمسٍ؛ و﴿ كَذَلِكَ ﴾ مِن صلةِ ﴿أَنْعَ﴾. وإنما معنى الكلامِ: ثم أَتْبَعَ سببًا حتى
بلَغْ مطلِعِ الشمسِ، كما أتبَع سببًا حتى بلَغ مغربَها .
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٩٠/٥، والقرطبى فى تفسيره ٥٤/١١.
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: ((عليهم)).
(٣) فى م: (( بناء)).
(٤) تفسير عبد الرزاق ٤١٢/١ .

٣٨٤
سورة الكهف : الآيات ٨٩ - ٩٤
وقولُه: ﴿ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرً﴾. يقولُ: وقد أَحَطنا بما عندَ مطلِعِ
الشمسِ علمًا ، لا يخفَى علينا مما هنالك من الخَلقِ وأحوالهم وأسبابِهم ولا من غيرِهم
شىءٌ .
وبالذى قلنا فى معنى الخبرِ قال أهلُ التأويلٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
/حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عیسی ، عن ابن أبى
١٥/١٦
نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿خبرً﴾. قال: علمًا .
حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ مثلَه(١) .
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ كَذَلِكَ
وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرً﴾. قال: علمًا .
حَتََّ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ
٩٢
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿ ثُمَّ أَنْبَعَ سَبَبًّا
قَالُواْ يَذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ
(٩٣
وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا [٣٤/٣٤ظ] لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا
٩٤
يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْمًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَا وَهُمْ سَدًّا
يقولُ تعالى ذكرُه: ثم سار طُرِقًا ومنازلَ، وسلَك سُبُلًا، ﴿ حَتٌَّ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ
اُلسَّدَّيْنِ﴾ .
واختلفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ وبعضُ الكُوفيين :
(١) تفسير مجاهد ص ٤٥ من طريق ورقاء به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٩/٤ إلى ابن أبى شيبة وابن
المنذر وابن أبى حاتم .

٣٨٥
سورة الكهف : الآيات ٩٢ - ٩٤
(حتى إذا بلغَ الشُّدينِ ) بضمِّ السينِ، وكذلك جميعَ ما فى القرآنِ من ذلك بضمٌ
السين (١) . وكان بعضُ قرأةِ المَكَّيِّين يقرَؤُه بفتح ذلك كلِّه(١).
وكان أبو عمرو بنُ العلاءِ يفتَحُ السينَ فى هذه السورةِ، ويضُمُّ السينَ
فى ((يس))(٣)، ويقولُ: السَّدُّ بالفتح هو الحاجزُ بينَك وبينَ الشىءٍ، والسُّدُّ بالضمّ
ما كان مِن غِشاوةٍ فى العينِ . وأمَّ الكوفيون فإن قراءةً عامَّتِهم فى جميعِ القرآنِ بفتحٍ
السين، غيرَ قولِه: ( حتى إذا بلغَ بين الشُّدينِ ) فإنهم ضَمُوا السينَ فى ذلك
. =(٤)
خاصَّةٌ (٤) .
ورُوِى عن عكرمةً فى ذلك ما حدَّثنا به أحمدُ بنُ يوسفَ ، قال : ثنا القاسمُ ،
قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، عن أيوبَ، عن عكرمةً، قال: ما كان مِن صَنعَةِ بنی
آدمَ فهو السَّدُّ - يعنى بالفتحِ - وما كان مِن صُنعِ اللهِ فهو الشُّدُّ(٥).
وكان الكِسائىُّ يقولُ : هما لغتان بمعنى واحدٍ .
والصوابُ من القولِ فى ذلك عندى أن يقال: إنهما قراءَتان مُستَفِيضَتان فى
قرأةِ الأمصارِ، ولغتان [٣٥/٣٤و] مُتَّفِقَتا المعنى غيرُ مُخْتَلِفَتِهِ(١)، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ
فمصيبٌ، ولا معنَى للفَرقِ الذى ذُكِر عن أبى عمرو بن العلاءِ وعكرمةَ بينَ الشَّدِّ
(١) قَرأ بالضم جميع ما فى القرآن: نافعٌ، وعاصم فى رواية أبى بكر ، وابن عامر. ينظر السبعة فى القراءات
ص ٣٩٩. والكشف عن وجوه القراءات ص ٧٥، ٧٦.
(٢) قرأ بالفتح فى ذلك كله حفص عن عاصم ، وهما كوفيان . المصدران السابقان .
(٣) وهو قوله تعالى: ﴿ وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا﴾ [ يس: ٩].
(٤) هى قراءة حمزة والكسائى . ينظر المصدران السابقان .
(٥) ذكره الطوسى فى التبيان ٧٩/٧، والبغوى فى تفسيره ٥/ ٢٠١، والقرطبى فى تفسيره ٥٩/١١، وأبو
حيان فى تفسيره ١٦٣/٦.
(٦) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: ((مختلفة)).
( تفسير الطبرى ٢٥/١٥ )

٣٨٦
سورة الكهف : الآيات ٩٢ - ٩٤
والسُّدِّ، لأنا لم نجِدْ لذلك شاهدًا يُبِينُ عن فُرقانِ ما بينَ ذلك، على ما حُكِى
عنهما. ومما يُبَيِّنُ عن أن" ذلك كذلك(٢) أن جميعَ أهل التأويلِ الذين رُوِى لنا
عنهم فى ذلك قولٌ ، لم يُخْكَ لنا عن أحدٍ منهم تفصيلٌ بین فتح ذلك وضمِه ، ولو
كانا مُختَلِفَى المعنَى لنُقِل الفصلُ مع التأويلِ، إن شاء اللهُ، ولكنْ معنَى ذلك كان
عندَهم غيرَ مُفْتَرِقٍ، فَفَشَّروا(٤) الحرفَ بغيرِ تفصيلٍ منهم بينَ ذلك. وأما ما ذُكِر عن
عكرمةً فى ذلك ، فإن الذی نقَل ذلك عن أيوب هارونُ ، وفى نقله نظر ، ولا نعرِفُ
ذلك عن أيوبَ مِن رواية ثقاتٍ أصحابِه .
والسَّدُّ والشّدُّ جميعًا: الحاجزُ بينَ الشيئين. وهما هلهنا - فيما ذُكِر - جَبَلان
سُدَّ ما بينَهما، فردَم ذو القَرنَين حاجزًا بينَ يأجوج ومأجوجٌ ومَنْ وَراءَه (٥)؛ لِيَقْطَعَ
مادَّةَ(١) غوائِلِهم وعَيْثِهم عنهم(١) .
/وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
١٦/١٦
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ تجريجٍ، عن
عطاءِ الْخُراسانىّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿حَّةٍ إِذَا بَغَ بَيْنَ السََّّيْنِ﴾. قال: الجَبَلَين،
(١ - ١) سقط من: م. وفى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((عن)).
(٢) ليست فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف .
(٣ - ٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((الذى روى لنا عنه))، وفى م: ((الذى روى لنا عنهم)).
(٤) فى م: ((فيفسر)).
(٥) فى م: ((وراءهم)).
(٦) فى م: ((ماد)).
(٧) فى الاصل: ((عنه)).

٣٨٧
سورة الكهف : الآيات ٩٢ - ٩٤
الرَّدْمِ الذى بينَ يأجوج ومأجوجَ، أَمَّتَين مِن وراءٍ رَدم ذى القرنين. قال :
[٣٥/٣٤ظ] الجَبَلَين(١)؛ أَرِمِينِيَّةً وَأَذْرِبِجَانَ(٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ حٌَّ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ
اُلسَّذَّيْنِ﴾، وهما جبلان(٣) .
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبِيدٌ ، قال: سمِعتُ
الضَّحّاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ بَيْنَ السَّلَّيْنِ﴾. يعنى: بينَ جبلين(٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ فى قولِه: ﴿ بَيْنَ اُلسَّذَّيْنِ﴾. قال: هما جبلان(٤).
وقولُه: ﴿وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ فَولاً﴾. يقولُ عَزَّ ذكرُه:
وجَد مِن دونِ السَّدَّين قومًا لا يكادون یفقَهُون قول قائل سوی کلامِهم.
وقد اختلفت القرأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿ يَفْقَهُونَ﴾؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ
والبصرةِ وبعضُ أهلِ الكوفةِ: ﴿يَفْقَهُونَ﴾ بفتح القافِ والياءِ ، مِن: فَقِهَ الرجلُ
يَفقَهُ فِقْهًا. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةٍ أهلِ الكوفةِ : (يُفْقِهُونَ قَوْلًا ) بضمِّ الياءِ وکسرٍ
القافٍ(٩) ، مِن: أَفْقَهتُ فلانًا كذا أُفِقِهُهُ إِفقاهًا . إذا أفهَمتَهُ(٧) ذلك .
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: ((الجبلان)). والمثبت من الأصل موافق لما فى مصدرَى التخريج الآتيين.
(٢) ذكره القرطبى فى تفسيره ٥٥/١١ بشطره الأخير، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٩/٤ إلى ابن المنذر.
(٣) ذكره الطوسى فى التبيان ٧٩/٧ .
(٤) تفسير عبد الرزاق ٤١٢/١، ٤١٣ .
(٥) وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وعاصم وابن عامر. ينظر السبعة فى القراءات ٣٩٩، والكشف عن
وجوه القراءات ص ٧٦.
(٦) هى قراءة حمزة والكسائى. ينظر المصدران السابقان .
(٧) فى م: ((فَهَّمته)).

٣٨٨
سورة الكهف : الآيات ٩٢ - ٩٤
والصوابُ عندى مِن القولِ فى ذلك، أنهما قراءتان مُستَفِيضَتان فى قرأةٍ
الأمصارِ ، غيرُ دافعةٍ إحداهما الأخرى ؛ وذلك أن القومَ الذين أُخبرَ اللهُ عنهم هذا
الخبرَ، جائزٌ أن يكونوا كانوا لا يكادون يَفقَهون قولًا لغيرِهم عنهم، فيكونَ صوابًا
القراءةُ بذلك؛ وجائزٌ أن یکونوا ۔ مع کونھم کذلك - کانوا لا یکادون یُفقِھون
غيرَهم عنهم [٣٦/٣٤و]؛ لِعِلَلٍ، إما بألسنتِهم، وإما بمَنطِقِهم، فتكونَ القراءةُ بذلك
أيضًا صوابًا .
وقولُه: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِ﴾. اخْتَفَت القرأةُ فى قراءةٍ
قولِه: ﴿إِنَّ بَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ﴾ ؛ فقرَأْت القرأةُ من أهلِ الحجازِ والعراقِ وغيرِهم: (إِنَّ
يَاجُوجَ ومالجوجَ) بغيرِ همزٍ على ((فاعُولَ))، مِن: يجَجْتُ ومَجَجْتُ . وجعلوا
الألفين فيهما زائدتين، غيرَ عاصم بنِ أبى النَّجودِ والأعرج؛ فإنه ذُكِرَ أنهما قرأا
ذلك بالهمزِ فيهما جميعًا ، وجعَلا الهمزَ فيهما من أصلِ الكلام، وكأنهما جعَلا
يَأْمُجُوجَ: ((يفعُولَ)) من: أَجَجْتُ. ومَأُجُوجَ، مَفعُولَ .
والقراءةُ التى هى القراءةُ الصحيحةُ عندَنا(٢) (إن ياجوجَ وماجُوجَ) بألفٍ بغيرِ
همزٍ؛ لإجماع الحجةِ من القرأةِ عليه ، وأنه الكلامُ المعروفُ على ألسنِ العربِ؛ ومنه
قولُ رُؤْبَةَ بنِ العجَّاجِ :
وعادَ عادٌ(٥) واستَجاشُوا تُبَّعا
لو أنَّ ياجوجَ وماجُوجَ مَعَا
وهما (١) أمَّتان من وراءِ الشَّدِّ .
(١ - ١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: ((أن يفقهوا غيرهم)).
(٢) ينظر السبعة فى القراءات ص ٣٩٩.
(٣) القراءتان بالهمز وتركه - كلتاهما صواب .
(٤) ديوانه ( مجموعة أشعار العرب ) ص ٩٢ .
(٥) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: ((عادوا)).
(٦) فى م: ((هم)).

٣٨٩
سورة الكهف : الآيات ٩٢ - ٩٤
/وقولُه: ﴿مُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِ﴾؛ اختلف أهلُ التأويل فى معنَى الإفسادِ الذى ١٧/١٦
وصَف اللهُ به هاتين الأمَّتَين ؛ فقال بعضُهم : كانوا يَأْكُلون الناسَ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أحمدُ بنُّ الوليدِ الرَّملىُّ: قال: ثنا إبراهيمُ بنُ أيوبَ الحَوْرَانىُ(١)، قال: ثنا
الوليدُ بنُّ مسلم ، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ عبدِ العزيزِ يقولُ فى قولِهِ: ﴿ إِنَّ بَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ
مُفْسِدُونَ فِ اَلْأَرْضِ﴾. قال: كانوا يَأْكُلون الناسَ(١).
وقال آخرون: [٣٦/٣٤ظ] بل معنَى ذلك: إن يأجوج ومأجوجَ سيُفسِدون فی
الأرضِ. لا أنَّهم كانوا يومئذٍ يُفسِدون .
ذكرُ مَن قال ذلك
وذكرُ صفةِ اتِباع ذى القَرنَينِ الأسبابَ التى ذكرها اللهُ فى هذه الآياتِ(٢)،
وذ کرُ سببٍ بنائِه الردم ) .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سَلَمَةُ ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ ، قال : ثنی
بعضُ مَن يَسوقُ أحاديثَ الأعاجم مِن أهلِ الكتابِ، ثمّن قد أَسْلَم ، مما تَوارَثُوا مِن
علم ذى القرنين، أن ذا القرنين كان رجلاً مِن أهلِ مصرَ اسمُه مرزبا بنُ مردبه
(١) فى الأصل: ((الجوزانى))، وفى ص، ت ١، ف: ((الحوزانى))، وفى م: ((الخوزانى)). ينظر الجرح
والتعديل ٨٨/٢، والإكمال ٢٥/٣، والأنساب ٢٨٧/٢.
(٢) ذكره القرطبى فى تفسيره ٥٦/١١، وأبو حيان فى البحر المحيط ١٦٤/٦، بلفظ: ((إفسادهم أكْل بنى
آدم)) .
(٣) فى م: ((الآية)).
(٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: ((للردم)).

٣٩٠
سورة الكهف : الآيات ٩٢ - ٩٤
اليونانىُ، مِن ولدٍ يوثنَ(١) بنِ ياغثَ بن نوحٍ(٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: فحدَّثنى(٢) محمدُ بنُ إسحاقَ، عن
ثورِ بنِ يزيدَ، عن خالدِ بنِ مَعدانَ الكَلاعِىِّ، وكان خالدٌ رجلًا قد أدرَك الناسَ : أنَّ
رسولَ اللهِ مَّلِ سُئِل عن ذى القرنين، فقال: ((مَلَكٌ مسَحَ الأرضَ مِن تحتِها
بالأسبابِ)). قال خالدٌ: وسمِع عمرُ بنُ الخطابِ رجلًا يقولُ: يا ذا القرنين. فقال:
اللهمَّ غَفْرًا ، أَمَا رَضِيتم أن تَسَمَّوْا بأسماءِ الأنبياءِ، حتى تَسَمَّوْا بأسماءِ الملائكةِ ؟ فإن
كان رسولُ اللهِ عَّلَّهِ قال ذلك، فالحقُّ ما قال، والباطلُ ما خالفَه (٤).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ ، قال:
فحدَّثنى مَن لا أنَّهمُ، عن وهبٍ بنِ مُنَبِّهِ اليمانىِّ، وكان له علمٌ بالأحاديثِ [٣٧/٣٤ ]
الأُوَّلِ ، أَنَّه كان يقولُ : ذو القرنين رجلٌ مِن الرُّومِ ، ابنُ عجوزٍ مِن عَجائزِهم ، ليس لها
ولدٌ غيرُه، وكان اسمُه الإسكَندَرِيسَ(*) وإنما سُمِّى ذا القرنين أن صَفحَتَى رأسِه كانتا
مِن نُحاسٍ ؛ فلمَّا بلَغ وكان عبدًا صالحاً، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: يا ذا القرنين، إنى باعِتُك
إلى أُمِ الأرضِ، وهى أتمّ مختلفةٌ ألِنَتُهم، وهم جميعُ أهلِ الأرضِ؛ ومِنهم أُمْتَان
بينَهما طولُ الأرضِ كلُّه، ومِنهم أُمَّتان/ بينَهما عَرْضُ الأرضِ كلُّه، وأُمّ فى وسَطٍ
الأرضِ؛ منهم الجنّ والإنسُ، " ويأجوج ومأجوج)؛ فأما(٢) اللتان بينَهما طولُ
١٨/١٦
(١) فى ص: ((يوتن))، وفى م، ت ٢: ((يونن)).
(٢) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (٩٨٤) من طريق سلمة به .
(٣) فی م، ت ١، ف: (حدثنى ).
(٤) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (٩٨٥ - ٩٨٧) من طريق سلمة به . وأخرجه ابن عبد الحكم فى فتوح مصر
ص ٣٩ من طريق محمد بن إسحاق به .
(٥) فى م: ((الإسكندر)).
(٦ - ٦) فى ص: ((ومأجوج))، وفى ت ١، ت ٢، ف: ((يأجوج)).
(٧) بعده فى م: ((الأمتان)).

٣٩١
سورة الكهف : الآيات ٩٢ - ٩٤
الأرضِ ، فَأُمَّةٌ عندَ مَغرِبِ الشمسِ يُقالُ لها: ناسكٌ. وأما الأُخْرَى ، فعندَ مَطلِعِها يُقالُ
لها : منسكٌ؛ وأما اللتان بينَهما عرضُ الأرضِ، فأمَّةٌ فى قُطرِ الأرضِ الأيمنِ، يقالُ
لها : هاويلُ، وأما الأخرَى التى فى قُطرِ الأرضِ الأيسرِ، فَأَمّةٌ يُقالُ لها: تاويلُ. فلمَّا
قال اللهُ له ذلك، قال له ذو القرنين: إلهى، إِنَّك قد نَدَبتَنى لأمرٍ عظيمٍ، لا يَقدِرُ قدرَہ
إلَّا أنتَ، فأخْبِرْنى عن هذه الأمم (١) التى بَعَثَنِى إليها؛ بأىِّ قُوَّةٍ أُكابِرُهم، وبأىِّ جَمعِ
أُكَاثِرُهم ، وبأىِّ حِيلَةٍ أُكَايدُهم ، وبأٌ صَبٍ أُقاسِيهم، وبأىّ لسانٍ أُناطِقُهم ، وكيف
لى بأن أفقَهَ لُغاتِهم، وبأىِّ سَمعِ أَعِى قولَهم، وبأىِّ بصَرٍ أَنَقُذُهم، وبأىِّ حُجَّةٍ
أُخاصِمُهم، وبأىّ قَلبٍ أَعقِلُ عنهم، وبأىِّ حِكْمَةٍ أُدُّ أمورَهم(٢) ، وبأٌ قِسطٍ أعدِلُ
بينَهم ، وبأىِّ حِلم(٢) أُصابِرُهم، وبأىِّ مَعرِفةٍ أفصِلُ بينَهم ، وبأىِّ علمٍ أُتْقِنُ أمورَهم،
وبأيِّ يدِ أسطُو [٣٧/٣٤ظ] عليهم، وبأىِّ رِجلٍ أَطَؤُهم، وبأىِّ طاقةٍ أَخْصِيهم(٤) ، وبأىِّ
مجندٍ أُقَاتِلُهم ، وبأىِّ رِفِقٍ أستألِفُهم ، فإِنَّه ليس عندِى يا إلهى شىءٌ مما ذكّرتُ يقُومُ لهم،
ولا يَقوَى عليهم ولا يُطِيقُهم ، وأنتَ الربُّ الرحيمُ، الذى لا تُكلِّفُ نفسًا إلَّ وُسعها،
ولا تُحِمِّلُها إِلا طاقَتَها، ولا تُعنِتُها ولا تَفدَحُها، بل أنتَ تَوَأَفُها) وتَرحَمُها. قال اللهُ عزَّ
وجلَّ: إنى سأُطَوِّقُكَ ما حمَّاتُك، و(٦أشرح لك صدرَك، فيَسَغُ(٧) كلَّ شىءٍ، وأُشرَحُ
لك فَهِمَك، فتَفقَهُ كلَّ شىءٍ، وأبسطُ لك لسانَك، فتَنطِقُ بكلِّ شىءٍ، وأفتَحُ لك
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((الأمة)).
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: ((أمرهم)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢: ((حكم)).
(٤) فى م: ((أخصمهم)) .
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢: ((ترفها))، وفى ف: ((ترزقها)).
(٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.
(٧) فى الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ف: ((فتسمع)).

٣٩٢
سورة الكهف : الآيات ٩٢ - ٩٤
سَمعَك، فتَعِى كلَّ شىءٍ، وأَمُدُّ لك بصَرَك، فتَنفُذُ كلَّ شىءٍ، وأُدَبُِّلك أمرَك، فتُقِنُ
كلَّ شيءٍ، وأُحصِى لك فلا يَفوتُك شىءٌ، وأحفَظُ عليك، فلا يَعزُبُ عنك شىءٌ ،
وأشُّدُّ لك ظَهرَك ، فلا يَهُدُّك شىءٌ، وأَشُدُّ لك رُكنَك، فلا يَغْلِبُك شىءٌ، وَأَشُدُّ لك
قَلبَك، فلا يَرُوعُك شىءٌ، وأشُّدُّ لك عَقلَك، فلا يَهُولُك شىءٌ، وأبسطُ لك مِن بينِ
يدَيك، فَتَسطو فوقَ كلِّ شيءٍ، وأَشُدُّ لك وَطأتَك، فتَهُدُّ كلَّ شيءٍ ، وأُلْبِسُكَ الهَيبَةَ
فلا يَرومُك شىءٌ، وأُسخّرُ لك النُّورَ والظُّلمَةَ، فأجعَلُهما مجندًا مِن جنودِك، يَهدِيك
النورُ مِن أمامِك، وتَحوطُك الظُّلمةُ مِن وَرائِكَ .
ولَّ قيل له ذلك، انطَلَق يَؤُمُّ الأُمََّ التى عندَ مَغرِبِ الشمسِ ، فلمَّا بلَغَهم، وجَد
جَمعًا وعددًا لا يُحصِيهِ إلا اللهُ، وقُوَّةً وبأسًا لا يُطيقُه إلا اللهُ، وألسنةً مختلفةً ،
وأهواءً مُتشتّةً ، وقلوبًا مُتفرّقةً، فلمَّا [٣٨/٣٤ و] رأى ذلك كابرهم(١) بالظُّلمةِ،
فضرَب حولَهم ثلاثةَ عساكرَ مِنها، فأحاطَتْهم مِن كلِّ مكانٍ ، وحاشَتْهم حتى
جَمَعْهم فى مكانٍ واحدٍ ، ثم أخَذ عليهم بالنُّورِ، فدعاهم إلى اللَّهِ وإلى عبادتِه،
فمنهم مَن آمَن له، ومنهم مَن صَدَّ، فعَمَد إلى الذين تَوَلَّوا عنه، فأدخَلَ عليهم
الظلمةَ، فدَخَلتْ فى أفواهِهم وأَنُوفِهم وآذانهم وأجْوافِهم، ودخَلَت فى بيوتهم
ودُورِهِم، وغَشِيَتْهم مِن فوقِهم، ومِن تحتِهم ، ومِن كلِّ جانبٍ مِنهمٍ، فمابجوا
فيها (١٢) وَيَّرُوا، فلمَّا أَشفَقوا أن يَهلِكوا فيها، عَجوا (١) إليه بصوتٍ واحدٍ، فكشَفَها
عنهم وأخَذَهم عَنوَةً، فدخلوا فى دعوتِه، فجَنَّد مِن أَهلِ المَغَرِبِ أَمًا عظيمةٌ ،
فَجَعَلهم جندًا واحدًا، ثم انطَلَق بهم يقودُهم، والظُلمةُ تَسوقُهم مِن خَلِفِهم،
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: ((كاثرهم)).
(٢) فى الأصل: ((فيه)) .
(٣) فى ت ١، ف: ((ضجوا)). وضَجَّ: إذا صاح مستغيثًا. وعجّ: إذا صاح ورفَع صوتَه. وقيده الأزهرىُّ
بالدعاء والاستغاثة. ينظر تاج العروس (ض ج ج )، (ع ج ج ).

٣٩٣
سورة الكهف : الآيات ٩٢ - ٩٤
وتَحُوشُهم (١) مِن حولِهم، والنُّورُ أمامَهم (يقودُهم ويدُلُّهم٢) ، وهو يسيرُ فى ناحيةٍ
الأرضِ اليُمنَى ، وهو يريدُ الأمةَ /التى فى قُطرِ الأرضِ الأيمن التى يُقالُ لها: هاويلُ. ١٩/١٦
وسخّر اللهُ له يدَه وقلبَه ورأيَه وعقله ونَظَرَه وائتِمارَه، فلا يُخطئُ إذا ائْتَمرَ(١)، وإذا
عمِل عملاً أتقَنَه، فانطلَق يقودُ تلك الأممَ وهى تَتَبعُه، فإذا انتهَى إلى بحرٍ أو
مخاضةٍ، بَنِىَ سُفُنَا مِن ألواح صغارٍ أمثالَ النِّعالِ، فنظَمَها فى ساعةٍ ، ثم حمَل() فيها
جميعَ مَن معه مِن تلك الأمم وتلك الجنودِ ، فإذا قطَع الأنهار والبحارَ فتَقَها ، ثم دفَع
إلى كلِّ إنسانٍ لَوحًا فلا يَكرِثُهُ(٥) حَملُه، فلم يزلْ ذلك دأبُه حتى انتَهى إلى هاويلَ،
فَعَمِل فيها(١) كعَمَلِه فى [٣٨/٣٤ظ] ناسكِ، فلمَّا فَرَغْ منها مضَى على وجهِه فى
ناحيةِ الأرضِ اليُمنَى ، حتى انتهى إلى منسكٍ عندَ مطلِعِ الشمسِ ، فعَمِل فيها وجنَّد
فيها (١) جنودًا، كفِعِلِه فى الأمَّتين اللتين قبلَها، ثم كرَّ مُقبِلًا فى ناحيةِ الأرضِ
اليُسرَى، وهو يريدُ تاويلَ، وهى الأُمَّةُ التى بحِيَالٍ هاويلَ، وهما مُتَقابِلَتان بينَهما عرضُ
الأرضِ كلُّه؛ فلمَّا بلَغها عمِل فيها، ()وجنّد فيهاُ كفِعلِه فيما(*) قبلَها ، فلمَّا فَرَغ منها
عَطَف مِنها إلى الأمم التى فى(١) وسَطِ الأرضِ مِن الجنِّ وسائرِ الناسٍ و(١) يأجوجَ
(١) فى م، ت ١: ((تحرسهم)).
(٢ - ٢) فى الأصل: ((يقوده ويدله))، وفى العظمة: ((يقودهم ويدله)).
(٣) فى الأصل: ((ائتمروا)).
(٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: ((جعل)) .
(٥) فى ت ١: ((يكترثه)). وكَرَّثَه الأمرُ والغم، يَكرِثُه ويكرّتُهُ كَوثًا: ساءه واشتدَّ عليه، وبلغ منه المشقّةَ،
کاًگرتَه . تاج العروس (ك ر ث ).
(٦) فى الأصل: ((فيه)).
(٧) سقط من: ت ١، وفى م، والعظمة: (( منها)).
(٨ - ٨) سقط من: ت ١، وفى م: ((وجند منها).
(٩) سقط من : الأصل .
(١٠) سقط من: الأصل، ص، م، ت ٢، ف.
(١١) سقط من: الأصل، ص، م، ت ١، ت ٢، ف .

٣٩٤
سورة الكهف : الآيات ٩٢ - ٩٤
ومأجوجَ ؛ فلمَّا كان فى بعضِ الطريقِ مما يَلى مُنقَطَعَ التُّركِ نحوَ الْمَشْرقِ، قالت له أمَّةٌ
من الإنس صالحةٌ: يا ذا القرنين، إن بينَ هذين الجَبَلَين خلقًا مِن خلقِ اللهِ كثيرًا ،
فيهم مُشَابَهَةٌ مِن الإِنسِ ، وهم أشتَاهُ البهائم، يَأْكُلون العُشبَ، ويَفتَرِسون الدَّوابَّ
والوحوشَ كما تَفتَرِسُها السّباعُ، ويأكُلون خَشَاشَ (١) الأرضِ كلِّها مِن الحيَّاتِ
والعقاربِ، وكلَّ ذى رُوحِ مما خُلِق فى الأرضِ، وليس للهِ خَلقٌ يَنْمِى (١) نَماءَهم فى
العامِ الواحدِ، ولا يَزدادُ كزيادَتِهم ، ولا يَكثُرُ ككَثْرتِهم ، فإن كانت لهم مُدَّةٌ على ما
نَرَى مِن نمائِهم وزيادَتِهم، فلا شكَّ أنَّهم سيَملَئون الأرضَ، ويُجلُون أهلَها منها (٢)،
ويَظهَرون عليها، فيُفسِدون فيها، وليست تمرُّ بنا سنةٌ منذُ جاوَرناهم إلَّا ونحنُ
نتوقَّعُهم ، وننتظِرُ أن يطلُعَ علينا أوائلُهم مِن بينِ هذيْن الجَبَلَين، ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ
قَالَ مَا مَكَّنِّى فِيهِ رَبِ خَيْرٌ فَأَعِنُونِ بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ
خَرْمًا عَلَى أَن تَّجْعَلَ بَيْنَا وَيْنَهُمْ سَدًّا
بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ [٣٩/٣٤و] رَدْمًا﴾، أعِدُّوا لىَ الصُّخورَ والحديدَ والنّحاسَ ؛ حتى أرتادَ
بلادَهم، وأعلمَ عِلمَهم، وأَقِيسَ ما بينَ جبلَيهم . ثم انطلَق يَؤُمُّهم حتى دفَعَ إليهم
وتَوسَّطَ بلادهم، فوجَدَهم على مِقدارٍ واحدٍ، ذَكَرَهم وأُنتاهم، يَبْلُغُ(٤) طولُ
الواحدِ مِنهم مثلُ نصفِ الرَّجلِ الَربوع منَّا(١)، لهم مَخَالبُ فى موضعِ الأظفارِ مِن
أيدِينا، وأضرَاسٌ وأنيابٌ كأضراسِ السّباعِ وأنيابِها، " وأحناك كأحناكٍ) الإبل
(١) فى الأصل، ص، ت ٢: ((قشات))، وفى ت ١، ف: ((قشاث)). والخشاش: هوام الأرض وحشراتها
ودوابها وما أشبهها . اللسان (خ ش ش ).
(٢) فى م: ((ينمو))، وهما بمعنّى.
(٣) فى ص، م، ت ١، ف: ((عنها)). وكلاهما صواب .
(٤) فى م، ت ١: ((مبلغ)).
(٥) المربوع: الرجُل بينَ الطُّول والقِصَر. ينظر القاموس المحيط (رب ع).
(٦ - ٦) فى الأصل: ((وأحناك))، وفى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((وأخفاف)).

٣٩٥
سورة الكهف : الآيات ٩٢ - ٩٤
قُوَّةً، تَسمَعُ لها حركةً إذا أكلوا كحركةِ الجِرَّةِ(١) من الإبلِ، أو كقَضم البغلِ"
المُسِنِّ، أو الفَرَسِ القَوىِّ، وهم هُلْبٌ(٢)، عليهم مِن الشعرِ فى أجسادِهم ما
يُوارِيهم ، وما يَتَّقون به الحرّ والبردَ إذا أصابَهم، ولكلٍّ واحدٍ مِنهم أُذُنانٍ عظيمَتانِ؛
إحداهما وَبِرَةٌ ظهرُها وبطنُها، والأُخرَى زَغِبَةٌ(٤) ظهرُها وبطنُها، تَسَعانِه إذا
لَبِسَهما، يَلْتَحِفُ إِحدَاهما، ويَفترِشُ الأُخرَى، ويَصِيفُ فى إحداهما، ويَشْتُوُ()
فى الأُخرَى ، وليس منهم ذكرٌ ولا أنثى إلا وقد عرَف أجلَه الذى يموتُ فيه، ومَنقَطَعَ
عُمُرِه؛ وذلك أنه لا يموتُ ميِّتْ من ذكُورِهم حتى يَخرُجَ مِن صُلبِه ألفُ ولدٍ ، ولا
تموتُ الأنثى حتى يخرُجَ مِن رَحمِها ألفُ ولدٍ ، فإذا كان ذلك أيقَنَ بالموتِ ، وهم
يُرزَقُون التِّنِّينَ(١) فى أيامِ الربيع، ويَستَمطِرونَه إذا تَحَيَّنوه كما نَستَمِطِرُ الغيثَ لحينِهِ،
فيُقذَفون منه كلَّ سنةٍ بواحدٍ ، فيَأْكلُونه عامَهم كلَّه إلى مثلِها مِن العامِ القابلِ،
فيُغْنِيهم على(٢) كَثِرَتِهِم وَمَائِهم، فإذا مُطِروه أخصَبُوا وعاشوا وسَمِنوا عليه، ورُئِىَ
أَثْرُه عليهم، فدَرَّتْ [٣٩/٣٤ظ] عليهم (٨) الإناثُ، وشَبِقَتْ منه الرجالُ /الذَّكورُ، ٢٠/١٦
(١) الجِرَّة: ما يَفِيض به البعيرُ مِن كَرِشه فيأكُلُه ثانيةً. تاج العروس (ج ر ر).
(٢) فى م: ((الفحل)).
(٣) الهُلْب: كثرة الشعر. تاج العروس (هـ ل ب ).
(٤) زغِبَةٌ: مِن الزَّغَب. وهو صِغارُ الشَّعَرِ والرِّيشِ ولَُّه. يُنظر تاج العروس (زغ ب).
(٥) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: ((يشتى)). وكلاهما صواب.
(٦) التنين: ضَرْبٌ من الحَيَّات من أعْظَمِها كأكبر ما يكون منها، جاء فى بعض الأخبار أن السحابة تحمل
التنين إلى بلاد يأجوج ومأجوج فتَطْرَحُه فيها، وأنهم يجتمعون على لحمه فيأكلونه. ينظر لسان العرب
(ت ن ن ).
(٧) فى ص، ت ١، ف: ((عن)). و((على)) هنا بمعنى رغم.
(٨) فى الأصل: ((عليه)).

٣٩٦
سورة الكهف : الآيات ٩٢ - ٩٤
وإذا أخطَأهم هَزَلوا وأجدَبوا، وجَفَرتِ الذُّكورُ، وحَالتِ الإِناثُ(١)، وتَيِّنَ أثرُ ذلك
عليهم، وهم يَتداعَون تَداعِىَ الحَمامِ ، ويَعُون ◌ُوَاءً الكلاب(٢) ، ويَتَسافَدون حیث
التَّقَوْا تَسَافُدَ البهائم. ثم لما عايَنَ ذلك منهم ذو القرنين انصَرَف إلى ما بينَ
الصَّدَفَين، فقاس ما بينَهما وهو فى مُنقَطَع أرضِ التُّركِ مَّا يَلى مَشرِقَ الشمسِ،
فوجَد بُعدَ ما بينَهما مائةً فَرسَخ، فلمَّا أنشَأ فى عمَلِهِ، حفَر له أُسَّا حتى بلَغَ الماءَ ، ثم
جعَل عَرضَه خمسين فَرسخًا، وجعَل حَشوَه الصخورَ، وطينَه النُّحاسَ، يُذَابُ ثم
يُصبُّ عليه، فصار كأنَّه عِرقٌ مِن جبلِ تحتَ الأرضِ، ثم عَلَاه وشَرَّفَه بزُبَرِ الحديد
والنَّحاسِ المُذابِ ، وجعَل خلالَه عِرقًا مِن نُحاسِ أَصفَرَ ، فصار كأنَّه بُرِدٌ مُحَبٌَّ ؛ مِن
صُفْرَةِ النُّحاسِ وحُمرَتِهِ وسَوادِ الحديدِ، فلمَّا فَرَغْ منه وأحكَمَه ، انطلَق عامِدًا إلى
جماعةِ الإِنسِ والجنِّ ، فبينًا هو يسيرُ، دفَع إلى أَمَّةٍ صالحةٍ يَهدُون بالحقِّ وبه يَعدلون ،
فوجَد أمَّةً مُقسِطَةً مُقْتَصِدَةً ، يقسِمُون (٢) بالسَويَّةِ، ويَحكْمون بالعَدلِ ، ويتآَسَون
ويَتَرَاحَمُون، حالُهم واحدةٌ، وكلِمَتُهم واحدةٌ ، وأخلاقُهم مُشتَبَهَةٌ، وطرِيقَتُهم
مُستَقِيمةٌ، وقلوبُهم مُتآلِفَةٌ ، وسیرتُهم مستويةٌ() ، وقبورُهم بأبوابٍ بیوتِھم، وليس
على بُيوتِهم أبوابٌ ، وليس عليهم أمراءُ، وليس بينَهم قُضَاةٌ ، ولا بينَهم أغنياءُ ولا
ملوكٌ ولا أشرافٌ، ولا يَتَفاوتُون ولا يتَفاضَلون، ولا يَختلِفون ولا يَتَنَازَعُون ، ولا
يَسْتَبُّون ولا يَقْتَتِلون، ولا يَقحطون ولا [٤٠/٣٤ و] يُجرَدون ، ولا تُصِيبُهم الآفاتُ
(١) أجفر الرجل وَفَر وجَفَّر واجْتَفَر: إذا انقطع عن الجماع. وحالت المرأة: إذا لم تَحْمِل. ينظر
اللسان (ج ف ر)، (ح و ل).
(٢) فى الأصل، ت ٢: ((الذئاب)).
(٣) فى الأصل، ص، ت ٢، ف: ((يقتسمون)).
(٤) سقط من: ت ٢. وفى ص، م، ت ١، ف: ((حسنة)).
(٥) جرِدت الأرضُ فهى مجرودة : إذا أكل الجراد نبتها . تاج العروس (ج ر د).

٣٩٧
سورة الكهف : الآيات ٩٢ - ٩٤
التى تُصيبُ الناسَ ، وهم أطولُ الناسِ أعمارًا ، وليس فيهم مسكينٌ ولا فقيرٌ، ولا
فَظٌّ ولا غليظٌ . فلمَّا رأَى ذلك ذو القرنين من أمرِهم ، عَجِبَ منه وقال : أخبرونى
أيُّها القومُ خَبرَكم، فإِنِّى قد أحصَيتُ الأرضَ كلَّها؛ بَرَّها وبحرَها، وشَرقَها
وغَرِبَها، ونورَها وظُلمَتَها، فلم أجِد مثلَكم، فأخبِرُونى خَبَركم ! قالوا : نعم،
فسَلنا عمَّا تُرِيدُ . قال : أخبِرُونى، ما بالُ قبورِ مَوتاكم على أبوابٍ بيوتِكم ؟ قالوا :
عَمِدًا فَعَلنا ذلك؛ لِقَلَّا نَنسَى الموتَ، ولا يَخرُجَ ذِكرُه مِن قلوبِنا. قال: فما بالُ
بيوتكم ليس عليها أبوابٌ؟ قالوا: ليس فِينا مُتَّهمْ، وليس منا إلَّا أمينٌ مُؤتمنٌ. قال :
فما بالكم(١) ليس عليكم أمراءُ؟ قالوا: لا نَتَظالَمُ . قال: فما بالكم ليس عليكم(٢)
حُكّامٍ؟ قالوا: لا نَخْتَصِمُ. قال: فما بالكم ليس فيكم أغنياءُ؟ قالوا: لا نتكاثر.
قال : فما بالكم ليس فيكم ملوكٌ؟ قالوا: لا نتَكابَرُ. قال فما بالكم لا تتنازَعُون ولا
تَخْتَلِفون؟ قالوا: مِن قِبَلِ ألفَةِ قلوبنا وصَلاح ذاتٍ بيننا . قال: فما بالكم لا تَستُون
ولا تَقْتَتِلون؟ قالوا: من قِبَلِ أَنَّا غَلَبْنا طبائِعَنا بالعزمِ، وسُسنا أَنفُسَنا بالأحلام . قال:
فما بالكم كلِمَتُكم واحدةٌ ، وطرِيقَتُكُم مُستقيمَةٌ مُستَويةٌ؟ قالوا: مِن قِبَلِ أَنَّا لا
نَتكاذبُ، ولا نَتَخادَعُ، ولا يغتابُ بعضُنا بعضًا. قال: فأخْبِرُونى مِن أَينَ [٣٤]
٤٠ظ] تَشابَهَتْ قلوبُكم، واعتدَلتْ سِيرَتُكم؟ قالوا: صحَّت صُدُورُنا، فتُزِع
بذلك الغِلُّ والحسدُ مِن قلوبنا. قال: فما بالكم ليس فيكم مِسكينٌ ولا فقيرٌ؟
قالوا: مِن قِبَلِ أَنَّا نَقْسِمُ(١) بالسّويةِ. قال: فما بالكم ليس فيكم فظُّ ولا غليظٌ؟
قالوا: من قِبَلِ الذَّلَّ والتَّواضُع. قال: فما بالكم(٤) أطولَ الناسِ أعمارًا؟ قالوا: مِن
(١) فى م: ((لكم)).
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: ((فيكم)).
(٣) فى الأصل، م: ((نقتسم)).
(٤) فى الأصل، ص، م، ت ٢، ف: ((جعلكم)). وفى الدر المنثور: (( بالكم جعلتم)).

٣٩٨
سورة الكهف : الآيات ٩٢ - ٩٤
٢١/١٦
قِبَلِ أنا نَتَعاطَى الحقَّ(١) ونحكُمُ بالعدلِ. قال: فما بالكم لا تَقحَطون؟ قالوا: لا
نَغْفُلُ عن الاستغفارِ. قال: فما بالكم لا تُجرَدُون؟ قالوا: مِن قِبَل أنَّا وَطَّأنا أَنفُسَنا
للبلاءِ منذ كنا، وأحببناه وحَرَصنا(٢) عليه، فعُرِّينا منه . قال: فما بالكم لا تُصِيئُكم
الآفاتُ كما تُصيبُ الناسَ؟ قالوا: لا نتَوكَّلُ على غيرِ اللهِ، ولا نعملُ/ بالأنواءِ
والنُّجوم. قال: حدِّثونى، أهكذا وجَدثُم آباءَ كم يفعلون؟ قالوا: نعم، وجَدْنا آباءَنا
يَرحَمون مساكِينَهم، ويُواسُون فُقَراءَهم ، ويَعفون عمَّن ظلَمَهم ، ويُحسِنون إلى
مَن أساءَ إليهم، ويَحِلُّمُون عمَّن جَهِل عليهم، ويستَغْفِرون ◌َن سَبّهم، ويَصِلُون
أرحامَهم، ويُؤَدُّون أماناتِهم، ويَحفَظُون وَقتَهم لصلاتِهم، ويُوفُون بعُهودِهم،
ويَصدُقون فى مواعيدِهم ، ولا يَرغَبون عن أكْفَائِهم ، ولا يَستَنكِفون عن أقارِبِهم،
فأصلَحَ اللهُ لهم بذلك أمرّهم، وحَفِظَهم ما كانوا أحياءً، وكان حقًّا عليه أن
يَخْلُفَهم(٢) فى تَرِكَتِهم(٤) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال : ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ ، عن أبى رافع، عن أبى
هريرةَ، عن نبيِّ الله ◌ِّهِ قال: ((إن يأجوج ومأجوجَ يَحفِرونَهُ( ١) كلَّ يومٍ، حتى إذا
كادوا يَرَونَ شُعاعَ الشَّمسِ، قال الذى [٤١/٣٤ و] عليهم: ارجِعُوا فَتَحفِرُونَه غدًا.
فيُعِيدُه اللـهُ (١ كأشَدِّ ما كان، حتى إذا بَلَغتْ مُدَّتُهم حَفَروا، حتى إذا كادوا يَرَونَ شُعاعَ
الشمسِ قال الذى عليهم: ارجعوا فسَتَحفِرُونَه إن شاء اللهُ غَدًا. فيَعُودُونَ إليه") وهو
(١) فى ص، ت ١: ((الحلم))، وفى ت ٢، ف: ((الحكم)).
(٢) فى ت ١: ((جرينا))، وفى ت ٢: ((حرضنا))، وفى ف: ((جربنا)).
(٣) فى ص، م، ت ١، ف: ((يحفظهم)) .
(٤) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (٩٧٢) من طريق سلمة به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٢/٤ إلى ابن
إسحاق وابن المنذر وابن أبى حاتم والشيرازى فى الألقاب وأبى الشيخ .
(٥) فى ص: ((يحفرون))، وفى م: ((يحفرون السد)).
(٦ - ٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف.

٣٩٩
سورة الكهف : الآيات ٩٢ - ٩٤
كهَيئِهِ حِينَ تَرَكُوهُ، فَيَحفِرُونَه ، فيَخرُجونَ على الناسِ، فينشِفُونَ المياهَ ،
ويتَحَصَّنُ الناسُ فى حُصونِهِم، فيَرمونَ بسِهامِهم إلى السماءِ" فيَرجِعُ فيها كهَيئَةٍ
الدِّماءِ، فيقولون: قَهَرْنا أهلَ الأرضِ، وعَلَونا أهلَ السماءِ. فيبعَثُ اللهُ عَلَيهم نَغَفّاً(*)
فى أقفائِهم فتَقتُلُهم (٥)). فقال رسولُ اللهِ نَّهِ: ((والذى نفسُ محمدٍ بيدِه إِنَّ دَوَابَّ
الأرضِ لَتَسمَنُ وتَشكَرُ شَكَرًا(٩) مِن لُومِهم))(٧).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سَلَمَةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ ، عن عاصمِ بنِ
عمرَ بنِ قتادةَ الأنصارىِّ ثم الظَّفَرِىِّ، عن محمودِ بنِ لَبيدٍ أخى بنى عبدِ الأَشهَلِ،
عن أبى سعيد الخدرىِّ، قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ عَ لَّه يقولُ: ((يُفتَحُ يأجوج
ومأجوج، يَخرُجُون على الناسِ كما قال اللهُ عزَّ وجلّ: ﴿مِّنِ كُلِّ حَدَدٍ
يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦] فَيَغْشَونَ الأرضَ، ويَنحازُ المسلمون عنهم إلى مَدَائِهم
ومحُصُونِهِم، ويضُمُّون إليهم مَواشِيَّهم، فيَشرَبونَ مِياهَ الأرضِ ، حتى إن بعضَهم لِيَمُ
بالنَّهرِ فِيَشرَبُونَ ما فيه، حتى يترُكُوه يابِسًا، حتى (١) إن مَنْ بَعدَهم لَيَمُوُّ بذلك النهرِ ،
(١) فى م، ت ١، ف: (( يوم)).
(٢) بعده فى م: ((حتى إذا جاء الوقت قال: إن شاء الله)).
(٣ - ٣) سقط من: الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ف.
(٤) النغف: دود يكون فى أنوف الإبل والغنم، واحدتها نَغَفّة. النهاية ٨٧/٥ .
(٥) فى الأصل: ((فيقتلونهم)) .
(٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ف. وتشكر: أى تسمن وتمتلئ شحمًا . يقال : شكرت الشاة تَشكُّ
شَكْرًا إذا سَمِنت وامتلأ ضَرعُها لبنًا . النهاية ٢ / ٤٩٤.
(٧) أخرجه أحمد (١٠٦٣٢)، وابن ماجه (٤٠٨٠) من طريق سعيد به. وأخرجه أحمد (١٠٦٣٣)،
والترمذى (٣١٥٣)، وابن حبان (٦٨٢٩)، والحاكم ٤ /٤٨٨، من طريق قتادة به ، قال ابن كثير فى تفسيره
١٩٤/٥: وهذا إسناد جيّد قوى، ولكن فى رفعه نكارة ؛ لأن ظاهر الآية يقتضى أنهم ، لم يتمكنوا من ارتقائه
ولا من نقبه ؛ لإحكام بنائه وصلابته وشدته ولكن هذا قد روى عن كعب الأحبار ... ، ولعل أبا هريرة تلقاه
من كعب، فإنه كثيرًا ما كان يجالسه ويحدثه، فحدث به أبو هريرة، فتوهم بعض الرواة عنه أنه مرفوع،
فرفعه، والله أعلم.
(٨) فى الأصل، ص، ت ٢، ف: ((وحتى)).

٤٠٠
سورة الكهف : الآيات ٩٢ - ٩٤
فيقولُ: لقد كان هنهنا ماءٌ مرَّةً. حتى إذا(١) لم يبقَ مِن النَّاسِ أحدٌ إلَّ ("أخَذ فى٢
حِصنٍ أو مدينةٍ ، قال قائلُهم: هؤلاء أهلُ الأرضِ قد فَرَغنا مِنهم ، بَقِىَ أهلُ السماءِ)) .
قال: ((ثم يَهُزُّ أَحَدُهم حَربَتَه، ثم يَرمى بها [٤١/٣٤ ظ] إلى السماءِ، فَتَرجِعُ إليه مُخَضَّبَةً
دَمًّا؛ للبلاءِ والفِتنَةِ ، فبينا هم على ذلكَ، بَعَث اللهُ عليهم دُودًا فى أعناقِهم كالنَّغَفِ،
فيَخرُجُ فى أعناقِهم، فيُصبحون مَوتَى لا يُسمَعُ لهم حِسِّ، فيقولُ المسلمون: أَلَا رَجُلٌ
يَشْرِى لنا نَفسَه، فينَظُرَ ما فعَل هذا(٢) العدوُ))؟ قال: ((فيَتَجَرَّدُ رَجُلٌ منهم بذلك
مُحتَسِبًا لِنَفسِه، قد وَطَّنَها على أنَّه مَقتولٌ ، فيَنْزِلُ فيجِدُهم مَوتَى، بعضُهم على بعضٍ،
فيُنادِى: يا معشرَ المسلمِين، ألَا أبشِرُوا، فإِنَّ اللهَ قد كَفاكُم عَدُوَّكم. فيَخرُجونَ مِن
مَدَائِنِهم وخُصُونِهم، ويُسَرِّحونَ مَواشِيَهم، فما يكونُ لها رَعِىٌّ إلَّا لُومُهم، فتَشكَرُ
عنهم أحسَنَ ما شَكِرَتْ عن شىءٍ مِنِ النَّبَاتِ أصابَتْ قطُّ ))(٤) .
٢٢/١٦
/حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿قَالُواْ يَذَا الْقَرّْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوَ مُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِ﴾ ،
قال: كان أبو سعيدٍ الخُدرىُّ يقولُ: إن نبيَّ اللهِ عَّهِ قال: ((لا يموتُ رجلٌ منهم حتى
يُولَدَ لِصُلِه ألفُ رجلٍ )). قال: وكان عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ يَعجبُ مِن كثرَتِهم،
ويقولُ: لا يموتُ من يأجوج ومأجوجَ أحدٌ، حتى يُولدَ له ألفُ ذكَرٍ (١) من صُلِه(٧)!
(١) سقط من: م.
(٢ - ٢) فى م: ((انحاز إلى)).
(٣) ليس فى: ص، م، ت ١، ت ٢، ف .
(٤) أخرجه الإمام أحمد (١١٧٣١)، وابن ماجه (٤٠٧٩)، وأبو يعلى (١١٤٤، ١٣٥١)، والحاكم
٤ /٤٨٩، ٤٩٠، من طريق محمد بن إسحاق به .
(٥ - ٥) ليست فى : الأصل .
(٦) فى م: ((رجل)).
(٧) ذكر القرطبى فى تفسيره ٥٦/١١ الجزء المرفوع. أما الموقوف فأخرجه نعيم بن حماد فى الفتن (١٦٥١).
من طريق آخر عن عبد الله بن مسعود .