Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦١
سورة الإسراء : الآية ٢٥
الحارثُ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقَاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿لِلْأَوَّبِينَ غَفُورًا﴾. قال: الأوَّابون: الراجِعون التَّائبون(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ مثلَه .
قال ابنُ جریج ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب : الرجلُ یذنِبُ ثم
،(٢)
يتوبُ ثلاثًا(٢) .
حدَّثنا ابنُ محُميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ ، عن ◌ُبيدِ بنِ
عُمَيرٍ قولَه: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّبِينَ غَفُورًا﴾. قال: الذىُ يَتذكرُ ذنوبَه،
فيستغفر اللَّهَ لها (٤) .
/حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبرنى حَيْوةُ بنُ شُريح، عن ٧١/١٥
عقبةَ بنِ مسلم، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، أنه قال فى قوله: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّبِينَ
غَفُورًا﴾: يُذنبُ العبدُ ثم يتوبُ، فيتوبُ اللَّهُ عليه، ثم يُذنبُ فيتوبُ، فيتوبُ اللَّهُ
عليه ، ثم يُذنبُ الثالثةَ، فإن تاب تاب اللَّهُ عليه توبةٌ لا تُمْحَى(٦).
وقد رُوى عن عُبيدِ بنِ عُمَيرٍ غيرُ القولِ الذى ذكَرنا عن مجاهدٍ (١)، وهو ما
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ مُسلمٍ ،
(١) تفسير مجاهد ٤٣٥، من طريق ورقاء به، وذكره ابن كثير فى تفسيره ٦٤/٥.
(٢) أخرجه البيهقى فى شعب الإيمان (٧٠٩٥)، من طريق يحيى بن سعيد به .
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((الرجل)).
(٤) أخرجه البيهقى فى شعب الإيمان (٧١٩٥) معلقًا عن منصور به .
(٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢. وينظر تهذيب الكمال ٤٧٨/٧.
(٦) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٦٤/٥.
(٧) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ( عنه)).
( تفسير الطبرى ٣٦/١٤ )

٥٦٢
سورة الإسراء : الآيات ٢٥ - ٢٧
عن عمرو بن دينارٍ، عن عُبيدِ بنِ عُمَيرٍ فى قولِهِ: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّبِينَ
غَفُورًا﴾. قال: كنا نَعُدُّ الأَوَّابَ الحفيظَ ، أن يقولَ: اللهمَّ اغفر لى ما أصَبْتُ فى
مجلسى هذا (١).
وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: الأوَّابُ هو التائبُ مِن الذَّنْبِ ،
الراجِعُ مِن مَعصيةِ اللَّهِ إلى طاعتِه، ومما يكرَهُه إلى ما يرضاه؛ لأَنَّ الأوّابَ إنما هو
فعَّالٌ، مِن قولِ القائلِ: آبَ فلانٌ مِن كذا. إمَّا مِن سَفَرِه إلى منزِلِه، أو مِن حالٍ إلى
حالٍ، كما قال عَبِيدُ بنُ الأبرصِ(٢) :
وغائِبُ المَوْتِ لا يَتُوبُ
وكُّ ذِى غَيْبَةٍ يُوبُ
فهو يئوبُ أَوْبًا ، وهو رجلٌ آئِبٌ مِن سَفرِهِ، وأَوَّابٌ مِن ذنوبِهِ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَءَاتِ ذَا اُلْقُرْبَ حَقَّهُ وَاَلْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ
وَلَ نُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ﴿ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَنَ الشَّيَطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ،
کَفُورًا
اختلف أهلُ التأويلِ فى المعنىِّ بقولِه: ﴿ وَءَاتِ ذَا اُلْقُرْبَ حَقَّهُ﴾؛ فقال
بعضُهم: عنَى به قرابةَ المُؤْمنِ(٢) قِبَلَ أبيه وأمّه، أَمَر اللَّهَ جلَّ ثناؤه عبادَه بصلتِها .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنا عِمرانُ بنُ موسى، قال : ثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سعيدٍ ، قال: ثنا حَبيبٌ
المُعلِّمُ ، قال: سأَل رجلٌ الحسنَ، قال: أُعْطِى قَرَابتى زكاةَ مالى؟ قال: إنَّ لهم
(١) تفسير عبد الرزاق ٣٧٦/١.
(٢) ديوانه ص ١٣.
(٣) فى م: ((الميت من)).

٥٦٣
سورة الإسراء : الآية ٢٦
فى (مالِك حقًّا) سوى الزكاة. ثم تلا هذه الآيةَ: ﴿ وَءَاتِ ذَا اُلْقُرْبَ حَقَّهُ ﴾ .
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابنِ مُريْجٍ، عن
عكرمةَ قولَه: ﴿ وَءَاتِ ذَا اُلْقُرْبَ حَقَّهُ﴾. قال: صلتَه التى تريدُ أن تَصِلَه بها ، ما
كنتَ تريد أن تَفعلَ إلیه .
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمِّی ، قال : ثنی ابی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ / قولَه: ﴿ وَءَاتِ ذَا اُلْقُرْبَ حَقَّهُ وَاَلْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ﴾. ٧٢/١٥
قال: هو أن تَصِلَ ذا القرابةِ والمسكينَ وتُحسِنَ إلى ابنِ السبيلِ.
وقال آخرون: بل عتَى بذلك(٢) قرابةً رسولِ اللَّهِ عَه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عُمارةَ الأسدىُّ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبانٍ ، قال : ثنا
الصبَّاحُ بنُ يَحبى المُزَنِىُ (٣)، عن السدىِّ، عن أبى الديلمِ، قال: قال علىُ بنُ الحسينِ
لرجلٍ مِن أهلِ الشامِ: أَقَرأْتَ القرآنَ؟ قال: نعم. قال: أفما قرَأْت فى ((بنى إسرائيلَ)):
﴿ وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ﴾؟ قال: وإنكم للقَرَابةُ الذى (٤) أمَرِ اللَّهُ أَن يُؤْتَّى حقَّه؟ قال:
(٥)
نعم .
وأولَى التأويلَين عندى بالصوابِ تأويلُ مَن تأوَّل ذلك أنه(٩) بمعنى وصيةِ اللَّهِ
(١ - ١) فى م: ((ذلك لحقا)).
(٢) فى م: (( به )).
(٣) فى ت ١، ت ٢: ((المرى))، وفى فى: ((المزى)). وينظر الجرح والتعديل ٤/ ٤٤٢.
(٤) فى م: ((التى)).
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٦/٤ إلى المصنف .
(٦) فى م: ((أنها )).

٥٦٤
سورة الإسراء : الآية ٢٦
عبادَه بصلةٍ قراباتٍ أنفسِهم وأرحامِهم من قِبَلٍ آبائهم وأمهاتهم ؛ وذلك أن اللَّهَ عَّ
وجلَّ عَقَّب ذلك عَقيبَ حَضِّه عبادَه على بِّ الآباءِ والأَمَّهات، فالواجبُ [٢٤٦/٢ظ]
أن یکون ذلك حضًّا علی صلة أنسابهم دون أنسابٍ غیرِهم التی لم یجرِ لها ذِ کرٌ .
وإذا كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلام : وأعطِ يا محمدُ ذا قرابتك حقَّه من
صلتِك إياه ، وبرِّك به ، والعطفِ عليه .
وخرَج ذلك مَخْرجَ الخطابِ لنبيِّ اللَّهِ عَظِهِ، والمرادُ بحُكمِه جميعُ مَن لزِمَتْه
فرائضُ اللَّهِ، يدلُّ على ذلك ابتداؤُه الوصيةَ بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا
تَعْبُدُوَأْ إِلَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَاْ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا﴾.
فوجّه(١) الخطابَ بقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾. إلى نبىِّ اللّهِ عَه، ثم قال: ﴿أَلََّ
تَعْبُدُوا إِلَّ إِيَّاهُ﴾. فرجَع بالخطابِ (١ به إلى الجميع، ثم صرَف الخطابَ بقولِه:
﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ(١) عِندََ﴾. إلى إِفرادِه به، والمعنىُ بكلُ ذلك جميعُ مَن لزِمَتْه فرائضُ
اللَّهِ عزَّ وجلَّ؛ أفرِد بالخطابِ رسولُ اللَّهِ مَظَه وحدَه، أو عُمَّ به هو وجميعُ أمتِه .
وقولُه: ﴿وَأَلْمِسْكِينَ﴾. وهو ذو ) الذلَّةِ مِن أهل الحاجة - وقد دَلَّلنا فيما
مضَى على معنى ((المسكين)) بما أغنَى عن إعادتِه فى هذا الموضِعِ(٥) - ﴿ وَأَبْنَ
السَّبِيلِ﴾: يعنى المسافرَ المُقطَعَ به. يقولُ اللَّهُ تعالى ذكرُه: وصِلْ قرابتَك، وأعطِه
حقَّه من صلتِك إياه، " والمسكينَ) ذا الحاجةِ ، والمجتازَ بك المُقَطَعَ به ، فأَعِنْه ، وقوّه
(١) فى ص، ت ٢: ((فوحد))، وفى ف: ((فوخذ)).
(٢) فى ص، ت ٢، ف: ((الخطاب)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((يبلغان))، وهى قراءة متواترة كما تقدم فى ص ٥٤٤.
(٤) سقط من : م .
(٥) بعده فى م: ((وقوله)). وينظر ما تقدم فى ١٩٣/٢.
(٦ - ٦) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((فالمسكين)).

٥٦٥
سورة الإسراء : الآية ٢٦
على قَطْعِ سفرِه .
وقيل: إنما عنَى بالأمرِ بإيتاءٍ(١) ابنِ(٢) السبيلِ حقَّه أن يُضافَ ثلاثةَ أيامٍ.
والقولُ الأوَّلُ عندى أولَى بالصوابِ ؛ لأنَّ اللَّه تعالى لم يَخْصُصْ من حقوقِه
شيئًا دونَ شىءٍ فى كتابِهِ، ولا على لسانِ رسولِه، فذلك عامّ فى كلِّ حقِّ له أن
يُعطاه ؛ من "ضيافته أو حملِه أو معونتِه" على سَفرِه.
وقولُه: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾. يقولُ: ولا تفرّقْ يا محمدُ ما أعطاك اللَّهُ مِن
مالٍ فى معصيتِه تفريقًا .
وأصلُ التبذيرِ التفريقُ فى السَّرَفِ . ومنه قولُ الشاعر(4):
أُناسٌ أجارُونا فَكَانَ جِوَارُهُمْ أَعَاصِيرَ مِنْ فَسْوِ العِرَاقِ الُبَذَّرِ
/ وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
٧٣/١٥
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عُبيدِ المحاربيُّ، قال: ثنا أبو الأخوَصِ، عن أبى إسحاقَ ، عن
أبى العُبَيْدَينِ، قال: قال عبدُ اللَّهِ فى قوله: ﴿ وَلَا نُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ﴾ . قال: التبذيرُ فى
غيرِ الحقِّ، وهو الإسرافُ(٦).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سَلَمةَ، عن
(١) فى م: (( بإتيان)).
(٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف .
(٣ - ٣) فى م: (( ضيافة أو حمولة أو معونة)).
(٤) هو يزيد بن مفرغ الحميرى. وتقدم البيت فى ٤/ ٦٩٠.
(٥) فى النسخ: ((فسق)). والمثبت مما تقدم.
(٦) أخرجه الطبرانى (٩٠٠٩)، والبيهقى ٦٣/٦ من طريق أبى إسحاق به بنحوه.

٥٦٦
سورة الإسراء : الآية ٢٦
مسلمٍ البَطِينِ، عن أبى العُبَيْدَينِ، قال: سُئل عبدُ اللَّهِ عن المبذرين، فقال):
الإنفاقُ فى غیرِ حِقٍّ(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جَعْفَرٍ، قال: ثنا شعبةُ ، عن
الحكم، قال : سمِعتُ يحيى بنَ الجزارِ، يحدِّثُ عن أبى العُبَيْدَينِ - ضريرِ البَصَرِ -
أنه سأَل عبدَ اللَّهِ بنَ مسعودٍ عن هذه الآية: ﴿ وَلَا نُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾. قال: إنفاقُ المالِ
فى غيرِ حقِّه(٣).
حدَّثنى زكريا بنُ يَحيى بنِ أبى زائِدةً، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن الأعمشِ، عن
الحكم، عن يحيى بنِ الجزَّارِ، عن أبى العُبَيْدَينِ، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه(٤).
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخبرنا شعبةُ ، عن الحكم بنِ عُتَيْبَةَ،
عن يَحيى بنِ الجزّارِ، أنّ أبا العُبَيْدَينِ - كان ضريرَ البصرِ - سأل ابنَ مسعودٍ قال: ما
التبذيرُ؟ فقال : إنفاقُ المالِ فى غيرِ حقِّه .
(٥ حدثنا ابنُ المُثُنَّى، قال: حدَّثنا أبو الوليدِ، قال: حدَّثنا شعبةُ، قال: أنبأنا
الحَكُمُ، عن يحيى بنِ الجَزَّارِ، عن أبى العُبَيْدَينِ، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه .
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ، قال: حدَّثنا المحاريىُّ، عن المسعودىِّ، عن سلمةَ بنِ كُهَيْلٍ،
عن أبى العُبَيْدَينِ، أنه سأل ابنَ مسعودٍ ، فقال: ما التبذيرُ؟ قال: إنفاقُ المالِ فى غيرٍ
(٦)٥)
حقٌّهُ(١))) .
(١ - ١) فى م: ((المبذر فقال)).
(٢) تفسير سفيان ص ١٧٢، ومن طريقه البخارى فى الأدب المفرد (٤٤٤)، والطبرانى (٩٠٠٨).
(٣) تقدم تخريجه فى ٣٥/١٢.
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٩٥/٩ من طريق ابن إدريس به، وتقدم تخريجه عند الطبرانى والحاكم فى ص ٣٩٣.
(٥ - ٥) سقط من: م.
(٦) تفسير مجاهد ص ٤٣٥ من طريق المسعودى به، ومن طريقه البيهقى فى الشعب (٦٥٤٦).

٥٦٧
سورة الإسراء : الآية ٢٦
حدَّثْنا خلَّدُ بنُ أسلَمَ ، قال: أخبرنا النَّصْرُ بنُ شُمَيلِ ، قال: أخبرنا المسعودىُّ،
قال : أخبرنا سلمةُ بنُ كُهَيْلٍ، عن أبى العُبَيْدَينِ - وكانت به زَمَانَةٌ ، وكان عبدُ اللَّهِ
يعرِفُ له ذلك - فقال : يا أبا عبد الرحمنِ، ما التبذيرُ؟ فذكَر مثلَه.
حدَّثنا أحمدُ بنُ منصورٍ الرّمادىُّ، قال: ثنا أبو الحَوَّابِ ، عن عمارِ بنِ زُرَبِقٍ،
عن أبى إسحاقَ، عن حارثةَ بنِ مُضَرِّبٍ، عن أبى العُبَيْدَينِ، عن عبدِ اللهِ بنِ
مسعودٍ ، قال: كنا أصحابَ محمدٍ مِِّ نتحدَّثُ أن التَّبذيرَ النفقةُ فى غيرِ حقِّه (١).
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ كثيرِ العَنْبِىُّ، قال: ثنا شعبةُ ، قال : كنتُ
أمشِى مع أبى إسحاقَ فى طريقِ الكوفةِ، فَأَتَّى على دارٍ تُبْنَى بِصِّ وآجُرٍّ، فقال :
هذا التبذيرُ فى قول عبدِ اللَّهِ؛ إنفاقُ المالِ فى غيرٍ حقّه(٢) .
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال: ثنى عمِّى ، قال: ثنى أبى، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍٍ قوله: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾. قال: المبذِّرُ المُتُفِقُ فى غيرٍ حقٌ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عبَّادٌ، عن خُصَيْنُ، عن عِكرمَةً،
عن ابنِ عباسٍ، قال: المبذِّرُ المنفقُ فى غيرٍ حقِّه (٤).
أحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيج، عن عطاءٍ ٧٤/١٥
الخراسانيّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لا تُنْفِقْ فى الباطلِ، فإِنَّ المُذِّرَ هو المسرفُ فى غيرٍ
حقِّ. قال ابنُ جُريج: قال مجاهدٌ: لو أنفَق إنسانٌ مالَه كلَّه فى الحقِّ ما كان تبذيرًا،
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٧/٤ إلى المصنف. وينظر فتح البارى ٣٩٤/٨.
(٢) ذكره البغوى فى تفسيره ٨٩/٥ عن شعبة به .
(٣) فى م: ((حقه)).
(٤) أخرجه البخارى فى الأدب المفرد (٤٤٥)، والبيهقى فى الشعب (٦٥٤٧) من طريق حصين به .
(٥) ذكره البخارى عقب الحديث (٤٧١٠) معلقا، وذكره الحافظ فى تغليق التعليق ٤ /٢٤١، عن المصنف ،

٥٦٨
سورة الإسراء : الآيتان ٢٦، ٢٧
ولو [٢٤٧/٢ و] أنفَق مُدَّا فى باطلٍ كان تَبذيرًا (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَلَا نُبَذِّرْ
تَبْذِيرًا﴾: و(١)التبذيرُ النفقةُ فى معصيةِ اللَّهِ، وفى غيرِ الحقِّ، وفى الفسادِ ().
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهْبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله : ﴿ وَءَاتِ ذَا
اُلْقُرْبَ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَأَبْنَ اُلسَّبِيلِ﴾. قال: بدَأ بالوالدينِ قبلَ هذا ، فلما فرغ من
الوالدينِ وحقِّهما، ذكَر هؤلاء، وقال: ﴿وَلَا نُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾: لا تُعطِ فى معاصى
اللهِ .
وأما قولُه : ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِنَ كَانُواْ إِخْوَنَ الشَّيَاطِينِ﴾. فإنه يعنى: إِنَّ المفرِّقين
أموالَهم فى معاصى اللَّهِ ، المُنْفِقيها فى غيرِ طاعتِه، أولياءُ الشياطين . وكذلك تقولُ
العربُ لكلِّ مُلازمٍ سنةً قومٍ وتابعٍ أمْرَهم(٥) : هو أخوهم.
وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ، كَفُورًا﴾. يقولُ: وكان الشيطانُ لنعمةٍ ربّه التى
أنعمَها عليه جَحُودًا لا يشكرُه عليها، ( ولكنه ) يكفرها بتَرْكِه طاعةَ اللَّهِ ، وركوبِه
معصيتَه، وكذلك إخوانُه من بنى آدمَ المبذِّرون(٧) أموالَهم فى معاصِى اللَّهِ، لا
يشكُّرون اللَّهَ على نِعَمِه عليهم، ولكنهم يُخالفون أمْرَه ويعصُونه، ويستَنَّون فيما
أنعم اللَّهُ عليهم به مِن الأموالِ التى خوَّلَهموها - سنةَ مَن تَرَكَ الشكرَ عليها
(١) ذكره البغوى فى تفسيره ٥/ ٨٩، وأبو حيان فى البحر المحيط ٦/ ٣٠، وابن كثير فى تفسيره ٦٦/٥.
(٢) فى م: ((قال)).
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٦٦/٥.
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((أمرهم)).
(٥) فى م: ((أثرهم)).
(٦ - ٦) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.
(٧) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((المبذرين)).

٥٦٩
سورة الإسراء : الآيتان ٢٧، ٢٨
وتلقّاها بالكُفران .
کالذى حدَّثنی یونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زیدٍ فی قولِه :
﴿ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ﴾: إن المُفِقِين فى معاصى اللَّهِ ﴿كَانُواْ إِخْوَنَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ
الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ، كَفُورًا﴾ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ أَبْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّيِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل
◌َهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا
يقولُ تعالى ذكرُه : وإن تُعرِضْ يا محمدُ عن هؤلاء الذين أَمَرْتُك أن تُؤْتِيَهم
حقوقَهم إذا وجَدْتَ إليها السبيلَ، بوجهِكَ عندَ مسألتِهم إياك ما لا تجدُ إليه سبيلاً ،
حياءً منهم ورحمةً لهم(١)، ﴿ أَبْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ﴾. يقولُ: انتظارَ رزقٍ(١) تنتظِرُه
من عندِ ربِّك، وترجو تَيَسيرَ اللَّهِ إِياه لكِ، فلا تُؤَيِّشْهم، ولكن ﴿ قُل لَّهُمْ قَوْلًا
مَّيْسُورًا﴾. يقولُ: ولكن عِدْهم وَعْدًا جميلًا، بأن تقولَ: سيرزُقُ اللَّهُ
فَأُعطِيكم (٢) . وما أشبه ذلك مِن القولِ الليّنِ غيرِ الغليظِ، كما قال جل ثناؤه:
﴿ وَأَمَّا السَّآئِلَ فَلَ نَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠].
وبنحوِ ما قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن منصورٍ ،
عن إبراهيمَ: ﴿ وَإِمَّا تُعْرِضَنَ عَنْهُمُ/ أَبْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا﴾. قال: انتظارَ ٧٥/١٥
(١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.
(٢) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((منك)) .
(٣) فى ص، ت ١، ف: ((فأعطكم))، وفى ت ٢: ((فأعطاكم)).

٥٧٠
سورة الإسراء : الاية ٢٨
الرزقِ، ﴿ فَقُل ◌َّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا﴾. قال: لِيِّنَا، تَعِدُهم(١).
حذَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن عطاءٍ
الْخُراسانىِّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أَنْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّيِّكَ﴾. قال: رزقٍ، ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ
ج
رَحْمَتَ رَبِّكَ تَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: ٣٢].
حدَّثنا عمرانُ بنُ موسى ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا عُمارةُ ، عن عكرمةً
فى قولِهِ: ﴿ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ أَنْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا﴾. قال : انتظارَ رزقٍ من اللَّهِ
أتِيك .
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج، عن
عكرمةَ قولَه: ﴿ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ أَبْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّيِكَ تَرْجُوهَا﴾. قال: إِن سَأَلُوك فلم
يَجِدُوا عندَك ما تُعطِيهم، ﴿ أَبْتِغَاءَ رَحْمَةٍ﴾. قال: رزقٍ تَنْتَظِرُه، تَرْجُوه، ﴿ فَقُل
لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا﴾. قال: عِدْهم عِدَةً حسنةً: إذا كان ذلك، إذا جاءنا ذلك
فَعَلْنَا، أَعطَيْناكم . فهو القولُ الميسورُ) . قال ابنُ جريج: وقال مجاهدٌ : إِن سألوك
فلم يكنْ عندَك ما تُعطِيهم، فأُعرَضتَ عنهم ﴿ أَبْنِعَّةَ رَحْمَةٍ﴾. قال: رزقٍ تَنْتِظِرُهُ ،
﴿ فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا﴾.
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
(١) أخرجه ابن المبارك فى البر والصلة (٢٨٨) عن سفيان به دون آخره .
(٢) وذكره البخارى فى صحيحه عقب حديث (٤٧١٠) معلقا، وذكره الحافظ فى تغليق التعليق ٢٤١/٤
عن المصنف .
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٦٦/٥.
(٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف .

٥٧١
سورة الإسراء : الآية ٢٨
فى قولِ اللَّهِ عزَّ وجلّ: ﴿أَنْغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا﴾. قال: انتظارَ رزقِ اللَّهِ().
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبى
الضُّحَى، عن عَبِيدةً فى قوله: ﴿أَبْقَاءَ رَحْمَةٍ مِن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا﴾. قال: ابتغاءَ الرزقِ .
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا حَكَامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن سعيدٍ: ﴿وَإِمَّا
تُعْرِضَنَ عَنْهُمُ أَبْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّكَ تَرْجُوهَا ﴾. قال(١) : رزقٍ تَنْتِظِرُه، ﴿ فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا
مَّيْسُورًا﴾. قال(٢) : معروفًا .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةً :
﴿ فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا﴾. قال: عِدْهم خيرًا. وقال الحسنُ: قُلْ لهم قولً(4) ليًّا
*(٥)
سهلًاً(٥) .
حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ : ثنا عُبِيدُ بنُ
سليمانَ ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ وَإِمَّا تَعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ﴾. يقولُ: لا
تَجِدُ شيئًا تُعْطِيهِم، ﴿ أَبْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ﴾. يقولُ: انتظارَ الرزقِ من ربِّك. نزَلَتْ
فى مَن كان يَسألُ النبيَّ ◌ُظلّ [٢٤٧/٢ط] من المساكين(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنى حَرَمِىُ بنُ عُمارةَ ، قال : ثنا شعبةُ ، قال: ثنى
شُمارةُ، عن عكرمةَ فى قولِ اللَّهِ : ﴿فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا ﴾. قال: الرفقُ.
(١) تفسير مجاهد ص ٤٣٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٨/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم.
(٢) بعده فى م، ف: ((أى)).
(٣) فى م: ((أى)).
(٤) سقط من: ص، ت ٢، ف .
(٥) تفسير عبد الرزاق ٣٧٧/١ عن معمر به .
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٨/٤ إلى المصنف.

٥٧٢
سورة الإسراء : الآية ٢٨
وكان ابنُ زيدٍ يقولُ فى ذلك ما حدَّثنی به يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ،
قال : قال ابنُ زيدٍ فى قولِهِ: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنَهُمُ﴾: عن هؤلاء الذين أَوْصَيْنَاك بهم،
أَبْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا﴾: إذا خشِيتَ إن أعطَيتَهم أن يَتَقوَّوا بها على معاصى
اللَّهِ ، ويَسْتَعِينوا بها عليها، فرأيتَ أن تَمْنَعَهم / خيرًا، فإذا سألوك ﴿فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا
مَّيْسُورًا﴾: قولًا جميلًا: رزَقك اللَّهُ، بارَك اللَّهُ فيك(١).
٧٦/١٥
وهذا القولُ الذى ذكرنا عن ابنِ زيدٍ - مع خِلافِه أقوال أهلِ التأويلِ فی تأويلِ
هذه الآيةِ - بعيدٌ بالمعنى(٢) مما يدُلُّ عليه ظاهرُها؛ وذلك أن اللَّه تعالى قال النبيِّه ◌ِ له:
﴿ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ أَبْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا﴾. أمَره أن يقولَ إذا كان إعراضُه عن
القومِ الذين ذكَرهم انتظارَ رحمةٍ منه يَرجُوها من ربِّه ﴿ قَوْلًا مَّيْسُورًا﴾. وذلك
الإعراضُ ابتغاءَ الرحمةِ لن يَخْلُوَ من أحدٍ أمرين: إما أن يكونَ إعراضًا منه ابتغاءَ
رحمةٍ من اللَّهِ يَرجوها لنفسِه، فيكونَ معنى الكلام كما قلناه، وقاله أهلُ التأويل
الذين ذكّرنا قولَهم وخلافَ قولِه. أو (٢) يكونَ إعراضًا منه ابتغاءَ رحمةٍ من اللَّهِ
يَرجُوها للسائلين الذين أَمِر نبىُّ اللَّهِ عَه بزعمِه أن يَمِنَعَهم ما سألوه خشيةً عليهم من
أن يُنْفِقوه فى معاصى اللَّهِ، فمعلومٌ أن سَخَطَ اللَّهِ على مَن كان غيرَ مأمونٍ منه (٩
صَرْفُ ما أُغْطِى من نفقةٍ ليتقوَّى(٥) بها على طاعةِ اللَّهِ فى معاصيه، أخوفُ من رجاءٍ
رحمتِه له، وذلك أن رحمةَ اللَّهِ إنما تُرْجَى لأهلِ طاعتِه، لا لأهلِ معاصيه ، إلا أن
(١) ذكره الطوسى فى تفسيره ٤٧٠/٦ مختصرًا، وبآخره عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٨/٤ إلى المصنف
وابن أبى حاتم .
(٢) فى م: ((المعنى)) .
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((أن)).
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((فيه)) .
(٥) فى ص: ((لينفقوا))، وفى ت ١: ((ليتقووا)). وفى ف: ((لينفق)).

٥٧٣
سورة الإسراء : الآيتان ٢٨ ، ٢٩
يكونَ أراد توجيهَ ذلك إلى أن نبيَّ اللَّهِ مِ الغِ أُمِر بمنعِهم ما سألوه، ليُنِيبُوا من معاصى
اللَّهِ ، ويَتُوبوا بمنعِه إياهم ما سأَلُوه، فيكونَ ذلك وجهًا يَحْتَمِلُهُ(١) تأويلُ الآيةِ، وإن
كان لقولِ أهلِ التأويلِ مُخالِفًا .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَلَا تَّجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُفِكَ وَلَا نَبْسُطُهَا
٢٩
كُلَّ اٌلْبَسْطِ فَنَقْعُدَ مَلُوْمًا تَحْسُورًا
وهذا مَثَلٌ ضرّبه اللَّهُ تعالى للمُمتنع من الإنفاقِ فى الحقوقِ التى أوجَبها اللَّهُ فى
أموالٍ ذوى الأموالِ، فجعَله « كالمشدودةِ يدُه" إلى عنقِه، الذى لا يَقْدِرُ على الأخذِ
بها والإعطاءِ .
وإنما معنى الكلام : ولا تُمْسِْ يا محمدُ يدَكِ بُخْلًا عن النفقةِ فى حقوقِ اللَّهِ ،
فلا تُنْفِقُ فيها شيئًا إِمساكَ المغلولةِ يدُه إلى عنقِه الذى لا يَستطِيعُ بسطَها، ﴿ وَلَا
نَبْسُطُهَا كُلَّ اٌلْبَسْطِ ﴾. يقولُ: ولا تَبْسُطُها بالعطيةِ كلَّ البسطِ، فتَبقَى لا شىءَ
عندَك، ولا تَجِدُ ، إذا سُئلتَ، شيئًا تُعْطِيه سائلَك، ﴿فَنَفْعُدَ مَلُوْمًا تَحْسُورًا﴾ .
يقولُ : فَتَقْعُدَ يلومُك(٢) سائلوك إذا لم تُعْطِهم حينَ سأَلُوك، وتلومُك نفسُك على
الإسراعِ فى مالِك وذَهابِهِ، ﴿تَحْسُورًا﴾. يقولُ: مُغيّى(٢) ، قد انقُطِع بك، لا شىءَ
عندَك لنفقةٍ .
وأصلُه - يُرى(٤) - من قولِهم للدابةِ التى قد سِير عليها حتى انقَطَع سيرُها
وكلَّتْ ورَزَحتْ من السيرِ -: دابةٌ(٥) حَسيرٌ. يقالُ منه: حسَرْتُ الدابةَ، فأنا
(١ - ١) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((كالمشدود)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((ملومًا)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢: ((معينا))، وفى م، ف: ((معيبا))، وأثبتنا ما يستقيم مع السياق بعده.
(٤) سقط من : م .
(٥) فى م: ((بأنه)) .

٥٧٤
سورة الإسراء : الآية ٢٩
أَحْسِرُها (" وأَخْشُرُها) حَشرًا. وذلك إِذا أَنْضَيْتَهُ(٢) بالسيرِ. وحَسَرْتُه بالمسألةِ؛
إذا سألتَه فألحفتَ. وحَسَرَ البصرُ فهو يَخْسِرُ، وذلك إِذا بلَغ أقصى المَنَظرِ فَكَلَّ.
ومنه " قولُه عزّ وجلَّ): ﴿يَنَقَلِبْ إِلَيْكَ اَلْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤].
وكذلك ذلك فى كلِّ شىءٍ كَلَّ وَأَزْحَف(٣) حتى يُنْقَى(٤).
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال : ثنا هوذةُ، قال : ثناعوفٌ ، عن الحسنِ فى قوله :
٧٧/١٥ ﴿وَلَا تَجْعَلْ /يَدََكَ مَغْلُوْلَةً إِلَى عُنُفِكَ﴾. قال: لا تجعَلْها مغلولةٌ عن النفقةِ، ﴿ وَلَا
نَبْسُطُّهَا﴾: تُبُذِّرْ، تُشْرِفْ (٥).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا يوسفُ بنُ بَهْزٍ، قال : ثنا حَوشبّ ، قال : كان
الحسنُ إذا تلا هذه الآيةَ: ﴿ وَلَا تَّجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا نَبْسُطُهَا كُلَّ اَلْبَسْطِ
فَتَقْعُدَ مَلُومًا تَّحْسُورًا﴾. يقولُ: لا تُطَفِّفْ(١) برزقى عن غيرِ رِضاى، ولا تضعْه فى
سُخْطی فأسلُبَك ما فى يديك ، فتكونَ حسيرًا ليس فى يديك منه شىءٌ .
حذَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى، قال : ثنى أبى، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍٍ قوله: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَعْلُوْلَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا نَبْسُطُهَا كُلّ
(١ - ١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف .
(٢) فى ص، ت ١: ((أنصبته)).
(٣) أزحف: أعيا. ينظر اللسان (زح ف).
(٤) فى م: ((يضنى))، وفى ت ٢: ((بيعا))، وغير منقوطة فى ت ١، ومنه حديث الأضحية: ((الكسير التى
لا تنقى)). أى: التى لا مخ لها، لضعفها وهزالها. النهاية ١١١/٥.
(٥) فى م: ((بسرف)).
(٦) فى ت ١: ((تضيف))، وفى ت ٢، ف: ((نظيف))، وكذا فى ص ولكن من غير نقط.

٥٧٥
سورة الإسراء : الآية ٢٩
الْبَسَطِ فَنَقْعُدَ مَلُومًا تَّحْسُورًا﴾. يقولُ: هذا فى النفقةِ، يقولُ: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ
مَغْلُولَةٌ إِلَى عُنُقِكَ﴾. يقولُ: لا تبسُطُها بخيرٍ(١)، ﴿ وَلَا نَبْسُطُهَا كُلَّ الْبَسْطِ ﴾:
يعنى التبذيرَ، ﴿فَنَفْعُدَ مَلُومًا﴾. يقولُ: يلومُ نفسَه على ما فات من مالِهِ،
﴿ تَحْسُورًا﴾. يعنى: ذهَب مالُه كلُّه فهو محسورٌ(٢).
حدَّثنى علىٌّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن علىّ ، عن ابنِ عباسٍ
قوله: [٢٤٨/٢ و] ﴿ وَلَا تَّجْعَلْ يَدََكَ مَغْلُوْلَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾: يعنى بذلك البخلَ().
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَلَا تَّجْعَلْ يَدَكَ
مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾. أى: لا تُمْسِكْها عن طاعةِ اللّهِ، ولا عن حقِّه، ﴿ وَلَا نَبْسُطُهَا
كُلَّ الْبَسْطِ ﴾. يقولُ: لا تُنْفِقْها فى معصيةِ اللّهِ، و(٤) فيما لا(٥) يَصْلُحُ(٦)، ولا يَتْبَغِى
لك، وهو الإسرافُ. قولَه: ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا تَّحْسُورًا﴾. قال: ملومًا() فى عبادِ اللّهِ،
محسورًا على ما سلَف من دهرِه وفرَط .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةَ:
﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُفِكَ﴾. قال: فى النفقةِ. يقولُ: لا تُمْسِكْ عن
النفقةِ(٢)، ﴿ وَلَا نَبَسُطُهَا كُلَّ الْبَسْطِ ﴾. يقولُ: لا تُبَذِّرْ تَبذيرًا، ﴿ فَنَقْعُدَ مَلُومًا
(١) فى م: ((بالخير)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٨/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٨/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
(٤) بعده فى م: ((لا)).
(٥) سقط من : م .
(٦) بعده فى م، ف: ((لك)).
(٧) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف .
(٨) بعده فى ص، ت ١، ت: ٢، ف: ((قال)).

٥٧٦
سورة الإسراء : الآيتان ٢٩، ٣٠
فى عبادِ اللّهِ ﴿تَحْسُورًا﴾. يقولُ: نادِمًا على ما فرط منك(١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، قال: لا
◌ُمْسِكْ عن النفقةِ فيما أمرتُك به من الحقِّ، ﴿ وَلَا نَبْسُطُهَا كُلَّ اُلْبَسْطِ ﴾ فيما
نهيتُك، ﴿فَنَقْعُدَ مَلُومًا﴾. قال: مُذْنِبًا (٢)، ﴿ تَحْسُورًا﴾. قال: مُنْقَطَعًا بك.
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَلَا
تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾. قال: مغلولةٌ لا تَبْسُطُها بخيرٍ ولا بعطيةٍ()، ﴿ وَلَا
نَبْسُطُهَا كُلَّ الْبَسْطِ ﴾: فى الحقِّ والباطلِ، فينفَدَ ما(٤) فى يديك، فيأتِيك مَن يُرِيدُ
أن تُعْطِيَه كما أعْطَيْتَ هؤلاء، فلا تَجِدُ ما تُعْطيه، فيَحْسِرُك، فيلومُك حينَ أعطيتَ
هؤلاء ولم تُغْطِهم .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ
ج
٣٠
بِعِبَادِهِ، خَبِيرًا بَصِيرًا
٧٨/١٥
/يقولُ تعالى ذكرُه لنبيُّه محمدٍ عَ اله: إن ربَّك يا محمدُ يَبْشِطُ رزقَه لمن يشاءُ
من عبادِه، فيُوسِّعُ عليه، ويقدرُ على من يشاءُ . يقولُ: ويُقَتِّرُ على مَن يشاءُ منهم ،
فَيُضَيُّقُ عليه، ﴿ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ، خَبِيرًا﴾. يقولُ: إن ربَّك ذو خبرةٍ بعبادِه، ومَن
الذى تُصْلِحُه السَّعَةُ فى الرزقِ وتُفْسِدُه، ومَن الذى يُصْلِحُه الإقتارُ والضَّيقُ
ويُهْلِكُه، ﴿بَصِيرًا﴾. يقولُ: هو ذو بَصَرٍ بتدبيرِهم وسياستِهم. يقولُ: فانتِهِ
(١) تفسير عبد الرزاق ٣٧٧/١ عن معمر به.
(٢) فى ت ١، ف: ((مدينا))، وغير منقوطة فى ص، ت ٢.
(٣) فى ت ١، ت ٢، ف: ((تعطيه)).
(٤) بعده فى م: ((ما معك و)).
(٥ - ٥) فى م: ((فيحسر بك)).

٥٧٧
سورة الإسراء : الآيتان ٣٠، ٣١
یا محمدُ إلی أمرنا فيما أمرناك ونهیناك ، مِن بسط يدك فيما تَسُطُها فيه، وفی مَن
تَبْسُطُها له، وفى(١) كفِّها عمَّن تَكُفُّها عنه، وتَكُفُّها فيه ، فنحن أعلمُ بمصالح العبادِ
منك ومن جميع الخلقِ ، وأبصرُ بتدبيرِهم .
کالذی حدّثنی یونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : قال ابنُ زیدٍ : ثم أخبرنا
تبارَك وتعالى كيفَ يصْنَعُ، فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرٌ﴾ .
ج
قال: يَقْدِرُ: يُقِلُّ، وكلُّ شىءٍ فى القرآنِ ((يَقْدِرُ)) كذلك. قال: ثم أخبَر عبادَه أنه لا
يرزَؤُه ولا يُثُوده أن لو بَسَط عليهم، ولكن نظرًا لهم منه، فقال: ﴿وَلَوْ
بَسَطَ اَللَّهُ الْرِّزْقَ لِعِبَادِهِ، لَبَغَوْ فِ الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ، خَبِيرٌ
بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧]. قال: والعربُ إذا كان الخِصْبُ وبُسِط عليهم أَشِروا (٢)،
وقتَل بعضُهم بعضًا، وجاء الفسادُ، فإذا كان السَّنَةُ(١) شُغِلوا عن ذلك(٤).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَ نَقْدُلُواْ أَوْلَدَّكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَقِّ ◌َخْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ
إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا
٣١
يقولُ تعالى ذكره: وقَضَى رَبُّك يا محمدُ ألَّ تعبدوا إلا إياه، وبالوالِدَين
إحسانًا، فموضعُ ﴿نَقْتُلُواْ﴾ نَصْبٌ(٥) عطفًا على ﴿أَلَّا تَعْبُدُوَا﴾.
ويعنى بقوله: ﴿خَشِيَةَ إِمْلَقٍ﴾: خوفَ " افتِقَارٍ ونقْصٍ) .
(١) فى م: ((من)).
(٢) الأشر: النشاط للنعمة والفرح بها، ومقابلة النعمة بالتكبر والخيلاء، والفخر بها ، وكفرانها بعدم شكرها .
التاج (أ ش ر) .
(٣) السنة: الجدب والقحط. التاج (س ن هـ).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٩/٤ إلى ابن أبى حاتم.
(٥) فى ص، ت ١، ت٢، ف: ((نصبًا)).
(٦ - ٦) فى م: ((إقتار وفقر)).
( تفسير الطبرى ٣٧/١٤ )

٥٧٨
سورة الإسراء : الآية ٣١
وقد بيَّنا ذلك بشواهدِه فيما مضى، وذكرنا الروايةَ فيه(١).
وإنما قال جلَّ ثناؤه ذلك للعربِ؛ لأنهم كانوا يقتلون الإناثَ من أولادِهم
خوفَ العَيْلةِ على أنفسِهم بالإنفاقِ عليهن .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ
أَوْلَدَّكُمْ خَشْيَةً إِمْلَقٍ﴾. أى: خشيةَ الفاقةِ، و(٣) كان أهلُ الجاهليةِ يقتلون أولادهم
خشيةً الفاقةِ ، فوعَظهم اللّهُ فى ذلك، وأخبرهم أن رزقَهم ورزقَ أولادِهم على اللّهِ،
فقال: ﴿تَخْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَلْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾(١٢).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ، عن قتادةً: ﴿خَشْيَةً
◌ِمْلَقِّ﴾. قال: كانوا يقتلون البناتِ(٤).
٧٩/١٥
/حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاج، عن ابنٍ مجريج، قال :
قال مجاهدٌ: ﴿ وَلَ نَقْتُلُواْ أَوْلَدَّكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَقِّ﴾. قال: الفاقةُ والفقرُ(٥).
حدَّثنی علیٍّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿خَشْيَةَ إِمْلَقٍ﴾. يقولُ: الفقرُ(١).
وأما قولُه: ﴿إِنَّ قَبْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾. فإن القَرَأَّةَ اختلَفت فى
قراءتِه ؛ فقرَأتْه عامةُ قَرَأَةِ أهلِ المدينةِ والعراقِ: ﴿إِنَّ قَلْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾
(١) تقدم فى ٩/ ٦٥٨، ٦٥٩ ..
(٢) بعده فى م: (( قد ) .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٩/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم، وينظر ما تقدم فى ٩/ ٦٥٨.
(٤) تفسير عبد الرزاق ٣٧٧/١ عن معمر به .
(٥) تفسير مجاهد ص ٤٣٦.
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٩/٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم .

٥٧٩
سورة الإسراء : الآية ٣١
بكسر الخاءِ [٢٤٨/٢ظ] مِن الخَطْأَ وسكونِ الطاءِ(١) . وإذا قُرئ ذلك كذلك، كان له
وجهان من التأويل؛ أحدُهما: أن يكونَ اسمًا من قولِ القائل: خَطِئْتُ فأنا أَخْطَأُ
خَطْأ(١) ، بمعنى: أذنبتُ وأثِمْتُ. ويُحكَى عن العربِ: خَطِئْتُ: إذا أذنبتَ عمدًا،
وأخطأتُ : إذا وقَع منك الذنبُ(١٢) على غيرٍ عمدٍ منك له . والثانى: أن يكونَ بمعنى
(( شَطَأْ)) بفتح الخاءِ والطاءِ، ثم كُسِرت الخاءُ وسُكَنت الطاءُ، كما قيل: قِتْبٌ
وقَتَبٌ، وحِذْرٌ وحَذَرٌ، ونِجْسٌ وَجَسٌ(٤). والخِطْهُ بالكسرِ اسمٌ، والخَطَأُ بفتحِ الحاءِ
والطاءِ مصدرٌ من قولهم: خَطِئ الرجلُ . وقد يكونُ اسمًا من قولهم: أخْطَأُ . فأما
المصدرُ منه فالإِخطاء. وقد قيل: خَطِئ. بمعنى أخطأ، كما قال الشاعرُ:
يا لَهْفَ مِنْدٍ إِذْ خَطِئْنَ كامِلا®
بمعنى : أخطَأنَ .
وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ أهلِ المدينةِ: (إنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خَطَأْ) بفتح الخاءِ والطاءِ
مقصورًا(٧) على توجيهِه إلى أنه اسم، من قولهم: أخطَأُ فلانٌ خَطَأُ .
وقرَأَه بعضُ قرَأَةِ أهلِ مكةَ: (إِنَّ قَتْلَهُمْ كان خَطَاءٌ) بفتح الخاءِ والطاءِ ومدٌ
الخَطَاءِ، بنحوِ معنى مَن قَرَأَه خَطَأْ بفتح الخاءِ والطاءِ، غيرَ أنه يُخالِفُه فى مدٌّ
(١) وهى قراءة نافع وأبى عمرو وعاصم وحمزة والكسائى. السبعة ص ٣٨٠، والكشف عن وجوه القراءات
٤٥/٢.
(٢) فى ص، ت ١، ف: ((أخطئ خطأ))، وفى ت ٢: ((خطئ خطأ)).
(٣) بعده فى م: ((خطأ)).
(٤) ينظر معانى القرآن ١٢٣/٢.
(٥) هو امرؤ القيس، والرجز فى ديوانه ص ١٣٤.
(٦) فى ص، ت ١، ت ٢: ((وايلا))، وفى ف: ((وابلا)).
(٧) وهى قراءة أبى جعفر وابن عامر فى رواية ابن ذكوان. النشر ٢/ ٢٣٠، والإتحاف ص ١٧٢.

٥٨٠
سورة الإسراء : الآية ٣١
(١)
الحرفِ(١).
وكان عامةٌ (١) أهلِ العلم بكلامِ العربِ من أهلِ الكوفةِ وبعضٍ البصريين منهم
يرَوْن أن الخِطْءَ والخَطَأَ بمعنَى واحدٍ ، إلا أن بعضَهم زعَم أن الخِطْءَ بكسرِ الخاءِ
وسكونِ الطاءِ فى القراءةِ أكثرُ، وأن الخَطَأَ بفتحِ الخاءِ والطاءِ فى كلامِ الناسِ
أفشَى(٢)، وأنه لم يُشْمَع الخِطْءُ بكسرِ الخاءِ وسكونِ الطاءِ فى شىءٍ من كلامِهم
وأشعارِهم ، إلا فى بيتٍ أَنشَده لبعضِ الشعراءِ( :
كعَجْوَةٍ غُرِسَتْ فى الأرْضِ تُؤْتَبَهُ(٦)
الخِطْءُ فاحِشَةٌ وَالبِرُ نافِلَةٌ(٥)
٨٠/١٥
/ وقد ذكرتُ الفرقَ بينَ الخِطْءِ بكسرٍ الخاءِ وسكونِ الطاءِ وفتحِهما .
وأولى القراءاتِ فى ذلك عندَنا بالصوابِ القراءةُ التى عليها قرَأةُ أهلِ العراقِ
وعامةُ أهلِ الحجازِ؛ لإجماع الحجةِ من القرّأةِ عليها، وشذوذِ ما عداهاً . وإن
معنى ذلك : كان إثمًا وخطيئةً ، لا خَطَأُ من الفعل؛ لأنهم إنما كانوا يقتلونهم عمدًا
لا خطَّأَ، وعلى عمدِهم ذلك عاتبهم ربُّهم، وتقدَّم إليهم بالنهى عنه .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
(١) وكذا بالنسخ هى قراءة الحسن، وانظر المحتسب ٢/ ١٩، ٢٠، والبحر المحيط ٦/ ٣٢، فلعله خطأ تتابعت
عليه النسخ، فقراءة أهل مكة بكسر الخاء وفتح الطاء والمد، وهى قراءة ابن كثير، وانظر النشر ٢/ ٢٣٠،
والسبعة ص ٣٨٠، والكشف عن وجوه القراءات ٢/ ٤٥، والإتحاف ص ١٧٢.
(٢) بعده فى ص، ت ١، ف: ((قرأة)).
(٣) ينظر الكشف عن وجوه القراءات ٤٥/٢، ٤٦.
(٤) البيت غير منسوب إلى قائل وانظره فى التبيان للطوسى ٦/ ٤٧٣.
(٥) فى التبيان: ((فاضلة)).
(٦) أبَرَ النخل والزرع يأُره ويأيره: أصلحه. تاج العروس (أ ب ر).
(٧) ما عداها مما ذكره المصنف هو قراءة متواترة سوى قراءة الحسن .