Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١
سورة الإسراء : الآية ٤
صديقة الملِكَ أن ربَّه قد [٢٣٢/١ظ] استجاب له وقبل منه ورحمه، وقد رأى بكاءَه،
وقد أخَّر أجلَه خمسَ عشرةَ سنةً ، وأنجاه من عدوِّه سنحاريبَ ملكِ بابلَ وجنودِه،
فأتى شعيا النبىُ ( إلى ذلك الملِكِ) فأخبره بذلك، فلما قال له ذلك ذهَب عنه
الوجعُ، وانقطَع عنه الشرُّ والحُزْنُ، وخرّ ساجِدًا وقال: يا إلهى وإلهَ آبائى، لك
سجَدتُ وسبَّحتُ ، وكرّمتُ وعظّمتُ ، أنت الذى تُعطى المُلَّكَ مَن تشاءُ، وَتَنزِعُه
ممن تَشاءُ، (وتُعِزُّ مَن تشاءُ)، وتُذِلُّ مَن تَشاءُ، عالمُ الغيبِ والشَّهادةِ ، أنت الأولُ
والآخر، والظاهرُ والباطنُ، وأنت تَرْحَمُ وتستَجِيبُ دعوةَ المضْطَرين، أنت الذى
أجبْتَ دَعوَتى ورحِمتَ تضرّعى. فلما رفَع رأسَه، أوحَى اللهُ إلى شعيا أن قُلْ للمَلِكِ
صديقة فيأمرَ عبدًا مِن عبيدِه بالتينةِ، فيأتيَه بماءٍ التينِ فِيَجْعَلَه على قُرْحَتِه فيُشفَى،
ويُصبِحَ وقد بَرِئَّ. ففعَل ذلك فشُفِى . وقال الملِكُ لشعيا النبىّ: سلْ ربَّك أن يجعَلَ
لنا عِلمًا بما هو صانعٌ بعدوِّنا هذا. قال: فقال اللهُ لشعيا النبيِّ: قلْ له: إنى قد كفَيتُك
عدوَّك، وأنجيتُك منه، / وإنهم سيُصبِحون موتى كلَّهم إلا سنحاريبَ وخمسةً مِن ٢٤/١٥
كُتَّابِه . فلما أصبحوا جاءهم صارخٌ يُنَبِّئُهم، فصرَخ على بابِ المدينةِ : یا ملِكَ بنى
إسرائيلَ ، إن الله قد كفَاك عدوَّك فاخرُجْ، فإن سنحاريبَ ومَن معه قد هلكوا . فلما
خرَج الملِكُ التَمَس سنحاريبَ فلم يُوجَدْ فى الموتى ، فبعَث الملِكُ فى طلبِه ، فأدرَ كه
الطّلبُ فى مغارةٍ وخمسةٌ مِن كُتَّابِهِ، أحدُهم بختُنصَّرَ، فجعَلوهم فى الجوامعِ()،
ثم أتَوا بهم ملِكَ بنى إسرائيلَ ، فلما رآهم خرَّ ساجدًا مِن حينَ طلَعتِ الشمسُ
حتى "كانتِ العصرَ، ثم قال لسنحاريبَ: كيف ترَى فِعْلَ ربِّنا بكم؟ ألم يَقْتُلْكم
(١ - ١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.
(٢ - ٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.
(٣) الجوامع جمع الجامعة: وهى الغل؛ لأنها تجمع اليدين إلى العنق. الصحاح (ج م ع).
(٤ - ٤) فى ت ١: ((كان وقت)).
٤٦٢
سورة الإسراء : الآية ٤
بحوله وقوَّتِه، ونحن وأنتم غافلون ؟ فقال سنحاريبُ له: قد أتانى خبرُ ربِّكم،
ونصرُه إيَّكم، ورحمتُه التى رحِمكم بها قبلَ أن أَخرُجَ مِن بلادى، فلم أُطِع
مُرشِدًا ، ولم يُلْقِنى فى الشِّقوةِ إلا قِلَّهُ عقلى(١) ، ولو سمِعتُ أو عقَلتُ ما غزَوتُكم،
ولكن الشِّقوةَ غلبَتْ علىّ وعلى مَن معى . فقال ملِكُ بنى إسرائيلَ : الحمدُ للهِ ربِّ
العزَّةِ الذى كفَانَاكم بما شاء، إن ربَّنا لم يُبقِك ومَن معك لكرامة بك عليه، ولكنه إنما
أبقَاك ومَن معك لما هو شرّ لك، لتَزْدَادوا شِقوةً فى الدنيا، وعذابًا فى الآخرةِ،
ولتُخيروا مَن وراءكم بما لقِيتُم مِن فعلِ ربِّنا، ولتُنذروا مَن بعدَكم ، ولولا ذلك ما
أبقَاكم، فَلَدمُك ودمُ مَن معك أهونُ على اللهِ مِن دمِ قُرادٍ(١) لو قتلتُه. ثم إن ملِكَ بنی
إِسرائيلَ أمَر أميرَ حرسِه فقذَف فى رقابهم الجوامعَ، وطاف بهم سبعين يومًا حولَ
بيتِ المقدسِ إيليا، وكان يرْزُقُهم فى كلِّ يومٍ خُبْرَتين مِن شعيرٍ لكلِّ رجلٍ منهم ،
فقال سنحاريبُ لملكِ بنى إسرائيل: القتلُ خيرٌ مما تَفْعَلُ بنا ، فافعلْ ما أُمِرت. فأمَر (٣)
بهم الملكُ إلى سجنِ القتلِ، فأوحى اللهُ إلى شعيا النبيِّ أن قُلْ لملكِ بنى إسرائيلَ يُؤْسِلْ
سنحاريبَ ومَن معه ليُنْذِروا مَن وراءَهم ، ولْيُكْرِفْهم ويَحْمِلْهم حتى يَتْلُغوا بلادهم.
فبلَّغ النبىُ شعيا الملكَ ذلك ، ففعَل، فخرَج سنحاريبُ ومَن معه حتى قدِموا بابلَ ،
فلما قدموا جمع الناسَ فأخبرهم كيف فعل اللهُ بجنودِه ، فقال له کھَّانُه وسخرتُه : یا
ملكَ بابلَ ، قد كنا نَقُصُّ عليك خبرَ ربِّهم وخبرَ نبيِّهم ، ووَحْىَ اللهِ إلى نبيِّهم ، فلم
تُطِعْنا، وهى أمَّةٌ لا يَسْتَطيعُها أحدٌ من(٤) ربِّهم. فكان أمرُ سنحاريبَ مما خُوِّفوا ، ثم
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((غفلتی) .
(٢) القراد: دويبة متطفلة من المفصليات، ذات أربعة أزواج من الأرجل، تعيش على الدواب والطيور وتمتص
دمها ، ومنها أجناس ، الواحدة قرادة. الوسيط (ق رد).
(٣) فى ص، ت ٢، ف: ((ففعل))، وفى م: ((فنقل))، وفى ت ١: ((قال: فأمر)). والمثبت من تاريخ المصنف.
(٤) فى م: ((مع)).
٤٦٣
سورة الإسراء : الآية ٤
كفاهم اللهُ إياهُ) ؛ تذكرةً وعبرةً ، ثم لبِث سنحاريبُ بعدَ ذلك سبعَ سنين، ثم
(٢)
مات(٢) .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، عن ابن إسحاقَ ، قال: لما مات سنحاريبُ
اسْتُخْلِف بختُنصَّرَ ابنُ ابنِهِ على ما كان عليه جدُّه يَعْمَلُ بعَمَلِه ، ويَقْضِی بقضائِه ،
فلبِث سبعَ عشرةَ سنةً ، ثم قبَض اللهُ ملكَ بنى إسرائيل صديقة ، فمرَج أمرُ بنى
إسرائيل وتنافَسوا المُلُكَ، حتى قتَل بعضُهم بعضًا عليه، ونبيُّهم شعيا معهم لا
يُذْعِنون(١) إليه ، ولا يَقْبَلون منه. فلما فعلوا ذلك، قال اللهُ - فيما بلغنا - لشعيا : قُمْ
فى قومِك ◌ُوحِ على لسانِك . فلما قام النبيُّ أَنطَق اللهُ لسانَه بالوحي ، فقال: يا سماءُ
اسْتَمِعِى، ويا أرضُ أَنْصِتى، فإن اللهَ يُرِيدُ أن يَقُصَّ شأنَ بنى إسرائيل الذين ربّاهم
بنعمتِه، واصْطَفاهم لنفسِه، وخصَّهم بكرامتِه، وفضَّلهم على عبادِه، وفضَّلهم
بالكرامةِ ، وهم كالغنم الضائعةِ التى لا راعىّ لها ، فآوَى شاردَتَها ، وجمَع ضالتَها ،
وجبَر كسِيرتَها، وداوَى مريضَتَها، وأسمَن مهزولتَها، وحفِظ سمينتَها ، فلما فعَل
ذلك بطِرت ، فتناطَحت كِباشُها فقتَل بعضُها بعضًا، حتى لم يَيْقَ منها عَظْمٌ صحيحٌ
يُجْبَرُ إليه آخرُ كسيرٌ، فويلٌ لهذه الأمةِ الخاطئةِ ، وويلٌ لهؤلاء القوم الخاطئين الذين لا
يَدْرُون أنَّى(٤) جاءهم الحَيْنُ، إن البعيرَ مما (٥) يذكُرُ وطنَه فينتابُه، وإن الحمارَ / مما١ ٢٥/١٥
يذكُرُ الآرىّ(١) الذى شِع عليه فيراجعُه، وإن الثورَ مما(٥) يذكُرُ المَرْجَ() الذى سمِن
(١) سقط من: م.
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ٥٣٢/١ - ٥٣٥.
(٣) فى ص، ت ٢، ف: ((يدعون))، وفى تاريخ المصنف: ((يرجعون)).
(٤) فى م: ((أين)).
(٥) فى م: ((ربما)).
(٦) الآرىّ : مكان الدابة الذى تحبس فيه. ينظر اللسان (أرى).
(٧) المرج: أرض واسعة فيها نبت كثير تمرج فيها الدواب. تهذيب اللغة ١١/ ٧١.
٤٦٤
سورة الإسراء : الآية ٤
فيه فينتائُه ، وإن هؤلاء القومَ لا يَدْرون مِن حيثُ جاءهم الحَيْنُ، وهم أولو الألبابِ
والعقولِ ، ليسوا ببقرٍ ولا حميرٍ، وإنى ضاربٌ لهم مثلًا فلْيَشْمَعوه: قل لهم: كيف
تَرَون فى أرضٍ كانت خواءً زمانًا ، خَرِبةً موائًا لا عُمرانَ فيها ، وكان لها ربٌّ حكيمٌ
قوىٌّ، فأقبَل عليها بالعمارةِ ، وكرِه أن تَخْرَبَ أرضُه وهو قوىٌّ، أو يُقالَ : ضيّع وهو
حكيم . فأحاط عليها جدارًا ، وشيَّدَ فيها قصرًا، وأَنْبَط فيها نهرًا ، وصفَّ فيها غِراسًا
مِن الزيتونِ والرُّانِ والنخيلِ والأعنابِ، وألوانِ الثمارِ كلِّها، ووَلَّى ذلك واسْتَحْفَظَه
قيّمًا ذا رأي وهمّةٍ، حفيظًا قويًّا أمينًا، وتأَنّى طَلْعَها وانْتَظَرَها، فلما أطْلَعت جاء
طَلْعُها خَرُوبًا(١) ، قالوا: بِئْست الأرضُ هذه، [٢٣٣/٢و] نرى أن يُهْدَمَ جدرانُها
وقصرُها، ويُدْفَنَ نهرُها، ويُقْبَضَ قَيِّمُها، ويُحَرَّقَ غراسُها ، حتى تصيرَ كما كانت
أوّلَ مرَّةٍ ، خَرِبةٌ مواتًا لا عُمرانَ فيها . قال اللهُ لهم: فإن الجدارَ ذمتى ، وإن القصرَ
شَريعتى ، وإن النهرَ كتابى، وإن القَيِّمَ نبِّى، وإن الغِراسَ هم، وإن الخَؤُوبَ الذى
أَطْلَع الغِراسُ أعمالُهم الخبيثةُ ، وإنى قد قضَيتُ عليهم قضاءَهم على أنفسهم ، وإنه
مَثَلٌ ضربَه اللهُ لهم، يتَقَرَّبون إلىّ بذبحِ البقرِ والغنمِ، وليس ينالُنى اللحمُ ولا آكُلُه،
ويَدَعُون أَن يَتَقَرَّبوا بالتقوى والكفِّ عن ذبح الأنفسِ التى حرَّمتُها، فأيديهم
مخضوبةٌ منها، وثيابُهم مُتَزَمِّلةٌ بدمائِها، يُشَيِّدون لىَ البُيوتَ مساجدَ ويُطَهِّرون
أجوافَها، ويُتَجِّسُون قلوبَهم وأجسامَهم ويُدَنِّسونها، ويُزَوِّقون لىَ البيوتَ والمساجدَ
ويُزَيِّنونها، ويُخْرِبون عُقولَهم وأحلامَهم ويُفْسِدونها، فأىُّ حاجةٍ لى إلى تشييد
البيوتِ ولستُ(٢) أسكنُها! وأىُّ حاجةٍ إلى تزويقِ المساجدِ ولَسْتُ أَدْخُلُها ! إنما
(١) الخروب: نبت معروف، برى وشامى، البرى منه شَرِكٌ وبشع، لا يؤكل إلا فى الجهد. ينظر التاج
(خ رب).
(٢) فى ص، ف: ((ليست)).
٤٦٥
سورة الإسراء : الآية ٤
أمَرتُ برَفْعِها لأُذْكَرَ فيها وأُسبَعَ فيها، ولتَكُونَ مَعْلَمًا لمن أراد أن يُصَلِّىَ فيها،
يَقُولون: لو كان اللهُ يَقْدِرُ على أن يَجْمَعَ أَفَتَنا لجمعها ، ولو كان اللهُ تَقْدِرُ على أن
يُفَقِّهَ قلوبَنا لأَفْقَهَها . فاعمِد إلى عودَين يابِسَين، ثم ائتِ بهما ناديَهم فى أجمَع ما
يَكُونون ، فقُلْ للعودين: إن اللهَ يَأْمُؤُ كما أن تَكُونا عودًا واحدًا . فلما قال لهما ذلك،
اختَلَطا فصارا واحدًا، فقال اللهُ: قل لهم: إنى قدَرتُ على أَلْفَةِ العيدانِ اليابسةِ
وعلى أن أُولِّفَ بينها ، فكيف لا أَقْدِرُ على أن أجمَعَ أُلْفَتَهم إن شئْتُ ، أم كيف لا
أَقْدِرُ على أن أُفَقِّهَ قلوبَهم وأنا الذى صوَّرتُها! يقولون: صُمْنا فلم يُرْفَعْ صيامُنا،
وصلَّينا فلم تُتَوَّرْ صلاتُنا، وتَصَدَّقنا فلم تَزْكُ صدقاتُنا، ودعَونا بمثلِ حَنينِ الحمامِ ،
وبَكَينا بمثل ◌ُواءِ الذئبِ ، فى كلِّ ذلك لا نُسْمَعُ ولا يُسْتجابُ لنا. قال اللهُ: فسَلْهُم
ما الذى يَمْتَغُنى أن أستجيبَ لهم؟ ألستُ أسْمَعَ السامعين، وأَبْصَرَ الناظرين، وأَقْرَبَ
المجيبين، وأَرْحَمَ الراحمين! ألأَنَّ ذاتَ يدِى قَلَّت! فكيف ويدَاى مبسوطَتان بالخيرِ
أَنْفِقُ كيف أشاءُ، ومفاتيحُ الخزائنِ عندى لا يَفْتَحُها ولا يُغْلِقُها غيرى، ألا وإن
رَحمتى وسِعت كلّ شىءٍ ، إنما يَتَرَاحَمُ المتراحمون بفضلِها ، أو لأنَّ البخلَ يَعْتَرِينَ،
أَوَ لستُ أكْرَمَ الأكرمين والفتاحَ بالخيراتِ، أَجْوَدَ مَن أعطَى، وأْرَمَ مَن سُئل ! لو أنَّ
هؤلاء القومَ نظَروا لأنفسِهم بالحكمةِ التى نوّرتُ فى قلوبهم فنبذوها ، واشترَوا بها
الدنيا ، إذَنْ لأَبْصَروا مِن حيثُ أُتُوا، وإذن لأَتْقَنوا أنَّ أنفسَهم هى أعدَى العُداةِ لهم،
فكيف أزْفَعُ صيامَهم وهم يُلِسونه بقولِ الزُّورِ ، ويَتَقَوَّون عليه بطُعْمَةِ الحرامِ ، و کیف
أَنْوِّرُ صلاتَهم وقلوبهم صاغيةً إلى مَن يحارِبُنى(١) ويُحادُّنى ويَنْتَهِكُ محارمى! أم
كيف تَزْكُو عندى / صَدَقاتُهم وهم يَتَصَدَّقون بأموالٍ غيرِهم، إنما آجُرُ عليها أهلَها ٢٦/١٥
(١) فى م: ((ناديهما)).
(٢) فى ص، ت ٢، ف: ((حاربنى))، وفى ت ١: ((محاربتى)).
(٣) فى م: ((أوجر)).
( تفسير الطبرى ٣٠/١٤ )
٤٦٦
سورة الإسراء : الآية ٤
المغصوبين ! أم كيف أستجيبُ لهم دعاءَهم ، إنما هو قولٌ بألسنتِهم والفعلُ مِن ذلك
بعيدٌ وإنما أَستجيبُ للوادعُ(١) اللَّيْنِ، وإنما أَسمَعُ مِن قولِ ("المستعفِّ الْمُستكين)، وإنَّ
مِن علامةِ رِضای رِضا المساكين، فلو رحِموا المساكينَ، وقوَّبوا الضُّعفاءَ، وأنصَفوا
المظلومَ ، ونصَروا المغصوبَ، وعدَلوا للغائبِ، وأدَّوا إلى الأرملة واليتيم والمسكينِ،
وكلِّ ذى حقٍّ حقَّه ، ثم(٣) كان يَنْتَغِى أن أُكَلِّمَ(٤) البشَرَ إِذَنْ لكلَّمتُهم ، وإذن لكنتُ
نورَ أبصارِهم، وسَمْعَ آذانِهم ، ومعقولَ قلوبِهم، وإذن لدعَّمتُ أركانَهم ، فكنتُ
قوّةً أيديهم وأرجلهم ، وإذن لثبَّتُّ ألسنتَهم وُقولَهم، يقولون لمّ سمِعوا كلامى،
وبلَغتهم رسالاتى، بأنها أقاويلُ منقولةٌ، وأحاديثُ متوارَثةٌ، وتأليفُ مما تُؤَلِّفُ
السحرةُ والكهنةُ ، وزعموا أنهم لو شاءوا أن يأتُوا بحديثٍ مثلِه فعلوا ، وأن يَطَلِعوا
على الغيبِ بما تُوحِى إليهم الشياطينُ اطَلَعوا ، وكلُّهم يَستخفِى بالذى يقولُ ويُسِؤُ،
وهم يَعْلَمُون أنى أعْلَمُ غيبَ السماواتِ والأرضِ، وأعلمُ ما يُيدون وما يَكْتُمون،
وإنى قد قضَيتُ يومَ خلقتُ السماواتِ والأرضَ قضاءً أَتَبتُه على نفسى ، وجعَلتُ
دونَه أجلاً مؤجَّلاً، لابدّ أنه واقعٌ، فإن صدَقوا بما يَنْتَحِلون مِن علمِ الغيبِ،
فليُخبِرُوك متى أَنْفِذُه، أو فى أىِّ زمانٍ يكونُ ، وإن كانوا يقدِرون على أن يأتوا بما
يشَاءون ، فليأْتُوا بمثلِ القدرةِ التى بها أُمْضى(٢)، فإِنِى مُظْهِرُه على الدينِ كلِّه ولو كره
المشركون، وإن كانوا يَقدِرون على أن يقولوا ما يشاءون فليُؤَلِّقوا مِثلَ الحكمةِ التى
أُدبّرُ بها أمرَ ذلك القضاءِ إن كانوا صادقين، فإنى قد قضَيتُ يومَ خلَقتُ السماواتِ
(١) فى م: ((للداعى)).
(٢ - ٢) فى م: ((المستضعف المستكين))، وفى تفسير البغوى: ((المستعفف المسكين)).
(٣) بعده فى م: ((لو)).
(٤) فى ص، ت ٢: ((أكل))، وفى ف: ((أكمل)).
(٥) فى م: ((أمضيت)).
٤٦٧
سورة الإسراء : الآية ٤
والأرضَ أن أجعلَ النبوّةَ فى الأُجَراءِ، وأن أُحوِّلَ المُلكَ فى الرّعاءِ، والعَزَّ فِى الأَذِلَّاءِ،
والقوَّةَ فى الضعفاءِ، والغِنى فى الفقراءِ، والثروةَ فى الأقِلَّاءِ، والمدائنَ فى الفَلَواتِ،
والآجامَ فى المفاوزِ، والبَرْدِىَّ (١) فى الغِيطانِ، والعلمَ فى الجهلَةِ، والحُكمَ فى
الأميين، فسلْهم متى هذا؟ ومَن القائمُ بهذا؟ وعلى يَدَىْ مَن أَسيِّئُه(١) ؟ ومَن أعوانُ
هذا الأمرِ وأنصارُه إن كانوا يعلمون؟ فإنى باعثٌ لذلك نبيًّا أَمّا(٢) ، أعمى مِن
عُمْيانٍ (٤)، [٢٣٣/٢ظ] ضالاً من ضالِّين(٥)، ليس بفظٍّ ولا غليظٍ، ولا بصخَّابٍ فى
الأسواقِ ، ولا مُتَزَيِّنٍ(١) بالفُحشِ، ولا قوّالِ للخَنا، أُسدِّدُه لكلِّ جميلٍ، أَهَبُ له كلَّ
خُلُقٍ كريم، أَجعَلُ السكينةَ لباسَه، والبرَّ شِعارَه، والتَّقوى ضميرَه، والحكمةَ
معقولَه ، والصدقَ والوفاءَ طبيعتَه، والعفوَ والعِزْفَ(٢) خُلُقَه، والعدلَ والمعروفَ
سيرتَه ، والحقَّ شريعته، والهدى إمامَه، والإِسلامَ مَّتَه، وأحمدَ اسمَه، أَهدِى به
بعد الضَّلالِةِ ، وأُعَلِّمُ به بعد الجهالةِ، وأرفعُ بهِ بعدَ الحمالةِ ، وأُشْهِرُ به بعدَ التّكرةِ ،
وأُكَثِرُ به بعدَ القِلَّةِ ، وَأُغْنِى به بعدَ العَيلَةِ ، وأَجمعُ به بعدَ الفُرقةِ ، وأُؤَلِّفُ به قلوبًا
مختلفةً ، وأهواءً مشتَّةً ، وأَمَمَا متفرّقةٌ، وأجْعَلُ أمَّتَه خيرَ أمَّةٍ أُخرِ جتْ للنَّاسِ، تأمُرُ
بالمعروفِ، وتَنْهَى عن المنكرِ، توحيدًا لى، وإيمانًا وإخلاصًا بى، يُصَلُّون لى قيامًا
(١) البردى: نبات مائى من الفصيلة السعدية، تسمو ساقه الهوائية إلى متر أو أكثر، ينمو بكثرة فى منطقة
المستنقعات بأعالى النيل، وصنع منه المصريون القدماء ورق البردى المعروف . الوسيط (ب رد).
(٢) فى م: ((أسنه))، وفى ت ١: ((أنشئه)).
(٣) بعده فى م: ((ليس)).
(٤) بعده فى م: ((ولا)).
(٥) وهذا المعنى كقوله تعالى: ﴿ووجدك ضالاً فهدى﴾ [الضحى: ٧]. قال ابن كثير فى تفسيره ٤٤٨/٨:
كقوله: ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنتْ تدرى ما الكتاب ولا الإيمان﴾ [ الشورى: ٥٢].
وينظر البحر المحيط ٤٨٦/٨.
(٦) فى ف: ((متدين))، وغير منقوطة فى ص.
(٧) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((المعروف)). والعرف: الصبر. التاج (ع رف).
٤٦٨
سورة الإسراء : الآية ٤
وقعودًا، وركَّعًا وسجودًا، يُقاتِلون فى سبيلى صفوفًا وزحوفًا، ويَخرجون مِن
دِيارِهم وأموالهم ابتغاءَ رِضوانى، أَلهمُهم التكبيرَ والتوحيدَ، والتسبيحَ والحمدَ
والمِدْحَةَ، والتمجيدَ(١) لى فى مساجدِهم ومجالسِهم، ومضاجعهم ومُتَقَلَِّهِم
ومثوَاهم ، يُكبِّرون ويهلِّلون، ويقدِّسون على رءوسِ الأسواق، ويُطهِّرون لى الوجوة
والأطرافَ، ويَعْقِدُون الثيابَ فى الأنصافِ، قرباتُهم دماؤهم، وأناجيلُهم
٢٧/١٥ صدورُهم، رهبانٌ بالليلِ، لُيُوثّ بالنهارِ، / ذلك فضلى أُوتِيه مَن أَشاءُ، وأنا ذو
الفضلِ العظيمِ. فلما فرَغ نبيُّهم شعيا إليهم مِن مقالتِهِ، عَدَوا عليه - فيما بلَغَنى -
ليقتُلُوه، فهرَب منهم ، فلقِيَتْه شجرةٌ ، فانفلَقتْ فدخَل فيها، وأدرَ كه الشيطانُ فأخَذ
بِهُدْبَةٍ مِن ثوبِهِ فأرَاهم إياها، فوضَعوا المنشارَ فى وسَطِها فنشَرُوها حتى قطعُوها ،
وقطَعوه فى وسَطِها(٣) .
قال أبو جعفر : فعلی القول الذى ذكرنا عن ابن عباسٍ مِن رواية الشّدئِّ، وقولِ
ابنِ زيدٍ، كان إفسادُ بنى إسرائيلَ فى الأرضِ المرةَ الأولى قَتْلَهم زكريا نبيَّ اللهِ ، مع ما
كان سلَف مِنهم قبلَ ذلك وبعده ، إلى أن بعث اللهُ عليهم مَن أحلَّ على يدِه بهم
نقمته مِن معاصی اللهِ ، وعتوهم على ربّهم. وأما على قول ابن إسحاقَ الذی روینا
عنه، فكان إفسادُهم المرّةَ الأولى ما وُصِف مع (١) قتلِهم شعيا بنَ أمصيا نبيَّ اللهِ .
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((التحميد)).
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ٥٣٦/١، ٥٣٧ مختصرا، وذكره البغوى فى تفسيره ٦٩/٥ وما بعدها
بأطول مما هنا، وقال ابن كثير فى تفسيره ٤٤/٥ عن هذه الآثار وغيرها: وقد وردت فى هذا آثار كثيرة
إسرائیلیة ... منها ما هو موضوع ، من وضع زنادقتهم ، ومنها ما قد یحتمل أن يكون صحيحا ، ونحن فى غنية
عنها، ولله الحمد، وفيما قص اللَّه تعالى علينا فى كتابه غنية عما سواه من بقية الكتب قبله، ولم يحوجنا اللَّه
ولا رسوله إلیھم .
(٣) فى م، ت ٢، ف: ((من)).
٤٦٩
سورة الإسراء : الآيتان ٤، ٥
وذكر ابنُ (١) إسحاقَ أن بعضَ أهلِ العلم أخبره أن زكريا مات موتًا ولم يُقتلْ،
وأن المقتولَ إنما هو شعيا، وأن بختنصرَ هو الذى سُلِّط على بنى إسرائيلَ فى المرّةِ
الأولى بعد قتلهم شعيا .
حدَّثنا بذلك ابنُ حميدٍ، عن سلمةَ عنه(٢) .
وأما إفسادُهم فى الأرضِ المرةَ الآخرةَ، فلا اختلافَ بينَ أهلِ العلم أنه كان
قتلهم یحیی بنَ ز کریا .
وقد اختلفوا فى الذى سلّطه اللهُ عليهم مُنتقِمًا به منهم عند ذلك ، وأنا ذاكرٌ
اختلافَهم فى ذلك إن شاء اللهُ .
وأما قولُه: ﴿وَلَنَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾. فقد ذكَرنا قولَ مَن قال: يَعنِى به
استكبارَهم على اللهِ بالجراءةِ عليه، وخلافِهم أمرَه .
وكان مجاهدٌ يقولُ فى ذلك ما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصمٍ،
قال : ثنا عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿ وَلَنَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ . قال :
ولَتَعلُّ(٣) الناسَ علوًّا كبيرًا .
حدَّثنا الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
وأما قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَئِهُمَا﴾. يَعِنِى: فإذا جاء وعدُ أُولَى المرّتين اللتين
(١) ليس فى: ص، ت ١، ت ٢، ف: وينظر ما سيأتى فى التخريج.
(٢) ذكره القرطبى فى تفسيره ٢١٦/١٠، وأبو حيان فى البحر المحيط ٩/٦ عن ابن إسحاق . وأخرجه ابن
عساكر فى تاريخه ٥٦/١٩ من طريق إسحاق بن بشر، عن إدريس، عن وهب .
(٣) فى ص: ((لتضلن)).
٤٧٠
سورة الإسراء : الآية ٥
يُفسِدُون بهما فى الأرض .
كما حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَئِهُمَا﴾. قال: إِذا جَاء وعدُ أَولى تينكَ المرّتين اللتين، قضَينا إلى
بنى إسرائيلَ: ﴿لتفسدن فى الأرض مرتين ﴾ .
وقولُه: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَّا أُوْلِى بَأَسِ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلَلَ الذِّيَارِّ
وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا﴾. يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ ﴾: وعجّهنا
إليكم، وأرسَلنا عليكم، ﴿عِبَادًا لَنَّا أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ . يقولُ: ذوى بطشٍ فى
الحروب شديدٍ .
وقولُه: ﴿فَجَاسُواْ خِلَلَ الدِّيَارِ﴾. يقولُ: فتردّدُوا بين الدُّورِ والمساكنِ،
وذهَبوا وجاءوا. يُقالُ فيه: جَاس القومُ بين الديارِ وحاسُوا - بمعنَّى واحدٍ - وُسْتُ
أنا أَجُوسُ جَوْسًا وجَوَسانًا .
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك رُوِى الخبرُ عن ابنِ عباسٍ .
حدَّثنى علىُّ بنُ داودَ ، قال : ثنا عبدُ اللهِ ، قال : ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ
عباسٍ: ﴿ فَجَاسُواْ خِلَلَ الدِّيَارِّ﴾. قال: مشَوا(٣) .
وكان بعضُ أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ مِن أهلِ البصرةِ يقولُ: معنى
﴿فَجَاسُواْ﴾ : قتلوا . ويُستَشهدُ لقولِه ذلك ببيتٍ حسانَ (٤):
(١) فى ص، ت ٢، ف: ((التى)).
(٢) فى ص ، ت ١، ت ٢، ف: ((إلیكم)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٥/٤ إلى المصنف ، وابن المنذر، وابن أبى حاتم .
(٤) هو أبو عبيدة فى مجاز القرآن ١/ ٣٧٠. والبيت ليس فيه .
٤٧١
سورة الإسراء : الآية ٥
٢٨/١٥
/ومنا الذى لاقَى بسيفِ محمدٍ فجَاس به الأعداءُ عُرضَ العساكرِ
وجائزٌ أن يكونَ معناه : فجاسوا خلالَ الديارِ فقتلوهم ذاهبين وجائین . فيَصِحّ
التأويلان(١) جميعًا .
ويعنى بقوله: ﴿وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا﴾: وكان جَوْسُ القوم الذين نَبعَثُ
عليهم خلالَ ديارِهم، وعدًا مِن اللهِ لهم مفعولًا ذلك لا محالةَ؛ لأنه لا يُخلِفُ
الميعادَ .
ثم اختلف أهلُ التأويلِ فى الذين عنَى اللهُ [٢٣٤/٢ و] بقولِه: ﴿أُوْلِى بَأْسِ
شَدِيدٍ﴾ وفيما كان مِن فعلِهم فى المرّةِ الأولى فى بنى إسرائيلَ حين بُعثوا عليهم ،
ومَن الذين بَعَث عليهم فى المرّةِ الآخرةِ ، وما كان مِن صنيعِهم بهم ؛ فقال بعضُهم :
كان الذى بعَث اللهُ عليهم فى المرّةِ الأولى جالوتَ، وهو مِن أهلِ الجزيرةِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی أبى ، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَئُهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّا أُوْلِ بَأْسِ
شَدِيدٍ فَجَاسُوْ خِلَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا ﴾. قال: بعَث اللهُ عليهم
جالوتَ، فجَاس خلالَ ديارِهم، وضرَب عليهم الخَرَاجَ والذُّلَّ، فسأَلُوا اللهَ أن
يبعثَ لهم ملِكًا يُقاتِلون فى سبيلِ اللهِ، فبعث اللهُ طالوتَ، فقَاتَلوا جالوتَ،
فنصَر اللهُ بنى إسرائيل، وقُتِل جالوتُ بيدَى داودَ، ورجَع اللهُ إلى بنى إسرائيلَ
(٢)
مُلكَهم (٢) .
(١) فى ت ١، ت ٢، ف: ((التلاوتان)) وغير منقوطة فى: ص .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٣/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
٤٧٢
سورة الإسراء : الآية ٥
حدَّثنا بشرّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ
أُوْلَئُهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُوْلِى بَأْسِ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا
مَّفْعُولًا﴾: قضاءً قضَى اللهُ على القومِ كما تَسمَعون، فبعث عليهم فى الأُولى
جالوتَ الجزريَّ، فسبَى وقتَل، وجاسُوا خلالَ الديارِ كما قال اللهُ، ثم رجَع القومُ
علی دَخَنٍ فيهم .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةَ ،
قال : أما المرةُ الأَولى فسلَّط اللهُ عليهم جالوتَ، حتى بعَث طالوتَ ومعه داودَ ، فقتله
داودُ(١).
وقال آخرون: بل بعَث عليهم فى المرّةِ الأُولى سنحاريبَ . وقد ذكرنا بعضَ
قائلى ذلك فيما مضى، ونَذكُرُ ما حضَرَنا ذكرُه ممَّن لم نذكره قبلُ .
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال : ثنا ابنُ عليةَ، عن أبى المعلّى، قال : سمِعتُ
سعيدَ بنَ جبيرٍ يقولُ فى قوله: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّا أُوْلِ بَأْسِ شَدِيدٍ﴾. قال:
بعَث اللهُ تبارك وتعالى عليهم فى المرّةِ الأُولى سنحاريبَ مِن أهلِ أَثُورَ ونِينَوى .
فسألتُ سعيدًا عنها، فرَعَم أنها الموصلُ(٢) .
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسینُ ، قال : ثنی حجاج، عن ابن جريج، قال : ثنی
٢٩/١٥ يَعلى بنُ مسلم، عن (١) / سعيد بن جبيرٍ أنه سمِعه يقولُ: كان رجلٌ مِن بنى إسرائيلَ
يقرأُ حتى إذا بلَغ: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّا أُوْلِىِ بَأْسِ شَدِيدٍ﴾. بِكَى وفاضَتْ
(١) تفسير عبد الرزاق ٢٧٣/١ عن معمر به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٥/٤ إلى المصنف وابن أبى حاتم.
(٢) ينظر تفسير ابن كثير ٥/ ٤٤.
(٣) فى م: ((بن)).
٤٧٣
سورة الإسراء : الآية ٥
عيناه، و(١)طبَّق المصحفَ، فقال(٢): ذلك ما شاء اللهُ مِن الزمانِ. ثم قال: أى
ربِّ، أرِنِى هذا الرجلَ الذى جعَلتَ هلاكَ بنى إسرائيلَ على يدَيه . فأَرِى فى المنامِ
مِسكينًا ببابلَ ، يُقالُ له : بختُنصَّرَ. فانطلقَ بمالٍ وأُعْبُدٍ له - وكان رجلًا مُوسِرًا -
فقيل له : أين تُريدُ؟ قال : أُريدُ التّجارةَ. حتى نزَل دارًا بيابلَ ، فاستكراها ليس فيها
أحدٌ غيرُه، فجعَل يَدْعُو المساكينَ ويَلْطُفُ بهم حتى ("لا يَأْتَه٣) أحدٌ(٤
، فقال : هل
بَقِى مسكينٌ غيرُكم؟ قالوا: نعم. مسكينٌ بفجِّ آلٍ فلانٍ مريضّ، يُقالُ له :
بختنصرَ. فقال لِغِلْمتِه: انطَلِقوا (٥) . حتى أتاه، فقال: ما اسمُك؟ قال: بختُصرَ .
فقال لِغِلْمَتِه: احتمِلُوه . فنقَله إليه ومرَّضه حتى بَرَأْ، فَكَساه وأعطاه نفقةً. ثم أَذَّن
الإسرائيلىُّ بالرحيلِ، فبكى بختنصرَ، فقال الإسرائيلىُّ: ما يُكِيكَ؟ قال : أبكِى
أنك فعَلتَ بى ما فعَلتَ ، ولا أجدُ شيئًا أجزِيكَ. قال: بلى، شيئًا يسيرًا، إن ملكتَ
أطعتَنى . فجعَل الآخرُ يَتْبَعُه، ويقولُ: تَستَهزِئُ بى! ولا يَمنَعُه أن يُعطيَه ما سأله إلا أنه
يَرَى أنه يَستهزِئُ به، فبكى الإسرائيليُ، وقال: لقد علِمتَ ما يمنعُك أن تُعطيّنی ما
سألتُك إلا أن اللهَ يُريدُ أن يُنْفِذَ ما قد قضَاه - وكتب فى كتابِهِ. وضرّب الدهرُ مِن
ضَرْبِه٢١، فقال (٧ يومًا صيحونُ) وهو ملِكُ فارسَ بيابلَ: لو أنا بعَثنا طليعةً إلى الشامِ؟
(١) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((بما))، وفى تاريخ المصنف: ((ثم)).
(٢) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((يقال)).
(٣ - ٣) سقط من: ت٢، وفى م: ((لم يبق))، وفى ت١: ((لم يبقى))، وفى ف: ((لم)) وبعدها بياض
بمقدار كلمة .
(٤) بعده فى تاريخ المصنف: ((إلا أعطاه)). والمثبت بدونها مستقيم أيضا .
(٥) بعده فى تاريخ المصنف: ((بنا. فانطلق))، وفى نسخة منه: ((بنا. فانطلقوا)).
(٦ - ٦) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((ضرب الدهر ضربة)). قال ابن الأثير فى النهاية ٨٠/٣ : فضرب الدهر
من ضَرَبانه . ويروى : من ضَرْبه . أى : مرّ من مروره وذهب بعضه .
(٧ - ٧) فى ص، ت٢، ف: ((صحور))، وكذا ورد اسمه فى نسخة من تاريخ المصنف.
٤٧٤
سورة الإسراء : الآية ٥
قالوا : وما ضرَّك لو فعلتَ؟ قال: فمن تَرَون ؟ قالوا: فلانٌ. فبعَث رجلًا وأعطَاه مائةً
ألفٍ ، وخرَج بختُنصَّرَ فى مَطبَخِه ، لا يَخْرُجُ إلا ليأكلَ فى مَطبَخِه ، فلما قدِم الشامَ
رأَى صاحبُ الطليعةِ أكثرَ أرضِ اللهِ فرسًا ورجلاً جلدًا، فكسَر ذلك فى ذَرعِه(١)،
فلم يسألْ . قال : فجعَل بختُنصَّرَ يَجلِسُ مجالسَ أهل الشام ، فيقولُ: ما يمنعكم أن
تَغْزُوا بابلَ، فلو غزَوْتُموها ما دونَ بيتِ مالِها شىءٌ؟ قالوا: لا نُحسِنُ القتالَ. (٢ قال:
فلو(٣) غَزَوْتُم؟ قالوا: إنا لا نُحسنُ القتالَ) ولا نُقَاتِلُ. حتى أنفَذَ(٤) مجالسَ أهلٍ
الشامِ ، ثم رجَعوا فأخبَر الطليعةَ ملِكَهم بما رأى، وجعَل بختُصرَ يقولُ لفوارسٍ(٥)
الملِكِ : لو دعانى الملِكُ لأخبَرتُه غيرَ ما أخبرَه فلانٌ . فرفع ذلك إليه ، فدعَاه فأخبره
الخبرَ، وقال: إن فلانًا لما رأى أكثرَ أرضِ اللهِ كُراعًا(*) ورجلًا جلدًا، كسر ذلك فى
ذَرعِه)، ولم يَشْألْهم عن شىءٍ، وإنى لم أدَعْ مجلِسًا بالشام إلا جالَستُ أهلَه،
فقلتُ لهم كذا وكذا، فقالوالى كذا وكذا - الذى ذكّر سعیدُ بنُ جبير أنه قال لهم
- قال الطليعةُ لبختنصَّرَ: فضَحتَنى، لك مائةُ ألفٍ وتنزِعُ عما قلتَ ؟ قال: لو
أُعطَيتنى بيت مالٍ بابلَ ما نزعتُ. و(١)ضرّب الدهرُ مِن ضَربِه، فقال الملِكُ: لو بعَثنا
(١) أى: ثبطه عما أراد. ينظر النهاية ١٥٨/٢.
(٢ - ٢) هذه الجملة ليست فى تاريخ المصنف .
(٣) بعده فى م: (( أنكم)).
(٤) فى ت ١، ت٢، ف: ((انتقد)). وغير منقوطة فى ص، وأنفذ القوم: إذا خرقهم ومشى فى وسطهم.
التاج (ن ف ذ) .
(٥) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((لفارس)).
(٦) فى م: ((فرسا)).
(٧ - ٧) فى م: ((كبر ذلك فى روعه)).
(٨) من تاريخ المصنف .
٤٧٥
سورة الإسراء : الآية ٥
جريدةً خيلٍ (١) إلى الشام، فإن وجَدوا مساغًا ساغوا، وإلا امتثُّوا(٢) ما قدَروا عليه .
قالوا : ما ضرَّك لو فعلتَ؟ قال: فمَن ترَونَ ؟ قالوا : فلانٌ . قال : بل الرجلُ الذى
أخبَرنى ما أخبرنى. فدعا بختنصرَ وأرسَله ، وانتخَب معه أربعةَ آلافٍ مِن فرسانِهم ،
فانطلقوا فجاسوا [٢٣٤/٢ظ] خلالَ الديارِ، فسبَوا ما شاء اللهُ، ولم يخرِّبوا ولم
يَقْتُلُوا، ("ورُمى فى جنازة٢ٍ) صيحونَ(٤). قالوا: اسْتَخْلِفوا رجلًا. قالوا: على
رِسْلِكم حتى يأتى أصحابُكم فإنهم فرسانُكم؛ (أن يُتَغِّصواْ) عليكم شيئًا .
فَأَمْهَلوا (٢) حتى جاء بختنصرَ بالسَّبي وما معه، فقسَّمه فى الناسِ ، فقالوا : مارأينا
أحدًا أحقَّ بالمُلُكِ مِن هذا . فمَّكوه(١).
حدَّثنى يونسُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : أخبرنى سليمانُ بنُ
بلالٍ ، عن يحيى / بن سعيدٍ، قال: سمِعت سعيد بن المسيبِ يقولُ: ظهرَ بختنصرَ على ٣٠/١٥
الشام، فخرَّب بيتَ المقدسِ وقتلَهم، ثم أتى دمشقَ، فوجَد بها دمًّا يَغْلى على كِبًا() ،
فسألهم: ما هذا الدمُ؟ قالوا : أدرَ كْنا آباءَنا على هذا، وكلَّما ظهَر عليه الكِبًا ظهَر.
قال: فقتل على ذلك الدم سبعين ألفًا مِن المسلمين وغيرِهم، فسكن(١).
(١) خيل جريدة : لا رَجّالة فيها . اللسان (ج ر د).
(٢) فى م: ((انثنوا)). وامتشُّوا: انتزعوا، يقال: امتشى الثوب: انتزعه . ينظر اللسان (م ش ش).
(٣ - ٣) فى م: ((ومات)). ورُمى فى جنازته: أى مات. والعرب تقولها إذا أخبرت عن موت إنسان؛ لأن
الجنازة تصير مرميًّا فيها . النهاية ٣٠٦/١ .
(٤) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((صحور)). وبعده فى م: ((الملك)).
(٥ - ٥) فى م: ((لن ينقضوا)).
(٦) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((أمهلوا))، وفى م: ((أمهلوا فأمهلوا)).
(٧) أخرجه المصنف فى تاريخه ٥٤٥/١، ٥٤٦ .
(٨) بعده فى م: ((أى كناسة))، ولعله تفسير من الناسخ .
(٩) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٤/٥ عن المصنف، وقال : وهذا صحيح إلى سعيد بن المسيب ، وهذا هو
المشهور .
٤٧٦
سورة الإسراء : الآيتان ٥، ٦
وقال آخرون: يَعْنى بذلك قومًا مِن أهلِ فارسَ. قالوا: ولم يَكُنْ فى المرّةِ الأولى
قتالٌ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عیسی ، عن ابنٍ أبى
نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولَنْهُمَا بَعَنْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَّا أَوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ
فَجَاسُواْ خِلَلَ الدِّيَارِ﴾. قال: من جاءهم مِن فارسَ يَتَحَسَّسون(١) أخبارَهم،
ويَسْمَعون حديثَهم ، معهم بختُنصَّرَ، فوعى أحاديثَهم مِن بين أصحابِهِ ، ثم رجَعت
فارسُ ولم يَكنْ قتالٌ، ونُصِرت عليهم بنو إسرائيلَ، فهذا وعدُ الأولى.
حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَّا أُوْلِ بَأْسِ شَدِيدٍ﴾ : جندٌ جاءهم مِن فارسَ
يُتَخَشّسون(١) أخبارهم. ثم ذكر نحوه(٢) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، عن
مجاهدٍ : ﴿ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُوْلَنْهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّا أُوْلِ بَأْسِ شَدِيدٍ﴾ . قال :
ذلك ، أی من جاءهم من فارس، ثم ذكّر نحوه .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَكُمْ بِأَمْوَلٍ
﴾ .
وَبَنِينَ وَجَعَلْنَكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (
يقولُ تعالى ذكره : ثم أدَلْنا كم يا بنى إسرائيلَ على هؤلاء القومِ الذين وصَفهم
(١) فى م: ((يتجسسون)).
(٢) تفسير مجاهد ص ٤٢٨. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٥/٤ إلى المصنف، وابن أبى شيبة ، وابن
المنذر، وابن أبى حاتم .
٤٧٧
سورة الإسراء : الآيتان ٦ ، ٧
جلّ ثناؤه أنه يَبْعَثُهم عليهم. وكانت تلك الإدالةُ والكرّةُ لهم عليهم، فيما ذكَر
السدىُّ فى خَبرِه ، أن بنى إسرائيلَ غزَوْهم ، وأصابوا منهم ، واستنْقَذوا ما فى أيديهم
منهم (١) . وفى قولٍ آخرين، إطلاقُ الملكِ الذى غزاهم ما فى يديه مِن أسراهم(١) ،
وردُّ ما كان أصاب مِن أموالهم عليهم مِن غيرٍ قتالٍ . وفى قولِ ابنِ عباسٍ الذى رواه
عطيةُ عنه، هى إدالةُ اللهِ إياهم مِن عدوّهم جالوتَ حتى قتلوه(٢) ، وقد ذكرنا كلَّ
ذلك بأسانيدِه فيما مضى .
﴿ وَأَمْدَدْنَكُم بِأَمْوَلٍ وَبَنِنَ﴾. يقولُ: وزِدنا(٤) فيما أعطيناكم من الأموالِ
والبنين .
:
وقولُه: ﴿ وَجَعَلْنَكُمْ أَكْثَرَ نَفِيْرًا﴾. يقولُ: وصيَّرناكم أكثرَ عدَدَ نافٍ
منهم .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَجَعَلْنَكُمْ
أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾. أى: عددًا، وذلك فى زمنٍ داود (٥) .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنَتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْمُ فَلَهَاً
.
(١) ينظر ما تقدم فى ص ٤٥٦، ٤٥٧ .
(٢) فى ص، ت١، ف: (( أشرافهم)).
. (٣) ينظر ما تقدم فى ص ٤٧١ .
(٤) فى ت١، ف: (( ردنا)).
(٥) تقدم أوله فی ص ٢٨ .
٤٧٨
سورة الإسراء : الآية ٧
فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُئُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْ خُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ
٧
مَرَّةٍ وَلِيُتَبِرُوْ مَا عَلَوْاْ تَنْبِيرًا
يقولُ تعالى ذِكرُه لبنى إسرائيلَ فيما قضَى إليهم فى التوراةِ : إن أحسنتم يا بنى
إسرائيلَ ، فَأَطَعتم اللَّهَ وأصلَحتم أمرَكم ، ولزِمتم أمره ونهيه أحسنتم وفعَلتم ما فعَلتم
مِن ذلك لأنفسكم؛ لأنَّكم إنما تنفَعون بفعلِكم(١) ما تفعلون مِن ذلك أنفسكم فى
الدنيا والآخرة؛ أما فى الدنيا فإن اللَّهَ يدفَعُ عنكم مَن بغَاكم سوءًا، ويُنمِّى لكم
أموالكم، ويَزيدُ كم إلى قوَّتِكم قوَّةً ، وأما فى الآخرةِ فإن اللَّهَ تبارك وتعالى يُثِيئُكم به
جنانَه. ﴿ وَإِنْ أَسَأَتُ﴾. يقولُ: وإن عصَيتُم اللَّهَ وركبتم ما نهاكم عنه [٢٣٥/٢و]
حينئذٍ ، فإلى أنفسِكم تُسيئون؛ لأنكم تُسخِطون بذلك على أنفسكم ربّكم،
فيُسلِّطُ عليكم فى الدنيا عدوَّكم، ويُمكِّنُ مِنكم مَن بغاكم سوءًا، ويُخلِّدُكم فى
الآخرةِ فى العذابِ المهينِ . وقال جلّ ثناؤه: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمُ فَلَهَا﴾. والمعنى : فإليها .
كما قال: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَ لَهَا
@ ﴾ [ الزلزلة: ٥]. والمعنى : أَوْحَى إليها.
وقولُه: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ اُلْآَخِرَةِ﴾. يقولُ: فإذا جاء وعدُ المرّةِ الآخرةِ مِن
مَرَّتَّى إفسادٍ كم يا بنى إسرائيلَ فى الأرضِ، (لِيَسُوءُ(١) وُجُوهَكُمْ). يقولُ : ليسوءً
مجىءُ ذلك الوعدِ للمرّةِ الآخرةِ وجوهَكم فيُقبّحَها .
وقد اختلفت القرأةُ فى قراءةٍ قوله: (لِيَسُوءَ(١) وُجُوهَكُمْ). فقرَأ ذلك
عامَّةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ: ﴿لِيَسْتَقُواْ وُجُوهَكُمْ﴾. بمعنى: ليسوءَ العبادُ
(١) فى ص، ت ١، ف: ((ليسوء)). ويبدو أن هذه القراءة هى اختيار الطبرى كما سيظهر ذلك من تأويله
للآية. وهذه القراءة هى قراءة ابن عامر وحمزة وخلف وعاصم فى رواية أبى بكر. ينظر السبعة ص ٣٧٨،
والنشر ٢٢٩/٢.
(٢) فى م: (( بفعلتكم)).
٤٧٩
سورة الإسراء : الآية ٧
الأُلوُ(١) البأسِ الشديدِ الذين يبعثُهم اللَّهُ عليكم وجوهَكم(١). واستشهد قارئو ذلك
لصحةٍ قراءتِهم كذلك بقولِه: ﴿ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ﴾. وقالوا: ذلك خبرٌ عن
الجميع، فكذلك الواجبُ أن يكونَ قولُه: ﴿لِكُواْ﴾. وقرأ ذلك عامَّةُ قرَأَةٍ
الكوفة: (لِیَسُوءَ وُجُوهَكُمْ). على التوحيدِ وبالیاءٍ، وقد يحتمِلُ ذلك وجهین مِن
التأويلِ؛ أحدُهما ما قد ذكرتُ، والآخرُ منهما: ليسوءَ اللَّهُ / وجوهَكم. فمَن وجَّه ٣٢/١٥
تأويلَ ذلك إلى: ليسوءَ مجىءُ الوعدِ وجوهكم. جعَل جوابَ قوله: ﴿فَإِذَا
محذوفًا، قد استُغْنِىَ(٢) بما ظهَر عنه، وذلك المحذوفُ: ((جاء)). فيكونُ الكلامُ
تأويلُه: فإذا جاء وعدُ الآخرةِ ليسوءَ وجوهكم جاء. ومَن وجّه تأويله إلى: ليسوءَ اللَّهُ
وجوهكم. كان أيضًا فى الكلام محذوفٌ(٤)، غيرَ أنه (٩) سوى ((جاء))، فيكونُ
معنى الكلام حينئذٍ : فإذا جاء وعدُ الآخرةِ بعَثناهم ليسوءَ اللَّهُ وجوهكم. فيكونُ
المُضمَرُ ((بعثناهم))، وذلك جوابُ ((إذا)) حينئذٍ . وقرَأ ذلك بعضُ أهلِ العربيةِ من
الكوفيين: (لِنَسُوءَ وُجُوهَكُمْ) على وجهِ الخبرِ من اللَّهِ تبارك وتعالى اسمُه عن
(٦)
نفسِه(٢).
وكان مجىءُ وعدِ المرّةِ الآخرةِ عندَ قتلهم يحيى .
ذِكرُ الرواية بذلك .
والخبرُ عمّا جاءهم مِن عندِ اللَّهِ حينئذٍ كما حدَّثنی موسى ، قال: ثنا عمرٌو،
(١) فى م: ((أولو)) .
(٢) هى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وحفص عن عاصم. السبعة ص ٣٧٨.
(٣) فى م: ((المستغنى)).
(٤) بعده فى م: (( قد استغنى هنا عنه بما قد ظهر منه)) .
(٥) فى م: ((أن ذلك المحذوف)).
(٦) قرأه الكسائى. ينظر السبعة ص ٣٧٨، والنشر ص ٢٢٩.
٤٨٠
سورة الإسراء : الآية ٧
قال : ثنا أسباطُ ، عن السدئِّ فی الحدیثِ الذی ذكّرنا إسناده قبلُ ؛ أن رجلًا مِن بنى
إسرائيلَ رأى فى النومِ أن خرابَ بيتِ المقدسِ وهلاكَ بنى إسرائيلَ على يَدَىْ غلامِ يتيم
ابنِ أرملةٍ من أهلِ بابلَ ، يُدْعَى بُخْتُنصَّر، وكانوا يَصدُقون فتَصدُقُ رؤياهم، فأقْبَل
فسأَل عنه حتى نزَل على أمِّه وهو يَحتطِبُ ، فلما جاء وعلى رأسِه حزمةٌ مِن حطبٍ
ألقاها، ثم قعَد فى جانبِ البيتِ ، فضمَّه، ثم أعطاه ثلاثةَ دراهمَ، فقال : اشترِ
بهذا(١) طعامًا وشرابًا . فاشترى بدرهم لحمًا وبدرهم خبزًا وبدرهم خمرًا، فأكّلوا
وشرِبوا حتى إذا كان اليومُ الثانى فَعَل به ذلك ، حتى إذا كان اليومُ الثالثُ فَعَل ذلك،
ثم قال له : إنى أُحِبُّ أن تكتبَ لى أمانًا إن أنت ملَكتَ يومًا مِن الدهرِ. فقال: تسخّرُ
بى؟ فقال: إنى لا أسخَرُ بك، ولكن ما عليك أن تتخِذَ بها عندى يدًا! فكلّمته أمُّه،
فقالت: وما عليك إن كان(٢) ، وإلا لم يَنقُصْك شيئًا! فكتَب له أمانًا، فقال(٣):
أرأيتَ إن جئتُ والناسُ حولَك قد حالوا بينى وبينَك، فاجعَلْ لى آيةً تعرِفُنى بها .
قال: ترفَعُ صحيفتَك على قَصّبةٍ فأعرِفُك بها. فكسَاه وأَعْطَاه، ثم إن ملِكَ بنى
إسرائيلَ كان يُكرِمُ يحيى بنَ زكريا، ويُدْنِى مجلسَه، ويستشيرُه فى أمرِهِ ، ولا يقطَعُ
أمرًا دونَه، وإنه هوِىَ أن يتزوَّجَ ابنةَ امرأةٍ له، فسأل يحيى عن ذلك ، فنهاه عن
نكاحِها، وقال : لستُ أَرْضاها لك ، فبلغ ذلك أمَّها فحقَدت على یحیی حینَ نهاه
أن يتزوَّجَ ابنتَها ، فعمَدت أمّ الجاريةِ حينَ جلَس الملكُ على شرابِهِ ، فألبَستْها ثيابًا رقاقًا
حُمْرًا، وطبّيتها وألبَسْتها مِن الحَلْىِ، و(٤) ألبَستها فوق ذلك كساءً أسودَ، وأرسَلتْها
(١) فى م: ((لنا بها)). وفى تاريخ المصنف - كما سيأتى تخريجه -: ((بهذه)).
(٢) بعده فى م: ((ذلك)).
(٣) بعده فى م: (( له)).
(٤) بعده فى م: ((قيل: إنها)). وينظر مصدر التخريج.