Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
سورة هود : الآيتان ٢٧، ٢٨
فنتبعَكم طلبَ ذلك الفضلِ، وابتغاءَ ما أصبتُموه بخلافِكم إيانا ﴿بَّ نَظُنُّكُمْ
كَذِبِينَ﴾، وهذا خطابٌ منهم لنوحٍ، عليه السلامُ، وذلك أنهم إنما كذَّبوا نوحًا
دونَ أتباعِه ؛ لأن أتباعَه لم يكونوا رسلًا، وأخرَج الخطابَ، وهو واحدٌ، مُخرجَ
خطابٍ الجميعِ، كما / قيل: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ ﴾ [ الطلاق: ١]. ٢٨/١٢
وتأويلُ الكلام: بل نظنُّك ، يا نوحُ، فى دَعْواك أن اللَّهَ ابْتَعَثَك إلينا رسولاً - كاذبًا .
وبنحوِ ما قلنا فى تأويل قوله: ﴿بَادِىَ الرَّأْيِ﴾. قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ
الْخُراسانىّ، عن ابنِ عباس قولَه: ﴿ وَمَا نَرَئِكَ أَتَبَعَكَ إِلَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَازِلُنَا
بَادِىَ الرَّأْىِ﴾. قال: فيما ظَهَرَ لنا (١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿قَالَ يَقَوْمٍ أَرَءَيْتُ إِن كُنتُ عَلَى بَِّنَتِ مِن ◌َّبِ
وَءَانَنِى رَحْمَةُ مِنْ عِندِهِ، فَعُمَِّتْ عَلَيْكُمْ أَنْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَمَا كَلِهُونَ
٢٨
يقولُ تعالى ذكرُه، مخبرًا عن قيلِ نوحِ لقومِه، إذ ١١ كذّبوه وردُوا عليه ما
جاءهم به مِن عندِ اللَّهِ مِن النصيحةِ: ﴿يَقَوْمِ أَرَّهَ يْتُمُ إِن كُنتُ عَلَى يَِّنَِ مِنْ زَّبِ﴾: على
علم ومعرفةٍ وبيانٍ مِن اللَّهِ لى ما يَلْزَمُنى له، ويجبُ علىَّ مِن إخلاصِ العبادةِ له، وتركٍ
إشراكِ الأوثانِ معه فيها، ﴿ وَءَانَذِ رَحْمَةٌ مِّنْ عِندِهِ﴾. يقولُ: ورَزَقَّنى منه التوفيقَ [٣٨/٢ و]
والنبوةَ والحكمةَ، فآمنتُ به، وأطعتُه فيما أمَرنى ونَهانى: ﴿ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾.
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى تغليق التعليق ٤ /٨- من طريق عطاء به، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٣٢٦/٣ إلى ابن المنذر.
(٢) فى ت ١، ت ٢: ((إن)).

٣٨٢
سورة هود : الآية ٢٨
واختلفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك ؛ فقرأَتْه عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ وبعضُ أهلِ البصرةِ
والكوفةِ (فَعَمِيَتْ )، بفتحِ العينِ وتخفيفِ الميمِ بمعنى: فعَمِيت الرحمةُ عليكم فلم
تهتدوا لها ، فتُقِرُّوا بها، وتُصَدِّقوا رسولكم عليها(١).
وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين: ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ بضمِ العينِ وتشديد
((الميم)) )، اعتبارًا منهم ذلك بقراءةِ عبدِ اللَّهِ، وذلك أنها(١) فيما ذُكِر فى قراءةٍ
عبدِ اللَّهِ: (فعمَّاها عليكم)(4).
وأولى القراءتين فى ذلك عندى بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأَه: ﴿فَعُمِّيَتْ
عَلَيْكُمْ﴾ بضمِّ العينِ وتشديدِ الميم؛ للذى ذَكَروا مِن العلة لمن قرأ به، ولقریه مِن
قوله: ﴿أَرَءَيْتُ إِن كُنتُ عَلَى بَيْنَةِ مِّن رَّبٍِّ وَءَالَلِىِ رَحْمَةُ مِّنْ عِنِدِهِ،﴾. فأضافَ
الرحمةَ إلى اللَّهِ، فكذلك تعميتُه على الآخرين بالإضافة إلیه أولى. وهذه الكلمةُ مما
حَوَّلْت العربُ الفعلَ عن موضعِه؛ وذلك أن الإنسانَ هو الذى يَعْمَى عن إبصارٍ
الحقِّ ، إذ يَعْمَى عن إبصارِهِ، والحقُّ لا يوصفُ بالعَمَى ، إلا على الاستعمالِ الذى قد
جَرَى به الكلامُ، وهو فى جوازِه لاستعمالِ العربِ إياه ، نظيرُ قولهم: دَخَل الخائمُ فى
يَدِى، والخُفُّ فى رِجْلى. ومعلومٌ أن الرَّجْلَ هى التى تدخلُ فى الخُفِّ، وَالأَصْبُعَ
فى الخاتم، ولكنهم استعملوا ذلك كذلك، لمَّا كان معلومًا المرادُ فيه(١).
(١) هى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو وابن عامر وعاصم فى قراءة أبى بكر. ينظر السبعة ص ٣٣٢، وحجة
القراءات ص ٣٣٨. والكشف ٥٢٧/١ والتيسير ص ١٠١.
(٢) هى قراءة حفص عن عاصم، وحمزة والكسائى، ينظر المصادر السابقة .
(٣) سقط من: ت ٢، وفى م: ((أنهما)).
(٤) هى قراءة عبد الله بن مسعود وأبىّ وعلى والسلمى والحسن والأعمش وهى قراءة شاذة. ينظر حجة
القراءات ص ٣٣٨، ومختصر شواذ ابن خالويه ص ٦٤، والبحر المحيط ٢١٦/٥.
(٥) هذه القراءة، وقراءة (فَعَمِيَتْ ) كلتاهما صواب .
(٦) ينظر معانى القرآن ١٢/٢.

٣٨٣
سورة هود : الآية ٢٨
وقولُه: ﴿أَنْزِئُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَرِهُونَ﴾. يقولُ: أَنأْخُذُكم بالدخولِ فى
الإسلام، وقد عمَّاه اللَّهُ عليكم؟ ﴿وأنتم(١) لَهَا كَِهُونَ﴾. يقولُ: وأنتم
الإلزامِناكُموها ﴿ كَرِهُونَ﴾. يقولُ: لا نفعلُ ذلك، ولكن نَكِلُ أمرَكم إلى اللَّهِ،
حتى يكونَ هو الذى يَقْضِى فى أمرٍكم ما يرى ويشاءُ.
وبنحوِ الذى قلنا فى تأويل ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
/ حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج: قال ٢٩/١٢
نوعٌ: يَا قَوْمِ ﴿ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَِّ ﴾. قال: قد عَرّفتُها، وعَرَفتُ بها أمرَه ،
وأنه لا إلهَ إلا هو، ﴿ وَءَالَذِ رَحْمَةٌ مِّنْ عِنْدِهِ،﴾: الإسلامَ والهُدى والإِيمانَ والحُكْمَ(٢
.(٣)
والنبوةً(٢) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَرَءَ يْتُ إِن كُنتُ
عَلَى يَتِنَتِ مِّن رَِّ ﴾ الآية، أمَا واللَّهِ لو استطاعَ نبىُ اللّهِ يَِّ لألزمَها قومَه، ولكن لم
يستطع(٤) ذلك، ولم يَغْلِكْه(٥).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا أبى ، قال: ثنا سفيانُ، عن داودَ ، عن أبى العاليةِ ،
(١) ليست فى النسخ ، ولابد منها لاستقامة المعنى.
(٢) فى ت ١، س: ((الحكمة)).
(٣) أخرج شطره الأول ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٢٣/٦ من طريق آخر عن ابن جريج، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٣٢٦/٣ إلى أبى الشيخ .
(٤) فى ص، ت ١، ت٢ س، ف: ((يملك)) والمثبت موافق لما فى الدر المنثور.
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٢٣/٦ من طريق سعيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٦/٣
إلى أبى الشيخ.

٣٨٤
سورة هود : الآيتان ٢٨، ٢٩
قال: فى قراءةٍ أبىٍّ: (أَنْزِمُكُمُوهَا مِنْ شَطْرِ أَنْفُسِنا وَأَنْتم لها كارِهُونَ)(١).
حدَّثنى المُنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الزُّبيرِ، عن ابنٍ عيينةَ،
قال : أخبرَنا عمرُو بنُ دينارٍ، قال: قرَأ ابنُ عباسٍ: (أَتْزِ مُكُمُوهَا مِنْ شَطْرٍ أَنْفُسِنا).
قال عبدُ اللَّهِ: (مِنْ شَطْرِ أَنْفُسِنَا): مِن تلقاءِ أنفسِنا(٢) .
حدَّثنی الحارثُ ، قال : ثنا عبدُ العزيزِ ، قال : ثنا ابنُ عیینةً ، عن عمرو بنِ دینارٍ ،
عن ابنِ عباسٍ مثلَه(٢) .
حدَّثنى الحارثُ ، قال : ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ ، عن داودَ بنِ أبى هندٍ،
عن أبى العاليةِ، عن أبيّ بنِ كعبٍ: (أَنْزِ مُكُمُوها مِن شَطْرٍ قُلُوبِنا وأَنتم لها
کارِمُونَ)(٢).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَيَقَوْمِ لَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالَا إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا
عَلَى اللَّهِ وَمَآ أَتَأْ بِطَارِدِ الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِنَّهُمْ تُلَقُواْ رَبِّهِمْ وَلَكِّي أَرَّكُمْ قَوْمًا
تَجْهَلُونَ
٢٩
وهذا أيضًا خبرٌ مِن اللَّهِ عن قِيلٍ نوحِ لقومِه، أنه قال لهم: ﴿وَيَقَوْمِ لَآّ
أَسْئَلُكُمْ﴾ على نصيحتى لكم، ودِعايتكم إلى توحيدِ اللَّهِ ، وإخلاص العبادةِ له
مَالًا﴾: أجرًا على ذلك، فتَتَّهِمونى فى نصيحتى ، وتظنون أن فِعْلى ذلك طلبُ
عَرَضٍ مِن أعراضِ الدنيا، ﴿إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾. يقولُ: ما ثوابُ نصيحتى
لكم ودِعانتِكم إلى ما أدعوكم إليه ، إلا على اللَّهِ، فإنه هو الذى يُجازينى ويُثِيثنى
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٦/٣ إلى المصنف، وقراءة أبىّ هذه شاذة لمخالفتها رسم المصحف.
(٢) أخرجه سعيد بن منصور (١٠٨٥ - تفسير)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٢٣/٦ من طريق سفيان به ،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٦/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ، كلهم دون قوله: ((قال عبد الله ... إلخ)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٦/٣ إلى ابن المنذر.

٣٨٥
سورة هود : الآية ٢٩
عليه، ﴿ وَمَآ أَنَأْ بِطَارِدِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾: وما أنا بُمُقْصٍ مَن آمَن باللّهِ، وأقرّ
بوحدانيته، وخَلَعَ الأوثانَ ، وتَبَوَّأَ منها، بأن لم يكونوا مِن عِلْيتكم وأشرافِكم؛
﴿ إِنَّهُم مُّلَقُواْ رَبِّهِمْ﴾. يقولُ: إن هؤلاء الذين تسألونى طَرْدَهم، صائِرون إلى
اللَّهِ ، واللَّهُ سائلُهم عما كانوا فى الدنيا يعملون، لا عن (شَرَفِهم وحَسَيِهم١).
وكان قيلُ نوح ذلك لقومِه ؛ لأن قومه قالوا له، كما :
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ قولَه :
وَمَآَ أَنَأْ بِطَارِدِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾. قال: قالوا له: / يا نوحُ، إن أحببتَ أن نَتَّبِعَك ٣٠/١٢
فاطُدْهم ، وإلا فلن نَرْضَى أن نكونَ نحن وهم فى الأمرِ سواءً، فقال: ﴿ وَمَآ أَنَا
يَطَارِدِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّهُمْ تُكَقُواْ رَبِهِمْ﴾، فيسألُهم عن أعمالِهم(١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريجٍ، وحدَّثنی
محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال : ثنا عيسى، عن ابن أبى نجيحٍ(٣)،
جميعًا عن مجاهدٍ قوله: ﴿إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾. قال: جزائى(١).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال : ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
(٤)
مجاهدٍ مثله(٤) .
قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ مثلَه(٤) .
(١ - ١) فى ت ١، ت ٢، ف: ((سوقهم وحسنهم).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٦/٣ إلى أبى الشيخ.
(٣) فى ف: ((جريج)).
(٤) تفسير مجاهد ص ٣٨٦، ومن طريقه أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦/ ٢٠٢٣ . .
( تفسير الطبرى ٢٥/١٢ )

٣٨٦
سورة هود : الآيات ٢٩ - ٣١
وقولُه: ﴿ وَلَكِنِّنْ أَرَنَّكُمْ قَوْمًا تَّجْهَلُونَ﴾. يقولُ: ولكنى، أيُّها القومُ،
أَراكم قومًا تَجْهَلون الواجبَ عليكم مِن حقٌّ اللَّهِ، واللازمَ لكم مِن فرائضِه، ولذلك
مِن جَهْلِكم سألتُمونى أن أطردَ الذين آمنوا باللّهِ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿وَيَقَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِن ◌َرَُهُمْ أَفَلَ
نَذَكَّرُونَ
٣٠
يقولُ: ﴿ وَيَقَوْمِ مَن يَنصُرُنِ﴾ فيمنَعُنى ﴿مِنَ اللَّهِ﴾، إن هو عاقَبَنى على
طَرْدى المؤمنين الموحّدين اللَّهَ، ﴿إِن طَرَتُهُمْ﴾؟ [٣٨/٢ظ]، ﴿أَفَلاَ نَذَكَّرُونَ﴾.
يقولُ : أفلا تَتَفَكّرون فيما تقولون، فَتَعْلَمون خطأه، فتَنْتَهوا عنه ؟
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآِنُ اُللَّهِ وَلَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ
وَلَآَ أَقُولُ إِنِِّ مَلَكٌ وَلَآَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِىّ أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا
٣١
فِىّ أَنْفُسِهِمَّ إِنَّى إِذَا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ
وقولُه: ﴿ وَلَآَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآيِنُ اللَّهِ﴾ عطفٌ على قولِه: ﴿وَيَقَوْمِ لَآَ
أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا﴾(١). ومعنى الكلام: ويا قوم لا أسألكم عليه أجرًا، ﴿وَلَّ
أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآبِنُ اللَّهِ ﴾ التى لا يُفْنِيها شىءٌ، فَأَدْعُوَكم إلى اتّباعى عليها،
﴿ وَلَآَ أَعْلَمُ﴾ أيضًا ﴿الْغَيْبَ﴾ يعنى: ما خَفِىَ مِن سرائرِ العبادِ ؛ فإن ذلك لا يعلمُه
إلا اللَّهُ، فأدَّعِىَ الربوبيةَ، وأدعوَكم إلى عبادتى. ﴿ وَلَاَ أَقُولُ﴾ أيضًا: ﴿إِنِ
مَلَكٌ ﴾ مِن الملائكةِ أُرسلتُ إليكم، فأكونَ كاذبًا فى دَعْواىَ ذلك، بل أنا بشرٌ
مثلُكم كما تقولون ، أُمرتُ بدُعائِكم إلى اللَّهِ، وقد أَبْلَغْتُكم ما أُرسِلتُ به إليكم،
﴿ وَلَّ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِىِّ أَعْيُنُّكُمْ لَن يُؤْثِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾. يقولُ: ولا أقولُ للذين
(١) فى النسخ: ((أجرًا)). والمثبت هو نص التلاوة. ويوضحه ما بعده.

٣٨٧
سورة هود : الآيتان ٣٢،٣١
اتَّبعونى وآمنوا باللّهِ ووَحَّدوه، الذين تستحقرُهم أعينُكم، وقلتُم: إنها أَرَاذِلُكم :
﴿لَنْ يُؤْثِيَهُمُ(١) اللَّهُ خَيْرًا﴾، وذلك الإيمانُ باللّهِ، ﴿اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِىَّ أَنْفُسِهِمْ ﴾
يقولُ : اللَّهُ أعلمُ بضمائرٍ صدورِهم، واعتقادٍ قلوبهم، وهو ولىُّ أمرِهم فى ذلك،
وإنما لى منهم ما ظهَر وبدا، وقد أظهروا الإِيمانَ باللَّهِ واتَّبَعونى، فلا / أطرنُهم، ولا ٣١/١٢
أَستَحِلُّ ذلك، ﴿إِنِىَ إِذَا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ ﴾. يقولُ: إنى إن قلتُ لهؤلاءِ الذين
أَظْهَروا الإيمانَ باللّهِ وتَصْدِيقى: ﴿لَن يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرً﴾، وقضيتُ على سرائرِهم،
بخلافٍ ما أَبْدَتْهُ(٢) أَلْسِنَتُهم لى، على غيرِ علمٍ منى بما فى نفوسِهم، وطردتُهم(٢)
بفعلى ذلك، لَمِنَ الفاعلين ما ليس لهم فعلُه ، المعتدين ما أُمَرّهم اللّهُ به ، وذلك هو
الظلمُ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج قولَه :
وَلَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآيِنُ اللَّهِ ﴾ التى لا يُفْنِيها شىءٌ، فأكونَ إنما أدعوكم
التَِّعونى عليها، لأَعْطِيَكم منها، ﴿ وَلَّ أَقُولُ إِنَّ مَلَكٌ﴾ نزلتُ مِن السماءِ
برسالةٍ ، ما أنا إلا بشرٌ مثلُكم، ﴿ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ﴾: ولا أقولُ اتَّبِعونى على علم
(٤)
الغيبِ(٤).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُواْ يَنُوحُ قَدْ جَدَلْتَنَا فَأَكْثَرَتَ جِدَلَنَا فَأَنْنَا
(١) فى م: ((يؤتيكم)).
(٢) فى ص: ((أبدأته))، وفى ت ٢: ((أبداه))، وفى س: ((أبدا به)).
(٣) فى ت ٢، ف: ((طردهم)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٦/٣ إلى أبى الشيخ .

٣٨٨
سورة هود : الآيات ٣٢ - ٣٤
(٣٢
بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِّقِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه : قال قومُ نوحِ لنوحٍ، عليه السلامُ: قد خاصَمْتَنا، فأكثرتَ
خُصُومِتَنَا، فَأَتِنا بما تَعِدُنا مِن العذابِ إن كنتَ مِن الصادقين فى عِداتِك ودَعْواك أنك
للَّهِ رسولٌ، يعنى: بذلك أنه لن يقدرَ على شىءٍ مِن ذلك.
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبى
نجيح٢، عن مجاهدٍ: ﴿جَدَلْتَنَا﴾. قال: مارَيْتَنَا (٢).
١٠
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحِ، عن
مجاهدٍ مثله(٢) .
وحدَّثنى المُثَنَّى ، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن
ورقاءَ، عن ابنِ أبى نجيحِ، عن مجاهدٍ مثلَه(٢) .
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريج، قال : قال
مجاهدٌ: ﴿قَالُواْ يَلْنُوحُ قَدْ جَدَلْتَنَا﴾. قال: مارَيْتَنَا ). ﴿فَأَكْثَرَتَ جِدَلَنَا
فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآَ﴾. قال ابنُ جريجٍ: تكذيبًا بالعذابِ ، وأنه باطلٌ(٣) .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنْتُم
بِمُعْجِينَ ﴿ وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِىّ إِنْ أَرَدِتُّ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ
هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
٣٤
٠
(١ - ١) فى ف: ((جريج).
(٢) تفسير مجاهد ص ٣٨٧، ومن طريقه أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦/ ٢٠٢٤، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٦/٣ إلى المصنف وأبى الشيخ.

٣٨٩
سورة هود : الآيات ٣٣ - ٣٥
٣٢/١٢
يقولُ تعالى ذكرُه: قال نوعٌ لقومِه حينَ اسْتَعْجَلوه العذابَ : يا قومٍ، ليس
الذى تستعجلون مِن العذابِ إلىّ، إنما ذلك إلى اللَّهِ لا إلى غيرِه، هو الذى يأتيكم به
إن شاء، ﴿ وَمَآ أَنْتُم بِمُعْجِينَ﴾. يقولُ: ولستُم / إذا أراد تعذیتکم - مُغچِزِیه؛
أی : بفائتیه هربًا منه ؛ لأنكم حیثُ کنتم فى مُلْكِه وسلطانِه وقدرته، حكمُه علیکم
جارٍ ، ﴿ وَلَا يَنَفَعُكُمْ نُصْحِىَ﴾. يقولُ: ولا ينفعُكُمْ تَحْذِيرى عقوبتَه، ونزولَ سَطْوِه
بكم على كفرِ كم به ، ﴿ إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَصَحَ لَكُمْ ﴾ فی تحذیری إیا کم ذلك ؛ لأن
نُصْحِى لا ينفعُكم؛ لأنكم لا تَقْبَلونه، ﴿إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾. يقولُ:
إن كان اللَّهُ يُريدُ أن يُهْلِكَكم بعذابِهِ، ﴿هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. يقولُ : وإليه
تُرَدُّون بعدَ الهلاكِ .
حُكِى عن طَيِّئَّ أنها تقولُ: أصبح فلانٌ غاويًا. أى: مريضًا. وحُكِى
عن غيرِهم سماعًا منهم: أغويتُ فلانًا. بمعنى: أهلكتَه. وغَوِىَ الفصيلُ. إذا
فَقَدَ اللبنَ فماتَ. وذُكِر أن قولَ اللَّهِ: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [ مريم: ٥٩] أى:
ملاكًا .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَةٌ قُلْ إِنِ اُفْتَرَيَّتُهُ فَعَلَىَّ
٣٥
إِجْرَامِى وَأَنَاْ بَرِىٌّ مِّمَا تُحُرِمُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه، أيقولُ - يا محمدُ - هؤلاء المشركون مِن قومِك :
افتَرى محمدٌ هذا القرآنَ، وهذا الخبرَ عن نوح؟ قلْ لهم: إن افتريتُه فتخرَّصتُه
واختلقتُه ﴿فَعَلَّ إِجْرَامِ﴾. يقولُ: فعلىَّ إثمى فى اقْترائى ما افتريتُ على ربِّى
دونَكم، لا تؤاخَذُون بذَنْبى ولا إِثْمى، ولا أُؤَاخِذُ بذنبِكم، ﴿ وَأَنَا بَرِىٌّ مِّمَا
◌ُحُرِمُونَ﴾. يقولُ: وأنا برىءٌ مما تُذْنِبون وتَأْثَمُون بربِّكم مِن اقْترائِكم
عليه .

٣٩٠
سورة هود : الآيتان ٣٥، ٣٦
يقالُ منه: أجْرَمتُ إجرامًا وجَرَمْتُ أُجْرِمُ جَرْمًا. كما قال الشاعرُ(١):
بما جَرَمَتْ يَدِى وَجَنَى لِسانی
طريدُ عشيرةٍ ورهيُ ذنبٍ
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَأُوحِىَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّ مَن
قَدْ ءَامَنَ فَلَ نَبْتَيِسَ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ
٣٦
يقولُ تعالى ذكره: وأوحَى اللَّهُ إلى نوح، لَّ حقَّ على قومِه القولُ، وأظلَّهم(٢)
أمرُ اللَّهِ: ﴿ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ ﴾ يا نوح، باللَّهِ، فيوحِّدَه ويَتَّبِعَك على ما تَدْعوه إِليه
﴿ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ ﴾ فصَدَّق بذلك وَاتَّبَعك، ﴿فَلَا نَبْتَبِسُ ﴾. يقولُ: فلا
تُسْتَكِنْ ولا تحزنْ ﴿بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾، فإنى مُهلِكُهم، ومُنْقِذُك منهم ومَن
اتَبَعَك. وَأَوْحَى اللَّهُ ذلك إليه بعدَما دعا عليهم نوخٌ بالهلاكِ، فقال: ﴿ رَّبِّ لَا نَذَرْ
عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِينَ دَيَّارًا﴾ [ نوح: ٢٦].
وهو تَفْتَعِلُ مِن البؤسِ ، يقالُ : ابتأْسَ فلانٌ بالأمرِ يَبْتَئِسُ ابْتئاسًا. كما قال لَبِيدُ
.(٣)
ابنُ ربيعةً (٢) :
/ فى مَأْمِ كنعاجٍ صارَةَ(٤) يَبْتَئِسِنَّ بما لَقِينا
٣٣/١٢
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
(١) هو الهَيْرُدان بن خطار السعدى، والبيت فى مجاز القرآن ١/ ٢٨٨، واللسان (ج ر م).
(٢) فى ص : ((أطلهم)) .
(٣) شرح ديوان لبيد ص ٣٢٦.
(٤) صارة: جبل فى ديار بنى أسد. معجم البلدان ٣٦١/٣.

٣٩١
سورة هود : الاية ٣٦
نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَ نَبْتَبِسْ﴾. قال: لا تحزنْ (١).
حدَّثنى المُثَنَّى ، قال: ثنا أبو حذيفةً ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحِ ، عن
مجاهدٍ ، وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن
ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ مثلَهُ(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال : ثنى أبى، عن
أبيه ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَلَ نَبْتَكِسْ بِمَا كَانُوْ يَفْعَلُونَ ﴾. يقولُ: فلا تحزنْ(٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً :
فَلَ نَبْتَيِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾. قال: لا تَأْسَ ولا تحزنْ(٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿ وَأُوْجِىَ إِلَى
نُوجِ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ ﴾، وذلك حينَ دعا عليهم قالَ: ﴿ رَّبِّ
لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا﴾ [ نوح: ٢٦]، قوله: ﴿ فَلَا نَبْتَبِسُ﴾. يقولُ:
فلا تَأْسَ ولا تحزنْ(٤).
خُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال: سمعتُ أبا معاذٍ ، قال : ثنا عبيدُ بنُ
سليمانَ ، قال: سمعتُ الضّحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ
ءَامَنَ﴾، فحينئذٍ دعا على قومِه، لمَّا بَيْنَّ اللَّهُ له أنه لن يؤمنَ مِن قومِه إلا مَن قد آمن.
(١) تفسير مجاهد ص ٣٨٧، ومن طريقه الفريابى - كما فى تغليق التعليق ٢٢٥/٤ - وابن أبى حاتم فى
تفسيره ٢٠٢٥/٦.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٢٥/٦ عن محمد بن سعد به .
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٠٤/١ عن معمر به .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٢٤/٦ من طريق سعيد بن أبى عروبة به ، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٣٢٦/٣ إلى أبى الشيخ .

٣٩٢
سورة هود : الآية ٣٧
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَأَصْنَعِ اٌلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَطِبْنِى فِى
. $
(٣٧)
الَّذِينَ ظَلَمُوْاْ إِنَّهُم ◌ُغْرَقُونَ
يقولُ تعالى ذكره : وأُوحِى إليه أنه لن يؤمنَ مِن قومِك إلا مَن قد آمَن ، وأن
اصْنَع الفلكَ، وهو السفينةُ؛ كما حدَّثنى المُنُنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا
شبلٌ، عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ: الفلكُ، السفينةُ(١).
وقولُه: ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾. يقولُ: بعينِ اللَّهِ وَوَخْيِهِ، كما يأُمُك.
٣٤/١٢
/ کما حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی امی ، قال : ثنی عمی ، قال: ثنی
أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ وَأَصْنَعِ اٌلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ ، وذلك أنه
لم يَعْلَمْ كيف صَنْعَةُ الفُلكِ، فَأَوحَى اللَّهُ إليه أن يَصْنَعَها على مِثْلِ مُؤْجُؤْ الطائرِ(١).
حدّثنی محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنی عیسی ، عن ابنِ أبی
نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَوَحْيِنَا﴾. قال: كما نَأْمُوكِ(٣) .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةً، قال: ثنا شَبلٌ، عن ابنِ نجيحٍ، عن
مجاهدٍ ، وحدَّثنى المثنى قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ
أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾: كما نأْمُكَ(٣).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجاجٌ ، عن ابن جريج ، عن عطاءٍ
الخُراسانىّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَأَصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾. قال: بعينِ اللَّهِ .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٧/٣ إلى المصنف وأبى الشيخ.
(٢) الجوجؤ: الصدر، النهاية ٢٣٢/١، والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٢٥/٦ عن محمد بن سعد به .
(٣) تفسير مجاهد ص ٣٨٧، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦/ ٢٠٢٦، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٣٢٧/٣ إلى أبى الشيخ .

٣٩٣
سورة هود : الآيات ٣٧ - ٣٩
قال ابنُ جريجٍ: قال مجاهدٌ: ﴿ وَوَحْيِنَا﴾. قال: كما نأمُرُك(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثَورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً فی
قوله: ﴿ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾. قال: بعينِ اللَّهِ وَوَخيِه(٢).
وقولُه: ﴿ وَلَا تُخَطِبْنِ فِىِ الَّذِينَ ظَلَمُوْاْ إِنَّهُم مُغْرَقُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه:
ولا تسألنى فى العفو عن هؤلاء الذين ظَلَموا أنفسَهم مِن قومِك ، فأكسبوها - تَعدِّيًا
منهم عليها بكفرِهم باللّهِ - الهلاكَ بالغَرَقِ ؛ إنهم مُغْرَقون بالطوفانِ .
كما حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج: ﴿ وَلَا
تُخَطِبْنِ﴾. قال: يقولُ: ولا تُراجِعْنى. قال: تقدَّمَ ألّا يشفعَ لهم عندَه (١).
القولُ فى تأويلِ قولِهِ: ﴿ وَيَصْنَعُ الْقُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ، سَخِرُوا
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ .
٣٨
مِنْةً قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه : ويصنعُ نوعٌ السفينةَ، وكلما مَرَّ عليه جماعةٌ مِن كُبَراءٍ
قومِه ﴿ سَخِرُوا مِنْهُ﴾. يقولُ: [٣٩/٢ظ] هَزِئوا مِن نوح، ويقولون له: أتحوَّلْتَ
نجارًا بعدَ النبوّةِ، وتعملُ السفينةَ فى البرّ؟ فيقولُ لهم نوح: ﴿ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا﴾: إن
تَهْزَءوا مِنَّا اليومَ ، فإِنَّا نهزأُ منكم فى الآخرةِ، كما تَهْزَءون مِنَّا فى الدنيا، ﴿فَسَوْفَ
تَعْلَمُونَ﴾ إذا عاينتُم عذابَ اللَّهِ مَن الذى كان إلى نفسِه مُسِيئًا مِنَّا .
/ وكانت صنعةُ نوح السفينةَ كما حدَّثنى المُنَّى، وصالحُ بنُ مِشْمارٍ، قالا): ٥/١٢
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦/ ٢٠٢٦، والبيهقى فى الأسماء والصفات (٦٨٢) من طريق حجاج
ابن محمد به، دون ذكر كلام مجاهد، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٧/٣ إلى أبى الشيخ.
(٢) تفسير عبد الرزاق ٣٠٤/١ عن معمر به .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٧/٣ إلى المصنف وأبى الشيخ.
(٤) فى م: ((قال)).

٣٩٤
سورة هود : الآيتان ٣٩،٣٨
ثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: أخبرنا موسى بنُ يعقوبَ، قال: ثنى فائدٌ (١) مولى عبيدِ اللَّهِ بن
عليّ بنِ أَبى رافعٍ، أَن إبراهيمَ بنَ عبدِ الرحمنِ بنِ أبى ربيعةَ ، أُخبرَه أن عائشةَ زوجَ
النبيِّ عَلَّهِ أَخبرَتْه، أن رسولَ اللَّهِ وَهٍ قال: ((لو رَحِمَ اللَّهُ أحدًا مِن قومٍ نوحٍ لرَحِمَ أَمَّ
الصَّبِىِّ)). قال رسولُ اللَّهِ مَّ ◌َهِ: ((كان نوعٌ مَكَثَ فى قومِه ألفَ سنةٍ إلا خمسين
عامًا يَدْعوهم إلى اللَّهِ، حتى كان آخِرُ زمانِهِ غَرَسَ شجرةٌ، فَعَظُمَت وذَهَبَت كلَّ
مذهبٍ، ثم قَطَعَها، ثم جَعَلَ يعملُ سفينةٌ، ويَمُون فيَسْألُونه، فيقولُ : أَعملُها
سفينةً. فيَسْخَّرون منه ويقولون : تعملُ(٢) سفينةٌ فى البرِّ، فكيف تَجْرِى؟ فيقولُ :
سوف تَعْلَمون . فَلَمَا فَرَغَ منها، وفارَ الثَُّورُ، وكَثُرَ الماءُ فى السِّكَكِ، خَشِيَتْ أمّ
الصَّبِىُِّ) عليه، وكانت تُحِيُّه حبًّا شديدًا، فخَرَجَت إلى الجبل، حتى بَلَغَتِ ذُلُثَه،
فلما بَلَغَها الماءُ خَرَجَت حتى بَلَغَت ◌ُلُثَى الجبل، فلما بَلَغَها الماءُ خَرَجَت حتى اسْتَوَت
على الجبلِ، فلما بَلَغَ الماءُ رقِبتَها، رَفَعَتْه بِيَدَيها (١) حتى ذَهَبَ بها الماءُ. فلو رَحِمَ اللَّهُ
منهم أحدًا لَرَحِمَ أَمَّ الصبىِّ)» (٥) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً، قال: ذُكِر لنا أن طولَ
السفينةِ ثلاثمائةٍ ذراع، وعرضَها خمسون ذراعًا ، وطولَها فى السماءِ ثلاثون ذراعًا ،
وبابَها فى عرضِهاً".
(١) فى ت ١، ت ٢، س: ((قائد). ينظر تهذيب الكمال ٢٣/ ١٤٢.
(٢) فى ص، س: ((يعمل)).
(٣) فى م: (( صبى)).
(٤) فى م: (( بين يديها)).
(٥) أخرجه بإسناده ولفظه المصنف فى تاريخه ١/ ١٨٠، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٢٧/٦،
والحاكم ٣٤٢/٢ من طريق ابن أبى مريم به، وأخرجه الطبرانى فى الأوسط - كما فى المجمع ٢٠٠/٨ ،
والحاكم ٥٤٧/٢ من طريق موسى بن يعقوب الزمعى به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٧/٣ إلى أبى
الشيخ وابن مردويه .
(٦) أخرجه بإسناده ولفظه المصنف فى تاريخه ١ / ١٨١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٨/٣ إلى عبد بن
حميد وابن المنذر وأبى الشيخ .

٣٩٥
سورة هود : الآيتان ٣٨، ٣٩
حدَّثنى الحارثُ ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا مبارك، عن الحسن، قال: كان
طولُ سفينة نوحِ ألفَ ذراعٍ ومائتى ذراعٍ ، وعرضُها ستَّمائةِ ذراع (١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاج ١ ، عن مُفَضَّلِ بنِ فَضالةَ ،
عن علىِّ بنِ زيدِ بنِ بجدْعانَ، عن يوسفَ بنِ مِهْرانَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال
الحواريُّون لعيسى ابنٍ مريمَ: لو بعثتَ لنا رجلًا شَهِدَ السفينةَ، فحدَّثَنا عنها . قال:
فانطَلَق بهم حتى انتهى بهم إلى كَثيبٍ مِن ترابٍ ، فأخَذَ كفَّا مِن ذلك الترابِ بكَفِّه،
قال : أتدرون ما هذا؟ قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. قال : هذا كعبُ(٢) حامٍ بن نوحٍ .
قال: فضَرَبَ الكثيبَ بعصاه ، قال: قمْ بإذنِ اللَّهِ . فإذا هو قائمٌ يَنْفُضُ الترابَ عن
رأسِه قد شابَ ، قال له عيسى : هكذا هلكتَ ؟ قال: لا ، ولكن مِتُّ وأنا شابٌّ،
ولكنِّى ظننتُ أنها الساعةُ ، فمِن ثَمَّ شِبْتُ . قال: حَدِّثْنا عن سفينة نوح. قال : كان
طولُها ألفَ ذراعٍ ومائتى ذراعٍ، وعرضُها ستَّمائةٍ ذراعٍ، و(٤) كانت ثلاثَ طبقاتٍ ؛
فطبقةٌ فيها الدوابُّ والوحشُ، وطبقةٌ فيها الإنسُ، وطبقةٌ فيها الطيرُ، فلما كَثُرَ
أرواتُ الدوابِّ، أوحَى اللَّهُ إلى نوح: أن اغمِزْ ذَنَبَ الفيلِ. فَغَمَزَ ، فَوَقَعَ منه خِنْزِيرٌ
وخنزيرةٌ، فَأَقَبَلا على الرَّوْثِ، فلما وَقَعَ الفأرُ بِجَرَزِ(٤) السفينةِ يَفْرِضُه، أُوحَى اللَّهُ إِلى
(١) أخرجه بإسناده ولفظه المصنف فى تاريخه ١ / ١٨١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٢٥/٦ من
طريق محمد بن سيف أبى رجاء عن الحسن به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٨/٣ إلى أبى الشيخ.
(٢) بعده فى ت ٢: ((عن ابن جريج)).
(٣) فى تاريخ الطبرى: ((قبرة .
(٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، فى .
(٥) فى م: ((فغمزه).
(٦) فى م: ((بحبل))، وفى ص، ف: ((بحرر) غير منقوطة. وفى ت ١: (( بجرير))، والجرز: صدر الإنسان
أو وسطه. التاج (ج رز). والمراد صدر السفينة أو وسطها .

٣٩٦
سورة هود : الآيتان ٣٨، ٣٩
نوحٍ : أن اضربْ بين عَيْنَي الأَسدِ . فخَرَج مِن مَنْخَرِهِ سِنَّورٌ وسِنَّورةٌ ، فأقبَلا على
الفأرِ. فقال له عيسى: كيف عَلِمَ نوحٌ أن البلادَ قد غَرِقَت؟ قال: بَعَثَ الغرابَ يأتيه
بالخبرِ، فوجَدَ جيفةً، فوَقَعَ عليها، فدَعا عليه بالخوفِ ؛ فلذلك لا يَأْلَفُ البيوتَ .
قال: ثم بَعَثَ الحمامةَ، فجاءت بوَرَقِ زيتونٍ بمِنْقارِها، وطينٍ برِجْلَيها (١) ، فعَلِمَ أن
البلادَ قد غَرِقَت . قال: فطَوَّقَها / الخُضرَ التى فى عُنُقِها، ودعا لها أن تكونَ فى
أَنسٍ وأمانٍ ، فمِن ثَمَّ تألفُ البيوتَ. قال: فقلنا: يا رسولَ اللَّهِ ، ألا ننطلقُ به إلى
أهلينا ، فيجلسُ معنا ، ويحدِّثُنا؟ قال: كيف يَتْبَعُكُم مَن لا رزقَ له؟ قال : فقال له :
عُدْ بإذنِ اللَّهِ. قال: فعادَ ترابً(٣) .
٣٦/١٢
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، عن محمد بن إسحاقَ ، عمن لا يتَّھِمُ ، عن
◌ُبيدِ بنِ عميرٍ الليثىّ ، أنه كان يحدِّثُ ، أنه بَلَغَه أنهم كانوا يَتْطِشون به - يعنى قومَ
نوح(١) - فيَخْنُقونه حتى يُغْشَى عليه، فإذا أفاقَ قال : اللهمَّ اغفر لقومى فإنهم لا
يَعْلمون. حتى إذا تمادَوا فى المعصيةِ، وعَظُمت فى الأرضِ منهم الخطيئةُ ، وتطاولَ
عليه وعليهم الشأنُ ، واشتدَّ عليه منهم البلاءُ، وانتظر النَّْلَ بعدَ النَّجْلِ، فلا يأتى
قرنٌ إلا كان أخبثَ مِن القرنِ الذى قبلَه ، حتى إن كان الآخِرُ منهم لَيقولُ : قد كان
هذا مع آبائنا ومع أجدادِنا هکذا مجنونًا . لا يقبلون منه شيئًا ، حتی شکا ذلك مِن
أمرِهم نوعٌ إلى اللَّهِ تعالى، كما قصَّ اللَّهُ علينا فى كتابه: ﴿ رَبِّ إِّ دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلًا
وَنَهَرًّا ﴿ فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَِّىّ إِلَّا فِرَارًا﴾ [نوح: ٥، ٦] إلى آخرِ القصة، حتى قال : ﴿رَّدِّ
لَ نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِينَ دَيَّارًا (٣) إِنَّكَ إِن تَذَرّهُمْ يُضِلُواْ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُواْ إِلَّ
(١) فى ص، ف: ((برجلها)).
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ١٨١، ١٨٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٨/٣ إلى المصنف.
(٣) بعده فى التاريخ: ((بنوح)).

٣٩٧
سورة هود : الآيتان ٣٨، ٣٩
فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [ نوح: ٢٦ - ٢٧]. إلى آخرِ القصة، فلما شكا ذلك منهم نوخ إلى
اللَّهِ ، واسْتَنْصَره عليهم، أوحَى اللَّهُ إليه أن: ﴿اصْنَعِ اٌلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا
◌ُخَطِبْنِ فِ اٌلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾. أى: بعدَ اليومِ؛ ﴿ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ ﴾. فأقبل نوخٌ على
عملِ الفلكِ، ولَهِىَ (١) عن قومِه، وَجَعَل يقطَعُ الخشبَ، ويضرِبُ الحديدَ، ويُهَمِّئُ
عُدَّةَ الفلكِ مِن القارِ وغيرِه مما لا يُصلِحُه إلا هو ، وجعَل قومُه يمُون به ، وهو فى ذلك
مِن عملِهِ، فَيَسْخَرون منه، ويَسْتَهْزئون به، فيقولُ: ﴿إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ
[٤٠/٢ و] فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْنِهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَجِلُّ
٣١
مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ
.. قال: ويقولون له فيما بلغنى : يا نوح، قد صِرْتَ نَجَارًا
٣٩
عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمُ
بعدَ النبوةِ ؟! قال : وأعقمَ اللَّهُ أرحامَ النساءِ، فلا يولدُ لهم ولدٌ .
قال : ويزعمُ أهلُ التوراةِ أن اللَّهَ أمره أن يصنعَ الفلكَ مِن خشبِ السَّاجِ، وأن
يصنعَه أَزْوَرَ(١) ، وأن يَطْلِيَه بالقارِ مِن داخلِه وخارجِه، وأن يجعلَ طولَه ثمانين ذراعًا ،
وأن يجعلَه ثلاثةَ أطباقٍ؛ سُفْلًا، ووَسَطًا، وعُلْوًا، وأن يجعلَ فيه كِوَى ، ففعَل نوعٌ
كما أمره اللَّهُ، حتى إذا فرغ منه، وقد عَهِد اللَّهُ إليه: إذا جاء أمرنا وفار التَّنُّورُ،
فـ ﴿أَحِلْ فِيهَا مِن كُلٍ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَّ
وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾، وقد جعَل التَّنُّورَ آيَةً فيما بينَه وبينَه، فقال: ﴿فَإِذَا
جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُورُ فَأَسْلُكْ فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنِ ﴾ [المؤمنون: ٢٧].
واركبْ . فلما فارَ التُّورُ، حَمَل نوعٌ فى الفلكِ مَن أَمَره اللَّهُ - وكانوا قليلاً كما قال
اللَّهُ - وحَمَل(٣) فيها مِن كلِّ زوجين اثنين، مما فيه الروح والشجرُ، ذكرٍ(١) وأنثى،
(١) لَهِيتُ عن الشىء، بالكسر، ألهَى، بالفتح، لُهِيَّ: إذا سلوت عنه وتركتَ ذكره، وإذا غفلتَ عنه
واشتغلتَ . النهاية ٤/ ٢٨٢.
(٢) الأزور: المائل. يقال: عنق أزور، أى مائل. التاج (زور).
(٣) فى ت ٢، س: ((احمل)).

٣٩٨
سورة هود : الآيتان ٣٨، ٣٩
فحَمَل فيه بَنِيه الثلاثةَ - سامٌ وحاتمٌ ويافتُ - ونساءَهم (١) ، وستةَ أناسٍ ممن كان آمَن
به، فكانوا عشرةَ نفرٍ؛ نوحٌ وبَنوه وأزواجهم، ثم أدخَل ما أمَرهُ به مِن الدوابِ،
وتَخلَّفَ عنه ابنُه يام، وكان كافرًا(3).
٣٧/١٢
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ ، عن الحسنِ بنِ دينارٍ ، عن
علىّ بنِ زيد ، عن يوسفَ بنِ مِهْرانَ، عن ابنِ عباسٍ ، قال: سمعتُه يقولُ : كان
أوَّلُ مَا حَمَل نوٌ فى الفلكِ مِن الدوابِّ / الدُّرَّةَ، وآخرُ ما حَمَل الحمارَ، فلما
أُدْخَل(٧) الحمارَ وأدخَل صدرَه، تعلَّق(٨) إبليسُ بذنبِه، فلم تستقلَّ رجلاه، فجعل
نوخ يقولُ : ويحك ! ادخُلْ. فينهَضُ فلا يستطيعُ، حتى قال نوعٌ: ويحك! ادخُلْ
وإن كان الشيطانُ معك. قال: كلمةٌ زَلَّتْ عن لسانِهِ، فلما قالها نوعٌ حَلَّى الشيطانُ
سبيلَه، فدَخَل ودخَل الشيطانُ معه، فقال له نوعٌ: ما أدْخَلَك علىَّ(١) يا عدوَّ اللَّهِ؟
فقال: ألم تقُلْ: ادْخُلْ وإن كان الشيطانُ معك؟ قال: اخرُجْ عنى يا عدوَّ اللَّهِ .
فقال: ما لك بدٌّ مِن أَن تَحْمِلَنى. فكان - فيما يَزْعمون - فى ظهرِ الفلكِ، فلما
اطمأنَّ نوحٌ فى الفلكِ، وأُدخَل فيه مَن آمَن به، وكان ذلك فى الشهرِ مِن السنةِ
(١) فى م: ((ذكرً!)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((نساؤهم)).
(٣) بعده فى ت ٢: ((الله)).
(٤) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ١٨٢، ١٨٣.
(٥) فی ت ٢: (( یزید)).
(٦) الدُّرَّة: ضرب من الببغاوات. ينظر الحيوان للجاحظ ٥/ ١٥١، حاشية (٣).
(٧) فى م: ((دخل)).
(٨) سقط من: ت ٢، وفى م: ((مسك))، وبياض فى: ص، س، ف.
(٩) سقط من: ت ١، س، ف .
(١٠) سقط من النسخ وكذا من تاريخ المصنف اسمُ ذلك الشهر.

٣٩٩
سورة هود : الآيتان ٣٩،٣٨
التى دَخَل فيها نوعٌ بعدَ ستُّمائةٍ سنةٍ مِن عمرِه ، لسبعَ عشْرةً ليلةً مَضَت مِن الشهرِ.
فلما دَخَل وحَمَل معه مَن حَمَل، تَحَرَّكُ ينابيعُ الغَوْطِ (١) الأكبرِ، وفُتِحَ أبوابُ
السماءِ، كما قال اللَّهُ لنبيِّه محمدٍ عَ ◌ِّ: ﴿فَفَنَحْنَا أَنْوَبَ السَّمَاءِ بِمَةِ
تُنْهَمِرٍ ﴿ وَفَجَرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْنَقَى الْمَآءُ عَلَ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴾ [ القمر: ١٢،١١].
فَخَل نوحٌ ومَن معه الفلكَ، وغَطَّاه عليه وعلى مَن معه بطبقِه(٢)، فكان بينَ أَن أُرسلَ
اللَّهُ الماءَ، وبينَ أن احتمل الماءُ الفلكَ، أربعون يومًا وأربعون ليلةٌ، ثم احتمل الماءُ،
كما يزعُمُ أهلُ التوراةِ، وكَثُر الماءُ واشتدَّ وارتفعَ، يقولُ اللَّهُ جلّ ذكرُه لمحمدٍ ظاهرٍ:
وَحَمَلْنَهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَحِ وَدُسُرِ ﴾ [ القمر: ١٣]. والدُّسُرُ المساميرُ؛ مساميرُ الحديدِ،
فجعلت الفلكُ تَجْرى به وبَمَن معه فى موج (٢) كالجبالِ، ﴿ وَنَادَى نُوعُّ أَبْنَهُ﴾
الذى هَلَكَ فبمَن هلكَ، ﴿ وَكَانَ فِى مَعْزِاٍ﴾ حينَ رأى نوعٌ مِن صِدْقٍ موعدٍ
ربِّه ما رأى، فقال: ﴿يَبُنَىَّ أَرْكَبِ مَّعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَفِرِينَ﴾. وكان شقيًّا قد
أضمَّر كفرًا، ﴿ قَالَ سَشَاوِىّ إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ أَلْنَاءِ ﴾، وكان عَهِذَ
الجبالَ ، وهى حِرْزٌ مِن الأمطارِ إذا كانت ، فظنَّ أن ذلك كما كان يعهَدُ، قال نوعٌ :
﴿لَا عَاصِمَ اَلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَّ وَحَالَ بَيْنَهُمَا اُلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ
اٌلْمُفْرَفِينَ﴾، وكَثُرَ الماءُ حتى طَغَى وارتفعَ فوقَ الجبالِ، كما يزعمُ أهلُ التوراةِ ،
بخمسةَ عشرَ ذراعًا ، فبادَ ما على وجهِ الأرضِ مِن الخلقِ، مِن كلِّ شىءٍ فيه الروح أو
شجرٍ ، فلم يَتِقَ شىءٌ مِن الخلائقِ إلا نوعٌ ومَن معه فى الفلكِ، وإلا ◌ُوجُ بنُ عُنُقَ،
فيما يزعمُ أهلُ الكتابٍ ، فكان بينَ أن أرسلَ اللَّهُ الطوفانَ، وبينَ أن غاضَ الماءُ، ستةً
(١) الغوط: المطمئن الواسع من الأرض. التاج (غ وط).
(٢) فى م: ((بطبقة)). والطبق: غطاء كل شىء، ينظر اللسان (ط ب ق).
(٣) فى ص، ف: ((موضع))، ووضع فوقها ناسخ ص علامة: ((ط) .

٤٠٠
سورة هود : الآيتان ٣٨، ٣٩
أشهرٍ وعشرَ ليالٍ(١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، عن ابن إسحاق ، عن الحسنِ بنِ دینارٍ ، عن
علىّ بنِ زيدِ بنِ جُدْعانَ، قال ابنُ حميدٍ : قال سلمةُ : وحدَّثنى حسنُ بنُ علىِّ بنِ
زيدٍ ، عن يوسفَ بنِ مهرانَ ، قال: سمعتُه يقولُ : لما آذَى نوحًا فى الفلكِ عَذِرةُ
الناسِ، أَمِرِ أن يمسَحَ ذَنَبَ الفيلِ، فمسَحَه، فخَرَج منه خِنْزيران، وكَفَى عنه ذلك،
وإن الفأرَ توالَدَت فى الفلكِ، فلما آذَتْه ، أُمِر أن يأمرَ الأسدَ يَعْطِسُ، فَعَطَسَ، فَخَرَج
مِن مَنْخَرِيهِ هَِّان يأْكُلان عنه الفأرَ.
حدّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا سفيان ، عن على بن زيدٍ ،
عن يوسفَ بنِ مهرانَ، عن ابنِ عباسٍ ، قال: لمّا كان نوعٍ فى السفينةِ ، قَرَضَ الفأر
حبالَ السفينةِ ، فَشَكا نوعٌ، فأوحَى اللَّهُ إليه، فمسَح ذَنَبَ الأسدِ ، فخرَج سِنَّوْران ،
وكان فى السفينةِ عَذِرةٌ ، فشكا ذلك إلى ربِّه، فأوحى اللَّهُ إليه، فمسَح ذَنَبَ الفيلِ،
فخرج خِنْزیران .
٣٨/١٢
/ حدَّثنا إبراهيمُ بنُ يعقوبَ الجُوزَجانىُ، قال: ثنا الأسودُ بنُ عامٍ، قال:
أخبرَنا سفيانُ بنُ(٢) سعيدٍ، عن علىٍّ بنِ زيدٍ، عن يوسفَ بنِ مِهْرانَ، عن ابنٍ
عباسٍٍ بنحوِه .
حُدِّثْتُ عن المسيَّبِ، عن(٢) أبى رَوْقٍ، عن الضّحَاكِ، قال: قال (٤ سلمان
الفارسى" : عَمِل نوعٌ السفينةَ فى أربعمائةٍ سنةٍ ، وأنبت السَّاجَ أربعين سنةً ، حتى
(١) أخرجه المصنف فى تاريخه ١٨٤/١، ١٨٥، وذكر أوله ابن كثير فى البداية والنهاية ١/ ٢٦٠.
(٢) فى ت ١: (( عن)) .
(٣) فى النسخ: ((بن)) والصواب ما أثبتناه، وهو إسناد دوار.
(٤ - ٤) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((سليمان الفراسى)). وفى م: ((سليمان القراسى)). والمثبت كما
فى تاريخ المصنف .