Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
سورة التوبة : الآية ١١٨
عَرَفْتُ أنى لن أنجوَ منه بشىءٍ أبدًا، فأُجمَعتُ صدقَه، وصَّعَ (١) رسولُ اللَّهِ عَه
قادمًا ، و کان إذا قدم من سفرٍ بدأ بالمسجدِ فر گع فيه ر کعتين ، ثم جلس للناسِ ، فلما
فَعَل ذلك جاءه المُخَلَّقُون ، فطَفِقُوا يَعْتَذِرون إليه ويَحْلِفون له، وكانوا بضعةً
وثمانين رجلاً، فَقَبِلَ منهم رسولُ اللَّهِ مَ لِ علانيتهم، وبايَعَهم واسْتغفَر لهم، ووَكَلَ
سرائرهم إلى اللَّهِ، حتى جئتُ، فلما سَلَّمْتُ تَبْسَّمَ تَبْشِمَ الْمُغْضَبِ، ثم قال :
((تعالَ)). فجئتُ أمشِى حتى جلَستُ بِينَ يَدَيه، فقال لى: (( ما خَلَّفَكَ؟ ألم تكُنْ قد
ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟)). قال: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إِنِّى واللَّهِ لو (١) جلَستُ عندَ غيرِك مِن
أهلِ الدنيا، لرأيتُ أنى سأخرُجُ مِن سَخَطِه بِعُذْرٍ، لقد أُعطيتُ جَدَلًا ، ولكنى واللَّهِ
لقد علِمتُ لئن حَدَّثْتُك اليومَ حديثَ كَذِبٍ تَرْضَى به عنى، لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أن
/ يُسْخِطَك عَلىَّ، ولئن حَدَّثْتُك حديثَ صِدقٍ تَجِدُ علىَّ فيه، إنِّى لأرجو فيه عَفْوَ ٦٠/١١
اللَّهِ ، واللَّهِ ما كان لى عُذْرٌ، واللَّهِ ما كنتُ قَطُّ أقوى ولا أيسرَ منى حينَ تَخَلَّفْتُ
عنك. فقال رسولُ اللَّهِ وَهِ: ((أمَّا هذا فقد صَدَقَ، قُمْ حتى يَقْضِىَ اللَّهُ فيك)).
فقُمْتُ، وثارَ رجالٌ مِن بنى سَلِمَةَ ، فَاتَّبَعونى وقالوا: واللَّهِ مَا عَلِمْناك أذْنَبْتَ ذَنْبًا قبلَ
هذا، لقد عَجَزْتَ فى (٢) أن لا تكونَ اعْتَذَرتَ إلى رسولِ اللَّهِ صَ لِّ بما اعْتَذَرَ به
المُخَلَّفون(٤)! فقد كان كافِيَك ذنبَك استغفارُ رسولِ اللَّهِ مَّمِ لك. قال: فواللهِ ما
زالوا يُؤَنِّيُوننى، حتى أردتُ أن أرجِعَ إلى رسولِ اللَّهِ ◌َ هِ فَأَكَذِّبَ نفسى. قال: ثم
قلتُ لهم: هل لَقِىَ هذا معى أحدٌ ؟ قالوا : نعم ، لَقِيَه معك رجلان قالا مثلَ ما قلتَ،
وقيل لهما مثلُ ما قيل لك . قال : قلتُ : مَن هما؟ قالوا: مُرارةُ بنُ ربيعِ العامرىُّ
(١) فى م: (( أصبح )) .
(٢) فى ص، ت١، ت٢، س، ف: ((لقد)).
(٣) سقط من : م .
(٤) فى م، ف: ((المتخلفون)).

٦٢
سورة التوبة : الآية ١١٨
وهلالُ بنُ أميةَ الواقفىُ. قال: فذَكَروا لى رجلَين صالحَين قد شَهِدا بدرًا(١) فيهما
أَسْوةٌ. قال: فمَضَيتُ حينَ ذَكَروهما لى، ونَهَى رسولُ اللَّهِ صَلِّ المسلمين عن
كلامِنا ، أيُّها الثلاثةُ، مِن بينِ مَن تَخَلَّفَ عنه. قال: فاجْتَنَبَنا الناسُ وتَغَيَّروا لنا حتى
تَنَكَّرَتْ لى فى نفسىَ الأرضُ، فما هى بالأرضِ التى أُعرِفُ، فَلَبِثْنا على ذلك
خمسين ليلةً ، فأما صاحِباى، فاسْتَكَانا وقَعَدا فى بيوتِهما يَئِكِيان، وأما أنا ، فكنتُ
أَشَبَّ القومِ وأجلَدَهم، فكنتُ أُخرُجُ وأَشهَدُ الصلاةَ، وأطوفُ فى الأسواقِ ، ولا
يُكَلِّمُنى أحدٌ، وَآتِى رسولَ اللَّهِ لَيهِ، فأسلِّمُ عليه وهو فى مجلسِه بعدَ الصلاةِ،
فأقولُ فى نفسى: هل حَرَّكَ شفتيه بردِّ السلام أم لا؟ ثم أَصَلِّى معه ، وأَسارِقُه النظرَ،
فإِذا أقبَلتُ على صلاتى نَظَرَ إِلىَّ، وإذا التَفَتُّ نحوَه أعرَضَ عنى، حتى إذا طالَ ذلك
علىَّ مِن جفوةِ المسلمين، مشَيتُ حتى تَسَوَّرتُ جدارَ حائطِ أبى قتادةَ، وهو ابنُ
عمِّى وأحبُّ الناسِ إلىّ، فسَلَّمْتُ عليه، فواللَّهِ ما رَدَّ علىَّ السلامَ، فقلتُ : يا أبا
قتادةَ، أَتْشُدُك باللَّهِ، هل تعلَمُ أنى أحِبُّ اللَّهَ ورسولَه؟ فسكتَ . قال: فَعُدْتُ
فناشَدتُه، فسكَت، فعُدْتُ فناشَدتُّه، فقال: اللَّهُ ورسولُه أعلم . فَفَاضَتْ عَيْناى،
وتَوَلَّيتُ حتى تَسَوَّرتُ الجدارَ، فبينا أنا أمشِى فى سوقِ المدينةِ، إذا نبَطِىٌّ(١) مِن نَبَطِ
أهلِ الشامِ ممن قَدِمَ بالطعامِ يَبِيعُه بالمدينةِ ، يقولُ : مَن يدُلُّ على كعبٍ بنِ مالكِ ؟
قال : فَطَفِقَ الناسُ يُشِيرون له حتى جاءنى، فدفَع إلىَّ كتابًا مِن ملكِ غَسَّانَ، وكنتُ
كاتبًا ، فقرأَتُه ، فإذا فيه : أَمَّا بعدُ ، فإنه قد بلَغَنا أن صاحبَك قد جَفاكَ ، ولم يجعَلْك
اللَّهُ بدارِ هَوَانٍ ولا مَضْيَعةٍ، فالحقْ بِنا نُواسِكَ .
قال: فقلتُ حينَ "قرأتُها: وهذه٢) أيضًا مِن البلاءِ، ( فتأمَّمتُ به٤)
(١) بعده فى م: ((لى)).
(٢) فى م: ((بنبطى)).
(٣ - ٣) فى م: ((قرأته وهذا)). والتأنيث فيه إرادة لمعنى الصحيفة أو الرسالة .
(٤ - ٤) فى ت ١، ت٢، س، ف: ((فتأممت بها)). والتأمم: القصد. النهاية ٦٩/١.

٦٣
سورة التوبة : الآية ١١٨
الثَّنُّورَ فسَجَرتُه به٢، حتى إذا مَضَتْ أربعون مِن الخمسين، واسْتَلْبَث الوحىُ،
إذا رسولُ رسولِ اللَّهِ مَلِ يأتينى، فقال: إن رسولَ اللَّهِ عَلِ يَأْمُك أن تَعْتزِلَ
امرأتَك . قال: فقلتُ: أَطَلِّقُها أم ماذا أَفعَلُ؟ قال: لا ، بل اعْتَزِلْها فلا تَقْرَبَنَّها(١).
قال: وأرسَل إلى صاحِبَىَّ بذلك. قال: فقلتُ لامرأتى : الحَقِى بأهلِك فكونى(٣)
عندَهم، حتى يقضىَ اللَّهُ فى هذا الأمرِ. قال: فجاءت امرأةُ هلالٍ رسولَ اللَّهِ عَه
فقالت : يا رسولَ اللَّهِ ، إن هلالَ بنَ أميةَ شيخٌ ضائعٌ ليس له خادمٌ، فهل تَكْرَهُ أن
أخدُمَه؟ فقال: ((لا ، ولكنْ لا يَقْرَبَنَّكِ)». قالت: فقلتُ: إنه واللهِ ما به حر کةٌ إلى
شىءٍ ، وواللَّهِ ما زالَ يَتْكى منذُ كان مِن أمرِه ما كان إلى يومِه هذا . قال: فقال لى
بعضُ أهلى: لو اسْتَأَذَنتَ رسولَ اللَّهِ عَ لَّهِ فى امرأتِك؟ فقد أَذِنَ لامرأةٍ هلالٍ أن
تَخْدُمَه. قال: فقلتُ: / لا أستأذِنُ فيها رسولَ اللَّهِ عَه، وما يُدْرِينى ماذا يقولُ لى ٦١/١١
إذا اسْتَأْذَنتُه فيها ، وأنا رجلٌ شابٌّ .
فَلَبِثْتُ بعدَ ذلك عشرَ ليالٍ ، فَكَمَلَ لنا خمسون ليلةً مِن حينِ نهَى رسولُ اللَّهِ
عَظِلِّ عن كلامِنا، قال: ثم صلَّيتُ صلاةَ الفجرِ صباحَ خمسينَ ليلةً على ظهرِ بيتٍ
مِن ◌ُيُوتِنا، فبَيْنا أنا جالسٌ على الحالِ التى ذَكَرَ اللَّهُ مِنَّا(٤) ، قد ضاقت علىَّ نفسى،
وضاقَت علىَّ الأرضُ بما رَحُبَتْ، سَمِعتُ صوتَ صارخٍ (أَوْفَى على جبلِ سَلْعٍ"
يقولُ بأعلى صوته: يا كعبُ بنَ مالكِ، أبشِرْ. قال: فخَرَرْتُ ساجدًا، وعرَفْتُ أنْ
-
(١ - ١) فى ف: ((فسجرته به)). وسجر التنور. أوقده وأحماه. تاج العروس (س ج ر).
(٢) فى م: ((تقربها)).
(٣) فى م: (( تكونى)).
(٤) فى م: (( عنا)).
(٥ - ٥) أوفى على جبل سَلغ: أشرف واطٌّلَع. النهاية ٢١١/٥، وسَلع: جَبل بسوق المدينة. معجم البلدان
٠١١٧/٣

٦٤
سورة التوبة : الآية ١١٨
قد جاء فرج. قال: وآذَنَ رسولُ اللَّهِ بِلَّهِ بتوبةِ اللَّهِ علينا حينَ صَلَّى صلاةَ الفجرِ،
فذهَب الناسُ يُبَشِّرُونَنَا، فذهَب قِبَلَ صاحِبَىَّ مُبَشِّرُون، وركَض رجلٌ إِلىَّ فرسًا،
وسعَى ساعٍ مِن أسلمَ قِبَلى، وأَوْفَى الجبلَ ، وكان الصوتُ أسرعَ مِن الفرسِ، فلما
جاءنى الذى سَمِعتُ صوتَه يُبَشِّرُنى، نزَعْتُ له ثَوْتَىَّ، فَكَسَوتُهما إياه بِبَشارتِه ، واللَّهِ
ما أمْلِكُ غيرَهما يومَئذٍ ، واسْتَعَرْتُ ثوبَين فليِستُهما، وانطلَقتُ أتأمّمُ رسولَ اللَّهِ
مَّهِ، فَتَلقَّانى الناسُ فوجًا فوجًا يُهَتُِّونى بالتوبةِ، ويقولون: لِتَهْنِكَ (١) توبةُ اللَّهِ عليك
حتى دخَلتُ المسجدَ، فإذا رسولُ اللَّهِ مْ لِ جالسٌ فى المسجدِ حولَه الناسُ، فقامَ إلىَّ
طلحةُ بنُ عُبَيدِ اللَّهِ يُهَزْوِلُ حتى صافَحَنى وهَنَأَنَى، واللَّهِ ما قامَ رجلٌ مِن المهاجرين
غيرُه - قال : فكان كعبٌ لا يَنْساها لطلحةً - قال كعبٌ: فلما سَلَّمْتُ على رسولِ
اللَّهِ ◌ِّ ◌ِمِ قال وهو يَتْرُقُ وجهُه مِن السرورِ: (( أَبْشِرْ بخيرٍ يومٍ مَوْ عليك منذُ وَلَدَتْك
أمُّكَ)). فقلتُ: أمِن عندك يا رسولَ اللَّهِ، أم مِن عندِ اللَّهِ؟ قال: ((لا، بَلْ مِن عِنْدِ
اللَّهِ)). وكان رسولُ اللَّهِ مِّمِ إذا سُوَّ استنارَ وجهُه، حتى كأن وجهَه قطعةُ قمرٍ،
و ◌ُنَّا نعرِفُ ذلك منه .
قال: فلما جلَستُ بِينَ يَدَيه قلتُ: يا رسولَ اللهِ ، إن مِن تَوْبتى أن أُنْخلِعَ مِن
مالي صدقةً إلى اللَّهِ وإلى رسولِه. فقال رسولُ اللَّهِ مَله: ((أَمْسِكْ(٢) بعضَ مالِك،
فهو خيرٌ لك)) . قال : فقلتُ : فإنى أَمْسِكُ سَهْمىَ الذى بخيبرَ. وقلتُ: يا رسولَ
اللَّهِ ، إن اللَّهَ إِنما أنْجانى بالصدقِ، وإن مِن تَؤْبتى أن لا أَحدِّثَ إِلا صدقًا ما بَقِيتُ .
قال: فواللهِ ما علِمتُ أحدًا مِن المسلمين أَبْلَاه(٢) اللَّهُ فى صِدْقِ الحديثِ، منذُ ذكَرتُ
(١) فى ت١، ت٢، س، ف: ((ليرضك)).
(٢) بعده فى س: (( عليك)).
(٣) فى م: ((ابتلاه )).

٦٥
سورة التوبة : الآية ١١٨
ذلك لرسولِ اللَّهِ مَّلِ، أحسنَ مما ابْتَلَانى(١)، واللَّهِ ما تَعمَّدتُ كِذْبةٌ مُذْ قلتُ ذلك
لرسولِ اللَّهِ عَلَّه إلى يومى هذا، وإنى أَرْجو "أن يَحْفَظَنَى اللَّهُ فیما بَقِىَ. قال:
فأنزل اللَّهُ: ﴿لَّقَد تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيّ وَالْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ أَثَّبَعُوهُ﴾
حتى بَلَغَ: ﴿ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَّكُونُواْ مَعَ الصَّدِقِينَ﴾. قال كعبٌ: واللَّهِ ما أنعم اللَّهُ
علىَّ(٢) من نعمةٍ قَطَّ بعدَ أن هَدانى للإسلامِ أعظمَ فى نفسى مِن صِدْقى رسولَ اللَّهِ
عَ لَه [٩٨٤/١ و] أن لا أكونَ كَذَبْتُه فَأَهْلِكَ كما هلَك الذين كَذَبوا(٤)، فإِنَّ اللَّهَ
قال للذين كَذَبوا حينَ أَنزَل الوحىَ شَرَّ ما قال لأحدٍ: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا
أَنْقَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَنَّهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا
كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ إلى قولِه: ﴿لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٥، ٩٦].
قال كعبٌ: كُنَّا(٥) خُلِّفْنا، أيُّها الثلاثةُ، عن أمرِ أولئك الذين قَبِلَ رسولُ اللَّهِ
عَلَّه توبتهم حينَ حَلَفُوا له، فبايَعَهم واسْتغفَر لهم، وأَرْجَاً رسولُ اللَّهِ تَهم أمرنا حتى
قَضَى اللَّهُ فيه، فبذلك قال اللَّهُ: ﴿ وَعَلَ الثَّلاثَةِ / الَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾. وليس الذى ٦٢/١١
ذكر اللَّهُ مما خُلِّفْنا عن الغزوِ، إنما هو تَخْليفُهُ إِيَّانا وإزجاؤُه أَمْرَنا عمن حلَف له واعْتذَرَ
إليه ، فَقَبِلَ منه (٦) .
(١) فى صحيح مسلم: ((أبلانى)). والبلاء والإبلاء يكونان فى الخير والشر معًا. يقال: ابتليته بلاء حسنًا
وبلاء سيئًا . اللسان (ب ل ى) .
(٢ - ٢) سقط من: ص، ت١ ، ت٢، س ، ف .
(٣) سقط من: ص، ت١، ت٢، س، ف. وانظر صحيح مسلم.
(٤) فى م: (( كذبوه)) .
(٥) سقط من : م .
(٦) فى م: ((منهم)). والحديث أخرجه البخارى (٤٦٧٦، ٦٦٩٠)، ومسلم (٢٧٦٩) ، وأبو داود
(٢٢٠٢، ٢٧٧٣، ٣٣١٧، ٤٦٠٠)، والنسائى (٧٣٠، ٣٤٢٢، ٣٨٣٣) من طريق ابن وهب به مطولا
ومختصرًا، وأخرجه أحمد ٦٥/٢٥ (١٥٧٨٨)، والبخارى (٣٨٨٩) من طريق يونس به ، ولم يسق
البخارى لفظه، وعند أحمد مختصرًا، وينظر مسند الطيالسى (١٠٣٤) .
( تفسير الطبرى ٥/١٢ )

٦٦
سورة التوبة : الآية ١١٨
حدَّثْنَا الْمُثَنَّى ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى الليثُ، عن عَقِيلٍ، عن ابنٍ
شهابٍ ، قال: أخبرنى عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ كعبِ بنِ مالكٍ، أن عبدَ اللَّهِ بنَ
كعبِ بنِ مالكٍ - وكان قائدَ كعبٍ مِن بَنِيه حينَ عَمِىَ - قال: سَمِعتُ كعبَ بنَ
مالكِ يُحدِّثُ حديثَه حينَ تَخَلَّفَ عن رسولِ اللَّهِ صَ لِّ فى غزوة تبوكَ . فذكَر
نحوه(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن
الزهرىِّ، عن عبد الرحمنِ بنِ كعبٍ، عن أبيه، قال: لم أتخَلَّفْ عن النبيِّ عَ ◌ِّ فِى
غَزاةٍ غَزاها إلا بدرًا، ولم يُعاتِبِ النبيُّ ◌َهِ أحدًا تَخَلَّفَ(٢) عن بدرٍ، ثم ذَكَرَ
(٣)
نحوه(٣) . .
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ ، عن ابنٍ شهابٍ الزهرىِّ،
عن عبد الرحمنِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ كعبِ بنِ مالكِ الأنصارىِّ، ثم الشَّلَميِّ، عن أبيه،
أن أباه عبدَ اللَّهِ بنَ كعبٍ - وكان قائدَ أبيه كعبٍ حينَ أَصِيبَ بصره - قال: سَمِعتُ
أبى كعبَ بنَ مالكِ يُحَدِّثُ حديثَه حين تخلَّف عن رسولِ اللَّهِ يَِّهِ فى غزوة تبوكَ ،
وحديثَ صاحبيه، قال: ما تخلَّفتُ عن رسولِ اللهِ عَ لَّمِ فى غزوةٍ غَزاها، غيرَ أنى
كنتُ تَخَلَّفْتُ عنه فى غزوةٍ بدرٍ. ثم ذَكَر نحوَه (*).
(١) أخرجه البخارى فى الأدب المفرد (٩٤٤) من طريق أبى صالح به ببعضه، وأخرجه أحمد ٨١/٢٥
(١٥٧٩٠)، والبخارى (٢٧٥٧) مختصرًا، (٤٤١٨) مطولاً، ومسلم (٢٧٦٩)، والنسائى (٣٤٢٤،
٣٨٣٤) من طريق الليث به ببعضه، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٩٩/٦، ١٩٠٥ من طريق عقيل به
مطولاً ومختصرًا .
(٢) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((بخلفه))، وفى س: ((تخلفه)). وانظر مصدر التخريج .
(٣) أخرجه أحمد ٣٨٧/٦ - ٣٩٠ (اليمنية) من طريق معمر به مطولاً .
(٤) سيرة ابن هشام ٥٣١/٢، وأخرجه أبو داود (٣٣٢١) من طريق ابن إسحاق به مقتصرًا على بعضه .

٦٧
سورة التوبة : الآية ١١٩
القولُ فى تأويل قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَّكُونُواْ مَعَ
الصَّدِقِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين مُعَرِّفَهم سبيلَ النجاةِ مِن عقابِه، والخلاصِ مِن أليم
عذابِه: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ باللّهِ ورسولِه، ﴿أَتَّقُواْ اللَّهَ﴾، وراقِبوه بأداءِ
فرائضِه وتَجُنُّبِ حدودِه، ﴿ وَكُونُواْ﴾، فى الدنيا، مِن أَهْلِ وَلايةِ اللَّهِ وطاعتِه،
تكونوا فى الآخرةِ ﴿مَعَ الصَّدِّقِينَ﴾، فى الجنةِ. يعنى: مع مَن صدَق اللَّهَ الإيمانَ
به، فحَقَّقَ قولَه بفعلِه، ولم يكُنْ مِن أهلِ النفاقِ فيه، الذين يُكذِّبُ قيلَهم
فعلُهم .
وإنما معنى الكلام: وكونوا مع الصادقين فى الآخرةِ باتقاءِ اللَّهِ فى الدنيا، كما
قال جلّ ثناؤه: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ
ج
النَّبِيِّنَ وَالصِّدِّيقِيْنَ وَاُلُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَ ﴾ [النساء: ٦٩].
وإنما قلنا : ذلك معنى الكلام ؛ لأن كونَ المنافقِ مع المؤمنين غيرُ نافِعِه بأىِّ وجوهِ
الكونِ، كان معهم، إن لم يكُنْ عاملًا عملَهم، وإذا عَمِلَ عَمَلَهم فهو منهم، وإذا
كان منهم، كان وَجْهُ(١) الكلام أن يقالَ: ﴿أَتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّدِقِينَ﴾.
ولتوجيهِ الكلام إلى ما وَجَّهْنا مِن تأويله، فَسَّر ذلك مَن فَسَّره مِن أَهلِ التأويلِ بأن
قال: معناه: وكونوا مع أبى بكرٍ وعمرَ. أو: مع النبيِّ عَّ له والمها جرين، رَضِيَ اللَّهُ
عنهم .
/ذكرُ مَن قال ذلك أو غيرَه فى تأويله
٦٣/١١
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا يعقوبُ ، عن زيدِ بنِ أسلمَ ، عن نافع فى قولِ اللَّهِ :
(١) فى م: ((لا وجه فى)).
٤

٦٨
سورة التوبة : الآية ١١٩
﴿ أَتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّدِقِينَ﴾. قال: مع النبىِّ عَلَه، وأصحابِه(١).
حدّثنا ابنُ و کیع، قال: ثنا حُونَه أبو يزيد، عن يعقوبَ القُمِّى ، عن زيدِ بنِ
أسلمَ، عن نافع، قال: قيل للثلاثةِ الذين خُلِّفُوا: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَتَّقُواْ اللّهَ
وَكُونُواْ مَعَ الصََّدِقِينَ﴾ . محمدٍ وأصحابِهِ.
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ بنُّ إسماعيلَ، عن عبد الرحمنِ المحاربىِّ ، عن
مُجُوَيبٍ، عن الضَّحّاكِ فى قوله: ﴿ وَكُونُواْ مَعَ الصَّدِقِينَ﴾. قال : مع أبى بكرٍ وعمر
وأصحابِهما، رضِىَ اللَّهُ عنهم(٢).
قال : ثنا محمدُ بنُّ يحيى، قال: ثنا إسحاقُ بنُّ بِشْرِ الكاهلىُّ، قال: ثنا
خلفُ بنُ خليفةً، عن أبى هاشمِ الرُّمَّانِىِّ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ فى قولِ اللَّهِ :
﴿ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَّكُونُواْ مَعَ الصَّدِقِينَ﴾. قال: مع أبى بكرٍ وعمرَ، رَضِىَ اللَّهُ
عنهما (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ
قوله: ﴿ أَثَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّدِقِينَ﴾. قال: مع المهاجرين
(٤)
الصادقين(٤).
وكان ابنُّ مسعودٍ فيما ذُكِر عنه يَقْرَؤُه: (وكُونُوا مِنَ الصَّادِقِين).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٠٦/٦ من طريق يعقوب به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٩/٣
إلى ابن المنذر .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٠٦/٦، وابن عساكر فى تاريخه ٣١٠/٣٠ من طريق المحاربى به،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٩/٣ إلى أبى الشيخ.
(٣) ذكره البغوى فى تفسيره ١٠٩/٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٩/٣ إلى المصنف.
(٤) ذكره البغوى فى تفسيره ١٠٩/٤ .

٦٩
سورة التوبة : الآية ١١٩
ويتأوَّلُه [٩٨٤/١ ظ] أن ذلك نَهْىٌّ مِن اللَّهِ عن الكذبِ (١).
ذكرُ الرواية عنه بذلك
حدَّثْنى المُثَنَّى، قال : ثنا آدمُ العَسْقَلانيُ، قال: ثنا شعبةٌ، عن عمرو بنٍ مُؤَّةً ،
قال : سمِعتُ أبا عُبَيدةَ بنَ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ يقولُ : قال ابنُ مسعودٍ : إن الكذبَ لا
يَحِلُّ منه جِدٍّ ولا هَزْلٌ، اقْرَءوا إن شئتم: (يا أيُّها الذين آمنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا من(٢)
الصَّادِقِینَ). قال : و كذلك هی قراءةُ ابن مسعودٍ : (مِن الصادِقین). فهل تَرَون فی
الكذبِ رُخْصَةً(٣)؟
قال: ثنا سُوَيدُ بنُّ نصرٍ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ ، عن شعبةً، عن عمرٍو بنٍ
مُؤَّةَ، قال: سَمِعتُ أبا عبيدةَ، عن عبدِ اللَّهِ، نحوَه(٤).
قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ ، قال: ثنا شعبةُ ، عن عمرو بنٍ مُرَّةً ، قال : سَمِعتُ أبا
عُبَيدةَ يُحَدِّثُ عن عبدِ اللَّهِ، قال: الكَذِبُ لا يَصْلُحُ منه جِدٍّ ولا هَزْلٌ، اقْرَءوا إن
شئتم: ( يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وكونوا مِن) الصادقين). وهى كذلك فى
قراءةِ عبدِ اللَّهِ، فهل تَرَون مِن رُخْصَةٍ فى الكذبِ(٥)؟
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ ،
قال: لا يَصلُحُ الكذبُ فى هَزْلٍ ولا جِدٌّ. ثم تَلا عبدُ اللَّهِ: ﴿ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ﴾ .
(١) هى قراءة شاذة ، وينظر البحر المحيط ١١١/٥.
(٢) فى ص، ت١، ت٢، س: ((مع))، وهى كذلك فى تهذيب الآثار للمصنف.
(٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٠٤٨ - تفسير)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٦/ ١٩٠٦، وابن عدى
فى الكامل ٤١/١، والبيهقى فى الشعب (٤٧٨٩، ٤٧٩٠) من طريق شعبة به .
(٤) أخرجه ابن المبارك فى الزهد (١٤٠٠) عن شعبة به .
(٥) أخرجه المصنف فى تهذيب الآثار ( مسند على ) (٢٥٣) من طريق محمد بن جعفر به .

٧٠
سورة التوبة : الآيتان ١٢٠،١١٩
لا(١) أذْرِى أقال: (مِنَ الصَّادِقِينِ). أو: ﴿مَعَ الصَّدِقِينَ﴾. وهو فى كتابى:
﴿مَعَ الصَّدِّقِينَ﴾(٢).
" قال: ثنا أبى، عن الأعمش، عن مجاهدٍ، عن أبى مَعْمَرٍ، عن عبدِ اللهِ
- ٣)(٤)
مثلَه(٣)(٤).
قال : ثنا أبى، عن الأعمشِ، عن عمرو بنِ مُرَّةَ، عن أبى عُبَيدةً، عن عبدِ اللَّهِ
(٥)
مثلَه(٥) .
٦٤/١١
والصحيحُ مِن التأويل فى ذلك، هو التأويلُ الذى ذَكَوْناه عن نافع والضحاكِ ،
وذلك أن رسومَ المصاحفِ / كلِّها مُجْمِعَةٌ على: ﴿ وَكُونُواْ مَعَ الصَّدِقِينَ﴾ ، وهى
القراءةُ التى لا أُستجيزُ لأحدٍ القراءةَ بخلافِها .
وتأويلُ عبدِ اللَّهِ، رحمةُ اللَّهِ عليه، فى ذلك على قراءته، تأويلٌ ( صحيح،
غيرَ أنَّ القراءةَ بخلافِها .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَنْ
يَتَخَلَّفُواْ عَنْ زَّسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِةٍ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ
ظَمَاٌ وَلَا نَصَبٌّ وَلَا تَخْمَصَةٌ فِ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَعُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْحِكُفَّارَ
ج
وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍ ثَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ، عَمَلٌ صَلِحُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ
(١) فى م: (( ما)).
(٢) أخرجه المصنف فى تهذيب الآثار (مسند على ) (٢٥١) من طريق إبراهيم به بنحوه .
(٣ - ٣) سقط من : س ، ف .
(٤) أخرجه المصنف فى تهذيب الآثار (مسند على) (٢٥٠، ٢٥٥)، والبخارى فى الأدب المفرد (٣٨٧)
من طريق الأعمش به .
(٥) أخرجه المصنف فى تهذيب الآثار ( مسند على) (٢٥٥) من طريق الأعمش به .
(٦ - ٦) فى م: ((غير صحيح)).

٧١
سورة التوبة : الآية ١٢٠
أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه: لم يكنْ لأهلِ المدينةِ، مدينةِ رسولِ اللَّهِ مَّه ﴿وَمَنْ
حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ﴾ سُكَّانِ البَوادِى الذين تَخَلَّفوا عن رسولِ اللَّهِ وَّه فى غزوةٍ
تبوكَ ، وهم مِن أهلِ الإِيمانِ به، أن يَتَخَلَّفوا فى أهاليهم ولا ("دارٍ لهم()، (٢ ولا٢) أن
يَرْغَبوا بأنفسِهم عن نفسِه فى صُخْبتِه فى سفرِهِ والجهادِ معه، ومعاونتِه على ما يُعانِيه
فى غزوِه، ﴿ذَلِكَ﴾. يقولُ: إنما ٢) لم يكن لهم هذا ﴿ بِأَنَّهُمْ ﴾؛ مِن أَجلِ
أنهم ، وبسببٍ أنهم ﴿لَا يُصِيبُهُمْ﴾، فى سفرِهم (٢) إذا كانوا معه ﴿ظَمَأْ﴾. وهو
العطشُ، ﴿ وَلَا نَصَبٌ﴾. يقولُ: ولا تَعَبْ. ﴿ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ .
يعنى: ولا مَجاعةٌ فى إقامةِ دينِ اللَّهِ ونُصْرتِه، وهَدْمُ(١) مَنَارِ الكفرِ، ﴿ وَلَا يَطَُّونَ.
مَوْطِفًا﴾. يعنى أرضًا. يقولُ: ولا يَطَئُونَ أَرْضًا، ﴿يَغِيُطُ الْكُفَّارَ﴾ وَطْؤُهم
إياها ، ﴿ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍ ثَيْلًا ﴾. يقولُ: ولا يُصِيبون " مِن عدوٌ اللَّهِ
وعدوّهم شيئًا فى أموالهم وأنفسِهم وأولادِهم ، إلا كتَب اللَّهُ لهم بذلك كلِّه ثوابَ
عملٍ صالح قد ارْتَضَاه، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ: إِن اللَّهَ لا
يَّدَعُ مُحْسِنًا مِن خلقِه أحسَن فى عملِه فأطاعَه فيما أمَرَه ، وانتَهى عما نَهاه عنه ، أن
يُجَازِيَه على إحسانِه، ويُتِبَه على صالح عملِه. فلذلك كتَب لَمَنْ فعَل ذلك مِن أهلِ
المدينةِ ومَن حولَهم مِن الأعرابِ ما ذكَر فى هذه الآيةِ ، الثوابَ على كلِّ ما فعَل، فلم
(١ - ١) فى م: ((دارهم)).
(٢ - ٢) سقط من: ص، ت ١، ت٢ ، س ، ف .
(٣) فى م: ((إِنه)).
(٤) فى ص: ((سيرهم))، وفى ت١، ت٢، س: ((سرهم)).
(٥) فى ص، ت١، ت٢، س، ف: ((هزم) .
(٦ - ٦) فى ص، ف: ((عدو لله ولهم))، وفى ت١، ت٢، س: ((عدوالله وعدو لهم)).

٧٢
سورة التوبة : الآية ١٢٠
يُضَيِّعْ له أجرَ فعلِه ذلك .
وقد اختَلَف أهلُ التأويلِ فى حكم هذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: هى مُحْكَمةٌ،
وإنما كان ذلك لرسول اللَّهِ مَّمِ خاصةً، لم يكنْ لأحدٍ أن يَتَخَلَّفَ إذا غَزا خِلافَه،
فِيَقْعُدَ عنه، إلا مَن كان ذا عُذْرٍ، فأما غيرُه مِن الأئمةِ والولاةِ ، فإن لمن شاء مِن
المؤمنين أن يَتَخَلَّفَ خِلافَه، إذا لم يكنْ بالمسلمين إليه ضرورةٌ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَا كَانَ
لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَبِ أَنْ يَتَفَلَّقُواْ عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ
عَنْ تَّفْسِةٍ﴾: هذا إذا غَزا نبىُ اللَّهِ بنفسِه، فليس لأحدٍ أن يَتَخلَّفَ. ذُكِر لنا أن نبىٌّ
اللَّهِ مَمِ قال: (( لولا أن أشُقَّ على أُمَّتِى ما تَخَلَّفْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فى سبيلِ اللَّهِ،
لكنى لا أجِدُ سَعَةً فَأَنْطَلِقَ بهم معى، ويَشُقُّ علىَّ - أو: أكْرَهُ - أن أَدَعَهم
(١)
٦٥/١١
بعدی)»(١).
حدَّثنا علىُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلم، [٩٨٥/١ و] قال: سمِعتُ
الأوزاعيَّ، وعبدَ اللَّهِ بنَ المباركِ، والفَزارِيَّ، والسَّبِيعىِّ، وابنَ جابرٍ، وسعيدَ بنَ
عبدِ العزيزِ، يقولون فى هذه الآية: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ
اٌلْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّقُواْ عَن رَّسُولِ اللَّهِ﴾. إلى آخرِ الآيةِ: إنها لأُوَّلِ هذه الأمةِ وآخرِها
مِن المجاهدين فى سبيلِ اللَّهِ(٢) .
وقال آخرون : هذه الآيةُ نزَلت وفى أهلِ الإسلامِ قِلَّةٌ، فلما كَثُروا نسخها اللَّهُ ،
(١) أخرج المرفوع منه أحمد ٧٣/١٢ (٧١٥٧)، والبخارى - بنحوه (٧٢٢٦)، ومسلم (١٨٧٦) من
حديث أبى هريرة .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٠٨/٦، ١٩٠٩ من طريق الوليد به.

٧٣
سورة التوبة : الآية ١٢٠
وأباحَ التَّخَلَّفَ لمن شاء، فقال: ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنِفِرُواْ كَافَّةٌ﴾.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ مَا
كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّقُواْ عَن رَّسُولِ اللَّهِ﴾. فقرَأ
حتى بلَغ: ﴿ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. قال: هذا حينَ كان
الإسلامُ قليلًاً، فلمَّا كَثُرَ الإِسلامُ بعدُ(١)، قال: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُواْ
كَافَّةٌ فَلَوَّلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآَيِفَةٌ﴾ إلى آخرِ الآيةِ(١) .
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أن اللَّهَ عنَى بها الذين وصَفهم بقولِه :
﴿ وَجَآءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ اُلْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَمْ﴾ الآية . ثم قال جلّ ثناؤه: ما كان
لأهلِ المدينةِ الذين تَخَلَّفوا عن رسولِ اللَّهِ ، ولا لمن حولَهم مِن الأعرابِ الذين قَعَدوا
عن الجهادِ معه، أَن يَتَخَلَّفوا خِلافَه، ولا يَرْغَبوا بأنفسِهم عن نفسِه. وذلك أن رسولَ
اللَّهِ مَلِ كان ندَب فى غزوتِه تلك كلَّ مَن أطاقَ النهوضَ معه إلى الشُّخُوصِ إلا مَن
أَذِنَ له ، أو أمَره بالمُقَامِ بعدَه، فلم يكنْ لمن قدَر على الشُّخُوصِ التَّخَلُّفُ، فعَدَّدَ(٣)
جلّ ثناؤُه مَن تَخَلَّفَ منهم، فَأَظْهَر(٤) نِفاقَ مَن كان تَخَلُّقُه منهم نِفاقًا، وعَذَرَ مَن
كان تَخَلُّفُه كان(٥) لعُذْرٍ، وتابَ على مَن كان تَخَلُّفُه تَفْرِيطًا مِن غيرٍ شَكُ ولا ارْتِیابٍ
فى أمرِ اللَّهِ ، إذ تابَ مِن خطأ ما كان منه مِن الفعلِ. فأما التَّخَلَّفُ عنه فى حالٍ
(١) فى تفسير ابن أبى حاتم: ((وفشا)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٠٧/٦ من طريق أصبغ ، عن ابن زيد .
(٣) فى ص، ت٢، س: ((فعدل))، وفى ت١، ف: ((بعدك)).
(٤) فى ص، ت١، ت٢، س، ف: ((وأظهر)).
(٥) سقط من : م .

٧٤
سورة التوبة : الآية ١٢٠
اسْتِغْنائِه، فلم يكنْ مَخْظورًا، إذا لم يكنْ عن كراهةٍ منه ◌ٍَّ ذلك. وكذلك
حكم المسلمين اليومَ إزاءَ إِمامِهم ، فليس بفَرْضٍ على جميعِهم النهوضُ معه ، إلا فى
حالٍ حاجتِه إليهم لما لابدَّ للإسلامِ وأهلِه مِن حضورِهم واجتماعِهم، واسْتِنْهاضِه
إياهم ، فيَلْزَمُهم حينئذٍ طاعتُه .
وإذا كان ذلك معنى الآية ، لم نكنْ إحدى الآيتين اللتين ذَكَوْنا ناسخةً
للأخرى ، إذ لم تكنْ إحداهما نافيةٌ حكمَ الأخرى مِن كلِّ وجوهِه، ولا جاءَ خبرٌ
يُوَجّهُ الحُجَّةَ بأن إحداهما ناسخةٌ للأخرى .
وقد بيَّنَّا معنى ((المخْمَصةِ) وأنها المجاعةُ، بشواهدِه، وَذَكَرْنا الروايةَ عمَّن قال
ذلك فى موضع غيرٍ هذا، فأغنى ذلك عن إعادته هلهناً".
وأما ((التَّيْلُ))) فهو مصدرٌ مِن قولِ القائل: نالَنِى يَالُنى، ونِلْتُ الشىءَ ، فهو
مَنيلٌ . وذلك إذا كنتَ تنالُه بيذِك ، وليس مِن التَّاؤُلِ، وذلك أن التناولَ مِن النَّوالِ،
يقالُ منه: ثُلْتُ له ، أنولُ له ، مِن العَطِيئَّةِ.
وكان بعضُ أهلِ العلم بكلامِ العربِ يقولُ: النَّثْلُ مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: ذاَنى
بخيرٍ / يَنولُنى نَوالًا، وأَناَنى خيرًا إنالةٌ. وقال: كَأَنَّ النَّيْلَ مِن الواوِ، أَنْدِلَت ياءً لِقَّتِها
وثِقَلِ الواوٍ .
٦٦/١١
وليس ذلك بمعروفٍ فى كلام العربِ ، بل مِن شأنِ العربِ أن تُصَحِّحَ الواوَ مِن
ذواتٍ الواوِ إذا سَكَنَتْ وانفَتَحِ ما قبلَها، كقولهم: القَوْلُ، والعَوْلُ، والحَوْلُ. ولو
جازَ ما قال ، لجازَ القَيْلُ.
(١) فى م: (( كراهته)).
(٢) ينظر ما تقدم فى ٩١/٨ - ٩٣.

٧٥
سورة التوبة : الآيتان ١٢٢،١٢١
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةُ صَغِيرَةٌ وَلَا كَبِيرَةً
وَلَا يَقْطَّعُونَ وَإِيَا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٢١
يقولُ تعالى ذكره : ذلك بأنهم لا يُصيبُهم ظماً - وسائرُ ما ذَكَر - ولا يَنالُون
من عدوِّ نيلًا، ولا يُتْفِقون نفقةٌ صغيرةٌ ( ولا كبيرةً) فى سبيلِ اللهِ ، ولا يَقْطَعون مع
رسولِ اللَّهِ عَ لِ فى غزوه (٢) واديًا إلا كَتَب اللَّهُ(٢) لهم أجرَ عملهم ذلك، جزاءً لهم
عليه، كأحسنٍ ما يَجْزِيهم على أحسنِ أعمالِهم التى كانوا يَعْمَلونها وهم مُقِيمون
فى منازلهم .
كما حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿ وَلَا
يُنفِقُونَ نَفَقَةٌ صَغِيرَةً وَلَ كَبِيرَةٌ ﴾ الآية. قال: ما ازْدادَ قومٌ مِن أهلِيهم فى
سبيلِ اللَّهِ بُعْدًا إلا ازْدَادُوا مِن اللَّهِ قُرْبًا (٤).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنِفِرُواْ كَافَّةٌ فَلَوَّلَا نَفَرَ مِن
كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِيَنَفَقَّهُواْ فِ اُلْدِيِنٍ وَلِيُنْذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ
يَحْذَرُونَ
يقولُ تعالى ذكره : ولم يكنِ المؤمنون ليَنْفِروا جميعًا .
وقد بَيًَّّا معنى الكافَّةِ بشواهدِه، وأقوال أهلِ التأويلِ فيه، فأُغنَى عن
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، س.
(٢) فى ت١، (ت ٢، س، ف: (( غزوة)).
(٣) زيادة من : ص .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٠٩/٦ من طريق يزيد به، وكذا أخرجه من طريق شيبان ، عن قتادة .

٧٦
سورة التوبة : الآية ١٢٢
إعادتِه [٩٨٥/١ظ] فى هذا الموضع".
ثم اختَلَف أهلُ التأويلِ فى المَغْنَى الذى عَناه اللَّهُ بهذه الآيةِ، وما النّفْرُ الذى
كَرِهَه لجميعِ المؤمنين؟ فقال بعضُهم: هو نَفْرٌ كان مِن قومٍ كانوا بالباديةِ ، بعثهم
رسولُ اللَّهِ مِ يُعَلِّمون الناسَ الإِسلامَ، فلما نَزَلَ قولُه: ﴿ مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ
وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُواْ عَنْ زَّسُولِ اللَّهِ﴾. انْصَرَفوا عن الباديةِ إلى النبيِّ
عَ لّه، خشيةَ أن يكونوا ممن تَخَلَّفَ عنه وممن عُنِىَ بالآيةِ، فأنزل اللَّهُ فى ذلك عُذْرَهم
بقوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنِفِرُواْ كَانَّةٌ﴾. وكَرِهَ انصرافَ جميعِهم(١)
مِن البادية إلى المدينةِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عیسی ، عن ابن أبى
نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنِفِرُواْ كَاَفَّةٌ فَوَّلَا نَفَرَ مِن كُلِّ
فِرْقَتٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ ﴾. قال: ناسٌ مِن/ أصحاب محمد ێ خرجوا فى البوادى،
فأصابوا مِن الناسِ معروفًا ، ومِن الخِصْبِ ما يَنْتَفِعون به، ودعَوا مَن وجَدوا مِن الناسِ
إلى الهُدى ، فقال الناسُ لهم: ما نَراكم إلا قد ترَكْتُم أصحابَكم وجِئْتُمونا. فوجَدوا
فى أنفسِهم مِن ذلك تحرُّجًا(٢)، وأَقْبَلوا مِن الباديةِ كلُّهم حتى دخَلوا على النبىِّ عَّهِ،
فقال اللَّهُ: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآَيِفَةٌ ﴾ يَتَغون الخيرَ ،
لِيَنَفَقَّهُواْ ﴾ وليَسْمَعوا ما فى الناسِ، وما أَنزَل اللَّهُ بعدَهم ﴿وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ﴾
الناسَ كلَّهم ﴿ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ .
٦٧/١١
(١) تقدم فى ٦٠١/٣، ٦٠٢ .
(٢) فى ص، ت١، ت٢، س، ف: ((جمعهم)).
(٣) فى م، ت١، ت٢، س، ف: ((حرجا)).

٧٧
سورة التوبة : الآية ١٢٢
حدَّثنا المُنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ مثلَه، إلا أنه قال فى حديثه: فقال اللَّهُ: ﴿ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَتٍْ مِّنْهُمْ
طَآئِفَةٌ﴾: خَرجَ بعضٌ، وَقَعَدَ بعضٌ يَبْتَغون الخيرَ .
قال : ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنٍ أبى نَجيحِ، عن
مجاهدٍ نحوَ حديثه عن أبى حُذَيفةً(١) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حَجَّاج، عن ابنٍ مُرَيجٍ، عن
مجاهدٍ نحوَ حديثِ المُثَنَّى عن أبى حُذَيفةَ ، غيرَ أنه قال فى حديثه: ما نَراكم إلا قد
تَرَكْتُم صاحِبَكم . وقال: ﴿لِيَنَفَقَّهُواْ﴾: لِيَسْمَعوا ما فى الناسِ.
وقال آخرون: معنى ذلك: وما كان المؤمنون ليَتْفِروا جميعًا إلى عدوّهم
ويَتْرُكُوا نِبِيَّهم عَلِّ وحدَه .
كما حدَّثنی يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وَهْبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
ج
﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنِفِرُواْ كَافَّةٌ﴾. قال: لِيَذْهَبوا كلَّهم، فلولا نفَر مِن
كلِّ حىٍّ وقبيلةٍ طائفةٌ، (" وتَخَلَّفَ طائفة٢ٌ) ﴿لِيَنَفَقَهُواْ فِىِ الدِّينِ﴾؛ لِيَتَفَقَّهَ
المُتُخَلِّفون مع النبيِّ عَّهِ فى الدِّينِ، ولَيُنْذِرَ الْمُتُخَلِّفون النافِرِين إذا رَجَعوا إليهم لعلهم
يَحْذَرون .
"ذكرُ مَن قال ذلك٣)
حدَّثنى المُثُّنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
(١) تفسير مجاهد ص ٣٧٧، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩١٠/٦، ١٩١٣، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٢٩٣/٣، إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ .
(٢ - ٢) سقط من ت١، ت٢، س، ف، وفى ص: ((ويتخلف طائفة)).
(٣ - ٣) كذا فى النسخ ، ولعل الصواب حذفها من هذا الموضع.

٧٨
سورة التوبة : الآية ١٢٢
قوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُواْ كَافَّةٌ﴾. يقولُ: ما كان المؤمنون
ج
لِيَنْفِروا جميعًا، ويَتْرُكُوا النبىَّ عَلِّ وحدَه، ﴿فَلَوَّلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ
طَآئِفَةٌ﴾. يعنى عُصْبةً، يعنى الشَّرايا، ولا يَتَسَرَّوا إلا بإذنه ، فإذا رجَعت السَّرايا،
وقد نزَل بعدَهم قرآنٌ، تَعَلَّمَه القاعِدون من النبيِّ سَِّ، قالوا: إن اللَّهَ قد أَنزَل على
نبيِّم بعدَ كم قُرآنًا وقد تَعَلَّمْناه. فتَمْكُثُ الشَّرايا يَتَعلَّمون ما أنزل اللَّهُ على
نبيِّهم بعدَهم، ويبعثَ سرايا أخر، فذلك قوله: ﴿لِمَنَفَقَّهُواْ فِىِ الدِّينِ ﴾. يقولُ:
يَتعلَّمُون ما أَنزَل اللَّهُ على نبيّه١)، ويُعَلِّمُوا(٢) الشَّرايا إذا رجعت إليهم لعلهم
يَخْذَرون(٣) .
٦٨/١١
حدَّثْنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَمَا كَانَ
اُلْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُواْ كَافَّةٌ﴾. إلى قولِه: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾. قال: هذا إذا
بعَث نبيُ اللَّهِ الجيوشَ، أَمرَهم ألا يُعْرُوا) نبيّه، وتقيمُ طائفةٌ مع رسولِ اللهِ يَ خَلِ تَتَفَقَّهُ
فى الدينِ ، وتَنْطِلِقُ طائفةٌ تَدْعو قومَها، وتُحذِّرُهم وقائعَ اللَّهِ فى من خَلا قبلَهم(١).
حدَّثنا الحسينُ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ ، قال :
سمِعتُ الضَّحّاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُواْ كَاَفَّةٌ ﴾ الآية
كان نبُ اللَّهِ مََّهِ إذا عَزا بنفسِه لم يَحِلَّ لأحدٍ مِن المسلمين أن يَتَخَلَّفَ عنه، إلا أهلَ
العُذْرِ، وكان إذا أقامَ فَأَسِرَّتِ الشَّرايا، لم يَحِلُّ لهم أن يَنْطَلِقوا إلا بإذنه، فكان
(١ - ١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف .
(٢) في م : ((يعلمونه)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٠٩/٦، ١٩١٢ من طريق أبى صالح به ، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٩٢/٣ إلى ابن المنذر وابن مردويه والبيهقى فى المدخل .
(٤) أعری القوم صاحبهم : تر کوه فی مکانه وذهبوا عنه . اللسان (ع ر و) . .
(٥) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٧٣/٤ .

٧٩
سورة التوبة : الآية ١٢٢
الرجلُ إذا أسْرى (١) فَزَل بعدَه قرآنٌ، تَلَاهُ(١) نبىُ اللَّهِ على أصحابِه القاعدين معه، فإذا
رجَعت الشَّرِيةُ، قال لهم الذين أقاموا مع رسولِ اللَّهِ وَّهِ: إن اللَّهَ أَنزَل بعدَكم على
نبيِّه قرآنًا. فيُقْرِئونهم، ويُفَقِّهونهم فى الدينِ، وهو قولُه: ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ
لِيَنْفِرُواْ كَافَّةٌ﴾. يقولُ: إذا أقامَ(١٢) رسولُ اللَّهِ ◌َه: ﴿ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْفَةٍ
مِنْهُمْ طَآئِفَةٌ﴾. يعنى بذلك أنه لا يَنْبغى للمسلمين أن يَتْفِروا جميعًا ونبىُّ اللَّهِ
قاعدٌ، [٩٨٦/١و] ولكن إذا قعَد نبىُّ اللَّهِ تَسرَّتِ السَّرايا، وقعَد معه عُظمُ الناسِ.
(٤)
وقال آخرون : بل معنى ذلك : ما هؤلاء الذين نفَروا بمؤمنين، ولو كانوا مؤمنين
لم يَنْفِرْ جميعُهم، ولكنهم مُنافِقون، ولو كانوا صادقين أنهم مؤمنون، لنَفَرَ بعضٌ
لِيَتَفَقَّهَ فى الدينِ، وَيُنْذِرَ قومَه إذا رَجَعَ إليهم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنى المُثُنَّى ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ ، عن
ابنِ عباسٍ، قوله: ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُواْ كَافَّةٌ﴾: فإنها ليست فى
الجهادِ، ولكنْ لََّ دَعا رسولُ اللَّهِ يَّهِ على مُضَرَ بالسنينِ، أَجْدَبَتْ بلادهم، وكانت
القبيلةُ منهم تُقْبِلُ بأَسْرِها حتى يَحِلُّوا بالمدينةِ مِن الجَهْدِ ، ويَعْتَلَّوا بالإِسلامِ وهم
كاذبون، فضَيَّقوا على أصحابِ النبيِّ ◌َِّ وَأَجْهَدوهم، وأَنْزَل اللَّهُ يُخْبِرُ رسولَ اللَّهِ
◌َِّ أنهم ليسوا مؤمنين، فردَّهم رسولُ اللَّهِ مْ لَه إلى عشائرِهم، وحذّر قومَهم أن
يَفْعَلُوا فِعْلَهم، فذلك قوله: ﴿ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ
(أ) فى ص: (استرى))، وفى ت ١، ت٢، س، ف: ((اشترى)).
(٢) فى ص، ت١، ت٢، س، ف: ((وتلاه).
(٣) فى ص، ت١، ت٢)، ف: ((قام)).
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٧٣/٤.

٨٠
سورة التوبة : الآية ١٢٢
يَحْذَرُونَ ﴾(١).
وقد رُوِى عن ابنِ عباسٍ فى ذلك قولٌ ثالثٌ ، وهو ما حدَّثنی محمدُ بنُّ سعدٍ ،
قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ وَمَا
ج
كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُواْ كَافَّةٌ﴾. إلى قولِه: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾. قال:
كان يَتْطَلِقُ مِن كلِّ حىٍّ مِن العربِ عصابةٌ فِيَأْتُون النبىَّ عَِّ فِيَشْألونه عما يريدُونه
مِن دينهم ، ويَتَفَقَّهون فى دينِهم ، ويقولون لنبيِّ اللَّهِ : ما تأمُرُنا أن نفعلَه، وأخبرنا ما
نقولُ لعشائرِنا إذا انْطَلَقْنا إليهم؟ قال: فيأمُرُهم نبىُّ اللَّهِ بطاعةِ اللَّهِ وطاعةِ رسولِه ،
ويَبْعَثُّهم إلى قومِهِم بالصلاةِ والزكاةِ ، وكانوا إذا أتَوا قومَهم نادَوا : إن مَن أسلمَ فهو
مِنَّا. ويُنْذِرُونهم، حتى إن الرجلَ ليُغارِقُ(١) أباه وأمَّه، وكان رسولُ اللَّهِ ع ◌َلَهِ يخبرُهم
ويُنْذِرون قومَهم، فإذا رَجَعوا إليهم يَدْعونهم إلى الإسلامِ، ويُنْذِرونهم النارَ
ويُشِّرونهم بالجنةِ(٣) .
٦٩/١١
/وقال آخرون: إنما هذا تَكْذِيبٌ مِن اللَّهِ لُنَافِقِين أَزْرَوْا بأعرابِ المسلمين
وعزَرُوهم(٤) فى تَخلُّفِهم خلافَ رسولِ اللَّهِ لَّهِ، وهم تمّن قد عذّره اللَّهُ
بالتّخلُّفِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى الحارثُ، قال : ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عُيَينةً، عن سليمانَ
الأحولِ، عن عكرمةَ، قال: لمَّ نزلت هذه الآيةُ: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩١٣/٦ من طريق أبى صالح به .
(٢) فى النسخ: ((ليعرف))، والمثبت من ابن أبى حاتم .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩١١/٦، ١٩١٢ عن محمد بن سعد به .
(٤) فى ص، ت١، ت٢، س، ف: ((غيرهم)). وعزَره يعزِره : لامه.