Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١
سورة التوبة : الآية ٣٩
يُعَذِّبْكم اللَّهُ عاجلًا فى الدنيا بتَوْكِكم النَّفْرَ إليهم عذابًا مُوجِعًا، ﴿ وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا
غَيْرَكُمْ﴾. يقولُ: يَسْتبدِلِ اللَّهُ بكم نبيّه قومًا غيرَكم، يَنْفِرون إذا اسْتُنْفِروا،
ويُجِيبونه إذا دُعُوا، ويُطِيعون اللَّهَ ورسولَه، ﴿وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾. يقولُ: ولا
تَضُرُوا اللَّهَ بَتَرْكِكم النَّفِيرَ ومَعْصيتكم إياه شيئًا؛ لأنه لا حاجةً به إليكم ، بل أنتم أهلُ
الحاجة إليه، وهو الغَنِىُّ عنكم وأنتم الفقراءُ، ﴿وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾.
يقولُ جلّ ثناؤه : واللَّهُ على إهلاكِكم واسْتِبدالِ قومٍ غيرِ كم بكم، وعلى كلِّ ما يشاءُ
مِن الأشياء قديرٌ.
وقد ذُكِر أن العذابَ الأَليمَ فى هذا الموضع كان اخْتِباسَ القَطْرِ عنهم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا زيدُ بنُّ الحُبَابِ، قال: ثنى عبدُ المؤمنِ بنُ خالد
الحنفىُ، قال: ثنى نَجْدةُ الخُراسانىُّ، قال: سَمِعتُ ابنَ عباسٍ وسُئِل عن قوله: ﴿إِلَّا
نَنْفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. قال: إن رسولَ اللّهِ عَلِ اسْتَنْفَر حَيًّا مِن أحياءٍ
العربِ فَتَنَاقَلوا عنه، فأَمْسِكَ عنهم المَطَرُ، فكان ذلك عذابَهم ، فذلك قوله: ﴿ إِلَّا
أَنْفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾(١).
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال : ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبدُ المؤمنِ، عن نَجْدَةَ ،
قال : سألتُ ابنَ عباسٍ. فذكر نحوه ، إلا أنه قال: فكان عذابَهم أن أمسِك عنهم
المَطَرُّ.
حدَّثْنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِلَّا نَفِرُواْ
(١) أخرجه عبد بن حميد (٦٨٠)، وأبو داود (٢٥٠٦)، وابن أبى حاتم ١٧٩٧/٦، والحاكم ١١٨/٢،
والبيهقى ٤٨/٩ من طريق زيد بن الحباب به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٩/٣ إلى ابن المنذر وأبى
الشيخ وابن مردويه .
٤٦٢
سورة التوبة : الآية ٣٩
يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾: اسْتَفَرِ اللَّهُ المؤمنين فى لَهَبانِ الحَّ فى غزوة تبوكَ قِبَلَ
الشامٍ، على ما يعلمُ اللَّهُ مِن الْجَهْدِ .
وقد زَعَم بعضُهم أن هذه الآيةَ منسوخةٌ .
١٣٥/١٠
/ ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال : ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحسين، عن يزيد ، عن
عِكْرمةَ والحسن البصرىِّ، قالا: قال: ﴿إِلَّا تَفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ .
وقال: ﴿ مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّقُواْ عَن رَّسُولٍ
اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ﴾ إلى قولِه [٩٣٩/١ظ]: ﴿ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا
كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٢٠]. فنَسَخَّتها الآيةُ التى تَلَتْها": ﴿وَمَا كَانَ
الْمُؤْمِنُونَ لِيَنِفِرُواْ كَافَّةٌ﴾ إلى قولِه: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢].
قال أبو جعفرٍ: ولا خبرَ بالذى قال عِكْرمةُ والحسنُ مِن نسخ حكم هذه الآيةِ
التى ذَكَراً(١) يجبُ التسليمُ له، ولا محُجَّةَ باتٌّ (٤) بصحةٍ ذلك، وقد رأى ثبوت الحكم
بذلك عددٌ مِن الصحابةِ والتابعينِ سنذكُرُهم بعدُ. وجائزٌ أن يكونَ قولُه: ﴿إِلَّا
نَفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. لخاصٍ مِن الناسِ، ويكونَ المرادُ به مَنِ اسْتَنفَرَه
رسولُ اللَّهِ سَ له فلم يَثْفِرْ، على ما ذكرَنا مِن الرواية عن ابن عباسٍ.
وإذا كان ذلك كذلك، كان قولُه: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنِفِرُواْ
(١) فى ت ١، ت ٢، س، ف: ((تليها)).
(٢) ذكره النحاس فى ناسخه ص ٥٠٣، وابن الجوزى فى نواسخ القرآن ص ٣٦٥، وابن كثير فى تفسيره
٤ / ٩٥، وأخرجه ابن الجوزى فى النواسخ ص ٣٦٤، ٣٦٥ من طريق على بن الحسين عن أبيه عن يزيد عن
عكرمة عن ابن عباس .
(٣) فى م: ((ذكروا))، وفى ت ٢: ((ذكر أنه))، وفى ف: ((ذكر)).
(٤) فى م: (( تأتی )).
٤٦٣
سورة التوبة : الآيتان ٣٩، ٤٠
كَفَّةٌ﴾. نَهْيَا مِن اللَّهِ المؤمنين عن إِخْلاءٍ بلادِ الإسلامِ بغيرِ مؤمنٍ مُقِيم فيها،
وإعلامًا منه ١١ لهم أن الواجبَ مِن(٢) النَّفْرِ على بعضِهم دونَ بعضٍ، وذلك على مَن
اسْتُنْفِرَ منهم دونَ مَن لم يُسْتَنفَر. وإذا كان ذلك کذلك لم یکنْ فی إحدى الآيتين
نسخٌ للأخرى، وكان حكمُ كلِّ واحدةٍ منهما ماضيًا فيما ◌ُنِيَتْ به .
القولُ فى تأويلِ قوله: ﴿ إِلَّا نَصُرُؤُهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَبَهُ الَّذِينَ
كَفَرُواْ ثَانِى اثْنَيْنِ إِذْهُمَا فِى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ
اللَّهَ مَعَنَا﴾ .
وهذا إعلامٌ مِن اللَّهِ أصحابَ رسولِه ◌َلَّمِ أنه المُتُوكِّلُ بنصرةِ رسولِه على
أعداءٍ دينه، وإظهارِه عليهم دونَهم ، أعانوه أو لم يُعِينوه، وتذكيرٌ منه لهم فعلَ ذلك
به ، وهو مِن العددِ فى قلة والعدوُّ فى كثرةٍ، فكيف به وهو مِن العددِ فى كثرةٍ والعدوّ
فی قِلَّةِ؟
يقولُ لهم جلّ ثناؤُه: إلَّا تَنْفِروا أيُّها المؤمنون مع رسولى إذا اسْتَنَفَرَكم
فتْصُروه، فاللَّهُ ناصِرُه ومُعِينُه على عدوّه، ومُغْنِيه عنكم وعن مَعونتِكم
ونُصْرتِكم، كما نَصَره ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ باللّهِ مِن قريشٍ مِن وطنه
ودارِهِ، ﴿ثَانِى أَثْنَيْنِ﴾. يقولُ: أَخْرَ جُوه وهو أحدُ الاثنين، أى: واحدٌ مِن
الاثْتَين .
وكذلك تقولُ العربُ: هو ثانى اثْنَين. يعنى: أحدُ الاثْنَين، و: ثالثُ ثلاثةٍ .
و: رابعُ أربعةٍ . يعنى: أحدُ الثلاثةِ ، وأحدُ الأربعةِ. وذلك خلافُ قولِهم : هو أخو
(١) فى م: ((من الله)).
(٢) سقط من: م.
(٣) فى م: ((بنصر).
٤٦٤
سورة التوبة : الاية ٤٠
ستةٍ ، وغلامُ سبعةٍ. لأَن الأخَ والغلامَ غيرُ الستةِ والسبعةِ ، وثالثَ الثلاثةِ أحدُ
الثلاثة .
١٣٦/١٠
وإنما عَنَى جلّ ثناؤُه بقولِه: ﴿ثَانِىَ أَثْنَيْنٍ﴾. رسولَ اللَّهِ عَه، وأبا بكرٍ
رَضِى اللَّهُ عنه؛ لأنهما كانا اللَّذين خَرَجا هارٍبَين مِن / قريشٍ، إذ هَمُوا بِقَتْلِ رسولِ
اللّهِ عَظِهِ، وَاحْتَفَيا فى الغارِ.
وقولُه: ﴿إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ﴾. يقولُ: إِذ رسولُ اللَّهِ مَ لَّهِ وأبو بكرٍ،
رضِى اللهُ عنه، فى الغارِ. والغازُ: التَّقْبُ (١) العظيمُ يكونُ فى الجبلِ، ﴿إِذْ يَقُولُ
لِصَاحِبِهِ ﴾. يقولُ: إذ يقولُ رسولُ اللَّهِ لصاحبِه أبى بكرِ: ﴿لَا تَحْزَنْ﴾ .
وذلك أنه خافَ مِن الطَّلَبِ أن يَعْلموا بمكانِهما، فجَزِعَ مِن ذلك، فقال له رسولُ
اللَّهِ مَّهِ: ﴿لَا تَحْزَنْ﴾. لأَنَّ اللَّهَ مَعَنا واللَّهُ ناصِرُنا، فلن يعلمَ المشركون بنا،
ولن يَصِلوا إلينا .
يقولُ جلَّ ثناؤه: فقد نَصَره اللَّهُ على عدوّه وهو بهذه الحالِ مِن الخوفِ
وقلةِ العددِ ، فكيف يَخْذُلُه ويُخْوِجُه إليكم وقد كَثَّر اللَّهُ أنصارَه وعددَ
جنودِه ؟
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى، عن ابنٍ أبى
نجِيح، عن مجاهدٍ: ﴿إِلَّا نَصُرُؤُهُ﴾. ذَكَر ما كان فى أوَّلِ شأنِه حينَ بَعَنه .
(١) فى ف: ((الثقب)).
٤٦٥
سورة التوبة : الآية ٤٠
يقولُ اللَّهُ: " فأنا فاعلٌ ذلك به وناصِرُه، كما نَصَرْتُه إذ ذاك) وهو ثانى اثنين(٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنٍ مُرَيجٍ، عن
مجاهدٍ قوله: ﴿إِلَّا نَصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾. قال: ذَكَر ما كان فى أوَّلٍ
شأنِه حينَ بُعِث ، فاللَّهُ فاعلٌ به كذلك، ناصِرُه كما نَصَرِه إذ ذاك ﴿ثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْ
هُمَا فِىِ الْغَارِ﴾.
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِلَّا نَصُرُوهُ
فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ الآية. قال: فكان صاحبه أبو بكرٍ ، وأمَّا الغارُ فجبلٌ بمكةً يقالُ
(٣)
له : ثَوْرٌ (٣).
حدَّثنا عبدُ الوارثِ [٩٤٠/١ و] بنُ عبدِ الصمدِ، قال: ثنى أبى، قال: ثنا أبانٌ
العطارُ، قال: ثنا هشامُ بنُ عُرْرةَ، عن عُرْوةَ، قال: لمّ خَرَج النبىُّ عَ ظِلّه وأبو بكرٍ،
رَضِى اللَّهُ عنه، وكان لأبى بكرٍ مَنِيحةٌ(٢) مِن غَنَمِ تَروُ على أهلِه، فأرسَل أبو بكرٍ
عامرَ ابنَ فُهَيرةَ فى الغنمِ إلى ثَورٍ. وكان عامرُ بنُ فُهَيرةَ يَرُوحُ بتلك الغنمِ على النبيِّ عَِّ
بالغارِ فى ثورٍ ، وهو الغارُ الذى سَمَّاه اللَّهُ فى القرآنِ(٥).
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ بنِ جُبَيرِ الواسِطِئُ ، قال: ثنا عَفَّانُ وحِبَّانُ ، قالا : ثنا
همامٌ، عن ثابتٍ ، عن أنس ، أن أبا بكرٍ، رَضِى اللَّهُ عنه، حَدَّثهم قال: بَيْنَا أنا مع
رسولِ اللَّهِ عَ ظَه فى الغارِ وأقدامُ المشركين فوقَ رءوسِنا، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، لو أن
(١ - ١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((وكل به كذلك ناصركم كما نصره)).
(٢) تفسير مجاهد ص ٣٦٩، ومن طريقه ابن أبى شيبة ١٤/ ٣٣٣، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٦/ ١٧٩٨،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٩/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٣/٣ إلى أبى الشيخ.
(٤) المنيحة : الشاة والناقة المعارة للّبن . ينظر اللسان (من ح ).
(٥) أخرجه المصنف فى تاريخه ٣٧٥/٢ - ٣٧٧ مطولا .
( تفسير الطبرى ٣٠/١١ )
٤٦٦
سورة التوبة : الآية ٤٠
أحدَهم رَفَع قَدَمَه أَبْصَرَنا. فقال: ((يا أبا بكرٍ، ما ظَنُّك باثْنَين اللَّهُ ثالثُهما؟))(١).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن شَرِيكِ، عن إبراهيمَ بنِ مُهاجرٍ، عن
مجاهدٍ، قال: مَكَثَ أبو بكرٍ مع النبيِّ عَّمِ فى الغارِ ثلاثًا(١) .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن
الزَّهْرِىِّ: ﴿ إِذْهُمَا فِى الْغَارِ﴾. قال: فى الجبلِ الذى يُسَمَّی ثورًا ، مَكَث فيه
رسولُ اللَّهِ عَاهِ وأبو بكرٍ ثلاثَ ليالٍ().
١٣٧/١٠
/حدّثنا یونشُ، قال : أخبرنا ابنُ وَهْبٍ ، قال : أخبرنی عمرُو بن الحارثِ ، عن
أبيه، أن أبا بكر الصديقَ، رضِى اللَّهُ عنه، حينَ خَطَب قال: أَيُّكم يَقْرَأُ سورةَ
التوبة؟ قال رجلٌ: أنا. قال: اقرَأْ. فلما بَلَغ: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ، لَا
تَحْزَنْ﴾. بَكَى أبو بكرٍ وقال: أنا واللَّهِ صاحِبُه(٤) .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿فَأَنزَلَ اَللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَدَمُ بِجُنُودٍ لَّمْ
تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَىُّ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِى
اٌلْعُلْيَأْ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيءُ
(١) أخرجه البزار (٣٦) من طريق عفان وحبان به، وأخرجه ابن سعد ١٧٣/٣، ١٧٤، وابن أبى شيبة ١٢/ ٧،
٣٣٣/١٤، وأحمد ١٨٩/١ (١١)، وفى فضائل الصحابة (٢٣، ١٧٩)، والترمذى (٣٠٩٦)، والمروزى
فى مسند أبى بكر (٧٢)، وأبو يعلى (٦٦)، وابن حبان (٦٢٧٨، ٦٨٦٩)، والبيهقى فى الدلائل ٢/ ٤٨٠،
٤٨١ من طريق عفان به، وأخرجه عبد بن حميد (٢)، والبخارى (٤٦٦٣)، ومسلم (٢٣٨١)، والمروزى
(٧١)، وأبو يعلى (٦٧)، والبيهقى فى الدلائل ٤٨١/٢، والبغوى فى تفسيره ٤/ ٥٠ من طريق حبان به،
وأخرجه البخارى (٣٦٥٣، ٣٩٢٢)، والبيهقى فى الدلائل ٢/ ٤٨٠، ٤٨١ من طريق همام به، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٢/٣ إلى ابن المنذر وابن مردويه.
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٣٤/١٤ عن وكيع به .
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٧٦/١ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٣/٣ إلى ابن المنذر.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٠٠/٦ من طريق ابن وهب به .
٤٦٧
سورة التوبة : الآية ٤٠
يقولُ تعالى ذكره: فأنزل اللَّهُ طُمَأنينتَه وسُكونَه على رسوله. وقد قيل: على
أبى بكرٍ. ﴿ وَأَيَدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾ . يقولُ: وقوَّاه بجنودٍ مِن عنده مِن
الملائكةِ لم تَرَؤْها أنتم، ﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾(١) : وهى
كلمةُ الشِّرْكِ، ﴿ الشُّفْلَىّ﴾: لأنها قُهِرَت وأُذِلَّت ، وأبطَلَها اللَّهُ تعالى، ومَحَق
أهلَها ، وكلُّ مَقْهورٍ ومَغْلوبٍ فهو أسفلُ مِن الغالبِ، والغالبُ هو الأعْلى،
﴿وَكَلِمَةُ﴾. يقولُ: ودينُ اللَّهِ وتوحيدُه وقولُ لا إلهَ إلا اللَّهُ، ("وهى٣) كلمتُه،
اٌلْعُلْيَا﴾: على الشِّرْكِ وأهلِه، الغالبةُ(٣).
کما حدَّثنی المُغَنَّى ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىّ ، عن
ابنِ عباسٍ قوله: ﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى﴾: وهى
الشِّرْكُ بِاللَّهِ، ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِى الْعَلْيَأْ﴾: وهى لا إلهَ إلا اللَّهُ(٤).
وقولُه: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِى الْعُلْيَأُ﴾. خبرٌ مبتدأ، غيرُ مردودٍ على
قوله: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَىّ﴾؛ لأن ذلك لو كان
معطوفًا على الكلمةِ الأولى لكان نَصْبًا .
وأمّا قولُه: ﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، فإنه يعنى: ﴿ وَاَللَّهُ عَزِيزُ﴾ فى
انتقامِه مِن أهلِ الكفرِ به، لا يَقْهَرُه قاهِرٌ، ولا يَغْلِبُه غالبٌ، ولا يَنْصُرُ مَن عاقَبه
ناصر، ﴿ حکیگ ﴾ فی تدبيره خلقه، وتَصْرِیفه إیاهم فی مَشِئتِه .
(١) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((السفلى)).
(٢ - ٢) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((وهو).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((الغالب)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٠١/٦ من طريق أبى صالح به .
(٥) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((منه)).
٤٦٨
سورة التوبة : الآية ٤١
القولُ فى تأويلٍ قوله: ﴿آنِفِرُواْ خِفَانًا وَثِقَالًا ﴾.
اختلف أهلُ التأويلِ فى معنى الخِّقَّةِ والثِّقَلِ ، اللذين أمَر اللَّهُ مَن كان به أحدُهما
بالنَّفْرِ معه ؛ فقال بعضُهم: معنى الخِقَّةِ التى عَناها اللَّهُ فى هذا الموضع، الشبابُ،
ومعنى الثِّقَلِ الشَّيْخوخةُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
8
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا حَكَامٌ، عن عَنْبسةً، عن رجلٍ، عن الحسنِ، فى
قولِه: ﴿ أَنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. قال: شِيبًا وشُبَّانًا .
حدَّثنا ابنُ وَكِيع، قال: ثنا حَفْصٌ، عن عمرٍو، عن الحسنِ، قال: شُيُوخًا
(١)
وشُبَّانًا(١).
١٣٨/١٠
/قال: ثنا ابنُ عُيَينةَ، عن علىِّ بنِ زيدٍ، عن أنسٍ، عن أبى طَلْحةَ: ﴿أَنِفِرُواْ
خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. قال: كُهُولًا وشُبَانًا، ما أسْمَعُ اللَّهَ عَذَرَ أحدًا(١). فخَرَج إلى
الشام، فجاهَد حتى ماتَ(٣).
حدَّثنا ابنُ محُمَيدٍ ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبسةَ، عن المُغِيرةِ بنِ النُّعْمانِ ، قال :
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٠٦/٥ عن حفص بن غياث به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٦/٣ إلى أبى
الشيخ .
(٢) فى ص، ف: ((واحدا)).
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٤١/٥ عن ابن عيينة به (وسقط من سنده أنس ) ، وأخرجه الواحدی فی أسباب
النزول ص ١٨٤، ١٨٥ من طريق ابن عيينة به. وأخرجه ابن المبارك فى الجهاد (١٠٤) ، وابن سعد
٥٠٧/٣، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٠٢/٦ بنحوه مطولاً، والطبرانى (٤٦٨٣)، والحاكم ٣٥٣/٣،
والبيهقى ٢١/٩ من طريق ابن جدعان به، وأخرجه أحمد فى الزهد ص ٢٥٠، ٢٥١، وأبو يعلى (٣٤١٣)،
وابن حبان (٧١٨٤)، والحاكم ٢/ ١٠٤، وابن الأثير فى أسد الغابة ١٨٢/٦ من طريق ثابت عن أنس بنحوه
مطولاً . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٦/٣ إلى ابن أبى عمر العدنى فى مسنده وابن مردويه .
٤٦٩
سورة التوبة : الآية ٤١
كان رجلٌ مِن النَّخَع، وكان شَيْخًا بادِنًا(١) ، فأرادَ الغزوَ، فمنَعه سعدُ بنُ أبی وَقَّاصٍ،
فقال: إِن اللَّهَ يقولُ: ﴿آنِفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. فَأَذِنَ له سعدٌ . فقُتِل الشيخُ،
فسأل عنه بعدُ عمرُ، فقال: ما فَعَل الشيخُ الذى كأنهُ(١) مِن بنى هاشم؟ فقالوا: قُتِل
يا أميرَ المؤمنين .
حدَّثنا ابنُ وَكِيعِ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ ، عن إسماعيلَ، عن أبى صالحٍ،
قال : الشابُّ والشيخُ(٢).
قال : ثنا أبو أسامةَ، عن مالكِ بنِ مِغْوَلٍ، عن إسماعيلَ، عن عِكْرمةَ، قال:
الشابُّ والشيخُ(٤) .
قال: ثنا المحاربيُّ، عن جُوَيرٍ، عن الضَّخَّاكِ: كُهُولًا وشَُانًا .
قال : ثنا حَبُّويَةُ(٥) أبو يزيدَ، عن يعقوبَ القُمِّىِّ، عن جعفرِ بنِ محُمَيدٍ ، عن بِشْرِ
ابنِ عَطِيَّةَ : كُهُولًا وشُبَانًا .
حدَّثنا الوليدُ، قال: ثنا علىُّ بنُ سَهْلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مُسلمٍ، عن بُكَيرِ(٦)
ابنِ مَعْروفٍ، عن مُقاتِلٍ بنِ حَيَّنَ، فى قولِه: ﴿ آنِفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. قال :
شُبَّانًا وكُهُولًا .
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبی
(١) رجل بادن : سمين جسيم. اللسان (ب د ن).
(٢) فى م: (( كان)).
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٠٦/٥ عن يزيد بن هارون به .
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٠٦/٥ عن أبى أسامة به .
(٥) فى م: (( حيوة)).
(٦) فى ف: ((بكر)). وينظر تهذيب الكمال ٢٥٢/٤.
٤٧٠
سورة التوبة : الآية ٤١
تَجيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿ آنِفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. [٩٤٠/١ظ] قال: شَبَابًا وشُيُوخًا،
وأغنياءً ومساكينَ.
حدَّثْنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ:
شُيُوخًا وشَُانًا (١).
حدَّثنى سعيدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا بَقِيَّةُ، قال: ثنا حريةٌ(١)، قال: ثنى حِبَّانُ(١) بنُ
زيدِ الشَّرْعَيُّ، قال: نَفَرْنا مع صَفْوانَ بنِ عمٍو، وكان واليًا على حِمْصَ قِبَلَ
الأَقْشوس(٤)، إلى الجَرَّاجِمةِ(٥) ، فَلَقِيتُ شَيْخًا كبيرًا هِمَّا) قد سَقَط حاجِباه على
عَيْنَيهِ مِن أهلِ دمشقَ على راحلته فيمَن أغارَ، فأقبَلتُ عليه فقلتُ : يا عَمِّ ، لقد أعذَر
اللَّهُ إليك. قال: فَرَفَع حاجِبَيه، فقال: يا ابنَ أخى، اسْتَنْفَرَنا اللَّهُ خِفافًا وثقالًا، مَن
يُحِبّه اللَّهُ يَبْتَلِهِ، ثم يُعِيدُه فِيَبْتَلِيه(٧)، وإنما يَتَلى اللّهُ مِن عباده مَن شَكَر وصَبر وذكر ولم
يَعْبُدْ إلا اللَّهَ .
حدَّثنا أحمدُ بنُّ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ ، قال: ثنا إسماعيلُ، عن أبى
صالحٍ: ﴿ أَنِفِرُواْ خِفَانًا وَثِقَالًا ﴾ . قال: كلُّ شَئِخِ وشابٍّ.
وقال آخرون : معنى ذلك مَشاغيلُ وغيرُ مَشاغِيلَ .
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٠٦/٥ من طريق قتادة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٦/٣ إلى أبى الشيخ.
(٢) فى م، ت ١: ((جرير)). وينظر تهذيب الكمال ٥٦٨/٥.
(٣) فى ص، ف: ((حيان)). وينظر تهذيب الكمال ٣٣٦/٥.
(٤) الأفسوس : بلد بثغور طرسوس ، يقال إنه بلد أصحاب الكهف ، وطرسوس مدينة بثغور الشام بين أنطاكية
وحلب وبلاد الروم. معجم البلدان ٣٣٠/١، ٠٥٣٦/٣
(٥) الجراجمة : قوم من العجم بالجزيرة أو نَّبَط الشام. التاج (جرجم).
(٦) الهِمّ: الشيخ الكبير البالى، وجمعه أهمام. اللسان (هـ م م).
(٧) فى م: (( فیبقيه)).
٤٧١
سورة التوبة : الآية ٤١
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ وابنُ وَكِيعِ، قالا: ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال : ثنا سُفيانُ ، عن منصورٍ ،
عن الحكم فى قوله: ﴿أَنْفِرُواْ خِفَانًا وَثِقَالًا﴾. قال: مَشاغِيلُ وغيرُ مَشاغِيلَ(١).
وقال آخرون: معناه : انفروا أغنياء وفقراءَ .
/ ذكرُ مَن قال ذلك
١٣٩/١٠
حدَّثنا ابنُ محُمَيدٍ ، قال: ثنا حَكّام، عن عَنْبسةَ، عمَّن ذكَرَه، عن أبى صالحٍ :
﴿ أَنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. قال: أغنياءَ وفقراءَ(١).
وقال آخرون : معناه : نشاطًا وغيرَ نِشاطٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبی ، عن
أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ آنِفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. يقولُ: انْفِرُوا نِشاطًا وغيرَ
(٣)
نشاطٍ (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةً:
﴿ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. قال: نشاطًا وغيرَ نِشاطٍ (٤).
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٠٦/٥، وابن أبى حاتم ١٨٠٣/٦ من طريق ابن مهدى به. وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٢٤٦/٣ إلى ابن المنذر.
(٢) ذكره البغوی فی تفسيره ٤/ ٥٣.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦/ ١٨٠٢، ١٨٠٣ عن محمد بن سعد به .
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٧٦/١ عن معمر به، وأخرجه ابن أبى شيبة ٣٠٦/٥ من طريق سعيد عن
قتادة .
٤٧٢
سورة التوبة : الآية ٤١
وقال آخرون: معناه : رُكْبَانًا ومُشَاةً .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا علىُ بنُ سَهْلِ، قال: ثنا الوليدُ، قال: قال أبو عمرو : إذا كان النَّفْرُ إلى
دُرُوبِ الشامِ، نَفَر الناسُ إليها ﴿ خِفَافًا﴾ رُكبانًا، وإذا كان النَّفْرُ إلى هذه
السواحلِ، نَفَرُوا إليها" ﴿ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ رُكْبَانًا وَمُشَاةً(٢).
وقال آخرون : معنى ذلك : ذا ضَيْعةٍ ، وغيرَ ذى ضَيْعةٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ، فى قوله :
﴿ أَنِفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. قال: الثَّقِيلُ الذى له الضَّيْعةُ، فهو ثَقيلٌ يَكْرَهُ أن
يُضَيِّعَ ضَيْعتَه، ويَخْرُجَ، والخفيفُ الذى لا ضَيْعَةَ له، فقال اللَّهُ: ﴿ آنِفِرُواْ خِفَافًا
وَثِقَالًا ﴾﴾(٢).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا المُغْتَمِرُ، عن أبيه، قال: زَعَم حَضْرَمِنَّ أنه ذُكِر
له أن ناسًا كانوا عسى أن يكونَ أحدُهم عَليلًا أو كبيرًا، فيقولُ - ()إنى أُحْسَبُه
قال -: أنا لاْ) آثَمُ. فَأَنزَل اللَّهُ: ﴿انفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾(٢).
(١ - ١) سقط من: ت ١، س، ف.
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤/ ٩٧.
(٣) ذكره البغوی فی تفسيره ٤/ ٥٣.
(٤ - ٤) فى ص، ت ١، ت ٢، س: ((ان احسه أنا قال)). وفى ف: ((ان احسه قال أنا قال)). وينظر
مصدرى التخريج .
(٥) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٩٦/٤ عن معتمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٦/٣ إلى المصنف.
٤٧٣
سورة التوبة : الآية ٤١
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ ، قال : ثنا أيوبُ، عن محمدٍ ،
قال: شَهِد أبو أيوبَ مع رسولِ اللَّهِ عَ ه بدرًا، ثم لم يَتَخَلَّفْ عن غَزاةٍ للمسلمين إلا
وهو فى أخرى (١) ، إلا عامًا واحدًا، وكان أبو أيوبَ يقولُ: ﴿أَنِفِرُواْ خِفَافًا
وَثِقَالًا﴾. فلا أَجِدُنى إلا خَفِيفًا أو ثَقِيلًا(٢) .
حدَّثنا علىُّ بِنُ سَهْلٍ، قال : ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال : ثنا (٣حَرِزُ بن٣ُ) عثمانَ ،
عن راشدِ بنِ سعدٍ، عمَّن رَأَى المِقْدَادَ بنَ الأسودِ فارسَ رسولِ اللهِ عَ لَّهِ على تابوتٍ مِن
تَوابيتِ الصَّيَارِفِةِ بحِمْصَ، وقد فَضَل عنه مِن عِظَمِه(٤) ، فقلتُ له: لقد أعذَر اللَّهُ
إليك. فقال: أَبَتْ(٥) علينا سورةُ ((البُحوثِ(٢))؛ ﴿أَنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالَا﴾(١).
حدَّثنا سعيدُ بنُ عمرو السَّكُونىُ ، قال: ثنا بَقِيَّةُ بنُ الوليدِ ، قال: ثنا حَريزٌ ،
قال: ثنى عبدُ الرحمنِ بنُ / مَيْسَرةَ، قال: ثنى أبو راشدِ الحُرانىُ، قال: وَافَيْتُ
المِقْدادَ بنَ الأسودِ فارسَ رسولِ اللهِ عَهِ جالِسًا على تابوتٍ مِن تَوابيتِ الصََّّارفةِ
١٤٠/١٠
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((آخرين)).
(٢) أخرجه ابن سعد ٣/ ٤٨٥، والحاكم ٤٥٨/٣ من طريق ابن علية وعندهما زيادات، وأخرجه ابن أبى
شيبة ٣٠٥/٥ من طريق أبى العوام عن أبى أيوب بمعناه .
(٣ - ٣) فى م، ف: ((جرير عن)). وينظر تهذيب الكمال ٥٦٨/٥.
(٤) یرید أنه زاد عن التابوت من سمنه .
(٥) فى م، ت ١، ت ٢، س، ف، وسنن البيهقى ومجمع الزوائد: ((أتت)). وأثبتناه كبقية مصادر التخريج
وهو موافق لما فی ص.
(٦) فى النسخ: ((البعوث)). وهو تحريف. وسيأتى فى الأثر التالى على الصواب. قال ابن الأثير: ((فى
حديث المقداد : ((قال أبت علينا سورة البحوث ... )) يعنى سورة التوبة ، سميت بها لما تضمنت من البحث
عن أسرار المنافقين، وهو إثارتها والتفتيش عنها. والبحوث جمع بحث. ورأيت فى الفائق سورة البحوث بفتح
الباء، فإن صحت فهى فعول من أبنية المبالغة ... ويكون من باب إضافة الموصوف إلى الصفة)) اهـ. النهاية
٠٩٩/٢
(٧) ينظر الأثر الآتى .
٤٧٤
سورة التوبة : الآية ٤١
بحِمْصَ، قد فَضَل عنها(١) مِن عِظَمِه، يريدُ الغَزْوَ، فقلتُ له: لقد أعذَرِ اللَّهُ إليك .
فقال: أَبَتْ علينا سورةُ ((البُحوثِ(١)))؛ ﴿أَنفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾(١).
قال أبو جعفرٍ: وَأَوْلى الأقوالِ فى ذلك عندَنا بالصوابِ أن يقال: إن اللَّه تعالى
ذكرُه أمَر المؤمنين بالنَّفْرِ لجهادِ أعدائِه فى سبيله، خِفافًا وثِقالًا. وقد يَدْخُلُ فى
الخِفافِ كلُّ مَن كان سَهْلاً عليه [٩٤١/١ و] النَّفْرُ؛ لِقُوَّةِ بَدَنِه على ذلك، وصِحَّةٍ
جِسْمِهِ وشَبابِهِ، ومَن كان ذا يُشْرٍ(٤) بمالٍ وفَراغٍ مِن الاشتغالِ، وقادرًا على الظُّهْرِ
والرّكابٍ، ويَدْخُلُ فى الثِّقالِ كلِّ مَن كان بخلافٍ ذلك ، مِن ضعيفِ الجسمِ وعَليلِه
وسَقِيمِه، ومِن مُعْسِيرٍ مِن المالِ، ومُشْتَغِلٍ بضَيْعةٍ ومَعاشٍ، ومَن كان لا ظَهْرَ له ولا
رِكابَ، والشيخُ ذو السِّنِّ والعِيالِ .
فإذا كان قد يَدْخُلُ فى الخِفافِ والثِّقالِ مَن وَصَفْنا مِن أَهلِ الصِّفاتِ التى
ذكرنا ، ولم یکن اللّهُ جلّ ثناؤه خصَّ مِن ذلك صِنْفًا دونَ صِنْفٍ فى الكتاب ، ولا
على لسانِ الرسولِ عَ لَه، ولا نَصَبَ على خُصوصِه دليلاً - وَجَب أن يقالَ: إِن اللَّهَ
جلّ ثناؤه أَمَر المؤمنين مِن أصحابٍ رسولِه بالنَّفْرِ للجهادِ فى سبيلِه خِفَافًا وثِقَالًا مع
رسولِه عَلَه، على كلِّ(٥) حالٍ مِن أحوالِ الخِقَّةِ وَالثُّقَلِ.
حدّثنا أحمدُ بنُإسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا إسرائیلُ ، عن سعيد بنِ
(١) فى م: ((عنه)). وفى مجمع الزوائد: ((عليها)). قال الشيخ شاكر: التابوت مذكر وقد يؤنث.
(٢) فى م، ومجمع الزوائد: ((البعوث)).
(٣) أخرجه الطبرانى ٢٣٦/٢٠ (٥٥٦)، والحاكم ٣٤٩/٣ من طريق بقية به، وأخرجه ابن أبى شيبة ٣١٥/٥،
٣١٦، وابن أبى حاتم ١٨٠٢/٦ من طريق حريز به، وأخرجه البيهقى ٢١/٩ من طريق جبير بن نفير عن
المقداد بنحوه .
(٤) فى م: (( تيسر)).
(٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.
٤٧٥
سورة التوبة : الآية ٤١
مَشْروقٍ، عن مُسْلم بنِ صُبَيح، قال: أوَّلُ ما نَزَل مِن ((بِراءةَ)) ﴿ آنِفِرُواْ خِفَافًا
وَثِقَالًا ﴾ .
حدَّثنا ابنُّ وَكيع، قال: ثنا أبى، عن سُفيانَ، عن أبيه، عن أبى الضُّحَى
(١)
مثلَهُ(١).
حدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حَجَّاجْ، عن ابنِ لُجُرَيْجُ ، عن
(٢)
مُجاهدٍ، قال: إن أوَّلَ ما نَزَل مِن ((براءةَ)): ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِى مَوَاطِنَ
كَثِيرَةٍ ﴾ [التوبة: ٢٥]. قال: يُعَرِّفُهِم نَصْرَه، ويُوَطِّئُهم(٣) لغزوةٍ تَبُوكَ(٤).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَجِهِدُواْ بِأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ
خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُتُمْ تَعْلَمُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به وبرسولِه مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ عَّهِ:
﴿وَجَهِدُواْ﴾ أيُّها المؤمنون، الكفارَ، ﴿بِأَنْوَلِكُمْ﴾. فأنْفِقُوها فى مُجاهدتِهم
على دينِ اللَّهِ الذى شَرَعه لكم، حتى يَنْقادوا لكم، فيَدْخُلوا فيه طَوْعًا أو كَرْهًا ، أو
يُعْطُوكم الجِزْيَةَ عن يَدٍ صَغَارًا، إن كانوا أهلَ كتابٍ، أو تَقْتُلُوهم، ﴿ وَأَنْفُسِكُمْ﴾.
يقولُ: وبأنفسِكم، فقاتِلوهم بأيديكم، يُخْزِهِمُ اللَّهُ ويَنْصُرْكم عليهم، ﴿ذَلِكُمْ
خَيْرٌ لَّكُمْ﴾. يقولُ: هذا الذى آمُكم به مِن النَّفْرِ فى سبيلِ اللهِ تعالى خِفافًا وثِقالًا ،
وجهادِ أعداءِ اللَّهِ بأموالكم وأنفسكم - خيرٌ لكم مِن التَّاقُلِ إلى الأرض إذا
(١) تفسير الثورى ص ١٢٦، ١٢٧، وذكره ابن كثير ٤/ ٩٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٦/٣ إلى
الفريابي وأبى الشيخ .
(٢) فى م: (( جرير)).
(٣) فى (ت ٢: ((يوطيهم). وفى تفسير مجاهد: ((يوطئهم أن يوطنهم)). وينظر تفسير ابن أبى حاتم.
(٤) تفسير مجاهد ص ٣٦٧، ومن طريقه ابن أبى حاتم ١٧٧٢/٦.
٤٧٦
سورة التوبة : الآيتان ٤١، ٤٢
اسْتُنْفِرْتم، والخُلُودِ إِليها، والرّضا بالقليلِ مِن مَتاع الحياةِ الدنيا عِوَضًا مِن الآخرةِ، إِن
كنتُم مِن أهلِ العلمِ بحقيقةِ ما يُيِّنَ لكم مِن فَضْلِ الجهادِ فى سبيلِ اللَّهِ على القُعُودِ
عنه .
١٤١/١٠
/ القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِبِبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لََّتَبَعُوكَ وَلَكِنْ
ج
بَعُدَتْ عَلَتِهِمُ الشُفَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ أَسْتَطَعْنَا لَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ
٤٢
وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ
يقولُ جلّ ثناؤه للنبىِّ عَلَّمٍ - وكانت جماعةٌ مِن أصحابِه قد استأذنوه فى
التَّخَلَّفِ عنه حينَ خَرَج إلى تبوكَ، فأَذِن لهم -: لو كان ما تَدْعو إليه المتُّخَلِّفِين
عنك ، والمُسْتأذِنِيك فى تَوْكِ الخروج معك إلى مَغْزَاك الذى اسْتَنْفَرْتهم إليه ﴿ عَرَضًا
قَرِيبًا﴾. يقولُ: غَنِيمةً حاضِرةٌ، ﴿وَسَفَرًّا قَاصِدًا﴾. يقولُ: ومَوْضِعًا قَرِيبًا
سَهْلًا، ﴿لََّتَبَعُوَكَ﴾ ونَفَروا معك إليهما، ولكنَّك اسْتَنْفَرْتَهم إلى مَوْضِعٍ بَعِيدٍ ،
وكَلَّفْتَهم سَفَرًا شَاقًّا عليهم؛ لأنك اسْتَنْهَضْتَهم فى وَقْتِ الحَرَّ، وزمانِ القَيْظِ،
وحينَ الحاجةِ إلى الكِنِّ(١)، ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ أُسْتَطَعْنَا ◌َرَجْنَا مَعَكُمْ﴾ .
يقولُ تعالى ذكرُه: وسَيَخْلِفُ لك، يا محمدُ ، هؤلاء المُسْتَأْذِنوك فى تَوْكِ الخروجِ
معك - اعْتِذارًا منهم إليك بالباطلِ، لِتَقْبَلَ منهم ◌ُذْرَهم، وتَأْذَنَ لهم فى التَّخَلُّفِ
عنك - باللّهِ كاذِبِين: ﴿لَوٍ أَسْتَطَعْنَا لَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾. يقولُ: لو أَطَفْنا الخروجَ
معكم، بوجودِ السَّعَةِ والمراكبٍ والظَّهُورِ وما لا بدَّ للمسافرِ والغازِى منه، وصِحّةٍ
البَدَنِ والقُوَى، لخَرَجْنا معكم إلى عدوّكم. ﴿يُّهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾. يقولُ:
يُوجِبُونَ لأنفسِهم بحَلِفِهم باللّهِ كاذِبِين الهلاكَ والعَطَبَ؛ لأنهم يُورِثُونها سَخَطَ
(١) الكِن: وقاء كل شيء وستره، وهو ما يَؤُدُّ الحر والبرد من الأبنية والمساكن. اللسان (ك ن ن).
٤٧٧
سورة التوبة : الآيتان ٤٢، ٤٣
اللَّهِ ، وَيُكْسِبُونها أليمَ عِقَابِهِ، ﴿ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾. فى حَلِفِهم باللّهِ:
﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا لَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾؛ لأنهم كانوا للخروجِ مُطِيقِين، بوجودِ السبيلِ
إلى ذلك بالذى كان عندَهم مِن الأموالِ ، مما يَحْتَاجُ إليه الغازى فى غزوِهِ، والمُسافِرُ
فِى سَفَرِهِ، وصِحَّةِ الأبدانِ وَقُوَى الأَجْسامِ .
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
[٩٤١/١ط] ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَوْ كَانَ
عَرَضًا قَرِيبًا﴾ إلى قوله: ﴿لَكَذِبُونَ﴾: إنهم يَسْتَطِيعون الخُرُوجَ، ولكن كان تَبْطِئَةً
مِن عندِ أنفسِهم والشيطانِ، وزَهَادً فى الخيرِ(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ ، عن مَعْمَرٍ ، عن قتادةَ :
﴿لَوْ كَانَ عَرَضَا قَرِيبًا﴾. قال: هى غزوةُ تبوكَ(٢).
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ: ﴿ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ
لَكَذِبُونَ﴾. أى: إنهم يَسْتَطِيعون(٢).
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿عَفَا ◌َللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَّنَ لَكَ
٤٣
اُلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ اُلْكَذِبِيِنَ
/وهذا عتابٌ مِن الله تعالی ذکرُه، عائَب به نَبِّه چلآ﴾ فی إذْنِه لمن أُذِن له فی
التَّخَلُّفِ عنه، حينَ شَخَص إلى تَبَوكَ لغزوِ الرومِ، مِن المُنافِقِين .
١٤٢/١٠
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٧/٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وفيه: ((الجهاد)) بدل ((الخير)).
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٧٦/١ عن معمر به .
(٣) سيرة ابن هشام ٥٤٩/٢، وأخرجه ابن أبى حاتم ١٨٠٥/٥ من طريق سلمة به .
٤٧٨
سورة التوبة : الآية ٤٣
يقولُ جلّ ثناؤه: ﴿عَفَا ◌َللَّهُ عَنكَ﴾، يا محمدُ، ما كان منك فى إِذْنِك
لهؤلاء المتافِقِين الذين استأذَنوك فى تَوْكِ الخروج معك، وفى التَّخَلَّفِ عنك، مِن قبلِ
أن تَعْلَمَ صِدْقَه مِن كَذِبِهِ، ﴿لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾. لأىِّ شىءٍ أَذِنْتَ لهم؟ ﴿ حَقَّ
يَتَبَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ اُلْكَذِبِينَ﴾. يقولُ: ما كان ينبغى لك أن تَأْذَنَ
لهم فى التَّخَلَّفِ عنك إِذ قالوا لك: لو استَطَعْنا لخرجنا معك. حتى تَعْرِفَ مَن له
العُذْرُ منهم فى تَخَلَّفِه، ومَن لا عُذْرَ له منهم، فيكونَ إِذْنُك لَمَن أَذِنْتَ له منهم على
علمٍ منك بِعُذْرِهِ، وتَعْلَمَ مَن الكاذبُ منهم المُتُّخَلِّفُ نِفاقًا وشَكًّا فى دينِ اللَّهِ .
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُّ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
تَجيح، عن مُجاهدٍ: ﴿عَفَا ◌َللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾. قال: ناسٌ قالوا:
اسْتَأْذِنوا رسولَ اللَّهِ يَّهِ، فإن أَذِنَ لكم فاقْعُدُوا، وإن لم يَأْذَنْ لكم
فاقْعُدُوا(١) .
حدَّثْنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿عَفَا اللَّهُ
عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَقَّى يَتَبَّنَ لَذُكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ﴾ الآية. عاتَه كما
تَسْمَعون، ثم أَنزَل اللَّهُ التى فى سورةِ ((النورٍ))، فرَخَّص له فى أَن يَأْذَنَ لهم إن شاء،
فقال: ﴿فَإِذَا اسْتَئْذَنُوَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور: ٦٢].
(١) تفسير مجاهد ص ٣٦٩، ومن طريقه ابن أبى حاتم ١٨٠٥/٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٧/٣
إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر .
٤٧٩
سورة التوبة : الآيتان ٤٣ ، ٤٤
فجَعَله اللَّهُ رُخْصَةً فى ذلك مِن ذلك(١).
حدَّثنى الحارثُ ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ بنُّ عُيَينةً ، عن عمرو بنِ
دينارٍ، عن عمرٍو بنٍ مَيْمونٍ الأَوْدِىِّ، قال: اثنتان فَعَلهما رسولُ اللَّهِ مَّلِ لم يُؤْمَرْ
فيهما بشىءٍ ؛ إِذْنُه للمُنافِقِين، وأُخْذُه مِن الأسارى، فأنزَل اللَّهُ: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ
◌ِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ الآية (٢) .
حدَّثنا ابنُّ وَكِيع، قال: ثنا عُبَيْدُ بنُّ سُليمانَ، قال: قرأتُ على سعيدِ بن أبى
عَروبةَ، فقال: هكذا سمِعتُه مِن قتادةَ، قوله: ﴿عَفَا ◌َللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾
الآية: ثم أَنزَل اللَّهُ بعدَ ذلك فى سورةِ ((النورِ )): ﴿فَإِذَا اُسْتَتْذَنُكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ
فَأَذَنْ لِّمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ الآية(٣).
حدَّثنا صالحُ بنُ مسمارٍ ، قال: ثنا النضرُ بنُ شُمَيلٍ، قال : أخبرنا موسى بنُ
سَرْوَانَ(٤)، قال: سألْتُ مُوَرِّقًا عن قوله: ﴿عَفَا اَللَّهُ عَنكَ﴾ قال: عاتبه ربُّه(٥) .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿لَا يَسْتَعْذِتُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآخِرِ
أَنْ يُجَتِهِدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُنَّقِينَ
٤٤
وهذا إعلامٌ مِن اللَّهِ نبيَّه عَلَه سِيمًا المُنَافِقِين، أن مِن علاماتِهم التى يُعْرَفون بها،
تَخَلَّفَهم عن /الجهادِ فى سبيلِ اللَّهِ باستئذانِهِم رسولَ اللهِ سُ له فى تَرْكِهم الخروج معه
١٤٣/١٠
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤ / ٩٩.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٩٤٠٣)، وسعيد بن منصور فى سننه (١٠١٧ - تفسير) عن سفيان به .
(٣) أخرجه النحاس فى ناسخه ص ٥٠٥ من طريق سعيد به. وأخرجه ابن أبى حاتم ١٨٠٥/٦ من طريق
همام عن قتادة . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٧/٣ إلى ابن المنذر وأنى الشيخ.
(٤) فى م: «مروان))، وينظر تهذيب الكمال ٤٠/٢٩، ٦٨.
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم ١٨٠٥/٦ من طريق النضر بن شميل به .
٤٨٠
سورة التوبة : الآيتان ٤٤، ٤٥
إذا اسْتُنْفِرُوا بالمعاذيرِ الكاذبةِ .
يقولُ جل ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ مِّهِ: يا محمدُ، لا تَأْذَنَنَّ فِى الَّخَلُّفِ عنك - إذا
خَرَجْتَ لغزوٍ عدوّك - لَمن استأذَنك فى التَّخَلَّفِ مِن غيرِ عُذْرٍ ، فإنه لا يَسْتَأْذِنُك فى
ذلك إلا مُنافِقٌ لا يؤمنُ باللَّهِ واليومِ الآخرِ. فأمَّا الذى يُصَدِّقُ بِاللَّهِ وَيُقِرُّ بوَحْدانيتِه
وبالبعثِ والدارِ الآخرةِ والثوابِ والعقابِ ، فإنه لا يَسْتأذِنُك فى تَوْكِ الغزوِ وجهادِ
أعداءِ اللَّهِ بمالِهِ ونفسِه، ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِلْمُنَّقِينَ﴾. يقولُ: واللَّهُ ذو علمٍ بَمَن خافَه
فاتَّقاه بأداءِ فَرائضِه، [٩٤٢/١و] واجتنابٍ مَعاصِيه، والمسارعةِ إلى طاعتِه فى غَزْوِ
عدوّه وجهادِهم بمالِهِ ونفسِه ، وغيرِ ذلك مِن أمرِهِ ونَهِْهِ .
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی المثنی ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثنی معاویةُ، عن علىّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿لَا يَسْتَعْذِئُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. فهذا تَغْيِيرٌ للمُنافِقِين حينَ استأذَنوا
فى القُعُودِ عن الجهادِ مِن غيرِ عُذْرٍ، وعَذَر اللَّهُ المؤمنين فقال: ﴿لَّمْ يَذْهَبُواْ حَتَّى
٤, (١)
يَسْتَعْدِنُوهُ﴾(١) [النور: ٦٢]
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ إِنَّمَا يَسْتَغْذِئُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ
٤٥
وَأَرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِ رَيْبِهِمْ يَرَدَّدُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه مَّهِ: إِنما يَسْتأذِنُك، يا محمدُ ، فى الَّخَلَّفِ خِلافَك ،
وتَرْكِ الجهادِ معك، مِن غيرٍ عُذْرٍ بَيِّنِ - الذين لا يُصَدِّقون باللّهِ ولا يُقِرُّون بتوحيدِه ،
(١) أخرجه أبو عبيد فى ناسخه ص ٢٧٣، وابن أبى حاتم ٦ / ١٨٠٦، والنحاس فى ناسخه ص ٥٠٦ من
طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٧/٣ إلى ابن المنذر.