Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ سورة التوبة : الآية ١٩ السُّدِّىِّ: ﴿ أَجَعَلْتُ سِقَايَةَ الْحَجِ وَعَمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْخَرَّامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِلَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَهَدَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُنَ عِندَ اللهِ﴾. قال: اقْتَخَر علىٌّ وعباسٌ وشيبةُ بنُ عثمانَ ؛ فقال العباسُ : أنا أفضلُكم؛ أنا أسْقِى حُجَّاجَ بيتِ اللهِ . وقال شيبةُ : أنا أَعْمُرُ مسجدَ اللهِ. وقال عليٍّ: أنا هاجَرْتُ مع رسولِ اللهِ عَلِ ، وأجاهِدُ معه فى سبيلِ اللهِ . فأنزل اللهُ: ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى ﴿نَفِيهٌ تُقِيئُ﴾ . حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ ، قال: ثنا عُبَيَدُ بنُّ سليمانَ ، قال: سمِعتُ الضَََّّاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ أَجَعَلْتُ سِقَايَةَ الْحَاَجِ﴾ الآية: أقبلَ المسلمون على العباس وأصحابِه الذين أَسِرُوا يومَ بدرٍ يُعَيُِّونهم بالشِّرْكِ ، فقال العباسُ: أما واللهِ لقد كُتَّا نَعْمُرُ المسجدَ الحرامَ، ونَفُكُّ العانِىَ، ونَحْجُبُ البيتَ ، ونَشْقِى الحاجّ. فأنزل اللهُ: ﴿أَجَعَلْتُ سِقَايَةَ الْحَاَجِ﴾ الآية. فتأويلُ الكلام إذن: أَجَعَلْتُم، أيُّها القومُ، سِقايةَ الحاجّ، وعمارةَ المسجدِ الحرامِ ، كإِيمانِ مَن آمَن باللهِ واليومِ الآخرِ، وجاهَد فى سبيلِ اللهِ ! ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾: هؤلاء وأولئك، ولا تَغْتَدِلُ أحوالُهما عندَ اللهِ ومَنازِلُهما؛ لأن الله تعالى لا يَقْبَلُ بغيرِ الإيمانِ به وباليومِ الآخرِ عملًا، ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ الظَِّلِينَ﴾. يقولُ: واللهُ / لا ٩٧/١٠ يُوفِّقُ لصالح الأعمالِ مَن كان به كافرًا، ولتوحيدِه جاحِدًا . ووُضِع الاسمُ موضعَ المصدرِ فى قولِه: ﴿ كَمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ ﴾؛ إذ كان معلومًا معناه، كما قال الشاعرُ(١): لَعَمْرُكَ ما الفِتْيانُ أَن تَنْبُتَ اللِّحَى ولَكِنَّما الفِتْيَانُ كُلُّ فَتَّى نَدِى (١) البيت فى معانى القرآن ٤٢٧/١، أنشده الكسائى للفراء. ٣٨٢ سورة التوبة : الآيات ١٩ - ٢١ فجعَل خبرَ الفتيانِ ((أن))، وهو كما يقالُ: إنما السَّخاءُ حاتمٌ، والشِّعْرُ (١) زهيرٌ(١). القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ ٢٠ بِأَقَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُوْلَكَ هُ الْفَِّرُونَ [٩٢٨/١ظ] وهذا قضاءٌ مِن اللهِ بينَ فِرَقِ المُفْتَخِرِين الذين افتَخَر أحدُهم بالسّقايةِ، والآخر بالسّدانةِ ، والآخَرُ بالإِيمانِ باللهِ والجهادِ فى سبيله ، يقول تعالى ذكرُه: ﴿ اَلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ باللهِ وصَدَّقوا بتوحيدِه مِن المشركين، ﴿ وَهَاجَرُوا ﴾ دورَ قومِهم، ﴿وَجَهَدُواْ﴾ المشركين فى دينِ اللهِ، ﴿ يِأَمَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَبَةً عِندَ اللّهِ﴾ وأرفعُ منزلةً عندَه مِن سُقاةِ الحاجُ وعُمَّارِ المسجدِ الحرامِ ، وهم باللهِ مُشْرِكون، ﴿ وَأُوْلَئِكَ﴾. يقولُ: وهؤلاء الذين وَصَفْنا صِفَتَهم، أنهم آمنوا وهاجَروا وجاهَدوا، ﴿هُ الْفَابِرُونَ﴾ بالجنةِ ، الناجون مِن النارِ . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ يُبَشِرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَنٍ وَجَنَّتٍ لَّْ فِيَهَا نَغِيرٌ مُّقِيئُ ٢١ يقولُ تعالى ذكره: يُبَشِّرُ هؤلاء الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا فى سبيلِ اللهِ - ﴿ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِنْهُ﴾ لهم، أنه قد رحمهم مِن أن يُعذّبهم ، وبرضوانٍ منه لهم ، بأنه قد رَضِى عنهم بطاعتِهم إِيَّه، وأدائِهم ما كَلِّفَهم، ﴿ وَجَنَّتٍ﴾. يقولُ: وبَساتينُ ﴿ لَّمْ فِيهَا نَعِيرٌ مُّقِيهُ﴾: لا يَزُولُ ولا يَبِيدُ، ثابتٌ دائمٌ أبدًا لهم. حدَّثنا ابنُ بَشَّارِ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزبيرىُّ(١) ، قال: ثنا سفيانُ، عن محمد (١) ينظر المصدر السابق . (٢) فى م: ((الموسوى))، فى ت١، ت٢: ((الزهرى)). ٣٨٣ سورة التوبة : الايات ٢١ - ٢٣ ابنِ المُتْكَدِرِ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: إذا دَخَل أهلُ الجنةِ الجنةَ ، قال اللهُ سبحانَه : أَعْطِيكم أفضلَ مِن هذا. فيقولون : رَبَّنا ، أَىُّ شىءٍ أفضلُ مِن هذا؟ قال : رِضْوانی(١). القولُ فى تأويل قوله: ﴿ خَلِينَ فِيَهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ: أَجْرٌ عَظِيمٌ ٢٢ يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿ خَلِينَ فِيهَا﴾ : ماكثِين فيها ، يعنى: فى الجناتِ ﴿ أَبَدًا﴾: لا نهايةَ لذلك ولا حَدَّ، / ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ: أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. يقولُ: إن اللَّه عنده لهؤلاء المؤمنين الذين نَعَتَهم جلَّ ثناؤه النعتَ الذى ذكَر فى هذه الآية - ﴿أَجْرُ﴾: ثوابٌ على طاعتِهم لربِّهم، وأدائِهم ما كَلَّفَهم مِن الأعمالِ عَظِيمٌ﴾، وذلك النعيمُ الذى وَعَدَهم أن يُعْطِيَهم فى الآخرةِ . ٩٨/١٠ القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُوَأْ ءَبَآءَ كُمْ وَإِخْوَنَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنْ أَسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَنَّ وَمَن يَنَّوَلَّهُم مِّنَكُمْ فَأُوْلَكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣ يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به وبرسوله : لا تَتَّخِذوا آباءَكم وإخوانكم بِطانةً وأصدقاءَ تُفْشُون إليهم أسرارَكم ، وتُطْلِعُونهم على عَورةِ الإسلامِ وأهلِه ، وتُؤْثِرون المُكْثَ بينَ أظْهُرِهم على الهجرةِ إلى دارِ الإسلامِ، ﴿إِنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى اُلْإِيمَنِ﴾. يقولُ: إن اختاروا الكفرَ باللهِ على التصديقِ به والإقرارِ بتوحيدِه، ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنْكُمْ﴾. يقولُ: ومَن يَتَّخِذْهم منكم بطانةٌ مِن دونِ المؤمنين ، ويُؤْثِرِ المُقَامَ معهم على الهجرةِ إلى رسولِ اللهِ ودارِ الإسلامِ، ﴿فَأَوْلَكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. يقولُ : فالذين يَفْعَلون ذلك منكم، هم الذين خالفوا أمرَ اللهِ ، فوضَعوا الولايةَ فى غيرِ (١) تقدم تخريجه فى ٢٧١/٥ . ٣٨٤ سورة التوبة: الآيتان ٢٣، ٢٤ موضعِها، وعَصَوا اللهَ فى أمرِه . وقيل : إن ذلك نَزَل نَهْيًا مِن اللهِ المؤمنين عن مُوالاةٍ أقربائهم الذين لم يُهاجِروا مِن أرضِ الشِّرْكِ إلى دارِ الإسلامِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عیسی، عن ابنِ أبی تَجِيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ : ﴿أَجَمَلْتُ سِقَائَةَ الْحَاَجِ وَعَمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ . قال: أَمِروا بالهجرةِ ، فقال العباسُ بنُ عبدِ المُطَّلبِ: أنا أَسْقِى الحاجّ. وقال طلحةٌ أخو بنى عبدِ الدارِ : أنا صاحِبُ الكعبةِ فلا نُهَاجِرُ. فَأَنزِلَت: ﴿لَا تَتَّخِذُوَاْ ءَابَآءَ كُمْ وَإِخْوَكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ إلى قوله: ﴿ يَأْتِى اَللَّهُ بِأَعْرِه﴾: بالفتحِ، فى أمرِهِ إِيَّهم بالهجرةِ ، هذا كلُّه قبلَ فتحِ مكةً(١) . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلّ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجْكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَلُ أَقْتَرَفْتُمُوهَا وَنْجَرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِه وَجِهَادٍ فِ سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِىَ اَللَّهُ ٢٤ بِأَمْرِهُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ يقولُ تبارك وتعالى لنبيّه محمدٍ عَّهِ: قلْ يا محمدُ، للمُتَخَلِّفِين عن الهجرةِ إلى دارِ الإسلام، المُقِيمِين بدارِ الشِّرْكِ: إن كان المُقَامُ مع آبائِكم وأبنائِكم وإخوانِكم وأزواجِكم وعَشِيرتِكم، وكانت ﴿أَقْوَلُ أَقْتَفْتُمُوهَا﴾ . يقولُ: اكتَسَبتُموها ، ﴿ وَنَجَرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾، بفراقِكم بلدَكم، ﴿ وَمَسَكِنُ / تَرْضَوْنَهَاَ﴾ فسَكَنتُموها - ﴿ أَحَبَ إِلَيْكُم﴾ مِن الهجرةِ إلى اللهِ ورسولِه، مِن دارِ الشِّرْكِ، ٩٩/١٠ (١) تفسير مجاهد ص ٣٦٥، ٣٦٦، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٦٨/٦، ١٧٧٠. ٣٨٥ سورة التوبة : الآية ٢٤ ومِن جهادٍ فى سبيلِه، يعنى: فى نُصْرةِ دينِ اللهِ الذى ارتَضاه، ﴿فَتَرَبَّصُواْ﴾ . يقولُ: فتَنَظّروا، ﴿حَتَّى يَأْتِى اَللَّهُ بِأَمْرِهُ﴾. حتى يأتىَ اللهُ بفتح مكةَ، ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ﴾. يقولُ: واللهُ لا يُؤَفِّقُ للخيرِ الخارجين عن طاعتِه وفى معصيته . وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدّثنی محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عیسی، عن ابنِ أُبی تَجِيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿حَّى يَأْتِىَ اَللَّهُ بِأَعْرِهِ﴾: بالفتحِ(١) . حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجْ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِىَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ : فتح مكةً . حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ الْمُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشُّدِّئِّ: ﴿ وَأَمْوَلُ أَقْتَفْتُمُوهَا وَتِجَرَّةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾. يقولُ: تَخْشَون أن تَكْسُدَ فتَبِيعونها(٢)، ﴿وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَاَ﴾. قال: هى القصورُ والمنازلُ(٣) . حدَّثْنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَمْوَالُ أَقْتَفْتُمُوهَا﴾. يقولُ: أَصَبْتُموها(٤) (١) تفسير مجاهد ص ٣٦٦، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٧٢/٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٣/٣ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ . (٢) فى ص، ت١، ت٢، س، ف: ((وأما)). (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٧١/٦ من طريق أحمد بن المفضل به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٣/٣ إلى أبى الشيخ . ٠ (٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٧١/٦ من طريق يزيد به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٣/٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ . ( تفسير الطبرى ٢٥/١١ ) ٣٨٦ سورة التوبة : الآية ٢٥ القولُ فى تأويل قوله جلَّ ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِی مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ خُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَمَ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْهِكُمُ الْأَرْشُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ تُذْبِينَ ٢٥ يقولُ تعالى ذكرُه: لقد نَصَركم اللهُ، أيُّها المؤمنون، فی أما کنٍ حربٍ تُوَطِّنون(١) فيها أنفسَكم على لقاءٍ عدوّكم، ومشاهدَ تَلْتَقون فيها أنتم وهم كثيرةٍ ، وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾. يقولُ: وفى يومٍ مُنَين أيضًا قد نَصَرَكم. وحُنَينٌ وادٍ ، فيما ذُكِر، بينَ مكةَ والطائفِ. وأُجْرِىَ؛ لأنه مذكرٌ، اسم المذكرٍ. وقد يُتْرَكُ إجراؤه، ويرادُ به أن يُجعَلَ اسمًا للبلدةِ التى هو بها، ومنه قولُ (٢) الشاعرٍ (٢) : بحُنَيْنَ يومَ تَوَاكُلِ الأَبْطالِ [٩٢٩/١ ٥] نَصَرُوا نَبِيَّهِمُ وشَّدُوا أَزْرَه حدَّثنى عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ ، قال: ثنى أبى، قال: ثنا أبانٌ العَطَّارُ، ١٠٠/١٠ قال: ثنا هشامُ بنُ / عُروةَ، عن عُزوةَ، قال: حنينٌ وادٍ إلى جنبٍ ذى المجَازِ (١). ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ وكانوا ذلك اليومَ، فيما ذُكِر لنا، اثْنَى عِشَرَ ألفًا . ورُوِى أن النبىَّ مَ ◌ّهِ قال ذلك اليومَ: ((لن نُغْلَبَ مِن قِلَّةٍ)) (٤). وقيل: قال ذلك رجلٌ مِن المسلمين مِن أصحابِ رسولِ اللهِ عَّةٍ(٥). وهو قولُ اللهِ: ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ (١) فى ص، ت١، ت٢، س، ف: ((تستوطنون)). (٢) البيت لحسان بن ثابت ، وهو فى ديوانه ص ٣٩٣. وينظر معانى القرآن ٤٢٩/١ . (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٧٣/٦ من طريق عبد الصمد به . (٤) سيرة ابن هشام ٢/ ٤٤٤. (٥) أخرجه البزار (١٨٢٧ - كشف) من حديث أنس، وينظر دلائل النبوة للبيهقى ١٢٣/٥. ٣٨٧ سورة التوبة : الآية ٢٥ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنَكُمْ شَيْئًا﴾. يقولُ: فلم تُغْنٍ عنكم كثرتُكم شيئًا، ﴿ وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾. يقولُ: وضاقَت الأرضُ بسِعتِها عليكم. و ((الباءُ)) هلهنا فى معنى ((فى))، ومعناه: وضاقَت عليكم الأرضُ فى رَحْبِها وبرَخْبِها ، يقالُ منه: مكانٌ رَحِيبٌ . أى واسِعٌ، وإنما سُمِّيت الرِّحابُ رِحابًا لسعتها . ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِينَ﴾: عن عدوِّكم مُنْهزِمِين مُدْبِرِين، يقولُ: وَلَّيتُمُوهم الأذبارَ، وذلك الهزيمةُ. يُخْبِرُهم تبارك وتعالى أن النصرَ بيدِه ومِن عندِه، وأنه ليس بكثرةِ العددِ وشِدَّةِ البَطْشِ، وأنه يَنْصُرُ القليلَ على الكثيرِ إذا شاءَ، ويُخَلِّى الكثيرَ و١ القليلَ فِيَهْزِمُ الکثیرُ. وبنحوِ ما قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثْنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيَرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ حتى بلَغ: ﴿وَذَلِكَ جَزَآءُ اَلْكَفِرِينَ﴾. قال: وحنينٌ ماءٌ بينَ مكةَ والطائفِ ، قاتَل عليها نبىُ اللهِ هَوازِنَ وثَقيفَ، وعلى هَوازنَ مالكُ بنُ عوفٍ أخو بنى نَصْرٍ، وعلى ثَقِيفَ عبدُ يالِيلَ بنُ عمرٍو النَّقَفِئُ(٢) . قال: وذُكِر لنا أنه خرَج يومَئذٍ مع رسولِ اللهِ عَِّ اثْنَا عَشَرَ ألفًا؛ عشَرَةُ آلافٍ مِن المهاجرين والأنصارِ، وألفانٍ مِن الطَّلَقاءِ. وذُكِر لنا أن رجلًا قال (١ - ١) سقط من: م، ت ١. وفى س: ((الكبير و)). (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٧٢/٦ من طريق يزيد به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٤/٣ إلى أبى الشيخ . ٣٨٨ سورة التوبة : الآية ٢٥ يومَئذٍ: لن نُغْلَبَ اليومَ بكثرةٍ . قال: وذُكِر لنا أن الطُّلقاءَ الْجَفَلوا(١) يومَئذٍ بالناسِ، وجَلَوا عن نبيِّ اللـهِ مَّهِ، حتى نَزَل عن بَعْلِتِهِ الشَّهْباءِ. وذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ قال: ((أىْ ربِّ، آتِنِى ما وَعَدْتَنَى))(٢) . قال: والعباسُ آخِذٌ بلِجامِ بغلةِ رسولِ اللهِ عَ لِّ ، فقال له النبيُّ ◌َه: ((نادٍ: يا مَعْشرَ الأنْصارِ، ويا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِين))(١). فجَعَل يُنادِى الأَنصارَ فَخِذًا فَخِذًا ثم قال: ((نادِ يا أصحابَ سورة البقرةِ)) (٤) . قال : فجاء الناسُ عُنُقًا واحدًا. فالتَفَتَ نبىُ اللهِ عَظِلّهِ، وَإِذا عِصَابٌ مِن الأنصارِ، فقال: ((هلْ معكم غيرُ كم؟)). فقالوا: يا نبيَّ اللَّهِ، واللهِ لو عَمَدْتَ إلى بَرْكِ الغِمادِ مِن ذى يَمَنٍ لكُنَّا معك. ثم أَنْزَل اللهُ نصرَه، وهَزَم عدوَّهم، وتَراجَع المسلمون. قال: وأخَذ رسولُ اللهِ كَفًّا مِن ترابٍ ، أو قَبْضةً مِن حَصْباءَ، فرَمَى بها وجوهَ الكفارِ ، وقال : (( شاهَتِ الوجوهُ)). فانْهَزموا. فلما جَمَع رسولُ اللهِ نَّمِ الغنائمَ، وأتَى الجعرانةَ ، فَقَسَم بها مَغاتمَ حُنَيْنِ، وتألَّفَ أَناسًا مِن الناسِ فيهم ؛ أبو سفيانَ بنُ حَرْبٍ ، والحارثُ ابنُّ هشامٍ ، وسُهيلُ بنُ عمرٍو ، والأفْرَعُ بنُ حابسٍ، فقالت الأنصارُ: أمِن(٦) الرجلُ وآثْرَ(١) قومَه. فبَلَغ ذلك رسولَ اللهِ عَظَه، وهو فى قُبَّةٍ له مِن أدَم، فقال: ((يا معشرَ الأنصارِ، ما هذا الذى بَلَغنى؟ ألم تَكونوا ضُلََّلًا فَهَدَا كم اللهُ، وكنتم أَذِلَّةً فأعزَّكم اللهُ، وكنتم وكنتم)). قال: فقال سعدُ بنُ عُبادةَ، رَحِمه اللهُ: ائْذَنْ لى فأتكَلَّمَ . ١٠١/١٠ قال: ((تَكَلَّمْ)). قال: أمّا قولُك /: ((كنتم ضُلَّالا فهَداكم اللهُ)). فكُنَّا كذلك. (١) أى: ذهبوا مسرعين. ينظر النهاية ٢٧٩/١. (٢) كذا فى النسخ. والمحفوظ أنه من قول النبى معَ هم فى بدر. (٣) أخرجه مسلم (١٠٥٩/ ١٣٥، ١٣٦) من حديث أنس . (٤) أخرجه أحمد ٢٩٨/٣ (١٧٧٦). (٥) برك الغماد: بفتح الباء وكسرها وضم الغين وكسرها، فى أقصى اليمن. معجم ما استعجم ٢٤٤/١. (٦) فى م: ((حن)). (٧) فى م: ((إلى)). ٣٨٩ سورة التوبة : الآية ٢٥ (( وكنتمُ أذِلَّةً فأعَزَّكم اللـهُ)). فقد عَلِمَت العربُ ما كان حىٍّ مِن أحياءِ العربِ أمنعَ لِا وراء ظهورِهم مِنَّا. فقال عمرُ: يا سعدُ، أتذْرِى مَن تُكَلِّمُ! فقال: نعم، أَكَلِّمُ رسولَ اللهِ عَّهِ. فقال رسولُ اللهِ عَه: (( والذى نَفْسى بيدِه، لو سَلَكَتِ الأنصارُ وادِیًا والناسُ وادِيًا، لسَلَكْتُ وَادِىَ الأنصارِ، ولولا الهِجرةُ لكنتُ امْراً مِن الأنصارِ))(١). وذُكِر لنا أن نبيَّ اللـهِ مَّهِ كان يقولُ: ((الأنصارُ كَرِشِی وعَيْبَتِى، فاقبلوا مِن مُحْسِنِهِم، وتَجاوزُوا عن مُسِيئِهم)). ثم قال رسولُ اللهِ وَهِ: ((يا معشر الأنصارِ، أمَا تَرْضَون [٩٢٩/١ظ] أن يَتْقَلِبَ الناسُ بالإبلِ والشَّاءِ، وتَتْقَلِبُون برسولِ اللهِ إلى يُوتِكم؟)). فقالت الأنصارُ: رَضِينا عن اللهِ ورسولِه، واللهِ ما قُلنا ذلك إلا (٢ ضِنًا برسولِ اللهِ عَّهِ. فقال رسولُ اللهِ مَله: ((إن الله ورسولَه يُصَدِّقَائِكم ویغذِرانِکم)»(١). حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أنّ أُمّ رسولِ اللهِ مَِّ التى أَرْضَعَته، أو ظِئْرَه مِن بنى سعدِ بنِ بكرٍ، أَتَتْه فسألَته سَبَايا يومٍ مُنَيْنِ، فقال رسولُ اللهِ عَّهِ: ((إنى لا أمْلِكُهم، وإنما لى منهم نَصِيبى، ولکن اثْتِینی غدًا فَسَلِينى والناسُ عندِى، فإنى إذا أُعْطَيتُكِ نَصِيبى أعْطاكِ الناسُ)). فجاءت الغدَ، فبَسَط لها ثوبًا، فَقَعَدَت عليه، ثم سألَته، فأعطاها نصيبه، فلما رأى ذلك الناسُ أعْطَوها أنصباءَهم(٤). حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفُضَّلِ، قال : ثنا أسباطُ ، عن السُّدِّىِّ: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِى مَوَاِنَ كَثِيرَةِ﴾ الآية، إن رجلاً مِن أصحابِ (١) أخرجه البخاری (٤٣٣٠)، ومسلم (١٠٦١) من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم . (٢ - ٢) فى م: (( حرصا على رسول)). (٣) أخرجه مسلم (٨٤/١٧٨٠) من حديث أبى هريرة . (٤) ذكره القرطبى فى تفسيره ١٠٢/٨. ٣٩٠ سورة التوبة : الآية ٢٥ رسولِ اللهِ وَ له يومَ حنين قال: يا رسولَ اللهِ، لن نُغْلَبَ اليومَ مِن قِلَّةٍ. وأعجبته كثرةُ الناسِ، وكانوا اثْنِى عشَرَ ألفًا. فسارَ رسولُ اللهِ مَّهِ، فؤُكِلوا إلى كلمةِ الرجلِ، فانهزَموا عن رسولِ اللهِ غيرَ العباسِ، وأبى سُفْيانَ بنِ الحارثِ، وأيمنَ ابنِ أمّ(١) أيمنَ، قُتِل يومَئذٍ بِينَ يَدَيه . فنادَى رسولُ اللهِ مَّهِ: ((أينَ الأنصارُ؟ أين الذين بايعوا تحتَ الشجرةٍ؟)). فتراجَع الناسُ، فأنزل اللهُ الملائكةَ بالنصرِ. فَهَزَموا المشركين يومَئذٍ ، وذلك قولُه: ﴿ثُمَّ أَنَزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾ الآية(١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِىِّ، عن کثیرِ بن عباس بنِ عبدِ المطّلبِ ، عن أبيه ، قال : لما كان يوم حنين، التقَى المسلمون والمشركون، فولَّى المسلمون يومَئذٍ. قال: فلقد رأيتُ النبىَّ عَ لَّه وما معه أحدٌ إلا أبو سفيانَ بنُ الحارثِ بنِ عبدِ الْمُطَّلِبِ، آخِذًا بِغَرْزِ النبىِّ ◌َِّ، لا يَأْلوما أسرَع نحوَ المشركين . قال: فأتيتُ حتى أخَذتُ بلِجامِه ، وهو على بغلةٍ له شَهْباءً ، فقال: ((يا عباسُ، نادٍ أصحابَ السَّمُرَةِ)). وكنتُ رجلًا صَيًِّا، فأذَّنتُ بصوتى الأعلى: أين أصحابُ السَّمُرَةِ؟ فالتَّفَتوا كأنها الإبلُ إذا حنَّت(٣) إلى أولادِها، يقولون : يا لبَيك، يا لتَيك، يا لتَيك. وأَقْبَلَ المشركون، فالتَقَوا هم والمسلمون ، وتَنادَت الأَنصارُ: يا معشر الأنصارِ. ثم قُصِرَت الدعوةُ / فى بنى الحارثِ بنِ الخزرجِ، فَتَنادَوا: يا بنى الحارثِ بنِ الخَزْرِج. فنظَرَ رسولُ اللهِ مَّهِ وهو على بغلتِهِ، كالمتطاولِ إلى قتالهم، فقال: ((هذا حین حَمِیَ الوَطِیسُ)). ثم أخذ بيده مِن ١٠٢/١٠ (١) فى ف: ((أو)). (٢) أخرج أوله ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٧٣/٦ من طريق أحمد بن مفضل به . (٣) فى ص، ت ١، س، ف: ((حشرت)). ٣٩١ سورة التوبة : الآية ٢٥ الحَصْباءِ فَرَماهم بها، ثم قال: ((انْهَزَموا وربّ الكعبةِ، انْهَزَموا وربّ الكعبةِ)). قال: فواللهِ ما زال أمرُهم مُذْبِرًا، وحَدُّهم كَلِيلاً، حتى هَزَمهم اللهُ. قال: فَلَكأنِّی أَنْظُرُ إِلى النبيِّ عَّهِ تَوْكُضُ خلفَهم على بَغْلِه(١). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأَعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةً، عن الزُّهْرِىِّ، عن سعيدِ بنِ الْمُسَيَّبِ ، أنهم أصابوا يومَئذٍ ستةَ آلافٍ سَبْي ، ثم جاء قومُهم مسلمين بعدَ ذلك ، فقالوا: يا رسولَ اللهِ ، أنتَ خيرُ الناسِ وأَبَرُّ الناسِ، وقد أخذتَ أبناءَنا ونساءَنا وأموالَنا. فقال النبيُّ عَّهِ: ((إن عندى مَن تَرَوْنَ، وإن خيرَ القولِ أَصْدَقُه، اختاروا؛ إِمَّا ذَرارِيَّكم ونساءًكم، وإمَّا أموالَكم)). قالوا: ما كُنَّا تَعْدِلُ بالأخسابِ شيئًا. فقامَ رسولُ اللهِ عَ ه، فقال: ((إن هؤلاء قد جاءونی مُشْلِمِین، وإِنَّا خَيَّرْناهم بينَ الذَّرارِىِّ والأموالِ، فلم يَعْدِلوا بالأحسابِ شيئًا، فمَن كان بيدِه منهم شىءٌ، فطابَت نفسُه أن يَؤُدَّه فبسبيلِ (١) ذلك، ومَن لا فليُعْطِنا، ولِيَكُنْ قَرْضًا علينا حتى نُصِيبَ شيئًا، فتُعْطِيَه مكانَه)). فقالوا: يا نبيَّ اللهِ، رَضِينا وسَلَّمنا. فقال: ((إنى لا أدْرِى، لعل منكم مَن لا يَرْضَى، فَهُروا عُرَفاءَ كم فليَرْفَعوا ذلك إلينا)). فرفَعتْ إِليه العُرَفاءُ أن قد رَضُوا وسَلَّموا(٣) . حدَّثنا علىُّ بِنُ سَهْلٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا حَمَّادُ بنُّ سَلَمَةَ، قال: ثنا يَعْلَى ابنُّ عطاءٍ، عن أبى هَمَّامٍ ، عن أبى عبدِ الرحمنِ - يعنى الفِهْرِئَّ - قال: كنتُ مع (١) أخرجه النسائى فى الكبرى (٨٦٤٧) عن محمد بن عبد الأعلى به ، وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٦٩/١ وفى المصنف (٩٧٤١)، وابن سعد ٢/ ١٥٥، وأحمد ٢٩٦/٣ (١٧٧٥)، ومسلم (١٧٧٥)، وأبو يعلى (٦٧٠٨)، وابن حبان (٧٠٤٩)، والبيهقى فى الدلائل ١٣٩/٥ من طريق معمر به ، وأخرجه الحمیدی (٤٥٩)، وابن سعد ٤/ ١٨، ١٩، وأحمد ٣٩٨/٣ (١٧٧٦)، ومسلم (١٧٧٥)، والنسائى فى الكبرى (٨٦٥٣)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٦/ ١٧٧٣، والحاكم ٣٢٧/٣، ٣٢٨، والبيهقى فى الدلائل ١٣٧/٥ - ١٣٩، والبغوى فى تفسيره ٢٧/٤ من طريق الزهرى به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٤/٣ إلى ابن المنذر وابن مردويه. (٢) فى م: ((فليفعل)). (٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١/ ٢٧٠، وابن سعد ١٥٥/٢ من طريق معمر به. ٣٩٢ سورة التوبة : الآية ٢٥ النبيِّ ◌َ ◌ِّ فى غزوةٍ حُنَينٍ، فلما رَكَدَت(١) الشمسُ، لَبسْتُ لأُمَّتِى، ورَكِبتُ فرسِى، حتى أتَيْتُ النبىَّ عَّه وهو فى ظِلِّ شجرةٍ ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، قد حانَ الرَّوَاحُ. [٥٩٣٠/١] فقال: ((أجَلْ)). فنادَى: ((يا بلالُ، يا بلالُ)). فقامَ بلالٌ مِن تحتِّ سَمُرَةٍ(٢) ، فَأقبَل كأن ظَلَّه ظِلُّ(٣) طيرٍ، فقال: لبَيك وسَعْدَيك، ونفسى فِداؤك يا رسولَ اللهِ. فقال له النبيُّ مَّهِ: ((أَسْرِجْ فَرَسی)». فأخْرَج سَرْجًا دَفَّنَاه حَشْوهما لِيفٌ ، ليس فيهما أشَرٌ، ولا بَطَرٌّ. قال: فرَكِب النبىُّ ◌ِلّهِ، فَصافَفْناهم يومَنا وليلتَنا ، فلما التقَى الْخَيّلان، وَلَّى المسلمون مُدْبِرِين كما قال اللهُ. فنادَى رسولُ اللهِ ◌َّاتٍ: « يا عِبادَ اللهِ، يا معشرَ المهاجرِين)). قال: ومالَ النبيُّ مِ له عن فرسِه، فأخَذ حَفْنَةً مِن تُرابٍ ، فَرَمَى بها وجوهَهم ، فوَلَّوا مُدْبِرِين. قال يَعْلَى بنُ عطاءٍ: فَحدَّثنى أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا: ما بَقِى مِنَّا أحدٌ إلا وقد امْتَلأَت عَيناه مِن ذلك الترابِ(٤) . حدَّثنا محمدُ بنُ الْمُثَنَّى، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ ، قال : ثنا شعبةُ ، عن أبى إسحاقَ، قال: سمِعتُ البراءَ، وسأله رجلٌ مِن قيسٍ: فَرَرْتُم عن رسولِ اللهِ عَ لَه يومَ حُنَينٍ؟ فقال البَرَاءُ: لكنَّ رسولَ اللهِ نَّهِ لم يَفِرَّ، وكانت هَوازنُ يومَئذٍ رُماةً ، وإِنَّالَّ حَمَلنا عليهم انكَشَفوا، فأكْبَتْنا على الغنائم، فاسْتَقْبَلونا بالسّهامِ، ولقد رأيتُ رسولَ اللهِ نَّهِ على بغلتِه البيضاءِ، وإن أبا سفيانَ بنَ الحارثِ آخِذٌ بلِجامِها، وهو (١) ركدت الشمس: إذا قام قائم الظهيرة . قال الزمخشرى : وللشمس ركود، وهو أن تدوم حيال رأسك كأنها لا تريد أن تبرح. أساس البلاغة، وتاج العروس (ر ك د). (٢) فى ص، ت ١، ت ٢، س: ((شجرة)). والسمرة هى الشجرة التى كانت عندها بيعة الرضوان عام الحديبية . لسان العرب (س م ر). (٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف . (٤) أخرجه الطيالسى (١٤٦٨)، وابن سعد ١٥٦/٢، وابن أبى شيبة ٥٢٩/١٤، وأحمد ٢٨٦/٥ (الميمنية)، وأبو داود (٥٢٣٣)، وابن أبى عاصم فى الآحاد والمثانى (٧٦٣)، والطبرانى ٢٨٨/٢٢ (٧٤١)، والبيهقى فى دلائل النبوة ٥ / ١٤١، وغيرهم من طريق حماد بن سلمة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٤/٣ إلى البغوى فى معجمه وابن مردويه . ٣٩٣ سورة التوبة : الآية ٢٥ ١٠٣/١٠ يقولُ: ((/أنا النبىُ لا كَذِبْ أنا ابنُ عبدِ المُطَّلِّبْ))(١). حدَّثنا ابنُ وَكِيع، قال: ثنا أبى، عن إِسرائيلَ، عن أبى إسحاقَ ، عن البَرَاءِ، قال : سأَله رجلٌ: يا أبا عُمارةَ ، وَلَيْثُم يومَ مُنَيْنٍ؟ فقال البَراءُ وأنا أَسمَعُ : أَشْهَدُ أن رسولَ اللهِ عَّهِ لم يُوَلُ يومَئذٍ دُبُرَه، وأبو سُفيانَ يَقُودُ بَغْلَتَه، فلمَّا غَشِيَه المشركون، نَزَل فجَعَل يقولُ: ((أنا النبىُ لا كَذِبْ أنا ابنُ عبدِ الْمُطَّلِبْ)». فما رُؤى يومَئذٍ أحدٌ مِن الناسٍ كان أشدَّ منه(٢) . حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى جعفرُ بنُ سُليمانَ ، عن عوفٍ الأغرابىِّ، عن عبد الرحمنِ مولى أمّ ◌ُؤْثُنٍ، قال : ثنى رجلٌ كان مِن المشركينَ يومَ مُحُنَيْنِ، قال: لمّ التَّقَينا نحن وأصحابُ محمدٍ ، عليه الصلاةُ والسلامُ، لم يَقِفوا لنا حَلْبَ شاةٍ أَن كَشَفناهم، فبينًا نحنُ نَسُوقُهم، إذ انتَهَينا إلى صاحبِ البغلةِ الشهباءِ، فتَلَقَّانا رجالٌ بِيضٌ، حِسانُ الوجوهِ، فقالوا لنا: شاهَت الوجوه، ارجِعوا. فَرَجَعنا، وركِبْنا القومَ)، فكانت إياها(4). حدّثنا ابنُ حُمَیدٍ ، قال : ثنا جريرٌ، عن يعقوبَ ، عن جعفر ، عن سعیدٍ ، قال : (١) أخرجه مسلم (٨٠/١٧٧٦) عن ابن المثنى به، وأخرجه أحمد ٤٢٥/٣٠ (١٨٤٧٥)، والبخارى (٤٣١٧)، ومسلم (٨٠/١٧٧٦) من طريق محمد بن جعفر به، وأخرجه الطيالسى (٧٤٢)، وابن سعد ٢٤/١، ٢٥، والبخارى (٢٨٦٤، ٤٣١٦) والنسائى فى الكبرى (٨٦٣٨)، وأبو يعلى (١٧٢٧)، والطحاوى فى المشكل (٣٣٢٢)، وابن حبان (٤٧٧٠)، والبيهقى فى الدلائل ١٣٣/٥ من طريق شعبة به. (٢) أخرجه ابن سعد ٢٤/١، ٢٥، وأحمد ٤١٣/٣٠ (١٨٤٦٨) عن وكيع به، وأخرجه ابن سعد ٤/ ٥١، وأحمد ٤١٣/٣٠ (١٨٤٦٨)، والبخارى (٣٠٤٢) من طريق إسرائيل به، وأخرجه ابن أبى شيبة ٥٠٧/١٢، ٥٢١/١٤، ٥٢٢ وغيره من طريق أبى إسحاق به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٥/٣ إلى ابن مردويه. (٣ - ٣) فی ص، ت ١، ت ٢، س: ((ور کبوا)). (٤) أخرجه مسدد - كما فى البداية والنهاية ٧/ ٣١، والمطالب العالية (٤٧٩٩) - عن جعفر بن سليمان به ، ومن طريقه البيهقى فى الدلائل ١٤٣/٥، وتصحف جعفر فى المطالب إلى يحيى. ٣٩٤ سورة التوبة : الآية ٢٥ أَمَدَّ اللهُ نبيَّه ◌ِ لَّهِ يومَ حُنَينِ بخمسةِ آلافٍ من الملائكةِ مُسَوِّمِين. قال : ويومئذٍ سَمَّی اللهُ الأَنصارَ مؤمنين. قال: فأنزل اللَّهُ سكينتَه على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودًا لم تروها (١). حدَّثنى يونس، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله : ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا﴾. قال: كانوا اثْنَىْ عَشَرَ ألفًا . حدَّثنا محمدُ بنُ يزيدَ الأُدَمِىُّ ، قال : ثنا مَعْنُ بنُ عيسى ، عن سعيدِ بنِ السائبِ الطَّائفىِّ، عن أبيه، عن يزيد بنٍ عامٍ، قال: لَّ(١) كانت انْكِشافةُ المسلمين حينَ انكَشَفوا يومَ حُنَينِ ضَرَب النبيُّ ◌َهِ يدَه إلى الأرضِ، فَأخَذ منها قَبْضةً مِن تُرابِ، فأقبَل بها على المشركين وهم يَتْبَعون المسلمين، فَحَثاها فى وجوهِهم وقال : ((ارْجِعُوا، شاهَتِ الوجوهُ)). قال: فانصَرَفنا، ما يَلْقَى أحدٌ أحدًا، إلا وهو يَمْسَحُ القَذَى عن عينيه(٣) . وبه، عن يزيدَ بنِ عامرِ السُّوَائيّ، قال: قيل له: يا أبا حاجزٍ، الرُّعْبُ الذى أَلْقَى اللهُ فى قلوبِ المشركين، ماذا وَجَّدْتُم؟ قال: وكان أبو حاجزٍ مع المشركين(٥) يومَ حُنَينِ، فكان يأْخُذُ الحَصاةَ فيَزمی بها فى الطُّسْتِ فیطِئُّ ، ثم يقولُ : كان فى (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٧٤/٦ من طريق جرير به . (٢) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((انكشفوا)). (٣) أخرجه البخارى فى تاريخه ٣١٦/٨ من طريق معن بن عيسى به، وأخرجه عبد بن حميد (٤٣٩)، والطبرانى ٢٣٧/٢٢ (٦٢٢)، والبيهقى فى الدلائل ١٤٣/٥، ١٤٤ من طريق سعيد بن السائب به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٦/٣ إلى ابن مردويه. (٤) فى ص، ت ١، ت ٢، س: ((عن)). وهو خطأ واضح. (٥) فى ص، ت ١، ف: ((المسلمين)). ٣٩٥ سورة التوبة : الآيتان ٢٦،٢٥ أجوافِنا مثلُ هذا . حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسنُ بنُ عَرفَةَ ، قال: ثنى المُغْتَمِرُ بنُ سليمانَ ، عن عوف ، قال: سمِعتُ عبد الرحمنِ مولى أمّ يُؤْثُنٍ - أو: أمّ يُؤْثُم(١) - قال: ثنى رجلٌ كان فى المشركين يومَ حُنَينٍ، قال: لمَّ الْتَّقَيْنا نحنُ وأصحابُ رسولِ اللهِ عَلَّه يومَ ◌ُنین ، لم يَقُوموا لنا حلَبَ شاةٍ . قال : فلمَّا كَشَفْناهم جعلْنا / نَسُوقُھم فی أدبارِهم ، حتى انتَهَينا [٩٣٠/١ظ] إلى صاحبِ البغلةِ البيضاءِ، فإذا هو رسولُ اللهِ عَلَّه. قال: فتلَقَّانا عندَه رجالٌ بِيضٌ(٢) ، حِسانُ الوجوهِ، فقالوا لنا: شاهَتِ الوجوهُ، ارجِعوا . قال: فانْهَزَمْنا ورَكِبوا أكْتَافَنَا، فكانت إِيَّاها(٢). ١٠٤/١٠ القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ ثُمَّ أَنَزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ, عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُودًا لَوْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَآءُ الْكَفِرِينَ ﴾ (٢٦) يقولُ تعالى ذكرُه: ثم مِن بعدِ ما ضاقَت عليكم الأرضُ بما رَحُبَت وتَوْلِيَتِكم الأعداءَ أُذْبارَكم، كَشَف اللهُ نازِلَ البلاءِ عنكم ، بإنزالِهِ السكينةَ - وهى الأَمَنَةُ والطُّمَأْنينةُ - عليكم، وقد بيًّا أنها فَعِيلةٌ مِن السُّكونِ، فيما مَضَى مِن كتابِنا هذا قبلُ ، بما أَغْنَى عن إِعادتِه فى هذا الموضعِ(٤). ﴿ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾. وهى الملائكةُ التى ذكَوْتُ فى الأخبارِ التى قد مَضَى ذِكْرُها، ﴿ وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. يقولُ: وعَذَّبَ اللهُ الذين جَحَدوا (١) فى م: ((مريم)). وينظر تهذيب الكمال ٥٠٥/١٦. (٢) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((الوجوه)). (٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤/ ٧٠، ٧١ عن المصنف، وأخرجه ابن عساكر فى تاريخ دمشق ٨٥٠/٩ (مخطوط ) من طريق عوف به . (٤) تقدم فى ٤٧١/٤ - ٤٧٦. ٣٩٦ سورة التوبة : الآيتان ٢٧،٢٦ وَحْدانيتَه، ورسالةَ رسولِه محمدٍ عَلَهِ، بالقتلِ وسَبْىِ الأُهْلِينَ والذَّرَارِىِّ، وسَلْبٍ الأموالِ، وَالذِّلَّةِ، ﴿ وَذَلِكَ جَزَّآءُ الْكَفِينَ﴾. يقولُ: هذا الذى فَعَلْنا بهم مِن القتلِ والسَّبْيِ ﴿جَزَآءُ الْكَفِرِينَ﴾. يقولُ: هو ثوابُ أهلِ جحودٍ وحدانيتِه ورسالةٍ رسوله . حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشدِّئُّ: ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. يقولُ: قَتَلَهم بالسيفِ(١). حدًّٹنا ابنُ وَ کِیع، قال: ثنا أبو داود الحَفَرِئُّ(١) ، عن يعقوب ، عن جعفر ، عن سعيدٍ: ﴿وَعَذَّبَ اَلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. قال: بالهزيمةِ والقتلِ(١). حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وَهْبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله : ﴿ وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَآءُ الْكَفِرِينَ﴾. قال: مَن بَقِى منهم . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اَللَّهُ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٢٧ يقولُ تعالى ذكره : ثم يَتَفضَّلُ اللهُ بتوفيقِه للتوبةِ والإنابةِ إليه مِن بعدِ عذابِهِ الذى به عَذَّب مَن هَلَك منهم قتلًا بالسيف ﴿عَى مَن يَشَاءُ﴾. أى: يتوبُ اللهُ على مَن يشاءُ مِن الأحياءٍ(٥)، يُقْبِلُ به إلى طاعتِه، ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ ﴾ لذنوبٍ مَن أنابَ (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦/ ١٧٧٤، من طريق أحمد بن مفضل به. (٢) فى ص: ((الحضرى))، وفى ف: ((الحضرمى)). (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦/ ١٧٧٤، من طريق أبى داود الحفرى به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٥/٣ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ. (٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٧٤/٦ من طریق أصبغ عن ابن زيد به. (٥) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((و)). ٣٩٧ سورة التوبة : الايتان ٢٧، ٢٨ وتابَ إليه منهم ومِن غيرِهم منها، ﴿ رَّحِيمٌ﴾ بهم، فلا يُعَذُّبُهم بعدَ توبتهم ، ولا يُؤاخِذُهم بها بعدَ إنابتهم . / القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسُُّ ٥/١٠ فَلاَ يَقْرَبُوْ اَلْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةُ فَسَوْفَ يُغْنِيَكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، إِن شَاءٌ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ٢٨ يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به وبرسوله، وأقَرُوا بوحدانيته: ما المشركون إلا نَجَشّ. واختلف أهلُ التأويلِ فى معنى النَّجَسِ، وما السببُ الذى مِن أجلِهِ سَمَّاهم بذلك؛ فقال بعضُهم: سَمَّاهم بذلك؛ لأنهم يُجْنِبون فلا يَغْتَسِلون ، فقال: هم نَجَسِّ، ولا يَقْرَبوا المسجد الحرامَ؛ لأن الجُنُّبَ لا ينبغى له أن يَدْخُلَ المسجدَ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ ، عن مَعْمَرٍ ، فى قوله : ﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسُ﴾. لا أعلمُ قتادةَ إلا قال: النَّجَسُ الجَنَابةُ(١). وبه عن مَعْمَرٍ، قال: وبَلَغَنِى أن النبيَّ مَّ ◌َهِ لَقِى حُذَيفةَ، وَأَخَذ النبيُّ عَلَّهِ بِيدِه، فقال حذيفةُ: يا رسولَ اللهِ ، إنى جُنُبٌ. فقال: ((إن المؤمنَ لا يَنْجُسُ)) (١). حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ فى قوله: ﴿ يَتَأَيُّهَا اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌُ﴾. أَى: أَجْتَابٌ(٣). (١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٧١/١ عن معمر به . (٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٧١/١ عن معمر به، وأخرجه أحمد ٣٨٤/٥ (الميمنية)، ومسلم (٣٧٢) وغيرها من طريق أبى وائل عن حذيفة . (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٧٥/٦ من طريق يزيد به، وذكره ابن المنذر فى الأوسط ١١/ ٢١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٦/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ. ٣٩٨ سورة التوبة : الآية ٢٨ وقال آخرون: معنى ذلك: ما المشركون إلا رِجْسُ خِنْزيرٍ أو كلبٍ . وهذا قولٌ رُوِى عن ابنِ عباسٍ مِن وجهٍ غيرِ حميدٍ، فَكَرِهْنا ذكره . وقولُه: ﴿فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ . يقولُ للمؤمنين: فلا تَدَعُوهم أن يَقْرَبوا المسجد الحرامَ بدخولِهم الحَرَمَ . وإنما عنَى بذلك [٩٣١/١و] مَنْعَهم مِن دخول الحرَم؛ لأنهم إذا دَخَلوا الحَرَمَ، فقد قَرِبوا المسجد الحرامَ. وقد اختلف أهلُ التأويلِ فى معنى ذلك ؛ فقال بعضُهم فيه نحوَ الذى قُلْناه . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثْنا بِشْرٌ وابنُ الْمُثَنَّى، قالا: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبرنا ابنُ مجرَيجٍ، قال : قال عطاءٌ: الحَرَمُ كلُّهُ قِبْلةٌ ومسجدٌ. قال: ﴿فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾. لم يَعْنِ المسجدَ وحدَه، إنما عَنَى مكةً (١) الحَرَّمَ. قال ذلك غيرَ مَرَّةٍ. وذُكر عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ فى ذلك ما : حدَّثنا عبدُ الكَريم بنُّ أبى عُمَيرٍ ، قال : ثنى الوليدُ بنُ مسلمٍ ، قال : ثنا أبو عمرٍو، أن عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ كَتَب : أنِ امْتَعوا اليهود والنصارى مِن دخولِ مساجد المسلمين، وأَتْبَعَ نَهْتَه قولَ اللهِ: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسُُّ / حدَّثنا ابنُ وَكِيعٍ، قال: ثنا ابنُ فُضَيلٍ، عن أشْعَثَ، عن الحسنِ: ﴿إِنَّمَا ١٠٦/١٠ (١) بعده فى م: (( و)). (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٧٦/٦ من طريق أبى عاصم به، وأخرجه عبد الرزاق فى المصنف (٩٨٨٠، ٩٨٨١، ١٩٣٥٦)، والنحاس فى ناسخه ص ٤٩٧ من طريق ابن جريج به. (٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٥١٢/٦، ٥١٣، والبيهقى ١٠٣/١٠ من طريقين عن عمر بن عبد العزيز بمعناه، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٧/٣ إلى أبى الشيخ. ٣٩٩ سورة التوبة : الآية ٢٨ الْمُشْرِكُونَ نَجَسُ﴾. قال: لا تُصافِحوهم، فمَن صافَحَهم فليَتَوَضَّأُ(١) .. وأمَّا قولُه: ﴿ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾. فإنه يعنى: بعدَ العام الذى نادَى فيه چ علىٍّ ، رحمهُ اللهِ عليه ، ببراءةٍ ، وذلك عامَ حَجَّ بالناسِ أبو بكرٍ ، وهى سنةُ تسعٍ مِن الهجرة كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَا يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾. وهو العامُ الذى حََّ فيه أبو بكرٍ ، ونادَى علىٌّ، رحمةُ اللهِ عليهما، بالأذانِ وذلك، لتسعُ(١) سنينَ مَضَينَ مِن هجرةٍ رسولِ اللهِ وَّهِ، وحَجَّ نبىُ اللهِ عَلِ مِن العامِ المقبلِ، حَجَّةَ الوداعِ، لم يَحُجَّ قبلَها (٣) ولا بعدَها (٢). وقولُه: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةٌ﴾ . يقولُ للمؤمنين: وإن خِفْتُم فاقةٌ وفقرًا، بمنعٍ المشركين مِن أن يَقْرَبوا المسجدَ الحرامَ، ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيَكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَلَهُ﴾. يقالُ منه: عالَ يَعِيلُ عَيْلَةٌ وعُيُولًا، ومنه قولُ الشاعرِ(): وَمَا يَدْرِى الفَقِيرُ مَنَى غِناهُ وَما يَدْرِى الغَنِىُّ مَتَى يَعِيلُ وقد حُكِى عن بعضِهم أن مِن العربِ مَن يقولُ فى الفاقةِ : عالَ يَعُولُ . بالواوِ . وذُكِر عن عمرو بنِ فائدٍ أنه كان تأوَّلَ قولَه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةٌ﴾ بمعنى: وإذ خِفْتُم. ويقولُ : كان القومُ قد خافوا. وذلك نحو قولِ القائلِ لأُبيه: إن كنتَ أبى فأكْرِمْنى. بمعنى: إذ كنتَ أبى. وإنما قيل ذلك لهم؛ لأن المؤمنين خافوا بانقطاع (١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٧٤/٤ نقلا عن المصنف ، وأخرجه ابن أبى شيبة ٤٣٣/٨ عن ابن فضیل به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٧/٣ إلى أبى الشيخ. (٢) فى ص، ت ١، س، ف: ((لسبع)). (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٧٦/٦ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٦/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ . (٤) تقدم تخريجه فى ٣٧٦/٦. ٤٠٠ سورة التوبة : الآية ٢٨ المشركين عن دخولِ الحَرَم ، انقطاعَ تجاراتِهم ، ودخولَ ضَرَرٍ عليهم بانقطاع ذلك ، وأمّنهم اللهُ مِن العيلةِ، وعَوَّضهم مما کانوا یگرهون انقطاعه عنهم ، ما هو خيرٌ لهم منه، وهو الجِزْيَةُ، فقال لهم: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحْرِمُونَ مَا حَزَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُ ﴾ إلى: ﴿صَغِرُونَ﴾ . وقال قومٌ : بإدْرارِ المطرِ عليهم. وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثْنى المُنُنَّى ، قال : ثنا عبدُ اللهِ ، قال : ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسُ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ اَلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾. قال: لما نَفَى اللهُ المشركين عن المسجدِ الحرامِ، ألْقَى الشيطانُ فى قلوبِ المؤمنين الحَزَّنَ ، قال: مِن أين تأكُّلون، وقد نُفِىَ المشركون ، وانقَطَعَت عنكم(١) العِيرُ. فقال اللهُ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةُ فَسَوْفَ يُغْنِيَكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، إِن شَآءً﴾. فأمَرهم بقتالِ أهلِ الكتابِ، وأغْناهم مِن فضلِه(٢) . حدَّثَنَا هَنَّدُ بنُ السَّرِىِّ، قال : ثنا أبو الأخوصِ، عن سِماكٍ ، عن عِكْرمةَ فى ١٠٧/١٠ قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ /ءَآمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾. قال: كان المشركون يَجِیئون إلى البيتِ ، ويَچیئون معهم بالطعامِ، ويَتَّجِرون فيه ؛ فلما نُهُوا أن يأتوا البيتَ قال المسلمون : مِن أين لنا طعامٌ؟ فأنزَل اللهُ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةُ فَسَوْفَ يُغْنِيَكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ: إِن (١) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((عنهم)). (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٧/٣ إلى ابن مردويه.