Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١
سورة الأنفال : الآية ٧٥
كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ ، قال: ثم ردَّ
المواريثَ إِلى الأرحامِ التى بينَهم فقال: ﴿ وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ
مَمَكُمْ فَأُوْلَكَ مِنْكُّ وَأُوْلُواْ الْأَرْحَاِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضِ فِي كِتَبِ اللَّهِ ﴾ أى:
بالميراثِ(١) ، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾(١).
القولُ فى تأويل قولِه: ﴿ وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ اَللَّهِ إِنَّ اللَّهَ
VO
بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ
يقولُ تعالى ذكرهُ: والمتناسِبون بالأرحام بعضُهم أولى ببعضٍ فى الميراثِ ، إذا
كانوا ممَّن قسم اللّهُ له منه نصيبًا وحظًّا من الحليفِ والولىِّ، ﴿فِي كِتَبٍ اَللَّهِ﴾.
يقولُ: فى حكم اللّهِ الذى كتبَه فى اللوح المحفوظِ والسابقِ من القضاءِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ
بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾. يقولُ: إن اللَّهَ عالمٌ بما يُصلِحُ عبادَه فى توريثِه بعضهم من بعضٍ
بالقَرابةِ ) والنسبِ دونَ الحِلْفِ بالعَقْدِ ، وبغيرِ ذلك من الأمورِ كلِّها ، لا يَخفَى عليه
شىءٌ منها .
وبنحوِ ما قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
/ذكرُ مَن قال ذلك
٥٨/١٠
حدَّثنا أحمدُ بنُ المِقْدام، قال : ثنا المُغْتَمِرُ بنُ سليمانَ ، قال : ثنا أبى ، قال : ثنا
قتادةُ أَنَّه قال: لا يَرِثُ الأعرابىُّ المُهاجِرَ، حتى أَنزَل اللَّهُ: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ
(٤)
أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]، [الأحزاب: ٦].
(١) فى م: ((فى الميراث)).
(٢) سيرة ابن هشام ٦٧٧/١ .
(٣) فى م: ((فى القرابة)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٧/٣ إلى المصنف، وينظر تفسير عبد الرزاق ٢٦٢/١.
٣٠٢
سورة الأنفال : الآية ٧٥
-
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا مُعاذٌ، قال: ثنا ابنُ عَوْنٍ، عن عيسى بنِ
الحارثِ ، أن أخاه شُرِيحَ بنَ الحارثِ كانت له سُرِّيَّةٌ ، فوَلَدت منه جاريةً ، فلما شَبَّت
الجاريةُ زُوَّجَت، فَوَلَدَت غلامًا، ثم ماتَتِ السُّرِّيَّةُ، واختَصم شُرَيحُ بنُّ الحارثِ
والغلامُ إلى شُرَيح القاضى فى ميراثِها، فجَعَل شُرَيحُ بنُ الحارثِ يقولُ : ليس له
ميراثٌ فى كتابِ اللهِ. [٩١٩/١ ر] قال: فَقَضَى شُرَيحُ بالميراثِ للغلامِ. قال: ﴿وَأُوْلُواْ
اَلْأَرْحَاءِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبٍ اَللَّهُ ﴾. فَرَكِبَ مَيْسَرَةُ بنُ يزيدَ إلى ابنِ الزُّبَيرِ،
وأخبرَه بقَضاءِ شُريح وقولِهِ، فَكَتَب ابنُ الزُّبَيرِ إلى شُرَيح: إن مَيْسَرَةَ أُخبرَنى أنك
قَضَيتَ بكذا وكذا، وقلتَ: ﴿ وَأُوْلُواْ الْأَرْحَاِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ اَلَهِ ﴾ .
وإنه ليس كذلك ، إنما نَزَلَت هذه الآيةُ؛ أن الرجلَ كان يُعاقِدُ الرجلَ يقولُ: تَرِثُنى
وَأَرِتُك. فَتَزَلَت: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَاءِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ الَّهِ﴾. فجاء
بالكتابٍ إلى شُرَيح، فقال شُرَيحْ: أَعْتَقَها جَنَانُ (١). بَطْنِها. وأتَى أَن يَرْجِعَ عن
(٢)
قَضائِه(٢) .
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن ابنٍ عَوْنٍ ، قال : ثنى
عيسى بنُ الحارثِ ، قال: كانت لشُرَيح بن الحارثِ سُرِّيَّةٌ. فذَكَر نحوَه ، إلا أنه قال
فى حديثه: كان الرجلُ يُعاقِدُ الرجلَ يقولُ: قَرِثُنِى وَرِتُك. فلمَّا نَزَلَت تُرِك ذلك.
"آخر تفسير سورة ((الأنفال )). والحمدُ لله وحده، وصلى اللهُ علی سیدنا
محمدٍ وآلِه" .
(١) فى م: ((جنين)). والجنان من كل شيء: جوفه. والجنان: ما ستر. الوسيط (ج ن ن).
(٢) أخرجه وكيع فى أخبار القضاة ٢/ ٣٢٠، ٣٢١ من طريق ابن عون بنحوه ، وأخرجه أبو عبيد فى ناسخه
ص ٣٢٣ من طريق معاذ به مختصرا فى تفسير ابن الزبير للآية ، وليس فيه القصة .
(٣ - ٣) سقط من : م .
٣٠٣
سورة التوبة : الآيتان ١، ٢
القولُ فى تفسيرِ السورةِ التى يُذكِّرُ فيها التوبةٌ
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ بَرَآءَّةٌ مِّنَ اللَّهِ وَ رَسُولِ إِلَى الَّذِينَ عَهَدْتُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ
فَسِيحُواْ فِىِ الْأَرْضِ أَرْبَعَةً أَشْهُرِ وَأَعْلَمُوْ أَنْكُرُّ غَيْرُ مُعْجِى اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْرِى
اُلْكَفِرِينَ
يعنى بقولِه: جلّ ثناؤُه: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِ﴾. هذه براءةٌ مِن اللَّهِ
ورسوله .
فـ ﴿بَرَآءَةٌ﴾ مرفوعةٌ بمحذوفٍ، وهو هذه، كما فى قوله: ﴿سُورَةُ
أَنْزَلْنَهَا﴾ [النور: ١] مرفوعةٌ بمحذوفٍ هو هذه، ولو قال قائلٌ: ﴿ بَرَآءَةٌ﴾ مرفوعةٌ
بالعائدِ مِن ذكرِها فى قوله: ﴿ إِلَى الَّذِينَ عَهَدْتُم﴾. وجَعَلها كالمعرفةِ تَرْفَعُ ما
بعدَها، إِذْ كانت قد صارَت بصِلَتِها، وهى قولُه: ﴿مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ كالمعرفةِ، .
وصار معنى الكلام: براءةٌ (١) مِن اللَّهِ ورسوله، إلى الذين عاهدْتم مِن المشركين. كان
مذهبًا غيرَ مَدْفوعةٍ صحتُه ، وإن كان القولُ الأولُ أعجبَ إلىَّ؛ لأن مِن شَأْنِ العربِ
أن يُضْمِروا لكلِّ مُعاينٍ، نكرةً كان أو معرفةً ذلك المُعاينُ، ((هذا)) و((هذه))،
فيقولون عندَ مُعاينتِهم الشىءَ الحسنَ: حسنٌّ واللَّهِ. والقبيحَ: قَبِيحٌ واللَّهِ . ثُريدون:
هذا حسنٌ واللَّهِ ، وهذا قبيحٌ واللَّهِ ؛ فلذلك اخْتَرتُ القولَ الأَوَّلَ.
وقال: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، إِلَى الَّذِينَ عَهَدْتُمْ﴾. والمعنى: إلى الذين
عاهَد / رسولُ اللَّهِ مْ لِ مِن المشركين؛ لأن العُهودَ بينَ المسلمين والمشركين على عهدٍ
رسولِ اللهِ مَهِ، لم يكنْ يَتَوَلَّى عَقْدَها إلا رسولُ اللَّهِ ◌َه، أو مَن يَعْقِدُها بأمْرِهِ،
٥٩/١٠
(١) كذا فى النسخ ولعل صوابها: ((البراءة)).
٣٠٤
سورة التوبة : الآيتان ٢،١
ولكنه خاطَب المؤمنين بذلك لعِلْمِهم بمعناه، وأن عُقُودَ النبيِّ عَ لَّمِ على أمتِه كانت
عُقُودَهم؛ لأنهم كانوا لكلِّ أفعالِهِ فيهم راضِين، ولعُقُودِه عليهم مُسَلِّمِين، فصارَ
عَقْدُه عليهم كعُقُودِهم على أنفسِهم؛ فلذلك قال: ﴿ إِلَى الَّذِينَ عَهَدْتُمْ مِنَ
اَلْمُشْرِكِينَ﴾. لما كان مِن عَقْدِ رسولِ اللَّهِ عَّهِ وَعَهْدِه .
وقد اختَلَف أهلُ التأويلِ فيمَن بَرِئَّ اللَّهُ ورسولُه إليه مِن العهدِ الذى كان بينَه
وبينَ رسولِ اللَّهِ مِن المشركين، فَأَذِنَ له فى السّياحةِ فى الأرضِ أربعةً أشهرٍ .
فقال بعضُهم : هُم صِنْفان مِن المشركين :
أحدُهما: كانت مُدَّةُ العهدِ بينَه وبينَ رسولِ اللَّهِ مَّ أَقلَّ مِن أربعة أشهرٍ،
وأُمْهِلَ بالسّياحةِ أربعةً أشهرٍ .
والآخرُ منهما : كانت مُدَّةُ عَهْدِه بغيرِ أَجَلِ محدودٍ ، فقُصِر به على أربعة أشهرٍ
ليَرْتادَ لنفسِه، ثم هو حَرْبٌ بعدَ ذلك للَّهِ ولرسوله وللمؤمنين، يُقْتَلُ حيثما أُدْرِكَ
ويُؤْسَرُ إلا أن يتوبَ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنٍ إِسحاقَ ، قال: بَعَث رسولُ اللَّهِ
عَ لَّهِ أبا بكرِ الصِّديقَ، رَضِى اللَّهُ عنه، أميرًا على الحاجٌ مِن سنةٍ تِسْعٍ؛ ليُقِيمَ للناسِ
حَجَّهم ، والناسُ مِن أهلِ الشِّرْكِ على منازلهم مِن حَجِّهم . فخَرَج أبو بكرٍ ومَن معه
مِن المسلمين، ونَزَلَت سورةُ ((براءة)) فى نَقْضِ (١) ما بينَ رسولِ اللهِ نَّه وبينَ
المشركين مِن العهدِ الذى كانوا عليه فيما بينَه وبينَهم: أن لا يُصَدَّ عن البيتِ أحدٌ
(١) فى ص، ت١، ت٢، س، ف: ((بعض)).
٣٠٥
سورة التوبة : الآيتان ١، ٢
جاءه، وأن لا يُخافَ أحدٌ فى الشهرِ الحرام. وكان ذلك عهدًا عامًّا بينَه وبينَ الناسِ
مِن أهلِ الشركِ. وكانت بينَ(١) ذلك عُهُودٌ بينَ رسولِ الَّهِ عَهِ وبينَ قَبائِلَ مِن العربِ
خصائصَ إلى أجلِ مُسَمَّى، فَتَزَلَت فيه وفيمَن تَخَلَّف عنه مِن المُنَافِقِين فى تَبَوكَ ،
وفى قولٍ مَن قال منهم، فكَشَف اللَّهُ فيها سرائرَ أقوام كانوا يَسْتَخْفون بغيرِ ما
يُظْهِرون، منهم مَن سُمِّى لنا، ومنهم مَن لم يُسَمَّ لنا، فقال: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ
﴾. أى لأُهلِ العهدِ العامِ مِن أهلِ
وَرَسُولِ إِلَى الَّذِينَ عَلَهَدْتُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ
الشِّرْكِ مِن العربِ ﴿ فَسِيحُواْ فِىِ الْأَرْضِ أَرْبَعَةً أَشْهُرٍ﴾. إلى قولِه: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِىٌّ
مِّنَ الْمُشْرِكِينُّ وَرَسُولٌ﴾. أى: بعدَ هذه الحَّةِ(٢).
وقال آخرون : بل كان إمهالُ اللَّهِ، عزَّ وجلَّ ، بسياحةِ أربعة أشهرٍ ، مَن كان مِن
المشركين بينَه وبينَ رسولِ اللَّهِ مَّ ◌َلِ عهدٌ، فأما مَن لم يكنْ له مِن رسولِ اللَّهِ عهدٌ،
فإِنما كان أَجَلُه خمسين ليلةً ، وذلك عشرون مِن ذى الحِيَّةِ والمحرَّمُ كلُّه . قالوا : وإنما
كان ذلك كذلك؛ لأن أُجَلَ الذين لا عهدَ لهم كان إلی انسلاخ الأشهرِ الحزم، کما
قال اللّهُ: ﴿ فَإِذَا انْسَلَخَ آلْأَشْهُرُ اَلْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدِتُّمُوهُمْ﴾. الآية ،
قالوا: والنداءُ بـ ((براءةَ))، كان يومَ الحَجِّ الأكبرِ، وذلك يومُ النَّحْرِ فى قولِ قومٍ،
وفى قولِ آخرين يومُ عرفةَ، وذلك خمسون يومًا .
قالوا : وأمَّا تأجيلُ الأشهرِ الأربعةِ ، فإنما كان لأهلِ العهدِ بينَهم وبينَ رسولِ اللَّهِ
عَّهِ مِن يومٍ نَزَلَت ﴿بَرَآءَةٌ﴾. قالوا: ونَزَلَت فى أوَّلِ شؤَّالٍ، / فكان انقضاءُ مُدَّةٍ
أَجَلِهم انسلاخَ الأشهرِ الحُرُم . وقد كان بعضُ مَن يقولُ هذه المقالةَ يقولُ: ابتداءُ
التَّأجيلِ كان للفريقين واحدًا - أعنى الذى له العهدُ، والذى لا عهدَ له - غيرَ أن أجلَ
٦٠/١٠
(١) فى ف: ((من)).
(٢) سيرة ابن هشام ٥٤٣/٢ .
( تفسير الطبرى ٢٠/١١ )
٣٠٦
سورة التوبة : الآيتان ٢،١
الذى كان له عهدٌ كان أربعة أشهرِ، والذى لا عهدَ له انسلاخَ الأشهرِ الحُم ، وذلك
انقضاءُ المُحرَّم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا المُثَنَّى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن
ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿بَرَآءٌَّ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِ إِلَى الَّذِينَ عَهَدْتُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ
فَسِيحُواْ فِى الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرِ﴾. قال: حَدَّ اللَّهُ للذين عاهدوا رسولَه أربعة أشهرٍ،
يَسِيحون فيها حيثما شاءُوا، وحدَّ(١) أَجَلَ مَن ليس له عهدٌ، انسلاخَ الأُشهرِ الحُرُمِ مِن
يومِ النَّخْرِ إلى انسلاخِ المُحُرَّمِ، خمسينَ ليلةٌ ، فإذا انسَلَخ الأشهرُ الحُمُ ، أَمَره بأن يَضَعَ
السيفَ فيمَن عاهَدُ(١).
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى ، قال : ثنى أبى، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: لمَّ نَزَلَت: ﴿بَرَآءٌَّ مِّنَ اللَّهِ﴾ إلى: ﴿ وَ أَنَّ اللَّهَ مُخْزِى
اَلْكَفِرِينَ﴾. يقولُ: براءةٌ مِن المشركين الذين كان لهم عهدٌ، يومَ نَزَلَت:
((براءةُ))، فجَعَل مُدَّةَ مَن كان له عهدٌ قبلَ أن تَنْزِلَ ((براءةُ)) أربعةً أشهرٍ، وأمرهم أن
يَسِيحوا فى الأرضِ أربعةَ أشهرٍ، وجَعَل مُدَّةَ المُشْرِ كين الذين لم يكنْ لهم عهدٌ قبلَ أن
تَنْزِلَ «براءةُ)) انسلاخَ الأشهرِ الحُمِ، وانسلاحُ الأشهرِ الحُمِ مِن يومٍ أَذِّنَ بـ «براءةَ)»
إلی انسلاخ المُحرَّم ، وهی خمسون ليلةً : عشرون مِن ذی الحِجَّةِ، وثلاثون مِن
المُحرَّمِ ﴿فَإِذَا أَنْسَلَخَ الْأَشْهُرُ اَلْحُرُ﴾ إلى قولِهِ: ﴿وَأَقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ
مَرْصَدٍ﴾. يقولُ: لم يَبْقَ لأحدٍ مِن المشركين عهدٌ ولا ذِمَّةٌ منذُ نَزَلَت ((براءةُ)) ،
(١) زيادة من: م .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٤٦/٦، ١٧٥١، ١٧٥٢ (٩٢١٨، ٩٢٥٠، ٩٢٥٥) من طريق أبى
صالح به، وذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٥/٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٠/٣ إلى ابن المنذر.
٣٠٧
سورة التوبة : الآيتان ٢،١
وانسَلَخ الأشهرُ الحُرُمُ، ومُدَّةُ مَن كان له عهدٌ مِن المشركين قبلَ أن تَنْزِلَ ((براءةُ))
أربعةُ أشهرٍ مِن يومٍ أَذِّنَ بـ ((براءةَ)) إلى عشرٍ مِن أوَّلِ ربيعِ الآخرِ، فذلك أربعةُ
(١)
أشهر (١).
حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال : سمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثنا عُبَيْدُ بنُّ
سليمانَ، قال: سَمِعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِ إِلَى الَّذِينَ
٢. قبلَ أن تَنْزِلَ ((براءةُ)) عاهَد ناسًا مِن المشركين مِن
عَهَدْ تُم مِنَ الْمُشْرِكِينَ
أهلِ مكةَ وغيرِهم، فَزَلَت: ((براءةُ)) مِن اللَّهِ إلى كلٌّ أحدٍ ممن كان عاهَدَك مِن
المشركين، فإنى أَنْقُضُ العهدَ الذى بينك وبينَهم، فأَوَجُلُهم أربعةً أشهرٍ يَسِيحون
حيثُ شاءُوا مِن الأرضِ آمِنِين. وأُجّل مَن لم يكنْ بينَه وبينَ النبيِّ ◌َ لِ عهدٌ، انسلاخَ
الأشهرِ الحُرُم مِن يومَ أَذْنَ بـ ((براءةَ))، وأَذْنَ بها يومَ النَّحْرِ، فكان عشرين مِن ذى
الحِجَّةِ، والمحرَّم ثلاثين، فذلك خمسون ليلةً. فأمَر اللَّهُ نبيّه إذا انسَلَخ المحرَّمُ أن يَضَعَ
السيفَ فيمَن لم يكنْ بينَه وبينَ نبيِّ اللَّهِ وَّهِ عهدٌ، يَقْتُلُهم حتى يَدخُلوا فى الإسلامِ،
وأمَّر بَمَن كان له عهدٌ إذا انسَلَخ أربعةٌ مِن يومِ النَّخْرِ(٢) ، أن يَضَعَ فيهم السيفَ أيضًا،
يَقْتُلَهم حتى يَدْخُلوا فى الإسلام. فكانت مُدَّةُ مَن لا عهدَ بينَه وبينَ رسولِ اللَّهِ ◌َِّحِ
خمسين ليلةً مِن يومِ النَّخْرِ، وَمُدَّةُ مَن كان بينَه وبينَ رسولِ اللَّهِ ◌َّهِ عهدٌ أربعةُ أُشهر
من يومِ النَّحْرِ إلى عشرٍ يَخْلُون مِن شهرٍ ربيعِ الآخَرِ().
/ حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ ٦١/١٠
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٥/٤ عن العوفى به .
(٢) بعده فى تفسير ابن كثير ٤٥/٤: ((إلى عشر خلون من ربيع الآخر)).
(٣) ذكر أوله ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٤٦/٦ عقب الأثر (٩٢٠) معلقًا ، وأخرجه مختصرًا أيضًا ٦/
١٧٥٢، وذكر بعضه ابن كثير فى تفسيره ٤٥/٤ .
٣٠٨
سورة التوبة : الآيتان ٢،١
وَرَسُولِهِ﴾ إلى قولِه: ﴿ وَبَشْرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾. قال: ذُكِر لنا أن عليًّا
نادَى بالأَذانِ ، وأَمْر على الحاج أبو بكرٍ، رضِى اللَّهُ عنهما، وكان العامَ الذى حَجَّ فيه
المسلمون والمشركون، ولم يَحُجّ المشركون بعدَ ذلك العام(١).
قولُه: ﴿ الَّذِينَ عَهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. إلى قوله: ﴿إِلَى مُدَّتِهِمَّ﴾. قال:
هم مُشْرِكو قريشٍ، الذين عاهدهم رسولُ اللَّهِ مَّهِ زمنَ الحُذَيبيةِ، وكان بَقِى مِن
مُدَّتِهِم أربعةُ أشهرٍ بعدَ يومِ النَّحْرِ، وأَمَر اللَّهُ نبئّه أن يُوَنِّى بعَهْدِهم إلى مُدَّتِهم ، ومَن لا
عهدَ له انسلاخَ المحرمِ . ونُبِذَ إلى كلِّ ذى عَهْدٍ عهدُه، وأمِر بقتالِهم حتى يَشْهَدوا أن
لا إِلهَ إِلا اللَّهُ، وأن محمدًا رسولُ اللَّهِ، ولا يَقْبَلُ منهم إلا ذلك.
وقال آخرون: كان ابتداءُ تَأْخيرِ المشركين أربعة أشهرٍ، وانقضاءُ ذلك
لجميعِهم، وقتًا واحدًا. قالوا: وكان ابتداؤُه يومَ الحَجّ الأكبرِ، وانقضاؤُه انقضاء
عشرٍ مِن ربيعِ الآخرِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُّ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُّدِّىِّ: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولٍِ إِلَى الَّذِينَ عَهَدْتُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. قال: لِمَّ نَزَّلَت
هذه الآيةُ، بَرِئَّ مِن عهدِ كلِّ مُشْرِكٍ، ولم يُعاهِدْ بعدَها إلا مَن كان عاهَد، وأجرَى
لكلِّ مُدَّتَهم ﴿فَسِيحُواْ فِىِ الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ لمَن دخَل عهدُه فيها مِن عَشْرٍ(١)
ذى الحِيَّةِ، والمُحُرِّمِ، وصَفَرٍ، وشهرِ ربيعِ الأُوَّلِ، وعشرٍ مِن شهرٍ ربيعِ الآخَرِ(١).
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٦/٤ .
(٢) فى تفسير ابن أبى حاتم: ((هى عشرون)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٤٦/٦، ١٧٥٠، ١٧٥٢ (٩٢١٦، ٩٢٤٤، ٩٢٥١) من طريق
أحمد بن المفضل به .
٣٠٩
سورة التوبة : الآيتان ٢،١
حدَّثنى الحارثُ ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو مَعْشَرٍ، قال : ثنا محمدُ بنُّ
كَعْبِ القُرَِىُّ وغيرُه، قالوا: بَعَث رسولُ اللَّهِ وَمِ أبا بكرٍ أميرًا على الموسمِ سنةَ
تِسْعِ، وبَعَث علىَّ بنَ أبى طالبٍ، رضِى اللَّهُ عنه، بثلاثين أو أربعينَ آيَةً مِن ((براءةَ)) ،
فَقَرَأها على الناسِ يُؤْجُّلُ المشركين أربعة أشهرٍ يَسِيحون فى الأرضِ، فقرأ عليهم
(( براءة)) يومَ عَرفَةَ، أَجَلَ المشركين عشرين مِن ذى الحِجَّةِ، والمحَّمِ، وصَفَرٍ ، وشهرَ
ربيعِ الأُوَّلِ، وعَشْرًا مِن ربيعِ الآخرِ، وقَرَأها عليهم فى منازلهم، وقال: لا يَحُجَّنَّ
بعدَ عامِنا هذا مُشْرِكٌ ، ولا يَطُوفَنَّ بالبيتِ عُزيانٌ .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ :
﴿ فَسِيحُواْ فِىِ الْأَرْضِ أَرْبَعَةً أَشْهُرِ﴾. عشرون مِن ذى الحِجَّةِ، والمحرمِ، وصفرٍ ،
(١)
وربيعِ الأولِ، وعَشْرٍ مِن ربيع الآخرِ، كان ذلك عهدَهم الذى بينَهم .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى، عن ابن أبى
تَجيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِ﴾ إلى أهلِ العهدِ ؛ خُزاعةً، ومُدْلِجٍ،
ومَن كان له "عهدٌ مِن٢) غيرِهم. أقبلَ رسولُ اللَّهِ عَه مِن تَبُوكَ حينَ فَرَغ، فأرادَ
رسولُ اللَّهِ عِ لَّهِ الحَجّ، ثم قال: ((إنه يَحْضُرُ المشركون، فيَطُوفون عُرَاةٌ ، فلا أُحِبُّ
أن أحجَّ حتى لا يكونَ ذلك)). فأرسَل أبا بكرٍ وعليًّا، رضِى اللَّهُ عنهما، فطافا
بالناسِ بذى المَجَازِ، وبأمكنتهم التى كانوا يَبايعون بها، ("وبالموسم كلِّه ٢)، فآذَنُوا
أصحابَ العهدِ بأن / يَأْمَنوا أربعةَ أشهرٍ، فهى الأشْهرُ المُتُوالياتُ: عشرون مِن آخرِ ذى
الحِيَّةِ إلى عَشْرٍ يَخْلُون مِن شهرِ ربيع الآخرِ، ثم لا عهدَ لهم، وآذَن الناسَ كلَّهم ◌ّ
٦٢/١٠
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٦٥/١ عن معمر به .
(٢ - ٢) فى ص، ت١، س، ف: ((أو)). وفى ابن أبى حاتم: ((عهد و)).
(٣ - ٣) فى م: (( بالمواسم كلها)).
(٤) فى م: ((كلها)).
٣١٠
سورة التوبة : الآيتان ٢،١
بالقتالِ إلا أن يُؤْمِنوا (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجاجٌ، عن ابنٍ جُرَيجٍ، عن
مجاهدٍ قولَه: ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ اْللَّهِ وَرَسُولِ إِلَى الَّذِينَ عَهَدْتُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. قال:
أهلُ العهدِ : مُدْلِجٌ، والعربُ الذين عاهدهم، ومَن كان له عهدٌ. قال: أَقْبَل
رسولُ اللَّهِ عَلَّهِ مِن تَبَوكَ حينَ فَرَغ منها وأرادَ الحَجَّ، ثم قال: ((إِنَّه يَخْضُرُ(١) البيتَ
مُشْرِكون يَطُوفون ◌ُرَاةً، فلا أُحِبُّ أن أَحُجَّ حتى لا يكونَ ذلك)). فأرسَل أبا بكرٍ
وعليًّا، رضِى اللَّهُ عنهما، فَطافا بالناسِ بذِى المجَازِ، وبأمكنتهم التى كانوا يَتَبايعون
بها ، وبالموسم كلِّه، وآذَنُوا أصحابَ العهدِ بأن يأْمَنوا أربعة أشهرٍ، فهى (٢) الأشهرُ الحُرُمُ
المُسَلِخاتُ المُوالياتُ: عشرون مِن آخِرِ ذى الحِبَّةِ إلى عَشْرٍ يَخْلُون مِن شهرٍ ربيعٍ
الآخرِ، ثم لا عهدَ لهم . وآذَن الناسَ كلَّهم بالقِتالِ إلا أن يُؤْمِنوا. فَآمَن الناسُ أجمعون
حينئذٍ ، ولم يَسِحْ أحدٌ. قال: حينَ رَجَع مِن الطائفِ، ومَضَى مِن فَوْرِه ذلك فغَزًا
تَبَوكَ ، بعدَ إذ جاءَ إلى المدينةِ .
وقال آخرون ممن قال : ابتداءً الأجلِ لجمیع المشر کین وانقضائه كان واحدًا ؛
كان ابتداؤه يومَ نَزَلَت ((براءةُ))، وانقضاؤه انقضاءَ الأشهرِ الحُم، وذلك انقضاء
المُحَرَّمِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن
(١) تفسير مجاهد ص ٣٦٣، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٤٦/٦ (٩٢١٧، ٩٢٢٠) من طريق
ابن أبی نجیح به .
(٢) فى ص، ت١، س: ((حضر)).
(٣) فى م، ت١، ت٢، س: ((فى)).
٣١١
سورة التوبة : الآيتان ٢،١
الزَّهْرِىِّ: ﴿فَسِيحُواْ فِ الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرِ﴾. قال: نَزَّلَت فى شَوَّالٍ، فهى
الأربعةُ الأشهرِ: شَؤَّالٌ، وذو القَعْدةِ، وذو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ(١).
وقال آخرون: إنما كان تأجيلُ اللَّهِ الأشهرَ الأربعةَ المشركين فى السياحةِ ، لَمّن
كان بينَه وبينَ رسولِ اللَّهِ مَّهِ عَهْدٌ مُدَّتُه أقلُّ(٢) مِن أربعةِ أشهرٍ. ( أمَّا مَن كان له عهدٌ
مُدَّتُه أكثرُ مِن أربعةِ أشهر٣ٍ) ، فإنه أُمِرِ سَمِ أن يُتِمَّ له عهدَه إلى مُدَّتِه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ ، عن مَعْمَرٍ ، قال : قال
الكَلْيِىُّ: إنما كانت الأربعةُ الأشهرِ لمن كان بينَه وبينَ رسولِ اللَّهِ عَمِ عهدٌ دونَ
الأربعةِ الأشهرِ، فأَتَمَّ له الأربعةَ. ومَن كان له عهدٌ أكثرُ مِن أربعة أشهرٍ، فهو الذى
أُمِرِ أن يُمَّ له عهدَه، وقال: ﴿ أَنِقُواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مَُّّتِهِمَّ﴾ (٤).
قال أبو جعفرٍ، رحِمه اللَّهُ: وأَوْلى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ ، قولُ مَن قال :
الأَجَلُ الذى جَعَله اللَّهُ لأهلِ العهدِ مِن المشركين، وأَذِن لهم بالسّياحةِ فيه بقولِه :
﴿ فَسِيحُواْ فِىِ الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾. إنما هو لأهلِ العهدِ الذين ظاهروا على رسولٍ
اللَّهِ عَهِ، ونَقَضُوا عهدَهم قبلَ انقضاءٍ مُدَّتِه. فأمَّ الذين لم يَنْقُضوا عهدهم، ولم
يُظاهِروا عليه، فإن اللَّهَ، جلّ ثناؤه، أمَر نبيِّه ◌ِ لَّه بإتمامِ العهدِ بينَه وبينَهم إلى مُدَّتِه
بقولِه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَهَدْتُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوَكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَهِرُواْ
٦٣/١٠
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٤٧/٦ (٩٢٢١) من طريق محمد بن عبد الأعلى به ، وأخرجه
عبد الرزاق فى تفسيره ٢٦٥/١، ومن طريقه النحاس فى الناسخ ص٤٨٧ عن معمر به .
(٢) فى ص، س، ف: ((أكثر)).
(٣ - ٣) سقط من: ص ، س، في.
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٦٥/١ عن معمر به.
٣١٢
سورة التوبة : الآيتان ٢،١
عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَتِقُواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مَُّتِهِمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُنَّقِينَ﴾
فإِن ظَنَّ ظانٌّ أن قولَ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ آلْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ
اَلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ﴾ يدلُّ على خلافٍ ما قُلنا فى ذلك ، إذ كان ذلك يُنْيِئُ
على (١) أن الفرضَ على المؤمنين كان بعدَ انقضاءِ الأشهرِ الحُرُم ، قَتْلَ كلِّ مُشْركٍ ، فإن
الأمرَ فى ذلك بخلافٍ ما ظَنَّ ، وذلك أن الآيةَ التى تَتْلُو ذلك تنبىُّ(٢) عن صحةٍ ما
قُلْنا ، وفسادٍ ما ظَنَّه مَن ظَنَّ أَن انسلاخَ الأشهر الحُم کان نُبِحُ قتلَ كلِّ مُشْركٍ، کان له
عهدٌ مِن رسولِ اللَّهِ مٍَّ، أو لم يكنْ كان له منه عهدٌ، وذلك قولُه: ﴿كَيْفَ يَكُونُ
لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدُ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِ إِلَّا الَّذِينَ عَهَدْتُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْخَرَاءِ
فَمَا أُسْتَقَدّمُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُثَّقِينَ﴾ [التوبة: ٧]. فهؤلاء
مُشْرِكون، وقد أَمَرِ اللَّهُ نبيَّه بِّهِ والمؤمنين بالاستقامةِ لهم فى عهدِهم، ما استقاموا
لهم بتَرْكِ نقضٍ صُلْحِهم، وتَرْكِ مُظاهرةٍ عدوٌّهم عليهم .
وبعدُ ، ففى الأخبارِ المُظاهرةِ عن رسولِ اللَّهِ مَّهِ: أنه حينَ بَعَث عليًّا ، رضِى
اللَّهُ عنه بـ ((براءةَ)) إلى أهلِ العهودِ بينَه وبينَهم ، أمّره فیما أمره أن يُنادِىَ به فيهم :
ومَن كان بينَه وبينَ رسولِ اللَّهِ مَِّ عهدٌ، فعهدُه إلى مُدَّتِه أوضحُ الدليلِ على صحةِ
ما قُلنا. وذلك أن اللَّهَ لم يأمُرْ نبيَّه عَِّ بنَقْضِ عهدٍ قومٍ كان عاهَدهم إلى أُجَلِ،
فاستقاموا على عهدِهم (١) بتَزْكِ نَقْضِه، وأنه إنما أَجَل أربعةً أشهرٍ مَن كان قد نَقَض
عهدَه قبلَ التأجيلِ ، أو مَن كان له عهدٌ إلى أجلٍ غيرِ محدودٍ . فأمَّا مَن كان أجلُ
عهدِه محدودًا ، ولم يجعلْ بنَقْضِه على نفسِه سبيلاً، فإن رسولَ اللَّهِ م هل كان ياتمام
(١) فى م: ((عن)).
(٢) فى ص، ف: (( تبین)) .
(٣) فى م: ((عهده)).
٣١٣
سورة التوبة : الآيتان ٢،١
عهدِه إلى غايةِ أجلِه مأمورًا. وبذلك بَعَث مُنادِيَه يُنادى به فى أهلِ الموسمِ مِن
العرب .
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ ، قال: ثنا قَيْسٌ، عن مُغِيرً ، عن
الشَّعْبيّ، قال: ثنى مُحَرَّرُ بنُ أبى هريرةَ، عن أبى هريرةَ، رضِى اللَّهُ عنه، قال:
كنتُ مع علىٍّ، رضِى اللَّهُ عنه، حينَ بعثَه النبيُّ عَِّ يُنادِى، فكان إذا صَحِلَ (١)
صوتُه نادَيتُ . قلتُ : بأىِّ شىءٍ كنتم تُنادُون ؟ قال : بأربع : لا يَطُفْ بالكعبةِ عُريانٌ ،
ومَن كان له عندَ رسولِ اللَّهِ عَّمِ عهدٌ فعهدُه إلى مُدَّتِه، ولا يَدخُلُ الجنةَ إلا نفسٌ
مؤمنةٌ ، ولا يَحُجَّ بعدَ عامِنا هذا(١) مُشركٌ(٣) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو (٤) ، قال: ثنا عَفَّنُ ، قال : ثنا قيسُ بنُ الربيعِ، قال : ثنا
الشَّيْبانىُ، عن الشَّغبىِّ، قال: أخبرنا المُحَرَّرُ بنُ أبى هريرةَ ، عن أبيه ، قال : كنتُ مع
علىّ، رضِى اللَّهُ عنه، فذَكَر نحوَه، إلا أنه قال: ومَن كان بينَه وبينَ رسولِ اللَّهِ عَ لَّه
عهدٌ، فعهدُه إلى أجلِه(٥) .
وقد حَدَّث بهذا الحديثِ شعبةُ ، فخالفَ قيسًا فى الأجلِ .
فحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ومحمدُ بنُ المُثَنَّى ، قالا : ثنا عثمانُ بنُ عمرَ،
قال: ثنا شعبةُ ، عن المغيرةِ، عن الشَّغْبِىِّ، عن المحرَّرِ بنِ أبى هريرةَ ، عن أبيه، قال:
كنتُ مع علىِّ حينَ بَعَثه رسولُ اللَّهِ مَّهِ بيراءةٍ إلى أهلٍ مكةً، فكنتُ أُنَادِى حتى
(١) صحل صوته : أی بٹّ . اللسان ( ص ح ل ).
(٢) زيادة من : م .
(٣) أخرجه النسائى (١١٢١٤ - كبرى)، وابن حبان (٣٨٢٠) من طريق المغيرة به .
(٤) فى ص، ف: (( معمر )) .
(٥) أخرجه إسحاق بن راهويه (٥١٧)، والحاكم ٣٣١/٢ من طريق الشيبانى به.
٣١٤
سورة التوبة : الآيتان ١، ٢
٦٤/١٠
صَحِلَ صَوْتى. فقلتُ: / بأىِّ شىءٍ كنتَ تُنادِى؟ قال: أُمِرْنا أن نُنَادِىَ: أنه لا
يَدْخُلُ الجنةَ إلا مؤمنٌ، ومَن كان بينَه وبينَ رسولِ اللَّهِ ◌َّمِ عهدٌ، فأجلُه إلى أربعةِ
أشهرٍ، فإذا حَلَّ الأجلُ، فإن اللَّهَ بَرِىءٌ مِن المشركين ورسولُه، ولا يَطُفْ بالبيتِ
◌ُزْيانٌ ، ولا يَحُيَّ بعدَ العامِ مُشْرِكٌ(١) .
قال أبو جعفرٍ، رحمه اللَّهُ: وأخشى أن يكونَ هذا الخبرُ وَهْمًا مِن ناقله فى
الأجل؛ لأن الأخبار مُتظاهِرةٌ فى الأجلِ بخلافِه ، مع خلافٍ قیسٍ شُغبةً فى نفسٍ
هذا الحديثِ على ما بَيَنتُه .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن أبى
إسحاقَ، عن الحارثِ الأعورِ، عن علىّ، رضِى اللَّهُ عنه، قال: أُمِرِتُ بأربعٍ؛ أُمِرتُ
أن لا يَقْرَبَ البيتَ بعدَ هذا العام مُشْرِكٌ ، ولا يَطُفْ رجلٌ بالبيتِ عُرْيانًا ، ولا يَدخُلُ
الجنةَ إلا كلُّ نفسٍ مُسْلمةٍ. وأن يَبِمَّ إلى كلُّ ذى [٩٢١/١و] عَهْدٍ عهدُه(١).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبى
إسحاقَ، عن زيدٍ بِنِ يُقَيعُ() قال: نَزَّلَت ((براءةُ))، فبَعَث بها رسولُ اللَّهِ عَظِيمِ أبا بكرٍ ،
ثم أُرسَل عليًّا فأخَذَها منه. فلما رَجَع أبو بكرٍ، قال: هل نَزَل فى شىءٌ ؟ قال : لا ،
(١) أخرجه النسائي (٢٩٥٨) من طريق عثمان بن عمر به، وأخرجه أحمد ٣٥٦/١٣ (٧٩٧٧)، والدارمى
٣٣٢/١، ٢٣٧/٢، والنسائى (٢٩٥٨) من طريق شعبة به .
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٩/٤ عن المصنف ، وذكره الدارقطنى فى علله ١٦٣/٣ عن معمر به ،
وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٦٥/١، والبزار فى مسنده (٧٨٥) من طريق معمر عن أبى إسحاق عن زيد
ابن يشيع عن على ، وينظر علل الدارقطنى .
(٣) غير منقوطة فى ص، ت٢، س، ف. وفى ت١: ((ينبع)). وفى م: ((يشيع)). والمثبت كما فى مصادر
التخريج . وينظر تهذيب الكمال ١١٥/١٠.
٣١٥
سورة التوبة : الآيتان ٢،١
ولكنى أُمِرْتُ أن أُتِلِغَها أنا أو رجلٌ مِن أهلِ بيتى. فانطلَق إلى مكةً، فقامَ فيهم بأربعٍ؛
أن لا يَدْخُلَ مكةَ مُشْرِكٌ بعدَ عامِه هذا ، ولا يَطُفْ بالكعبةِ عُزيانٌ ، ولا يَدْخُلُ الجنةَ
إلا نفسٌ مُسْلِمَةٌ، ومَن كان بينَه وبينَ رسولِ اللَّهِ عهدٌ، فعهدُه إلى مُدَّتِه(١).
حدّثنا ابنُ وَ کِیع، قال : ثنا أبو أُسامةً ، عن ز کریا ، عن أبى إسحاق ، عنزيد بنِ
يُقَيِعِ، عن علىٍّ، قال: بَعَثنى النبيُّ عَلَه، حينَ أَنْزِلَت ((براءةُ)) بأربع؛ أن لا يَطُفْ
بالبيتِ عُزيانٌ ، ولا يَقْرَبِ المسجد الحرامَ مُشْرِكٌ بعدَ عامِهم هذا، ومَن كان بينَه وبينَ
رسولِ اللَّهِ مَّمِ عهدٌ، فهو إلى مُدَّتِهِ، ولا يَدْخُلُ الجنةَ إلا نفسٌ مُسْلِمةٌ(١).
حدَّثنا ابنُّ وَكِيع، قال: ثنا ابنُ عبدِ الأَعْلى، عن مَعْمَرٍ، عن أبى إسحاقَ ، عن
الحارثِ، عن عليٍّ، رضِى اللَّهُ عنه، قال: بُعثِتُ إلى أهلِ مكةً بأربع. ثم ذكر
الحديثَ .
حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعيدِ الجَوْهَرِىُّ، قال: ثنا حسينُ بنُ محمدٍ ، قال: ثنا
سليمانُ بنُ قَوْمِ، عن الأعمشِ، عن الحَكُم، عن مِقْسَمِ، عن ابنِ عباسٍ : أن
رسولَ اللَّهِ مَ ◌ّهِ بَعَث أبا بكرٍ بـ((براءةَ))، ثم أتْبَعه عليًّا، فَأَخَذَها منه، فقال أبو بكرٍ،
رضِى اللَّهُ عنه: يا رسولَ اللَّهِ، حَدَث فىَّ شىءٌ؟ قال: ((لا، أَنْتَ صَاحِبِى فى الغارِ
وعلى الحَوْضِ، ولا يُؤَدِّى عَنِّى إلا أنا أو علىّ)). وكان الذى بَعَث به عليًّا أربعًا: لا
(١) أخرجه أحمد ١٨٣/١ (٤)، وأبو يعلى (١٠٤)، والمروزى فى مسند أبى بكر (١٣٢)، والجورقانى فى
الأباطيل والمناكير ١٢٧/١ (١٢٠٤) من طريق إسرائيل موصولا عن أبى بكر بنحوه. قال الحافظ فى أطراف
المسند ٨٣/٦ (٧٨٠٠): وهذا منقطع. وقال الجورقانى: هذا حديث منكر رواه عن إسرائيل زافر بن سليمان
فخالف فيه و کیعًا .
(٢) أخرجه الحميدى (٤٨)، وأحمد ٣٢/٢ (٥٩٤)، والدارمى ٦٨/٢، والترمذى (٨٧١، ٨٧٢،
٣٠٩٢)، وأبو يعلى (٤٥٢)، والبيهقى ٢٠٧/٩ من طريق أبى إسحاق به .
٣١٦
سورة التوبة : الآيتان ١، ٢
يَدْخُلُ الجنةَ إِلا نفسٌ مُسْلِمَةٌ ، ولا يَحُجَّ بعدَ العامِ مُشْرِكٌ ، ولا يَطُفْ بالبيتِ عُزْيانٌ ،
ومَن كان بينَه وبينَ رسولِ اللَّهِ عَ لَّهِ عهدٌ فهو إلى مُدَّتِه (١).
حدَّثنا ابنُ وَكِيع، قال : ثنا أبى، عن ابنِ أبى خالدٍ ، عن عامٍ ، قال : بَعَث النبىُّ
عَلِّ عليَّ، رَضِى اللَّهُ عنه، فنادَى: ألا لا يَحُجَّنَّ بعدَ العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُفْ بالبيتِ
◌ُزيانٌ ، ولا يَدْخُلُ الجنةَ إلا نفسٌ مُسْلِمَةٌ، ومَن كان بينَه وبينَ رسولِ اللَّهِ عهدٌ،
فأجَلُه إلى مُدَّتِهِ، واللَّهُ بَرِىءٌ مِن المشركين ورسولُه.
٦٥/١٠
/حدَّثنا ابنُّ محُمَيدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: ثنا محمدُ بنُّ إسحاقَ، عن حکیمِ بنِ
حكيم بن عَبَّادِ بنِ مُنَيفٍ ، عن أبى جعفرٍ محمدِ بنِ عليّ بنِ محُسَينِ بنِ علىٍّ ، قال :
لمَّا نَزَلَت ((براءةُ)) على رسولِ اللَّهِ عَه، وقد كان بَعَث أبا بكر الصديقَ، رَضِى اللَّهُ
عنه، ليُقِيمَ الحَجَّ للناسِ، قيل له: يا رسولَ اللَّهِ، لو بَعَثْتَ إلى أبى بكرٍ، فقال: ((لا
يُؤَدِّى عَنِّى إلا رجلٌ مِن أهلِ بَيْتِى)). ثم دَعا علىَّ بنَ أبى طالبٍ ، رَضِى اللَّهُ عنه،
فقال: ((اخْرُجْ بهذه القِصَّةِ مِن صَدْرِ ((بَرَاءةَ))، وأَذِّنْ فى الناسِ يومَ النَّحْرِ إذا اجْتَمَعوا
بِنِّى؛ أنَّه لا يَدْخُلُ الجنةَ كَافِرٌ ، ولا يَحُجَّ بعدَ العامِ مُشْرِكٌ ، ولا يَطُفْ بالبيتِ ◌ُزيانٌ ،
ومَن كان له عندَ رسولِ اللَّهِ مَّهِ عَهْدٌ فهو إلى مُدَّتِهِ)). فخَرَج علىُّ بن أبى طالبٍ،
رَضِى اللَّهُ عنه، على ناقةِ رسولِ اللهِ نَّهِ العَضْباءِ، حتى أدرَك أبا بكر الصديقَ
بالطريقِ، فلمَّا رَآه أبو بكرٍ ، قال: أميرٌ أو مأمورٌ؟ قال: مأمورٌ، ثم مَضَيا، رَضِى اللَّهُ
عنهما ، فأقامَ أبو بكرٍ للناسِ الحَجَّ ، والعربُ إذ ذاك فى تلك السنةِ على مَنازلهم مِن
الحَجِّ التى كانوا عليها فى الجاهليةِ، حتى إذا كان يومُ النَّحْرِ، قامَ علىَّ بن أبى طالبٍ،
رَضِى اللَّهُ عنه، فأَذَّنَ فى الناسِ بالذى أمَره رسولُ اللَّهِ مَّهِ، فقال: يا أيُّها الناسُ، لا
(١) أخرجه الترمذى (٣٠٩١)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٤٥/٦ (٩٢١٥) من طريق الحكم به .
٣١٧
سورة التوبة : الآيتان ٢،١
يَدْخُلُ الجنةَ إلا نفسٌ مُسْلِمَةٌ ، ولا يَحُجَّ بعدَ العامِ مُشْرِكٌ ، ولا يَطُفْ بالبيتِ عُزْيانٌ ،
ومَن كان له عهدٌ عندَ رسولِ اللَّهِ عَّهِ، فهو له إلى مُدَّتِهِ. فلم يَحُجَّ بعدَ ذلك العامِ
مُشْرِكٌ، ولم يَطُفْ بالبيتِ عُزيانٌ، ثم قَدِما على رسولِ اللهِ عَمِ. وكان هذا مِن
((براءةَ))، فيمَن كان مِن أهلِ الشِّرْكِ مِن أهلِ العهدِ العامِّ، وأهلِ المُدَّةِ إلى الأجلِ
المُسَمَّى(١) .
حدَّثنى محمدُ بنُ الحُسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُّدِّىٌّ، قال: لمّا نَزَّلَت هذه الآياتُ إلى رأسٍ أربعينَ آيةً، بَعَث بِهِنَّ رسولُ اللَّهِ صَحِ
مع أبى بكرٍ ، وأَمَّره على الحَجِّ، فلمَّا سارَ فبلَغ الشجرةَ مِن ذى الحُلَيفةِ ، أَتْبَعه بعلىِّ
فأخَذها منه، فَرَجَع أبو بكرٍ إلى النبيِّ ◌َهِ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، بأبى أنت وأمى،
أَنْزِل فى شأنى شىءٌ؟ قال: ((لا ، ولكنْ لا يُبَلَّغُ عنّى غَيرى، أو رجلٌ مِنِّى، أمَا
تَرْضَى يا أبا بكرٍ أنك كنتَ مَعِى فى الغارِ، وأَنَّك صاحبى على الحَوْضِ؟)). قال:
بلى يا رسولَ اللهِ! فسارَ أبو بكرٍ على الحاجّ، وعلىٍّ يُؤْذِّنُ بـ((براءةَ))، فقامَ يومَ
الأضحَى ، فقال: لا يَقْرَبَنَّ المسجد الحرامَ مُشْرِكٌ بعدَ عامِه هذا، ولا يَطُوفَنَّ بالبيتِ
عُزْيانٌ ، ومَن كان بينَه وبينَ رسولِ اللَّهِ مَّهِ عهدٌ، فله عَهْدُه إلى مُدَّتِهِ، وإن هذه أيامُ
أَكْلٍ وشُوْبٍ، وإن اللَّهَ لا يُدْخِلُ الجنةَ إلا مَن كان مُسْلِمًا. فقالوا: نحن نَبْرَأُ مِن
عهدِك وعهدِ ابنِ عَمِّك إلا مِن الطَّعْنِ والضَّرْبِ. فَرَجَع المشركون، فَلَامَ بعضُهم
بعضًا، وقالوا: ما تَصْنَعون، وقد أُسْلَمَت قريشٌ؟ فأسلَموا .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يَحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن أبى
إسحاقَ، عن زيدِ [٩٢١/١ظ] بنِ يَُّيْعِ، عن علىٍّ، قال: أُمِرْتُ بأربع؛ أن لا يَقْرَبَ
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٩/٤، نقلا عن الطبرى، سيرة ابن هشام ٤٣٠/٢.
٣١٨
سورة التوبة : الآيتان ٢،١
البيتَ بعدَ العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفَ بالبيتِ عُزيانٌ، ولا يَدْخُلَ الجنةَ إِلا نفسٌ مُسْلِمَةٌ ،
وأن يَبِمَّ إلى كلِّ ذى عَهْدٍ عهدُه. قال مَعْمَرٌ: وقاله قتادةُ(١) .
٦٦/١
قال أبو جعفر ، رحمه اللّهُ : فقد اثبات هذه الأخبارُ ونظائرها عن صحة ما قُلنا ،
وأن أَجَلَ الأشهرِ الأربعةِ / إنما كان لمن وَصَفْنا. فأمَّا مَن كان عهدُه إلى مُدَّةٍ مَعْلومةٍ ،
فلم يَجعَلْ لرسولِ اللَّهِ مَّهِ وللمؤمنين لنَّقْضِه ومُظاهرةِ أعدائِهم عليهم سبيلاً ، فإن
رسولَ اللَّهِ مَّهِ قد وَفَّى له بعهدِه إلى مُدَّتِهِ، عن أمرِ اللَّهِ إياه بذلك. وعلى ذلك دَلَّ
ظاهرُ التنزيلِ، وتَظاهَرَت به الأخبارُ عن الرسولِ عَلَه.
وأما الأشهر الأربعةُ ، فإنها كانت أَجَلَ مَن ذَكَرْنا، وكان ابتداؤُها يومَ الحَجّ
الأكبرِ، وانقضاؤها انقضاءَ عَشْرٍ مِن ربيع الآخرِ ، فذلك أربعةُ أشهرٍ مُتَتابعةٍ ، جُعِل
لأَهلِ العَهْدِ الذين وَصَفْنا أمْرَهم فيها السياحةُ فى الأرضِ، يَذْهَبون حيثُ شاءوا ، لا
يَعْرِضُ لهم فيها مِن المسلمين أحدٌ بحربٍ، ولا قتلٍ، ولا سَلْبٍ.
فإن قال قائلٌ: فإذا كان الأمرُ فى ذلك كما وَصَفتَ، فما وَجْهُ قولِه: ﴿ فَإِذَا
اُنْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. وقد عَلِمتَ أن
انسلاخَها انسلاُ المحرم، وقد زَعَمْتَ أن تأجيلَ القومِ مِن اللَّهِ ومِن رسولِه كان أربعةً
أشهرٍ ، وإنما بينَ يومِ الحَجُ الأكبرِ، وانسلاخ الأشهر الحُم خمسون يومًا أكثرُه ، فأين
الخمسون يومًا مِن الأشهرِ الأربعةِ؟
قيل: إن انسلاخَ الأشهرِ الْحُرُم ، إنما كان أَجَلَ مَن لا عهد له مِن المشركين مِن
رسولِ اللَّهِ مََّمِ، والأشهر الأربعةُ لمن له عَهْدٌ، إمَّا إلى أجلٍ غيرِ محدودٍ، وإمَّا إلى
أجلٍ محدودٍ قد نَقَضَه، فصارَ بنَقْضِه إياه بمعنى مَن خِيفَ خيانتُه ، فاسْتَحَقَّ النَّذَ إليه
(١) تفسير عبد الرزاق ٢٦٥/١، وينظر ما تقدم ص ٣١٥ .
٠
٣١٩
سورة التوبة : الآيتان ١، ٢
على سواءٍ، غيرَ أنه مجعِل له الاستعدادُ لنفسِه، والارتيادُ لها مِن الأجَل الأربعةِ
الأشهرِ. أَلَا تَرَى اللَّهَ يقولُ لأصحابِ الأشهرِ الأربعةِ ، ويَصِفُهم بأنهم أهلُ عَهْدٍ :
فَسِيحُواْ فِى الْأَرْضِ
﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِ إِلَى الَّذِينَ عَهَدْ تُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ
أَرْبَعَةَ أَشْهُرِ وَأَعْلَمُوْاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِى اَللَّهِ﴾. وَوَصَف المجعولَ لهم انسلاخَ الأُشهرِ
الحُرُم أجلًا، بأنهم أهلُ شِرْكٍ لا أهلَ عَهْدٍ، فقال: ﴿ وَأَذَنٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ: إِلَى
النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِىٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينٌّ وَرَسُولٌ﴾. الآية - ﴿إِلَّا
الَّذِينَ عَهَدْتُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. الآية، ثم قال: ﴿فَإِذَا أَنْسَلَخَ اَلْأَشْهُرُ الْحُرُمُ
فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. فأمَر بقَتْلِ المُشْرِ كين الذين لا عَهْدَ لهم بعدَ
انسلاخ الأشهرِ الحُرُم ، وبإتمامٍ عَهْدِ الذين لهم عَهْدٌ ، إذا لم يَكونوا نَقَضُوا عهدَهم
بالمُظاهرةِ على المؤمنين، وإدخالِ النَّقْصِ فيه عليهم .
فإن قال قائلٌ: وما الدليلُ على أن ابتداءَ التأجيلِ كان يومَ الحَجِّ الأكبرِ، دونَ أن
يكونَ كان مِن شَؤَّالٍ ، على ما قاله قائلو ذلك ؟
قيل له : إن قائلى ذلك، زَعَموا أن التأجيلَ كان مِن وَقْتِ نُزولٍ ((براءةَ)) ،
وذلك غيرُ جائزٍ أن يكونَ صحيحًا؛ لأن المجعولَ له أجلُ السياحةِ إلى وَقْتٍ محدودٍ ،
إذا لم يَعْلَمْ ما جُعِل له ولاسيما مع عَهْدٍ له قد تَقَدَّم قبلَ ذلك بخلافِهِ، فکمَن لم
يُجْعَلْ له ذلك؛ لأنه إذا لم يَعْلَمْ ما لَه فى الأجلِ الذى جُعِل له، وما عليه بعدَ
انْقِضائِه، فهو كهيئتِه قبلَ الذى جُعِل له مِن الأجْلِ . ومعلومٌ أن القومَ لم يَعْلَموا بما
جُعِل لهم مِن ذلك ، إلا حينَ نُودِى فيهم بالموسم . وإذا كان ذلك كذلك ، صَحَّ أن
ابتداءَه ما قُلنا، وانقضاءَه كان ما وَصَفْنا .
وأما قولُه: ﴿ فَسِيحُواْ فِ الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾. فإنه يعنى: فسِيرُوا فيها
مُقْبِلِين ومُذْبِرِين، آمِنِين غيرَ خائِفِين مِن رسولِ اللّهِ مَاهِ وأتباعِه.
٣٢٠
سورة التوبة : الآيتان ٢، ٣
يقالُ منه: ساعَ فلانٌ فى الأرضِ يَسِيحُ، سِياحةً وسُيُوحًا وسَيَحانًا .
٦٧/١٠
/وأما قولُه: ﴿وَأَعْلَمُوْ أَنَّكُ غَيْرُ مُعْجِرِى الَّهِ﴾ . فإِنه يقولُ لأهلِ العهدِ مِن
المشركين(١) الذين كان بينَهم وبينَ رسولِ اللَّهِ عَّهِ عَهْدٌ قبلَ نزول هذه الآيةِ :
اعلَموا، أيُّها المُشْرِكون ، أنكم إن سِخْتُم فى الأرضِ، واخْتَرْتم ذلك مع كُفْرِكم
باللَّهِ، على الإقرارِ بتَوحيدِ اللَّهِ وتَصْديقِ رسولِه: ﴿غَيْرُ مُعْجِى اَللَّهِ﴾. يقولُ: غيرُ
مُفِيتِيه بأنفسِكم؛ لأنكم حيثُ ذَهَبْتم وأينَ كنتم مِن الأرضِ ، ففى قَبْضِتِهِ وسُلطانِهِ ،
لا يَمْنَعُكم منه وزيرٌ، ولا يحولُ بينَكم وبينَه إذا أرادَ كم بعذابٍ مَعْقِلٌ ولا مَوْئِّلٌ إلا
الإِيمانُ به وبرسولِه، والتوبةُ مِن مَعْصِيتِه. يقولُ: فبادِروا عُقوبتَه بتوبةٍ، ودَعُوا
السياحةَ التى لا تَنْفَعُكم .
وأما قولُه: ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِى الْكَفِرِينَ﴾. يقولُ: واعلموا أن اللَّهَ مُذِلُ
الكافرين، ومُورِثُهم العارَ فى الدنيا، والنارَ فى الآخرةِ .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ: إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِ الْأَكْبَرِ أَنَّ
اللَّهَ بَرِىٌَّ مِّنَ الْمُشْرِكِينُّ وَرَسُولٌ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه : وإعلامٌ مِن اللَّهِ ورسولِه إلى الناسِ يومَ الحَجّ الأكبرِ.
وقد بيَّنَّا معنى الأذانِ، فيما مَضَى مِن كتابِنا هذا بِشَواهدِه(١) .
وكان سليمانُ بنُ موسى يقولُ فى ذلك ما حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ،
قال: حدَّثنى حَجَّاجْ، عن ابنٍ مُجُرَيجٍ، قال: زَعَمَ سليمانُ بنُ موسى الشَّامِئُّ أن
(١) ليست فى : م.
(٢) تقدم فى ٢٠٦/١٠.