Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
سورة الأنفال : الآيات ٦٤ - ٦٦
معنى الكلام : يَكْفيك اللّهُ ويَكْفِى مَن اتَّبَعك مِن المؤمنين .
٣٨/١٠
وقد قال بعضُ / أهلِ العربيةِ فى ((مَن)): إنها فى موضعٍ رفعٍ على العطفِ على
اسم اللّهِ، كأنه قال: حَسْبُك اللّهُ ومُتَّبِعوك إلى جهادِ العدوِّ مِن المؤمنين، دونَ
القاعِدين عنك منهم ، واسْتشْهدَ على صحةٍ قولهِ ذلك بقوله: ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ
عَلَى الْقِتَالِ﴾ .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ يَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَرْضِ الْمُؤْمِينَ عَلَى الْقِتَالَّ إِن يَكُنْ
مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِْتَنَيْنَّ وَإِن يَكُن مِنكُم مِّأْتَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ
الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ
اُلْتَنَ خَفَّفَ اَللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ
٦٥
فِيَكُمْ ضَعْفَأْ فَإِ يَكُنْ مِّنكُم مِّْتَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِنَتَيْنَّ وَإِن يَكُن مِّنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ
٦٦
أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّيِينَ
يقولُ تعالى ذكرهُ لنبِّه محمدٍ عَلَّهِ: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِينَ عَلَى
اُلْقِتَالِ ﴾ يقول(١) : حُثَّ مُتَّبِعِيك ومُصَدِّقيك على ما جئتهم به مِن الحقِّ؛ على قتالٍ
مَن أَدْبَرَ وتَوَلَّى عن الحقِّ مِن المشركين، ﴿إِن يَكُنْ مِّنْكُمْ عِشْرُونَ﴾ رجلاً
صَِّرُونَ﴾ عندَ لقاءِ العدوِّ، يَحْتَسِبون أنفسَهم ويَتْتون لعدوِّهم ﴿يَغْلِبُواْ
مِأْتَنَيْنَّ﴾ من عدوّهم ويَقْهَروهم، ﴿وَإِن يَكُنْ مِّنكُم مِّْئَةٌ﴾ عندَ ذلك
يَغْلِيُوَا﴾ منهم ﴿أَلْفًا﴾ - ﴿ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾. يقولُ: مِن أجلِ أن
المشركين قومٌ يُقاتلون على غيرِ رجاء ثوابٍ ، ولا لطلبٍ أجرٍ ولا اخْتسابٍ؛ لأنهم لم
يَفْقَهوا أن اللّهَ مُوجِبٌ لَمَن قاتَلَ اخْتساباً، وطلبَ موعودَ اللّهِ فى المعادِ - ما وعَد
المجاهدين فى سبيلهِ ، فهم لا يَثْبُتُون إذا صَدَقوا فى اللقاءِ؛ خشيةَ أن يُقْتلوا فتذهَبَ
(١) سقط من : م .

٢٦٢
سورة الأنفال : الآيتان ٦٦،٦٥
دنياهم. ثم خَفَّفَ تعالى ذكرُه عن المؤمنين إذ عَلِمَ ضَعْفُهم، فقال لهم: ﴿ اُلْكَنَ
◌َفََّ، اَللَّهُ عَنَكُمْ وَعَلِمَ أَنََّ فِيَكُمْ ضَعْفًا﴾ ، يعنى: أن فى الواحد منهم عن لقاءٍ
العشرةٍ مِن عدوّهم ضعفاً، ﴿فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ﴾ عندَ لقائِهم للثباتِ
لهم ﴿ يَغْلِيُوْ مِأْتَنَيْنٍ﴾ منهم، ﴿ وَإِن يَكُنَ مِّنَكُمْ أَلْفٌ يَغْلِيُّوْ أَلَّفَيْنِ﴾ منهم،
بِإِذْنِ اَللَّهُ ﴾. يعنى: بِتَخْليةِ اللّهِ إِيَّاهِم لغَلَبِهم، ومَعونته إياهم، ﴿ وَاللَّهُ سَعَ
الصَّبِرِينَ ﴾ لعدوًّهم وعدوٌّ اللّهِ، احتسابًا فى صَبْرِهِ، وطلبًا لجزيلِ الثوابِ مِن ربِّه،
بالْعَوْنِ منه له ، والنصرِ عليه .
وبنحوِ ما قُلُنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مُحَبَّبٍ، قال: ثنا سفيانُ ، عن
لَيْثٍ، عن عطاءٍ فى قوله: ﴿إِن يَكُن مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَيِرُونَ يَغْلِبُواْ مِأْثَنَيْنَّ﴾.
قال: كان الواحدُ لعشرةٍ، ثم جُعِلَ الواحد بالْنين، لا ينبغى له أن يَفِرَّ منهماً(١).
حذَّثنا سعيد بن يحيى، قال: ثنا أبى، قال: ثنا ابن جريج، عن عمروبن دينار،
عن ابنِ عباسٍ، قال : جُعِل على المسلمين على الرجلٍ عشرةٌ مِن الكفارِ ، فقال :
٣٩/١٠ ﴿إِن يَكُن مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ / يَغْلِبُواْ مِاْتَنَيْنٍ ﴾ فخُفِّفَ ذلك عنهم، فجُعِلَ
على الرجلِ رجلان . قال ابنُ عباسٍ: فما أحبُّ أن يعلم الناسُ تَخْفيفَ ذلك عنهم (١)
(١) تفسير الثورى ص ١٢١، ومن طريقه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٦٢/١، وابن الجوزى فى نواسخه
ص ٣٥١.
(٢) أخرجه الشافعى فى الأم ٩٢/٤، وعبد الرزاق فى مصنفه (٩٥٢٥)، وسعيد بن منصور في سننه
(١٠٠٠ - تفسير)، والبخارى (٤٦٥٢)، وابن الجارود (١٠٤٩)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٢٨/٥،
والطيرانى (١١٢١١)، والبيهقى ٧٦/٩، وفى الشعب (٤٠٠١) من طريق عمرو بن دينار به.

٢٦٣
سورة الأنفال : الآيتان ٦٦،٦٥
حدَّثْنا ابنُّ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال محمدُ بنُ إسحاقَ، ثنى عبدُ اللّهِ
ابنُ أبي نجيحِ المكى، عن عطاءِ بنِ أبى رباحٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ، قال: لَّ نَزَلت
هذه الآيةُ، ثُقُلَت على المسلمين، وأَعْظَموا أن يُقاتِلَ عشرون مائتين، ومئةٌ ألفاً،
فخَقَّفَ اللّهُ عنهم، فتَسَخها بالآيةِ الأخرى فقال: ﴿أَنْكَنَ خَفَّفَ اَللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ
أَرَ فِيَكُمْ ضَعْفًا فَإِنِ يَكُنْ مِنكُمْ مِّأْنَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِْتَنَيْنَّ وَإِن يَكُن مِّنَكُمْ أَلْفُ
يَغْلِيُوْ أَلْفَيْنِ﴾. قال: وكانوا إذا كانوا على الشَّطْرِ مِن عدوّهم لم يَتْبغ لهم أن يَفِرُّوا
منهم، وإن كانوا دونَ ذلك لم يَجِبْ عليهم أن يُقاتِلوا، وجازَ لهم أن يَتَحوَّروا
(١)
عنهم
حدَّثنى المثنى، قال ثنا عبدُ اللّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنٍ،
عباسٍ قولَه: ﴿إِن يَكُن مِّنَكُمْ عِشْرُونَ صَدِرُونَ يَغْلِبُواْ مِْتَنَيْنٍ ﴾، قال: كان لكلِّ
رجلٍ مِن المسلمين عشْرَةٌ ، لا ينبغى له أن يَفِرَّ منهم، فكانوا كذلك حتى أنزلَ اللهُ:
﴿اَلْتَنَ خَفَّفَ اَللَّهُ عَنَكُمْ وَلِمْ أَنَ فِيَكُمْ ضَعْفَأْ فَإِن يَكُن مِّنْكُمْ مِّْتَةٌ صَابِرَةٌ
يَعْلِبُواْ مِأْتَتَيْنَّ﴾، فَعَّأَ لكلِّ رجلٍ مِن المسلمين رجلين مِن المشركين، فنسَخِ الأُمرَ
الأَوَّلَ. وقال مرَّةُ أخرى فى قوله: ﴿إِن يَكُن مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُواْ
مِأْتَثَيْنٍّ﴾. فأمَرِ اللّهُ الرجلَ مِن المؤمنين أن يُقاتِلَ عشرةً مِن الكفارِ، فَشَقَّ ذلك على
المؤمنين، ورَحِمَهم اللّهُ فقال: ﴿فَإِن يَكُنْ مِنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِْتَنَيْنٍ وَإِن
(١) فى ف: ((عليهم)). والحديث فى سيرة بن هشام ٦٧٥/١، ٦٧٦، وأخرجه إسحاق بن راهويه - كما فى
الدر المنثور ٢٠٠/٣ - ومن طريقه الطبرانى فى الأوسط (٨١٠٧)، وابن مردويه - كما فى الدر - ومن طريقه
الضياء فى المختاره (٤٨٩) - وابن حبان (٤٧٧٣)، والطبرانى (١١٣٩٦) من طريق ابن إسحاق به ، وأخرجه
ابن المبارك فى كتاب الجهاد (٢٣٥)، وسعيد بن منصور فى سننه (١٠٠١ - تفسير)، والبيهقى ٧٦/٩ من
طريق ابن أبى نجيح به، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٢٨/٥ من طريق عطاء به ، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور إلى ابن المنذر وأبى الشيخ .

٢٦٤
سورة الأنفال : الآيتان ٦٦،٦٥
يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّبِرِينَ﴾. فأمرَ اللّهُ الرجلَ مِن
المؤمنين أن يُقاتِلَ رجلين مِن الكفار .
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی أبی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبى ، عن
أبيه، عن ابن عباس قولَه: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَرْضِ الْمُؤْمِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾، إلى
قولِهِ: ﴿ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾: وذلك أنه كان جعَل على كلِّ رجلٍ من
المسلمين عشرةً مِن العدوِّ يُؤْشِّبهم - يعنى: يُغْرِيهم - بذلك، ليُوَطِّنوا أنفسَهم على
الغزوِ (١)، وأن اللّهَ ناصِرُهم على العدوِّ، ولم يكنْ أمرًا عَزَمَه اللّهُ عليهم ولا أُوجَبَه،
ولكن كان تَحْرِيضًا ووصيةً أمَرَ اللّهُ بها نبيّه، ثم خَفَّفَ عنهم فقال: ﴿الْكَنَ خَفَّفَ
اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنتَ فِيَكُمْ ضَعْفًا﴾، فجَعَل على كلِّ رجلٍ رجلين بعدَ ذلك
تَخْفِيفًا؛ ليعلمَ المؤمنون أن اللّهَ بهم رحيمٌ، فَتَوَّلوا على اللّهِ، وصبّروا (٢)
وصَدَقوا(٢). ولو كان عليهم واجبًا، كفَّروا (٤) إذنْ: كلُ(٥) رجلٍ مِن المسلمين
[ نكَل](٩) عمن لَقِىَ مِن الكفار إذ(٧) كانوا أكثرَ منهم فلم يُقاتِلوهم، فلا يَغُرَّنَّك قولُ
رجالٍ ، فإنى قد سَمِعتُ رجالاً يقولون: إنه [٩١٤/١ و] لا يَصلُحُ لرجلٍ مِن المسلمين
أن يُقاتِلَ حتى يكونَ على كلِّ رجلٍ رجلان، وحتى يكونَ على كلِّ رجلين أربعةٌ ،
ثم بحسابٍ ذلك ، وزَعَموا أنهم يَعْصُون اللَّهَ إِن قاتلوا حتى يَتْلُغوا عِدَّةَ ذلك ، وأنه لا
(١) فى ص، ت٢: ((العزو))، وفى ت١، س، ف: ((العدو)).
(٢) فى م: ((اصبروا)).
(٣) فى م: ((اصدقوا)).
(٤) فى م: ((الغزو)).
(٥) بعده فى م: ((بعد)).
(٦) زيادة يقتضيها السياق، وينظر تفسير الطبرى بتحقيق الشيخ شاكر ٥٣/١٤.
(٧) فى ص، م، ت١، س، ف: ((إذا)).

٢٦٥
سورة الأنفال : الآيتان ٦٥، ٦٦
حَرَجَ عليهم أن لا يُقاتِلوا حتى يَبْلُغوا عدَّةَ أن يكونَ على كلِّ رجلٍ رجلان، وعلى
كلِّ رجلين أربعةٌ ، وقد قال اللَّهُ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَآءَ
مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاَللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]، وقال اللَّهُ: ﴿فَقَئِلٌ فِى سَبِيلِ
اُللَّهِ / لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرْضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٨٤]، فهو التحريضُ الذى أنزلَ ٤٠/١٠
اللّهُ عليهم فى ((الأنفالِ))، فلا تعجزنَّ(١) ، قائلْ(٢)، قد سَقَطْتَ بينَ ظَهْرَى أناسٍ
كما شاء اللّهُ أن يكونوا .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحسينِ(١) ، عن يزيدَ، عن
عكرمةَ والحسنِ، قالا: قال فى ((سورة الأنفالِ)): ﴿إِن يَكُنْ مِّنْكُمْ عِشْرُونَ
صَبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاتَيْنَّ وَإِن يَكُنْ مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾، ثم نسَخ فقال: ﴿ الْثَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ
فِيَكُمْ ضَعْفًا﴾، إلى قولِهِ: ﴿ وَاللَّهُ مَعَ الصَِّينَ﴾(١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغيرةً، عن عكرمةَ قولَه: ﴿إِن يَكُنَ
مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَِّرُونَ﴾. قال: واحدٌ من المسلمين وعَشَرةٌ من المشركين، ثم
خَفَّفَ عنهم، فجعَل عليهم أن لا يَفِرَّ رجلٌ مِن رجلين(٥) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
نجيحِ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿إِن يَكُنْ مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ﴾، إلى قولِه: ﴿وَإِن
(١) فى ت٢: ((يعجزك)).
(٢) فى ت٢: (( قائل)).
(٣) فى م: ((الحصين)). وهو الحسين بن واقد. ينظر تهذيب الكمال ٢٣/٣٢ .
(٤) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٢٩/٥ عن عكرمة والحسن معلقًا ، وأخرجه ابن الجوزى فى النواسخ
ص٣٥١ من طريق الحسين بن واقد عن يزيد عن عكرمة عن ابن عباس .
(٥) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٢٩/٥ معلقًا.

٢٦٦
سورة الأنفال : الآيتان ٦٥، ٦٦
يَكُن مِّنكُمْ مِائَةٌ﴾. قال: هذا لأصحاب محمدٍ عَظِّمِ يومَ بدرٍ، جعَل على
الرجل منهم قتال عشرةٍ مِن الكفارِ، فضجُوا مِن ذلك، فجَعَل على الرجل قتالَ (٢)
رجلين، تَخْفِيفًا مِن اللّهِ (٤).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال ثنا إبراهيمُ بنُ يزيد، عن
عمرو بن دينارٍ وأبى معبدٍ، عن ابنِ عباسٍٍ، قال: إنما أَمِر الرجلُ أن يُصَبِّرَ نفسَه
لعشرةٍ، والعشرةُ لمائةٍ، إذ المسلمون قليلٌ، فلما كثُر المسلمون خفَّف اللهُ عنهم ، فأمَر
الرجلَ أَن يَصْبِرَ لرجلين، والعشرةَ للعشرين، والمائةَ للمائتين.
حذَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ، عن ابنٍ
أبى نجيح: ﴿إِن يَكُنَ مِّنَكُمْ عِشْرُونَ صَنِيِرُونَ يَغْلِبُواْ مِْتَنَيْنَّ﴾. قال: كان قُرِض
عليهم إذا لَقِىَ عشرون مائتين أن لا يَفِرُّوا، فإنهم إن لم يَفِرُّوا غَلبُوا، ثم خَقَّفَ اللّهُ
عنهم وقال: ﴿إِن يَكُنَ مِّنكُم مِّْتَةٌ صَابِرَةٌ يَغْنِبُواْ مِأَنَيْنٍّ وَإِن يَكُنْ مِّنَكُمْ أَلْفٌ
يَغْلِيُوْ أَلْفَيْنِ﴾، فيقولُ: لا ينبغى أن يَفِرَّ أَلْفٌ من ألفين، فإنهم إن صَبَروا لهم
غَلُوهم :
حدَّثْنا بشر، قال: ثنا يزيدً، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً قوله: ﴿ أُنْكَنَ خَفَّفَ اللَّهُ
عَنَكُمْ وَعَلِمَ أَنَ فِيَكُمْ ضَعْفًا فَإِنِ يَكُن مِّنْكُمْ مِّنْتَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِائَنَيْنٍّ وَ إِن يَكُنْ
◌ِنَكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ﴾: جعَلَ اللّهُ على كلِّ رجلٍ رجلين، بعدَ ما كان على كلِّ
ريجيم
(١) زيادة من : م .
(٢) سقط من : ص ، م .
(٣) سقط من : م .
(٤) تفسير مجاهد. ص ٣٥٧، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠١/٣ إلى أبى الشيخ.
(٥) فى ت ٢: (( عن).
:

٢٦٧
سورة الأنفال : الآيتان ٦٥، ٦٦
رجل عشرةٌ. وهذا الحديثُ عن ابن عباس.
جِدَّثْنا ابنُّ ونَيع، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن جريرِ بنِ حازمٍ، عن
الربيرِ بنِ الخريت، عن عكرمةً، عن ابن عباس: كان قُرِضَ على المؤمنين
أن يُقاتِلَ الرجلُ منهم عشرةٌ مِن المشركين؛ قوله: ﴿إِن يَكُن مِّنْكُمْ عِشْرُونَ
صَبِرُونَ يَغْلِمُوا مِائَنَيْنٍ وَإِن يَكُن مِنكُم مِّْتَّهُ يَغْرًا أَلْفًا﴾. / فتْشُّ ذلك ٤١/١٠
عليهم، فأنزل الله التخفيفَ، فَجَعَلَ على الرجل أن يقابلَ الرجلين، قولُه:
﴿إِن يَكُنَ قَكُمْ وَانَهُ سَابِرَةُ يَخْلِها مِاْقَتَيْنٍ﴾، فخَفَّلَ اللهُ عنهم، وأُقِصوا
من التعصر" بقلْر ذلك".
حذفنى محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن الفضل، قال: أنا أس باطُ، عن
المدىّ: ﴿إِن يَكُنْ مِنَكُمْ مِتْرُونَ صَدِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَنَيْنٍ﴾. يقولُ: يَقائِلوا
مائتين، فكانوا أضعفَ مِن ذلك، فَتَسَخَها اللّهُ عنهم، نحَقَّفَ فقال: ﴿ فَإِن ◌َكُنَ
يِّنكُم مِّْتَةٌ سَابِرَةٌ خْلِبُواْ مِاْتَتَيْنٍّ﴾. فَجَعَلَ أول مرةٍ الرجلُ الشَرةٍ، ف ◌َجَعَلَ
الرجل لالتين .
حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن
(١) عزاء السيوطى فى الدر المقرر ٢٠٠/٣ إلى أبى الشيخ وابن مردويه .
(٢ - ٢) فى ف: ((أبى الحريت)
(٣) فى م : ((الصبر))، وفى ف : «البصرة.
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة فى مصنفه ٣٢٤/٥ والدحاس فى الناسخ والمنسوخ عن ٤٧٠ من طريق يزيد بن
هارون به، وابن المبارك فى الجهاد ص ١٧٩ (١٣٧)، والبخارى (٤٦٥٧)، وأبو داود (٢٦٤٦)، وابن أبى
حاتم فى تفسيره ١٧٢٩/٥، والبيهقى ٧٦/٩ من طريق جرير بن حازم به .
(٥) فى ص، ١٥، ٢٥: س، ف : ( بعشرة ؟.

٢٦٨
سورة الأنفال : الآيتان ٦٥، ٦٦
أبى نجيح، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿إِن يَكُنْ مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُواْ
مِاتَنَيْنَّ﴾. قال: كان فُرِض عليهم إذا لَقِىَ عشرون مائتين أن لا يَفِرُّوا ، فإنهم إن لم
يَفِرُّوا غَلَبوا، ثم خَفَّفَ اللّهُ عنهم فقال: ﴿إِن يَكُنْ مِّنكُم مِّْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ
مِأْتَيْنَّ وَإِن يَكُن مِّنْكُمْ أَلّفٌ يَغْلِيُوْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهُ ﴾. فيقولُ: لا ينبغى أن يَفِرَّ ألفٌ
مِن ألفين، فإنهم إن صَبَّروا لهم غَلَيوهم(١) .
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا الثورىُّ ، عن جويبرٍ، عن
الضحاكِ، قال: كان هذا واجبًا أن لا يَفِرَّ واحدٌ من عشرةٍ (١).
وبه قال: أخبرَنا الثورىُّ، عن لَيْثٍ ، عن عطاءٍ مثلَ ذلك(٣).
وأما قولهُ: ﴿ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾ فقد بَئِنَّا تَأْوِيلَهُ(٤) .
وكان ابنُ إسحاقَ يقولُ فى ذلك ما حدّثنا به ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ ، عن
ابنِ إِسحاقَ: ﴿ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾، أى: لا يُقاتِلون على نيةٍ (٥) ، ولا حقّ
فيه، ولا معرفةٍ بخيرٍ(٦) ولا شءٍ(٧).
وهذه الآيةُ ، أعنى قوله: ﴿إِن يَكُن مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَِّرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْتَتَيْنَّ﴾ ،
وإن كان مخرجها مخرجَ الخبرِ، فإن معناها الأمرُ، يدلُّ على ذلك قولُه: ﴿الْكَنَ
(١) تفسير عبد الرزاق ٢٦١/١، وتفسير مجاهد ٣٥٧، ٣٥٨ بنحوه .
(٢) تفسير عبد الرزاق ٢٦١/١، وفى مصنفه (٩٥٢٦).
(٣) تفسير عبد الرزاق ٢٦٢/١، وفى مصنفه (٩٥٢٧)، وتفسير الثورى ص ١٢١ عن ابن جريج عن عطاء.
(٤) تقدم فى ص ٢٦١ .
(٥) فى ص، ت١، ت٢، س، ف: (( بينة)).
(٦) فى م، ف، وتفسير ابن أبى حاتم: ((لخير)).
(٧) سيرة ابن هشام ٦٧٥/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٢٩/٥ من طريق سلمة ، عن ابن
إسحاق ، عن يحيى بن عباد عن أبيه .
ٹے

٢٦٩
سورة الأنفال : الآيتان ٦٥، ٦٦
خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ﴾. فلم يكنِ التخفيفُ إلا بعدَ التثقيلِ، ولو كان ثبوتُ العشرةِ
منهم للمائةِ مِن عدوّهم ، كان غيرَ فرضٍ عليهم قبلَ التخفيفِ ، وكان ندبًا ، لم يكنْ
للتخفيفِ وجةٌ ؛ لأن التخفيفَ إنما هو ترخيصٌ فى تركِ الواحدِ من المسلمين الثبوتَ
للعشرَةِ من العدوِّ، وإذا لم يكنِ التشديدُ قد كان له مُتقدِّمًا، لم يكنْ للترخيصٍ
وجهٌ، إذ كان المفهومُ مِن الترخيصِ إنما هو بعدَ التشديدِ. وإذا كان ذلك كذلك،
فمعلوم أن حكم قولِه: ﴿اَلْتَنَ خَفَّفَ اَللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَ فِيَكُمْ ضَعْفًا﴾ ناسخٌ
لحكم قوله: ﴿إِن يَكُنْ مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِنَتَيْنَّ وَإِن يَكُن مِّنْكُمْ
مِائَةٌ يَغْلِبُوْ أَلْفَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [٩١٤/١ظ]. وقد بيًّّا فى كتابنا (١) (( لطيف
البيانِ عن أصولِ الأحكام ))، أن كلَّ خبرٍ مِن اللّهِ وَعَدَ فيه عبادَه على عملٍ ثوابًا
وجزاءً، وعلى تَرْكِه عقابًا وعذابًا، وإن لم يكنْ خارجاً ظاهرُه مخرجَ الأُمرِ، ففى
معنى الأمرِ، بما أغنى عن إعادتِه فى هذا الموضعِ .
واختلَفَت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿ وَعَلِمَ أَنَ فِيَكُمْ ضَعْفًا﴾ .
فقرأه بعضُ المدنيّين وبعضُ البصريِّين: ( وَعَلِمَ أَنَّ فيكم ضُعْفًا ). بضَمِّ الضادِ
فى جميعِ القرآنِ ، وتنوينِ الضعفِ على (٢) المصدرِ من: ضَعُفَ الرجلُ ضُغْفًا(٣).
وقرأ / ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيّين: ﴿ وَعَلِمَ أَنَ فِيَكُمْ ضَعْفًا﴾، بفتحِ الضادِ ٤٢/١٠
على المصدرِ أيضاً مِن ضَعُف(٤).
(١) فى ص، ت٢، س، ف: ((كتاب)).
(٢) فى ت٢: ((من)).
(٣) هذه قراءة نافع وأبى عمرو وابن كثير والكسائى وابن عامر. السبعة ص٣٠٨، ٣٠٩.
(٤) قرأ بذلك عاصم وحمزة. وخالف حفص عاصمًا فقرأ عن نفسه لا عن عاصم فى الروم: (ضُعفٍ ...
ضعفًا ) بالضم جميعًا . السبعة لابن مجاهد ص ٣٠٩ .

٢٧٠
سورة الأنفال : الآيات ٦٥ - ٦٧
وقرأَه بعضُ المدنيّين: (ضُعفَاء))، على تقديرِ ((فُعلاءِ)))، جُمِعَ ضعيفٌ
على ضُعفاءٍ، كما يُجمعُ الشريكُ شركاءَ، والرحيم وحماَ.
وأولى القراءات فى ذلك بالصواب قراءةُ مَن قرأه: ﴿وَظِمْ أَثَ فِيَكُمْ
ضَعْفًا﴾، و: (ضُعْفاً)، بفتح الضادِ أو ضِّها؛ لأنهما القراءتان المعروفتان، وهما
لغتان مشهورتان فى كلام العربِ فصيحتان، بمعنى واحدٍ، فبأنَّتِهما قرأ القارئُ
فتصيب الصراب.
فأما قراءةُ مَن قرأذلك : ( ضعفاءَ)، فإنها عن قراءة القرأةِ شاذةٌ، وإن كان لها
فى الصحة مخرج، فلا أحبُّ لقارئّ القراءةَ بها(٢).
القولُ فى تأويل قوله عزَّ ذكرُه: ﴿مَا كَانَ لِنَبيِّ أَن يَكُونَ لَهُوْ أَسْرَى حَتَّ
يُثْفِى فِى الْأَرْضِّ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ
يقول تعالى ذكرهُ: ما كان النبى أن يَحْتَبِسَ كافرًا قَذَرَ عليه وصار فى يَدِه، مِن
عَبَدَةِ الأُوثانِ للفداءٍ أَوْ المَنَّ.
والأشرفى كلام العرب: الحبش(١)، يقالُ منه: مأسورٌ. يراد به: محبوش.
ومسموعٌ منهم: أَنَالَه(٥) اللّهُ أَشْراً.
(١) هذه قراءة أبى جعفر المدنى. النشر فى القراءات العشر ٢٠٨/٢.
(٢) بعده فى ص ، ت٢، س : (معنى ).
(٣) تقدم قبل قليل أن هذه القراءة قراءة أبى جعفر المدنى، أحد العشرة، وهى متواترة.
(٤) ساقط من: ص، ت٢، س، ف.
(٥) فى ص، ت ٢، س، ف: ((أبى)) والمثبت موافق لما فى اللسان والتاج (أس ر)، وفى أساس البلاغة
(أسر): ((وفى أَدعيتهم: أبى لك الله أسرا)».
٠

٢٧١
سورة الأنفال : الآية ٦٧
وإنما قال اللّهُ جلّ ثناؤه لنبيِّه محمدٍ عَلِ يُعرِّفُه أن قتلَ المشركين الذين أُسَرَهم
، يومَ بدرٍ ثم فادَى بهم، كَان أولى بالصوابِ مِن أُخْذِ الفدية منهم وإضْلاقِهم .
وقولُه: ﴿حَتَّى يُشْخِنَ فِ الْأَرْضَِّ﴾. يقولُ: حتى يُبالِغَ فى قتلِ المشركين
فيها ، ويَقْهَرَهم غَنَبَةٌ وقَشْرًا .
يقالُ منه: أَنْخَنَ فلانٌ فى هذا الأمرِ. إِذا بالَغَ فيه. وحُكِى: أَثْخَنتُه معرفةٌ .
بمعنى : قتلتُه معرفةً .
﴿ تُرِيدُونَ﴾. يقولُ للمؤمنين مِن أصحابِ رسولِ اللّهِ وَله: تُريدون أيُّها
المؤمنون ﴿عَرَضَ الذُّنْيَا﴾ُ بِأَشْرِكَمُ المشركين، وهو ما عَرِضُ للمرءُ" منها مِن مالٍ
ومتاع. يقولُ: تُرِيدون بأخذٍ كم الفذاءَ مِن المشركين متاع الدنيا وطُعْمَها، ﴿ وَأَلَهُ
يُرِيدُ اَلْأَخِرَةٌ﴾. يقولُ: واللّهُ بريدُ لكم زينةَ الآخرةِ وما أعدَّ للمؤمنين وأهلٍ ولا يتد
فى جناتِه، بقَتْلِكم إياهم وإِذْخانِكم فى الأرضِ. يقول لهم: واطلُبُوا ما يريدُ اللّهُ لكمـ
وله اعملوا، لا ما تَدْعوكم إليه أهواءُ أَنفسِكم مِن الرغبةِ فى الدنيا وأسبابِها، ﴿ وَاللَّهُ
عَزِيزٌ﴾. يقولُ: إِن أنتم أردتُم الآخرةَ لم يَغْاتكم "عدوٌّ لَكُم٢؛ لأن اللّهَ عزيزٌ لا
يُقْهَرُ ولا يُغلَبُ، وأنه ﴿ حَكِيمٌ﴾ فى تَذْبِيرِهِ أُمرَ خلقِه .
وبنحوٍ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةٌ، عن عليٍّ، عن
(١) سقط من: ت٢. وفى س، ف: «للمشركين».
(٢ - ٢) فى ت٢: (( عدوكم).

٢٧٢
سورة الأنفال : الآية ٦٧
ابنِ عباسٍ قوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُشْخِنَ فِ الْأَرْضِّ﴾.
وذلك يومَ بدرٍ ، والمسلمون يومَئذٍ قليلٌ، فلما كَثُرُوا واشتدَّ سلطانُهم، أنزلَ اللّهُ
تبارك وتعالى بعدَ هذا فى الأسارى: ﴿ فَإِمَّا مَنَّأَ بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءَ ﴾ [ محمد: ٤]، فجعَلَ اللَّهُ
النبىَّ والمؤمنين فى أمرٍ الأسارى بالخيارِ ؛ إن شاءوا قَتَلوهم ، وإن شاءوا اسْتَعْبَدوهم،
وإن شاءوا فادؤْهم" .
٤٣/١٠
/ حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ
يَكُونَ(٢) لَهُ، أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِىِ الْأَرْضِّ تُرِيدُونَ عَرَضَ الذُّنْيَا﴾ الآية. قال: أرادَ
أصحابُ نبيِّ اللّهِ مِ لّهِ يومَ بدرِ الفداءَ، ففادَؤْهم بأربعةِ آلافٍ "أربعةِ آلاف٣ٍ)،
ولعَمْرى ما كان أَنْخِنَ رسولُ اللّهِ مِّهِ يومئذٍ، وكان أوَّلَ قتالٍ قاتلَه المشركين(٤)
٠
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا ابنُ فضيلٍ، عن حبيبٍ بنِ أبى عمرةَ ، عن مجاهدٍ ،
قال : الإِثخانُ : القتلُ() .
حدَّثنى الحارثُ ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا شريكٌ، عن الأعمشِ، عن
سعيدِ بنِ جبيرٍ فى قوله: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ أَسْرَى حَتَّى يُشْخِنَ فِى
اُلْأَرْضِ﴾. قال: إذا أَسَرُموهم فلا تُفادؤُهم حتى تُتْخِنوا فيهم القتلَ.
(١) أخرجه أبو عبيد فى ناسخه ص ٢٩٩، ٣٠٠، وفى الأموال (٣٤٢)، وابن زنجويه فى الأموال (٥٣٠)،
وابن المنذر فى الأوسط ١١/ ٢٢٥، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٣٢/٥، والنحاس فى ناسخه ص ٤٧٢ من
طريق عبد الله به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٣/٣ إلى ابن مردويه.
(٢) غير منقوطة فى ص، وفى م، ت١، ت٢، س، ف، وما بعدها: ((تكون)). وهى قراءة أبى عمرو .
السبعة لابن مجاهد ص ٣٠٩.
(٣ - ٣) سقط من: م، ت١، ت٢ ، س، ف .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٣/٣ إلى ابن المنذر.
(٥) فى ت٢، س: ((الفصل)). وأخرجه ابن أبى شيبة ٤٢٠/١٢ عن ابن فضيل به، وأخرجه ابن أبى حاتم
١٧٣٢/٥ من طريق حبيب بن أبى عمرة، وابن المنذر فى الأوسط ٢٢٩/١١ .
(٦) أخرجه أبو عبيد فى ناسخه ص ٣٠١، وفى الأموال (٣٤١) - وابن زنجويه فى الأموال (٥٢٨) =

٢٧٣
سورة الأنفال : الآية ٦٧
قال : حدَّثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ مَا
كَانَ لِنِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ الآية: نَزَلت الرخصةُ بعدُ؛ إن شِئْتَ فمُنَّ، وإن
"(١)
شئتَ فَفادٍ () .
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ ، قال: ثنا عبيدُ بنُ
سليمانَ ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيّ أَن يَكُونَ لَهُ:
أَسْرَى حَتَّى يُشْخِنَ فِ الْأَرْضِّ﴾. يعنى: الذين أُسِروا يبدٍ (١).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿مَا كَانَ لِنَبِ أَن يَكُونَ
لَهُمْ أَسْرَى﴾ مِن عدوٌّه ﴿حَّى يُشْخِنَ فِ الْأَرْضِّ﴾، أى : يُتْخِنَ عدوًّه حتى يَنْفِیھم
مِن الأرضِ، ﴿ تُرِيدُونَ عَرَضَ الذُّنْيَا﴾، أى: المتاعَ والفداءَ بأخذِ الرجالِ،
﴿وَاَللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ﴾ بقَتْلِهِم، لظُهُورِ الدينِ الذى يُريدون إطفاءَه ، الذى به
تُدْرَكُ الآخرةُ(٣) .
حدَّثنى أبو السائبِ ، قال: ثنا أبو معاويةً، قال: ثنا الأعمشُ، عن عمرو بنِ
مُرَّةَ، عن أبى عُبيدةَ، عن عبدِ اللّهِ، قال: لمَّا كان يومُ بدرٍ وجىء بالأُشرى ، قال
رسولُ اللّهِ وَهِ: (( ما تقولون فى هؤلاء الأَسْرى؟)). فقال أبو بكرٍ: يا رسولَ اللّهِ،
قومُك وأهلُك، اسْتَثْقِهم واسْتَأْنِهم(٤) لعلَّ اللّهَ أن يتوبَ عليهم. وقال عمرُ:
يا رسولَ اللّهِ، كَذَّبوك وأخرجوك، قَدِّمْھم فاضرِبْ أعناقَهم. وقال عبدُ اللهِ بنُ
رواحةً: يا رسولَ اللّهِ ، انظُرْ وادياً كثيرَ الحَطَبِ ، فأدخِلْهم فيه، ثم أضْرْه عليهم
= ٥٢٩) ، تفسير مجاهد ص ٣٥٨ من طريق شريك عن سالم عن سعيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٤٦/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر بنحوه .
(١) أخرجه ابن المنذر فى الأوسط ٢٢٩/١١ عن مجاهد، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٣/٣ إلى ابن أبى شيبة.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٣٢/٥ من طريق أبى معاذ به .
(٣) سيرة ابن هشام ٦٧٦/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٣٣/٥ من طريق سلمة به.
(٤) فى م، والمسند: ((استأن بهم)). واستأنهم: أى انتظرهم. ينظر النهاية ٧٨/١.
( تفسير الطبري ١٨/١١ )

٢٧٤
سورة الأنفال : الآية ٦٧
نارًا. قال: فقال له العباسُ: قَطَعتَ رَحمَكَ. قال: فسَكتَ رسولُ اللّهِ عَّ فلم
يُجِبْهم، ثم دخَل. فقال ناسٌ: يأْخُذُ(١) بِقَوْلِ أبى بكرٍ. وقال ناسٌ: يأُخُذُ(٢) بقَولِ
عمرَ. وقال ناسٌ: يأخُّذُ بقَولِ عبدِ اللّهِ بنِ رَواحةً. ثم خَرَجَ عليهم رسولُ اللّهِ ◌ِِّ،
فقال: ((إِن اللّهَ لَيْلَيِّنُ قلوبَ رجالٍ حتى تكونَ أُلينَ من اللَّبَنِ، وإن اللّهَ لَيُشَدِّدُ قلوبَ
رجالٍ حتى تكون أشدَّ من الحجارةِ ، وإن مَثَلَك يا أبا بكرٍ مَثَلُ إبراهيمَ، قال: ﴿فَمَنَ
تَبِّعَنِى فَإِنَّهُ مِنِّ وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، ومَثَلَك يا أبا بكرٍ
مَثَلُ عيسى، قال: ﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ﴾ الآية [المائدة: ١١٨]، ومَثَلَك يا عمرُ
مَثَلُ نوح، قال: ﴿ رَّبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ اْكَئِنَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، { وَمَثَلُكَ (٣)
كمَثَلٍ موسى، قال: ﴿ رَبَّنَا أَطْمِسْ عَّ أَمْوَلِهِمْ وَأَشْدُدّ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُواْ حَتّى
يَرَوْ اَلْعَذَابَ الْأَلِيمُ ﴾ [يونس: ٨٨]). قال رسولُ اللّهِ عَ له: ((أنتم اليومَ عالةٌ، فلا
يَنْفَلِتَنَّ أحدٌ منهم إلا بفِداءٍ أو ضَرْبِ عُنُقٍ)). قال عبدُ اللّهِ بنُ مسعودٍ: إلا سُهيلَ ابنَ
بيضاءَ؛ فإنى سمعتُه يذكُرُ الإِسلامَ. فَسَكَتَ رسولُ اللّهِ عَرِ ، فما رأيتُنى فى يومٍ
أخوفَ أن تقَعَ علىَّ الحجارةُ مِن السماءِ منى فى (٢) ذلك اليوم، حتى قال رسولُ اللّهِ
عَليهِ: ((إِلا سُهيلَ ابنَ بيضاءَ)). قال: فأنزلَ اللّهُ: ﴿مَا كَانَ لِنِيّ أَنْ يَكُونَ لَهُ:
أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِ اٌلْأَرْضِّ﴾، إلى آخرِ الثلاثِ الآياتِ(٥).
٤٤/١٠
(١) فى ص، ت١، ت٢، ف: ((نأخذ).
(٢) فى ص، ت٢: ((نأخذ)).
(٣) بعده فى م: (( يا ابن رواحة)).
(٤) فى ص، ت١، ت٢، ف: (( من)).
(٥) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٧٦/٢ بهذا الإسناد، وأخرجه ابن أبى شيبة ٤١٧/١٢، ٣٧٠/١٤، وأحمد
١٣٨/٦ (٣٦٣٢)، والترمذى (١٧١٤، ٣٠٨٤)، وابن مردويه - كما فى تخريج الكشاف للزيلعى ٣٥/٢ -
٣٧، وأبو نعيم فى الحلية ٢٠٧/٤، ٢٠٨، والبيهقى ٣٢١/٦، والواحدى فى أسباب النزول ص ٢٣٦، ٢٣٧
من طريق أبى معاوية به، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٣١/٥، والطيرانى (١٠٢٥٨، ١٠٢٥٩)،
والحاكم ٢١/٣، والبيهقى فى الدلائل ١٣٨/٣ من طريق الأعمش به .

٢٧٥
سورة الأنفال : الآية ٦٧
حدِّثنا ابنُّ بشارِ، " ثنا عمرُ بنُ يونُسَ اليمامي١)، قال: ثنا عكرمةُ بنُ عمارٍ،
قال : ثنا أبو زُمَيلِ، قال: ثنى عبدُ اللّهِ بنُ عباسٍ، قال: لذَّ أَسَروا الأسارى، يعنى يومَ
بدرٍ ، قال رسولُ اللّهِ عَهِ: ((أينَ أبو بكرٍ وعمرُ وعلىٌّ؟)). قال: ( ما تَزون فى
الأَسارى؟)). فقال أبو بكرٍ: يا رسولَ اللهِ، هم بنو العمِّ والعشيرة، وأرى أن تأخذَ
منهم فِذيةٌ تكونُ لنا قوةٌ على الكفارِ، وعسى اللّهُ أَن يَهْدِيَهم للإِسلام . فقال رسولُ
اللّهِ مَِّ: ((ما ترَى يا بنَ الخطابِ؟)). فقال: لا والذى لا إله إلا هو، ما أُرى الذى
رأى أبو بكرٍ، يا نبيَّ اللّهِ، ولكن أرى أن تُمَكِّنَنا منهم، فتُمَكِّنَ عليًّا مِن عَقِيلٍ
فِيَضْرِبَ عنْقَهُ(٢)، وَتُمكِّنَنى من فلاذٍ - نسيبٍ لعمرَ - فَأُضربَ عُنُقَه، فإن هؤلاء
أئمةُ الكفرِ وصَناديذُها. فَهَوِى رسولُ اللّهِ عَهِ ما قال أبو بكرٍ، ولم يَهْوَ ما قلتُّ .
قال عمر: فلما كان من الغدِ جئتُ إلى رسولِ اللّهِ مَّهِ، فإذا هو وأبو بكر قاعدان
يَتْكيان، فقلتُ: يا رسولَ اللّهِ، أخبرنى من أىِّ شىءٍ تَبْكى أنت وصاحبُك، فإن
وَجَدتُ بِكَاءً بِكَيثُ، وإن لم أجِدْ بكاءً تَبَاكَيتُ لبُكائِكما(٢). فقال رسولُ اللّهِ
عَله: ((أبكى الذى عَرَضَ ("علىَّ أصحابُك) من(٥) أخذِهم(١) الفداءَ، ولقد عُرِضَ
علىَّ عذائُكُمْ أُدْنى من هذه الشجرةِ)) - شجرةٍ" قريبةٍ من رسولِ الله عليهم -
فأنزلَ اللّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿ مَا كَانَ لِيِّ أَنْ يَكُونَ لَّهُ أَسْرَى حَتَّى يُؤْحِجَ فِىِ
(١ - ١) سقط من الشخ. والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٥٣٤/٢١.
(٢) بعده فى م: ((وتمكن حمزة من العباس فيضرب عنقه))، وفى المسند: ((وتمكن حمزة من فلان أخيه)).
(٣) زيادة من مسلم والترمذى وأحمد وابن أبي حاتم. وعند البيهقى: (( بكائكما)).
(٤ -- ٤) فى م، ت٢، س: ((لأصحابى)).
(٥) فى ص: ((فى)).
(٦٦) فى ص: ((أحدهم)).
(١) فى صحيح مسلم وسنن البيهقى : «عذابهم».
(٨) فى م، ومسند أحمد: ((أشجرة)).

٢٧٦
سورة الأنفال : الآيتان ٦٧، ٦٨
اُلْأَرْضَِّ﴾، إلى قوله: ﴿حَلًا طَيِّبَأْ﴾، وأحلَّ اللّهُ الغنيمةَ لهم(١).
القولُ فى تأويل قولهِ: ﴿لَّوْلَا كِثَبٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ
عَظِيمٌ
يقولُ تعالى ذكرُه لأهلٍ بدرٍ الذين غَنِموا وأخذوا من الأشْرى الفداءَ: ﴿لَّوَلَا
كِتَبٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾. يقولُ: لولا قضاءٌ من اللّهِ سَبَقَ لكم، أهلَ بدرٍ، فى اللوحِ
المحفوظِ - بأن اللّهَ مُحِلّ لكم الغنيمةَ، وأن اللّهَ قَضَى فيما قَضَى أنه لا يُضِلُّ قومًا بعدَ
إذ هَداهم حتى يُبَيِّنَ لهم ما يَتَّقون ، وأنه لا يُعذِّبُ أحدًا شَهِدَ المشهدَ الذى شَهِد ◌ُوه
ببدرٍ مع رسولِ اللهِ وَ له ناصرًا دينَ اللّهِ - لنالكم مِن اللّهِ، بأخْذِكم الغنيمةَ والفِداءَ،
عذابٌ عظيمٌ .
٤٥/١٠
/ وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكر مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى عَدىٍّ، عن عوفٍ ، عن الحسنِ فی
قولِه: ﴿لَوْلَا كِنَبٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ الآية. قال: إن اللّهَ كان مُطْعِمَ هذه الأمةِ
الغنيمةَ، وإنهم أَخَذوا الفداءَ من أَسارى بدرٍ قبلَ أن يُؤْمَروا به . قال فعاب اللّهُ ذلك
عليهم، ثم أحلَّه اللّهُ(٢) .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ بَزيع، قال : ثنا بشرُ بنُ المفضلِ، عن عَوفٍ ، عن
(١) أخرجه الترمذى (٣٠٨١) عن ابن بشار به، وأخرجه مسلم (١٧٦٣)، والطحاوى فى المشكل
(٣٣٠٩) وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٦٢/٥، ١٧٣٠، وابن حبان (٤٧٩٣)، وأبو نعيم فى الدلائل
(٤٠٨)، والبيهقى ٣٢١/٦ وفى الدلائل ٥١/٣ - ٥٣ من طريق عمر بن يونس به. وتقدم من طريق ابن
المبارك عن عكرمة بن عمار ص ٥١.
(٢) أخرجه الطحاوى فى المشكل ٣٦٤/٨ تحت (٣٣١٢) من طريق عوف به .

٢٧٧
سورة الأنفال : الآية ٦٨
الحسنِ فى قولِ اللّهِ: ﴿لَوْلَا كِتَبٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ الآية، وذلك يومَ بدرٍ، أَخَذَ
أصحابُ النبىِّ عَّمِ المغانمَ والأسارى قبلَ أن يُؤْمَروا به، وكان اللّهُ، تبارك وتعالى،
قد كتب فى أمِّ الكتابِ : المغانمُ والأسارى حلالٌ لمحمدٍ وأمته . ولم يكنْ أحَلَّه لأمةٍ
قبلَهم، فأَخذوا المغانمَ، وأَسَروا الأُسارى قبلَ أن يُنزَّلَ إليهم فى ذلك، قال اللّهُ:
﴿لَوْلَا كِتَبٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾. يعنى: فى الكتابِ الأولِ أن المغانمَ والأسارى حلالٌ
◌ُ
لكم ﴿ لَمَسَّكُمْ فِيَمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ .
حدَّثنى محمدُ [٩١٥/١ظ] بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال ثنى عمِّى ، قال ثنى
أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَّوْلَا كِثَبُ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ ﴾ الآية، وكانت
الغنائمُ قبلَ أن يُتْعَثَ النبيُّ ◌َّهِ فى الأمم إذا أصابوا مَغْنمًا جَعَلوه للقربانِ، وحرَّمَ اللّهُ
عليهم أن يأكُلوا منه قليلاً أو كثيرًا، حُرِّمَ ذلك على كلِّ نبىٌّ وعلى أمتِه ، فكانوا لا
يأكلون منه ، ولا يَغُلُون منه، ولا يأخُذون منه قليلًا ولا كثيرًا إلا عَذَّبَهم اللّهُ عليه،
وكان اللّهُ حرَّمَه عليهم تحريمًا شديدًا، فلم يُحِلَّه لنبيِّ إلا لمحمدٍ ◌َّهِ، وكان قد سبق
من اللّهِ فى قضائِه أن المغنمَ له ولأمتِه حلالٌ ، فذلك قولُه يومَ بدرٍ ، فى أخذِ الفداءِ من
الأَسارى: ﴿لَّوْلَا كِتَبٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَشَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾(١).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن عوف (١)، عن الحسنِ: ﴿لَوْلَا كِنَبُ
مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾. قال: إن اللّهَ كان مُعْطِئَ هذه الأمةِ الغنيمةَ، وفعَلوا الذى فَعَلوا قبل
يٍ (٣)
أن تَحِلَّ الغنيمةُ(٣) .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٤/٣ إلى ابن مردويه .
(٢) فى النسخ: عروة. وينظر هذا الإسناد فى ٤٥/١٣،٢٣١/١٢،١٩/٦، ١٧١/١٤، كما فى مصدر التخريج .
(٣) أخرجه الطحاوى فى المشكل ٨/ ٣٦٤، ٣٦٥ تحت (٣٣١٢) من طريق عوف به .

٢٧٨
سورة الأنفال : الآية ٦٨
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعلى ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعمرٍ، قال: قال
الأعمشُ فى قولِه: ﴿لَوْلَا كِنَبٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾. سبق من اللّهِ أن أحلُّ لهم الغنيمةَ(١).
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال : ثنا محمدُ بنُ عبد الرحمن بن أبى ليلى ، عن بشیرِ بنِ
مَيمونٍ ، قال: سمعتُ سعيدًا يُحدِّثُ، عن أبى هريرةَ، قال: قرأ هذه الآية: ﴿لَّوْلَا
كِثَبُ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ نَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. قال: يعنى: لولا أنه سبَقَ
فى عِلْمى أنى سأُحِلّ الغنائمَ، لَمَسَكم فيما أَخَذْتُم من الأُسارى عذابٌ عظيمٌ".
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُّ نوح وأبو معاويةً بنحوِه، عن الأعمش، عن
أبى صالح، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللّه ◌َ له: (( ما أُحلَّتِ الغنائمُ لأحدٍ
سُودٍ الرءوسِ / من قَبْلِكم، كانت تَنْزلُ نارٌ من السماءِ " وتأكُلُها». حتى كان يومُ
بدرٍ ، فوقَع الناسُ فى الغنائم، فأنزلَ اللّهُ: ﴿لَوْلَا كِنَبٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ﴾ حتى
بلغَ: ﴿ حَلَا طَيِّبًا﴾ ..
٤٦/١٠
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبو معاويةً، عن الأعمش، عن أبى صالح، عن أبى
هريرةَ، عن النبيِّ عَ لَّه بنحوه، قال: فلما كان يومُ بدرٍ أُسرع الناسُ فى الغنائم.
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٦٢/١ عن معمر به.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٣٤/٥ ١٧٣٥ من طريق بشير بن ميمون أبى عبيفى به، وأخرجه
سعيد بن منصور في سننه (٢٩٠٧) وفى (١٠٠٢ - تفسير) من طريق سعيد بن أبى سعيد قوله .
(٣ - ٣) فى ص، ف: (( تأكلها)).
(٤) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٢٩٠٦)، وابن أبى شيبة ٣٨٧/١٤، ٣٨٨ (١٨٥٨٧)،
وأحمد ٤٠٣/١٢، ٤٠٤ (٧٤٣٣)، والنسائى فى الكبرى (١١٢٠٩)، وابن الجارود (١٠٧١)، والبيهقى
٢٩٠/٦، وابن عبد البرفى التمهيد ٤٥٧/٦ من طريق أبى معاوية به، وأخرجه أبو داود الطيالسى (٢٥٥١)
ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٣٣/٥، والترمذى (٣٠٨٥)، والطحاوى فى المشكل (٣٣١٠-
٣٣١٢)، وابن حبان (٤٨٠٦)، والبيهقى ٢٩٠/٦ من طريق الأعمش به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٠٢/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه .

٢٧٩
سورة الأنفال : الآية ٦٨
حذَّثنا أبو كريبٍ ، قال: ثنا ابنُ فُضَيلٍ، عن أشعثَ بنِ سَوّارٍ، عن ابن سيرينَ،
عن عَبِيدةَ، قال: أسَر المسلمون من المشركين سبعين، وقَتَلوا سبعين، فقال
رسولُ اللَّهِ مَّيْهِ: ((إختاروا أنْ تأخُذُوا منهم الفداءَ فتقَووا بهِ على عَدُوِّكُم، وإن
قَبِلْتُمِؤُه تُتْلَ منكم سبعونَ، أَو تَقْتُلُوهم)). فقالوا: بل نأخذُ الفِديةَ منهم . وقُتِل منهم
سبعون. قال عَبيدةُ: وطَلَبوا الخِيَرتين كلتيهماً(١).
حذَّنْنا أبو كريبٍ ، قال: ثنا ابنُ فُضيلٍ، عن أشعثَ، عن ابنِ سيرينَ، عن
عَبيدةَ ، قال : كان فِداءُ أَسارى بدرٍ مائةً أوقيَّةٍ ، والأوقيةُ أربعون درهمًا ، ومن الدنانیرِ
سنُ دنانیرٌ .
حدَّثنا أبو كريبٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا ابنُ عُليّةً، قال: ثنا ابنُ عوٍ،
عن أبنٍ سيرينَ، عن عبيدةَ، أنه قال فى أسارى بدرٍ: قال رسولُ اللّهِ مْ لِ: ((إن شئتم
قَتَلتُموهُم ، وإن شِئتم فاديتمُوهُم واستُشهِدَ منكُم بِعِدَّتهم)). فقالوا: بلى، نأخُذُ
الفداءَ فنستمتعُ به ويُستَشهدُ منا بعدَّتِهم(١).
حدَّثنى أحمدُ بنُ محمدِ الطُّوسىُّ، قال: ثنا عبدُ الصَّمدِ بنُ عبدِ الوارثِ ، قال :
تنا هَمَّامُ بنُ يحيى، قال ثنا عطاءُ بنُ السائبِ ، عن أبى وائلٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ
مسعودٍ، قال: أمَر عمرُ، رضِىَ اللّهُ عنه، بقَتْلِ الأُسارى، فأنزل اللّهُ: ﴿لَّوَّلَا كِتَبُ
◌ِّنَ النَّهِ سَبَقَ نَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾.
سُلٌّفْتُ عن الحسينِ بنِ الفَرِج، قال: سمعتُ أبا معاذٍ ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ،
(١) ذكره الزيلعي فى تخريج أحاديث الكشاف ٣٧/٢ عن المصنف، وأخرجه ابن أبى شيبة ٣٦٨/١٤ من
طريق أشعث به، وأخرجه ابن سعد ٢٢/٢ من طريق ابن سيرين.
(٢) فى م : (فتستمتع )).
(٣) أخرجه البزار فى مسنده ١٧٧/٢ عقب الحديث (٥٥١) من طريق ابن عون به . وينظر علل الدار قطنى
٣٠/٤(٤١٨).

٢٨٠
سورة الأنفال : الآية ٦٨
قال : سمعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿لَّوْلَا كِتَبُ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾. قال: كان المَغْنَمُ
مُحرَّمًا على كلِّ نبىٍّ وأمَّتِه، وكانوا إذا غَنِموا يَجْعَلون المغنمَ للّهِ قُربانًا تأكُلُه النارُ، وكان
سَبَقَ فى قضاءِ اللّهِ وعلمِه أن يُحِلَّ المغنمَ لهذه الأمةِ يأكلُونه فى بطونهم .
حدَّثنا ابنُ محُميدٍ ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن عطاءٍ فى قولِ اللّهِ: ﴿لَوْلَا كِشَبُ مِّنَ اللّهِ
سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. قال: كان فى علم اللّهِ أن تَحِلَّ لهم
الغنائمُ، فقال: ﴿لَوْلَا كِنَبُ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ بأنه أحلّ لكم الغنائمَ ﴿لَمَسَّكُمْ فِيْمَآ
١)
أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾
وقال آخرون : معنى ذلك : لولا كتابٌ مِن اللّهِ سبَق لأهل بدرٍ أَلَّا يُعَذِّبَهم،
لمَشَهم عذابٌ عظيمٌ .
ذكر مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبيرىُّ، عن شريك ، عن سالم، عن
سعيدٍ: ﴿لَّوْلَا كِتَبٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾. قال: لأهلِ بدرٍ مِن السعادةِ().
٤٧/١٠
/ حدَّثنا ابنُ وكيع قال: ثنا ابنُ ثُميرٍ، عن وَرقاءَ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿لَّوْلَا كِتَبٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ لأهلِ بدرٍ مَشْهِدَهم(٢) .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعمرٍ، عن
الحسنِ: ﴿لَوْلَا كِنَبُ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾. قال: سَبَقَ من اللّهِ خيرٌ لأهلِ بدٍ ) .
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٣٤/٥ معلقًا .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٣٥/٥ من طريق شريك به .
(٣) تفسير مجاهد ص٣٥٨ .
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٦٢/١ عن معمر به .