Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
سورة الأنفال : الآيتان ٣٠ ، ٣١
عكرمةَ قوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. قال: هذه مكيةٌ . قال ابنُ نجريج:
قال مجاهدٌ : هذه مكيةٌ .
فتأويلُ الكلام إذن : واذكُرْيا محمدُ نعمتى عندَك بمكرى بمن حاول المكرَ بك
من مشركى قومِك ، بإثباتِك، أو قتلِك ، أو إخراجِك من وطنِك، حتى استنقذتُك
منهم وأهلكتُهم، فامضٍ لأمرى فى حربٍ من حارَبك من المشركين، وتولَّى
عن إجابتك إلى" ما أرْسَلتُك به من الدينِ القيِّم، ولا يُؤْعِبِنَّك كثرةُ عددِهم، فإن
ربَّك خيرُ الماكرين بمن كفَربه، وعبَد غيرَه، وخالَف أمره ونهيه . وقد بيَّنا معنى المکرِ
فيما مضى بما أغنى عن إعادته فى هذا الموضع .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا
مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَآ إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ
٣١
/ يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا تُتْلَى على هؤلاء الذين كفروا آياتٍ كتابِ اللَّهِ ٢٣١/٩
الواضحةَ لمن شرّح اللَّهُ صدرَه لفَهْمِه، قالوا - جهلاً منهم، وعنادًا للحقِّ، وهم
يعلمون أنهم كاذبون فى قيلهم: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ ، الذى تُلِىَ علينا ،
﴿إِنْ هَذَآ إِلََّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. يعنى أنهم يقولون: ما هذا القرآنُ الذى يُتْلَى
عليهم إلا أساطيرُ الأوَّلين .
والأساطيرُ جمعُ أَسْطُرٍ، وهو جمعُ الجمعِ؛ لأن واحدَ الأسْطُرِ سَطْرٌ، ثم
يُجْمَعُ السطرُ: أُسْطُرٌ وسطورٌ، ثم تُجْمَعُ الأسطرُ: أساطيرُ وأساطرُ.
وقد كان بعضُ أهلِ العربيةِ(٣) يقولُ: واحدُ الأساطيرِ أُسْطُورةٌ .
(١ - ١) فى م، فى: ((إجابة)).
(٢) ينظر ما تقدم فى ٩/ ٥٣٩.
(٣) هو أبو عبيدة فى مجاز القرآن ١/ ١٨٩. وينظر ما تقدم فى ٩/ ٢٠٠.

١٤٢
سورة الأنفال : الآية ٣١
وإنما عَنى المشركون بقولهم: ﴿ وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوَّ
نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَآ إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: إِنْ هذا القرآنُ الذى تتلُوه
علينا يا محمدُ إلا ما سطّره الأوّلون وكتبوه من أخبارِ الأمم. كأنهم أضافوه إلى أنه
أُخِذ عن بنى آدمَ ، وأنه لم يُوحِه اللَّهُ إليه .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجْ، قال: قال ابنُ نجريج
قولَه: ﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ .
قال : كان النضرُ بنُ الحارثِ يختلِفُ تاجرًا إلى فارسَ، فيمرُّ بالعِبادِ ) وهم يقرءون
الإنجيلَ ويركَعون ويسجدون، فجاء مكةً، فوجَد محمدًا بَّهِ قد أَنْزِل عليه وهو
يركَعُ ويسجُدُ، فقال النَّضْرُ: قد سمِعنا، لو نشاءُ لقلنا مثلَ هذا . للذى سمِع من
العِبادِ . فَنزَلت: ﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ
هَذَا﴾. قال: فقصَّ ربّنا ما كانوا قالوا بمكةً، وقصَّ قولَهم: ﴿ إِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ
إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ ) الآية .
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال : ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشّدِّىِّ، قال: كان النضرُ بنُ الحارثِ بنِ علقمةَ أخو بنى عبدِ الدارِ يختلِفُ إلى
الحيرةِ فيسمَعُ سجعَ أهلِها وكلامَهم، فلما قدِم مكةَ سمِع كلامَ النبيِّ مِّهِ والقرآنَ،
فقال: ﴿قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَاْ إِنْ هَذَآ إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.
(١) العباد: قوم من قبائل شتَّى من بطون العرب، نزلوا الحيرة واجتمعوا على النصرانية، فأنفوا أن يتسموا
بالعبيد ، وقالوا : نحن العباد . اللسان (ع ب د).

١٤٣
سورة الأنفال : الآيتان ٣١، ٣٢
يقولُ : أساجيعُ أهلِ الحيرةِ(١)
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال : ثنا شعبةُ ، عن أبى
بشرٍ، عن سعيدِ بنِ تجبيرٍ، قال: قتَلُ النبىُّ عَ لَِّ يومَ بدرٍ صَبْرًا عقبةَ بنَ أبى مُعَيْطٍ ،
وطُعَيمةَ بِنَ عَدىٍّ، والنضرَ بنَ الحارثِ، وكان المِقْدادُ أسَر النضرَ، فلما أمَر بقتلِه ،
قال المِقْدادُ: (يا رسولَ اللَّهِ أسيرى. فقال رسولُ اللَّهِ عَهِ: «إنه كان يقولُ
فى كتابِ اللَّهِ ما يقولُ)). فأمَر النبىُّ عَلَّه بقتلِه، فقال المقدادُ: أسيرى . فقال
رسولُ اللَّهِ عَ لَّهِ: ((اللهمَّ أَغْنِ المقدادَ من فضلك)). / فقال المقدادُ: هذا الذى ٢٣٢/٩
أردتُ. وفيه أَنْزِلت هذه الآيةُ: ﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا﴾ الآية(١).
حدَّثنى يعقوبُ ، قال: ثنا هُشيمٌ ، قال : أخبرنا أبو بشرٍ ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ ،
أن رسولَ اللّهِ عْظِّمِ قتَل يومَ بدرٍ ثلاثةَ رَهْطٍ من قريشٍ صَبْرًا؛ المُطْعِمَ بنَ عَدَىِّ(٤)،
والنضرَ بنَ الحارِثِ، وعقبةَ بنَ أَبِى مُعَيْطٍ. قال: فلما أمَر بقتلِ النضرِ ، قال المقدادُ بنُ
الأسودِ : أسيرى يا رسولَ اللَّهِ . قال: «إنه كان يقولُ فى كتابِ اللَّهِ وفى رسولِه ما كان
يقولُ)). قال: فقال ذلك مرّتين أو ثلاثًا، فقال رسولُ اللَّهِ عَ ◌ّهِ: ((اللهمَّ أعْنِ المقدادَ
من فضلك)). وكان المقدادُ أسَر النَّضْرَ.
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ
فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةٌ مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ أَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
(٣٢
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٨٩/٥ من طريق أحمد بن المفضل به .
(٢ - ٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س.
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٥٨٧/٣ عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٠/٣ إلى المصنف
وابن مردويه .
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٥٨٨/٣ عن هشيم به وقال - عن ذكر المطعم فى هذا الخبر - : وهو غلط ؛
لأن المطعم بن عدى لم يكن حيًّا يوم بدر، ولهذا قال رسول الله عليه يومئذ: ((لو كان المطعم حيا، ثم سألنى
فى هؤلاء النتنى، لوهيتهم له)). وينظر صحيح البخارى (٣١٣٩).

١٤٤
سورة الأنفال : الآية ٣٢
يقولُ تعالى ذكرُه: واذكُرْ يا محمدُ أيضًا ما حلَّ بمن قال: ﴿اللَّهُمَّ إِن
كَانَ هَذَا هُوَ اُلْحَقِّ مِنْ عِندَِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ أَثْتِنَا
بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾. إذ مكَرتُ لهم(١) ، فأتيتُهم بعذابٍ أليم، وكان ذلك العذابُ
قتلَهم بالسيفِ يومَ بدٍ .
وهذه الآيةُ أيضًا ذُكِر أنها نزَلت فى النضرِ بنِ الحارثِ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: ثنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ فى
قوله: ﴿ وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندَِ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا
حِجَارَةً مِّنَ السَّمَآِ﴾. قال: نزَلت فى النضرِ بنِ الحارثِ (١) .
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
تَجيح، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِن كَانَ هَذَا هُوَ اُلْحَقَّ مِنْ عِندَِ﴾. قال: قولُ
النضرِ بنِ الحارثِ - (أو ابنِ الحارثِ) بِنِ كَلَدةً .
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نَجِيحِ، عن
مجاهدٍ: ﴿ اَللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ ﴾ : قولُ النضرِ بنِ الحارثِ
ابنِ علقمةَ بنِ كَلَدةً من بنی عبدِ الدارِ .
قال : أخبرنا إسحاقُ ، قال: أخبرنا عبدُ اللَّهِ، عن وَرْقَاءَ، عن ابنِ أبى نَجيح ، عن
(١) ينظر ما تقدم فى ص ١٤٠.
(٢) أخرجه سعيد بن منصور (٩٩٠ - تفسير) عن هشيم به، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٨٩/٥ من
طریق أبی بشر به .
(٣ - ٣) فى م: ((بن علقمة)).

١٤٥
سورة الأنفال : الآية ٣٢
مجاهدٍ فى قوله: ﴿إِن كَانَ هَذَا هُوَ اُلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ ﴾. قال: هو النضرُ بنُ
الحارثِ بنِ كَلَدةً(١).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ ، قال : ثنا أبو أحمدَ ، قال : ثنا طلحةُ بنُ عمرٍو ، عن
عطاءٍ، قال : قال رجلٌ من بنى عبدِ الدارِ يقالُ له : النضرُ بنُ كَلَدَةَ : اللهمّ إن كان
هذا هو الحقَّ من عندِك فأمطِرْ علينا حجارةً من السماءِ أو ائتِنا بعذابٍ أليم . فقال
اللَّهُ: ﴿ وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطِّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص: ١٦]. وقال: ﴿وَلَقَدْ
جِئْتُونَا فُرَدَى كَمَا خَلَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَرَّقِ﴾ [الأنعام: ٩٤]. وقال: ﴿ سَأَلَ سَآئِلُ بِعَذَابٍ
وَاقِعٍ جَ لِلْكَفِينَ﴾ [المعارج: ١، ٢]. قال عطاءٌ: لقد نزَل فيه بِضْعَ عَشْرةَ آيةً من
ـ (٢)
كتابِ اللَّهِ(١) .
/حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشّدىِّ، قال : فقال - يعنى النضرَ بنَ الحارثِ: اللهمَّ إن كان ما يقولُ محمدٌ هو
الحقَّ من عندِك، فأمطِرْ علينا حجارةً من السماءِ أو ائِنا بعذابٍ أليم. قال اللَّهُ:
﴿ سَأَلَ سَآِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ﴿ لِلْكَفِينَ﴾(٢).
٢٣٣/٩
حدّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال : ثنا حكّامٌ، عن عَنْبسةً ، عن ليث ، عن مجاهدٍ فی
قوله: ﴿إِن كَانَ هَذَا هُوَ اُلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾ الآية. قال: ﴿ سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ
وَاقِعٍ جَ لِلْكَفِينَ﴾ .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَإِذْ قَالُواْ
اَللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندَِ ﴾ الآية. قال: قال ذلك سَفَهةٌ(٤) هذه
(١) تفسير مجاهد ص ٤٥٣ .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨١/٣ إلى المصنف.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٩٠/٥ من طريق أحمد بن المفضل به .
(٤) فى ص، ت ٢، ف: ((سفه))، وفى ت ١، س: (( سفيه)).
( تفسير الطبرى ١٠/١١ )

١٤٦
سورة الأنفال : الآية ٣٢
الأمةِ وجَهَلتُها ، فعاد اللَّهُ بعائدتِه ورحمتِه على سفهةٍ هذه الأمةِ وجهلتِها .
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: ثم ذكَر غِرَّةَ(١)
قريشٍ واستفتاحَهم على أنفسِهم: ﴿ إِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ اُلْحَقَ مِنْ
عِندِلَكَ ﴾. أى: ما جاء به محمدٌ، ﴿ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ﴾ كما
أمطرتَها على قوم لوطٍ ، ﴿أَوِ أَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾. أى: ببعض ما عذَّبت به الأُمَ
(٢)
قبلنا (٢).
واخْتَلف أهلُ العربيةُ(١) فى وجهِ دخولٍ ﴿هُوَ﴾ فى الكلام؛ فقال بعضُ
البصريين نُصِب ﴿ اَلْحَقَّ﴾؛ لأن ﴿هُوَ﴾، واللَّهُ أعلمُ، حُوِّلت زائدةً فى الكلام
صلةَ توكيدٍ كزيادةِ (( ما )) ، ولا تُزادُ إلا فى كلٌّ فعلٍ لا يستغنى عن خبرٍ، ليست(٤)
﴿هُوَ﴾ بصفةٍ ﴿هَذَا﴾؛ لأنك لو قلت: رأيتُ هذا هو. لم يكنْ كلامًا، ولا
تكونُ ((هذه)) المضمر من صفةِ الظاهرةِ ، ولكنها تكونُ من صفةٍ المضمرةِ نحو قوله :
﴿ وَلَكِنْ كَانُواْ هُمُ الظَّالِمِينَ ﴾ [الزخرف: ٧٦]، و﴿ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَغْظَمَ
أَجْرَ﴾ [المزمل: ٢٠]. لأَنك تقولُ: وجدته هو وإياى. فتكون ((هو)) صفةً، وقد
تكونُ فى هذا المعنى أيضًا غيرَ صفةٍ ، ولكنها تكونُ زائدةً كما كان فى الأوَّلِ ، وقد
تَجْرَى فى جميعِ هذا مُجْرَى الاسم، فيُرْفَعُ ما بعدَها إن كان ما(°) بعدَها ظاهرًا أو
(١) فى م، ت ١، ت ٢، س، ف: ((غيرة)). والغرة: الغفلة والاغترار. ينظر اللسان (غ ر ر).
(٢) سيرة ابن هشام ١/ ٦٧٠. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٩٠، ١٦٩١ من طريق سلمة، عن
ابن إسحاق ، عن محمد بن جعفر، عن عروة من قوله .
(٣) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((فى قوله و))، ولعله سقط من هذه النسخ قوله: ((هو الحق).
ويكون السياق : فى قوله : هو الحق. ووجه دخول : هو فى الكلام.
(٤) فى م: ((ليس)) .
(٥) سقط من: م.

١٤٧
سورة الأنفال : الآيات ٣٢ - ٣٤
مضمرًا فى لغةٍ بنى تميم ، يقولون فى قوله : (إِن كان هذا هو الحقُّ من عندك)(١).
و(لَكِنْ كانُوا [٨٩٩/١ ظ] هُمُ الظَّالمونَ(٣)). و(تَجِدُوه عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرُ(٢) وَأَعْظَمُ
أجرًا). كما تقولُ: كانوا آباؤهم الظالمون. جعَلوا هذا المضمرَ نحوَ ((هو)) و
((هما)) و((أنت)) زائدًا فى هذا المكانِ ، ولم تُجْعَلْ مواضعَ الصفةِ ؛ لأنه فصلٌ أراد أن
يبيِّنَ به أنه "ليس ما بعدَه صفةً) لما قبله، ولم يُحتَجْ إلى هذا فى الموضعِ الذى لا
یکونُ له خبرٌ .
وكان بعضُ الكوفيين يقولُ: لم تدخُلْ ﴿هُوَ﴾ التى هى عمادٌ(٥) فى الكلامِ
إلا لمعنّى صحيح. وقال: كأنه قال: زيدٌ قائمٌ. فقلتَ أنت: بل عمرو هو القائمُ.
فـ ((هو)) لمعهودِ الاسم، والألفُ واللامُ لمعهودِ الفعلِ " والألفُ واللامُ" التى هى صلةٌ
فى الكلامِ مخالفةٌ لمعنى ((هو)) ؛ لأن دخولَها وخروجَها واحدٌ فى الكلامِ، وليست
كذلك ((هو ))، وأما التى تدخُلُ صلةً فى الكلامِ، فتوكيدٌ شبية بقولهم : وجدتُه
نفسَه . تقولُ ذلك وليست بصفةٍ كالظريفِ والعاقلِ .
القولُ فى تأويل قولِه: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمّ وَمَا كَانَ اللَّهُ
مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣) / وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٢٣٤/٩
اَلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾.
(١) وهى قراءة الأعمش وزيد بن على. مختصر الشواذ لابن خالويه ص ٥٤، والبحر المحيط ٤ / ٤٨٨.
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، س، ف: ((الظالمين)). وقراءة الرفع هى قراءة عبد الله وأبى زيد النحويين. مختصر
الشواذ لابن خالويه ص ١٣٦، والبحر المحيط ٢٧/٨.
(٣) فى النسخ: ((خيرا)). والمثبت هو صواب استشهاد المصنف، وبالرفع قرأ أبو السمال وابن السميقع.
مختصر الشواذ لابن خالويه ص ١٦٤، والبحر المحيط ٣٦٧/٨.
(٤ - ٤) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: (( ليس بصفة ما بعده)).
(٥) تقدم معنى العماد فى ٢/ ٢١٤.
(٦ - ٦) سقط من: م. ومكانه بياض فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف. والمثبت كما أثبته الشيخ شاكر.

١٤٨
سورة الأنفال: الآيتان ٣٣، ٣٤
اختلف أهلُ التأويل فى تأويل ذلك ؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: ﴿وَمَا كَانَ
اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِهِمَّ﴾: أى؛ وأنت مقيمٌ بينَ أَظْهُرِهم. قال: وأُنْزِلت هذه على
النبيِّ ◌َّهِ وهو مقيم بمكةَ. قال: ثم خرَج النبيُّ عَِّ من بينِ أَظْهُرِهم، فاستغفر من
بها من المسلمين، فَأَنْزَل اللَّهُ(١) بعدَ خروجِه عليه حينَ استغفر أولئك بها: ﴿ وَمَا
كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: ثم خرَج أولئك البقيةُ من المسلمين
من بينهم فعذَّب الكفارَ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابنُّ حُميدٍ ، قال : ثنا يعقوبُ ، عن جعفرِ بنِ أبى المغيرةِ، عن ابنِ أَبْزَى،
قال: كان النبيُّ عَّ الَّهِ بمكةَ، فَأَنْزَل اللَّهُ(١): ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ
فِيهِمْ﴾. قال: فخرج النبىُ عَ لَه إلى المدينةِ، فأنزلَ اللَّهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ
مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ . قال: فكان أولئك البقيةُ من المسلمين الذين بقُوا فيها
يستغفِرون ، يعنى بمكةً، فلما خرَجوا أَنْزَل اللَّهُ عليه: ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ
وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوْ أَوْلِيَاءَ(ٌ﴾. قال: فأذِن اللَّهُ له
فى فتحِ مكةَ، فهو العذابُ الذى وعَدهم (١) .
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا محُصينٌ، عن أبى مالكٍ فى
قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِهِمْ﴾: يعنى النبىَّ عَلَّه، ﴿وَمَا
كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾: يعنى من بها من المسلمين، ﴿ وَمَا لَهُمْ
(١) زيادة ليست فى: الأصل، ص، م، ت ١، ت ٢، س.
(٢) بعده فى ص، ت ٢، س، ف: ((عليه)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٩٣/٥ من طريق يعقوب به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨١/٣
إلى أبى الشيخ .

١٤٩
سورة الأنفال : الآيتان ٣٣، ٣٤
أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾: يعنى(١) مكةَ وفيها(٢) الكفارُ(٣).
حدَّثنى الُثَّنى ، قال : ثنا عمرُو بنُ عونٍ ، قال: أخبرنا هُشيمٌ ، عن محُصينٍ، عن
أبى مالكِ فى قولِ اللَّهِ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾: يعنى أهلَ مكةً وأنت
فيهم" ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ﴾ وفيهم المؤمنون يستغفِرون ، يغفِرُ لمن فيهم من
(٥)
المسلمين(٥) .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ الرازىُّ وأبو داودَ الحَفْرىُّ، عن
يعقوبَ، عن جعفرٍ، عن ابنٍ أَبْرَى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ
يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: بقيةُ من بَقِىَ من المسلمين منهم، فلما خرَجوا قال: ﴿ وَمَا
لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ .
قال: ثنا عمرانُ بنُ عُيينةً، عن محُصينٍ، عن أبى مالكٍ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ
لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِهِمْ﴾ . قال : أهلُ مكةَ.
وأخبرنا أبى، عن سَلَمَةَ بنِ نُبيطٍ، عن الضخَّاكِ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ
مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: المؤمنون من أهلِ مكةً، ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ
اَللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾. قال: المشركون من أهلِ مكةً(١).
/قال: ثنا أبو خالدٍ، عن مجُويبرٍ، عن الضّاكِ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ
٢٣٥/٩
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((بغير)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((فيهم)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨١/٣ إلى المصنف وعبد بن حميد، وأخرجه سعيد بن منصور فى سننه
(٩٩١ - تفسير) من طريق حصين به بلفظ آخر مختصرا .
(٤ - ٤) سقط من: م، وفى ص، ت ١، س، ف: ((واسعهم)). بدون نقط .
(٥) ذكر آخره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٩٢/٥ معلقا بلفظ آخر.
(٦) أخرجه النحاس فى الناسخ ص ٤٦٥ من طريق وكيع به ، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٩١/٥ من
طريق سلمة بن نبيطٍ به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٢/٣ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.

١٥٠
سورة الأنفال : الآيتان ٣٣، ٣٤
مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: المؤمنون يستغفِرون بين ظهرانيهم(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال: ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. يقولُ:
الذين آمنوا معَك يستغفِرون بمكةً حتى أُخرَجك والذين آمنوا معك .
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجْ، قال : قال ابنُ جريج:
قال ابنُ عباسٍ: لم يعذُبْ قريةً حتى يُخْرِجَ النبيَّ منها والذين آمنوا معه ويُلْحِقَهُ(١)
بحيث أُمِر، ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾: يعنى المؤمنين، ثم عاد
إِلى المشركين فقال: ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾(١).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَمَا
كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِهِمْ﴾ . قال: يعنى أهلَ مكةً.
· وقال آخرون : بل معنى ذلك(٤): وما كان اللَّهُ ليعذِّب هؤلاء المشركين من
قريشٍ بمكةً وأنت فيهم يا محمدُ حتى أُخْرَجك من بينهم، وما كان اللَّهُ معذِّبَهم
وهؤلاء [٩٠٠/١و] المشركون يقولون: يا ربِّ غُفْرانَك. وما أَشْبَه ذلك من معانى
الاستغفارِ بالقولِ. قالوا: وقولُه: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ فى الآخرةِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنا أحمدُ بنُ منصورِ الرَّمادىُّ، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا عكرمةُ، عن
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٩٢/٥ معلقا.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((يلحق)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٩٣/٥ من طريق حجاج، عن ابن جريج وعثمان بن عطاء، عن
عطاء، عن ابن عباس مقتصرا على آخره بلفظ آخر.
(٤) سقط من: ص ، ت ١، ت ٢، س، ف .
مے

١٥١
سورة الأنفال : الآيتان ٣٣، ٣٤
أبى زُميلٍ، عن ابنِ عباسٍ، أن المشركين كانوا يطوفون بالبيتِ يقولون: "لَبَيْكَ
لَّيْك، لا شريكَ لك. فيقولُ النبيُّ عَ لِ: ((قَدْ قَدْ(٢))). فيقولون(٢): إلا شريكٌ هو
لك، تملِكُه وما ملك. ويقولون: غفرانَك غفرانَك. فَأَنْزَل اللَّهُ: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ
لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِهِمَّ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ . فقال ابنُ عباسٍ :
كان فيهم أمانان، نبىُّ اللَّهِ والاستغفارُ. قال: فذهَب النبىُ عَ لَه وبقى الاستغفارُ.
﴿ وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا
كَانُواْ أَوْلِيَاءَهٌ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾. قال: فهذا عذابُ الآخرةِ. قال:
وذاك عذابُ الدنيا(٤) .
حدَّثنى الحارثُ ، قال : ثنا عبدُ العزيزِ، قال : ثنا أبو معشرٍ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ
ومحمدٍ بنِ قيسٍ، قالا: قالت قريشٌ بعضُها لبعضٍ: محمدٌ أكْرَمه اللَّهُ من بيننا ،
﴿ اَللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمَطِرْ عَلَيْنَا﴾ الآية. فلما أَمْسَوا
ندِموا على ما قالوا، فقالوا: غُفْرَانَك اللهمَّ. فَأَنْزَل اللَّهُ: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ
مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. إلى قوله: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾(٥).
حدَّثنى ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ ، قال : كانوا يقولون -
(١ - ١) فى م: ((لبيك لا شريك لك لبيك)).
(٢) أى: حسب. وتكرارها لتأكيد الأمر. النهاية ٤/ ١٩.
(٣) بعده فى م: ((لا شريك لك)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٩١، والبيهقى ٤٥/٥ من طريق أبي حذيفة به، وأخرجه
مسلم (١١٨٥) من طريق عكرمة بن عمار به مختصرا دون قولهم: غفرانك. إلى آخره ، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ١٨١/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨١/٣ إلى المصنف.

١٥٢
سورة الأنفال : الآيتان ٣٣، ٣٤
٢٣٦/٩
يعنى المشركين -: واللَّهِ إِن اللَّهَ لا يعذِّبُنا ونحن نستغفِرُ، ولا يعذِّبُ أمةً ونبيُها معها
حتى يُخْرِجَه عنها. وذلك من قولِهِم ورسولُ اللَّهِ عَظِلّهِ بينَ أظهرِهم، فقال اللَّهُ
لنبيّه عَ لِ يذكُرُ له جهالتَهم وغِرَّتَهم واستفتاحهم على أنفسِهم إذ قالوا: ﴿اَللَّهُوَّ
إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندَِ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةٌ مِّنَ / السَّمَاءِ﴾ كما
أمطرتَها على قوم لوطٍ. وقال (١) حين نعى عليهم سوءً أعمالِهم: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ
لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾: أى لقولِهم(١): ("إنَّا
نَسْتَغْفِرُ ومحمدٌ بينَ أَظُرِنا. ثم قال: ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ وإن كنتَ بينَ
أظهرِهم٢، وإن كانوا يستغفِرون كما قال: ﴿وَهُمْ يَصُدُونَ عَنِ الْمَسْجِدِ
اَلْحَرَامِ﴾ أى: من آمن باللهِ وعبّده، أى: أنت ومن تبعك (٤).
حدَّثنا الحسنُ بنُ الصبَّاح البزَّارُ(٥)، قال: ثنا أبو (١) بردةَ، عن أبى موسى ، قال:
إنه كان فيكم(٢) أمانان؛ قولُه: ﴿ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمَّ وَمَا كَانَ
اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: أما النبىُّ عَلَّهِ فقد مضَى (١، وأما الاستغفارُ
فهو دائرٌ فيكم إلى يومِ القيامةِ(١).
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((كان)).
(٢) فى م: ((بقولهم)).
(٣ - ٣) سقط من النسخ، والمثبت من سيرة ابن هشام.
(٤) سيرة ابن هشام ١/ ٦٧٠. وهو تمام الأثر المتقدم ص ١٤٦.
(٥) سقط من هذا الإسناد راو أو أكثر.
(٦) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.
(٧) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((فيك)).
(٨) فى ص، ت ٢، س، ف: ((تقضى))، وفى ت ١: ((يقضى)).
(٩) أخرجه ابن عساكر فى تاريخ دمشق ٤/١٧ من طريق عباد بن يوسف عن أبى بردة به ، وأخرجه الحاكم
فى ٥٤٢/١ من طريق عبيد بن أبى أيوب، عن أبى موسى. وأخرجه الترمذى (٣٠٨٢) من طريق أبي بردة،
عن أبيه مرفوعًا . وقال : هذا حديث غريب ، وإسماعيل بن مهاجر يضعف فى الحديث، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ١٨٢/٣ إلى أبى الشيخ والطبرانى وابن مردويه.

١٥٣
سورة الأنفال : الآيتان ٣٣، ٣٤
حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا يونسُ بنُّ أبى إسحاقَ ، عن
عامرٍ أبى الخطّابِ الثورىِّ، قال: سمِعت أبا العلاءِ يقولُ: كان لأمة محمدٍ لِّ
أمَنَتانِ، فذهَبت إحداهما، وبقيت الأخرى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ
فِهِمْ ﴾ الآية .
· وقال آخرون : معنى ذلك: وما كان اللَّهُ ليعذِّبَهم وأنت فيهم يا محمدُ ، وما
كان اللَّهُ معذِّبَ المشركين وهم يستغفِرون، أن(١) لو استغفَروا. قالوا: ولم يكونوا
يستغفِرون، فقال جلَّ ثناؤُه إذا لم يكونوا يستغفِرون: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ
يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا
كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمَّ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ .
قال : إن القومَ لم يكونوا يستغفِرون، ولو كانوا يستغفِرون ما عُذِّبُوا، وكان بعضُ
أهلِ العلم يقولُ: هما أمانان أَنْزَلهما اللَّهُ، فأما أحدُهما فمضى ؛ نبُ اللَّهِ ، وأما الآخرُ
فأبقاه اللَّهُ رحمةٌ بينَ أظهرٍ كم ؛ الاستغفارُ والتوبةُ .
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشّدىِّ، قال: قال اللَّهُ لرسولِه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا
كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. يقولُ: ما كنت أعذُّبُهم وهم يستغفِرون،
و) لو استغفروا وأقرُّوا بالذنوبِ لكانوا مؤمنين، وكيف لا أعذِّبُهم وهم لا يستغفِرون؟
(١) كذا فى النسخ، ولعل الصواب: ((أى)).
(٢) سقط من: ت ١، ت ٢، س ، ف .

١٥٤
سورة الأنفال : الآيتان ٣٣، ٣٤
وما لهم ألا يعذِّبَهم اللَّهُ وهم يصُدُّون عن محمدٍ وعن المسجدِ الحرام ؟
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿وَمَا
كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمَّ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾.
قال : يقولُ: لو استغفَروا لم أُعذِّبهم(٢).
" وقال آخرون: معنى ذلك: وما كان اللَّهُ ليعذُّبَهم وهم يُسْلِمون . قالوا :
واستغفارُهم كان فى هذا الموضعِ إِسلامَهم .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا سؤَّارُ بنُ عبدِ اللهِ ، قال: ثنا عبدُ الملكِ بنُ الصبَّاح، قال: ثنا عِمْرانُ بنُ
محُديرٍ، عن عكرمةً فى قوله: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمَّ وَمَا كَانَ
اَللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: سألوا العذابَ، فقال: لم يكنْ ليعذّبَهم
وأنت فيهم، [٩٠٠/١ظ] ولم يكنْ ليعذُّبَهم وهم يدخلون فى الإسلامِ" .
٢٣٧/٩
/حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبى
تَجَيح، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَأَنْتَ فِهِمٌّ﴾. قال: بينَ أظهرِهم. وقولُه: ﴿ وَهُمْ
يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: (٤وهم) يُشْلِمون(٥).
حدَّثنى المُثَّنى ، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال : ثنا شبلٌ، عن ابن أبى نجيح، عن
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٩٢/٥، ١٦٩٣، ١٦٩٤ من طريق أحمد بن المفضل به .
(٢) ذكره النحاس فى الناسخ ص ٤٦٧ معلقًا .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨١/٣ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٤ - ٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، س، ف.
(٥) تفسير مجاهد ص ٣٥٤. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨١/٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى
الشيخ .
١

١٥٥
سورة الأنفال : الآيتان ٣٣، ٣٤
مجاهدٍ : ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِهِمْ﴾: بينَ أظهرِهم، ﴿وَمَا
كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: وهم يسلمون(١)، ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا
يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُونَ﴾: قريشٌ(٢)، ﴿عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾.
حدَّثنى الحارثُ ، قال : ثنا عبدُ العزيزِ، قال : ثنا محمدُ بنُ عبيدِ اللَّهِ ، عن ابنٍ
أبى نَجيح، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾. قال: بينَ
أظهرِهم، ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾. قال: دخولُهم فى
الإسلامِ .
· وقال آخرون: بل معنى ذلك: وفيهم مَن قد سبق له من اللَّهِ الدخولُ فى
الإسلام .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمَّ﴾. يقولُ: ما كان اللَّهُ سبحانَه
يعذِّبُ قومًا وأنبباؤُهم بينَ أظهرِهم حتى يُحْرِجَهم. ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ
مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَّغْفِرُونَ ﴾. يقولُ: ومنهم من قد سَبَق لَه من اللَّهِ الدخولُ فى
الإيمانِ، وهو الاستغفارُ. ثم قال: ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ﴾. فعذّبهم يومَ
بدرٍ بالسيفِ(٤).
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((مسلمون)).
(٢) زيادة من : م .
(٣) سقط من : ص، ف .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٩٢/٥، والنحاس فى الناسخ ص ٤٦٤، والبيهقى فى دلائل
النبوة ٧٦/٣ من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٢/٣ إلى ابن المنذر.

١٥٦
سورة الأنفال : الآيتان ٣٣، ٣٤
وقال آخرون : بل معناه: وما كان اللَّهُ معذِّبَهم وهم يُصَلُّون .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ ، عن
ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. يعنى: يُصلُّون .
يعنى بهذا أهلَ مكةً(١).
حدَّثنی موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَشْروقىُّ، قال: ثنا حسين الجُغْفِىُ، عن زائدةَ ،
عن منصورٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا
كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: يصلُّون(٢) .
حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرج ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ ، قال: ثنا عبيدُ بنُ
سليمانَ ، قال: سمِعتُ الضَّّاكَ بنَ مزاحم يقولُ فى قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ
لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِهِمَّ﴾: يعنى أهلَ مكةً. يقولُ: لم أكنْ لأعذِّبَكم وفيكم محمدٌ ،
ثم قال: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. يعنى: يؤمنون ويصلُّون .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿ وَمَا
كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ . قال: وهم يصلُّون .
٢٣٨/٩ /وقال آخرون: بل(٢) معنى ذلك: وما كان اللَّهُ ليعذِّبَ المشركين وهم
يستغفرون. قالوا: ثم نُسِخ ذلك بقوله: ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُونَ
عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ .
(١) فى تفسير ابن أبى حاتم من تمام الأثر قبله .
(٢) تفسير مجاهد ص٣٥٤ .
(٣) زيادة من: م.

١٥٧
سورة الأنفال : الآيتان ٣٣، ٣٤
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحسينِ بنِ واقدٍ ، عن يزيدَ
النحوىِّ، عن عكرمةَ والحسنِ البصرىِّ، قالا: قال فى ((الأنفالِ)): ﴿وَمَا
كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمَّ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ .
فنسختها الآيةُ التى تليها: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾. إلى قولِه:
﴿ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾. فقوتلوا بمكةً، وأصابهم فيها الجوُ
(١)
والحَضُ(١).
وأولى هذه الأقوالِ عندى فى ذلك بالصوابِ قولُ من قال: تأويلُه: وما كان
اللَّهُ ليعذِّبَهم وأنت فيهم يا محمدُ، وبينَ أظهرهم مقیمٌ ، حتى أُخرِجَك من بین
أظهرِهم ؛ لأنى لا أُهْلِكُ قريةً وفيها نبيِّها ، وما كان اللَّهُ معذِّبَهم وهم يستغفِرون من
ذنوبهم وكفرهم، ولكنهم لا يستغفرون من ذلك، بل هم مصرُّون عليه، فهم
للعذابِ مستحقُّون، كما يقالُ: ما كنتُ لِأُحْسِنَ إليك وأنت تسىءُ إلىّ. يرادُ
بذلك: لا أُحْسِنُ إليك إذا أسأت إلىّ. أو: (٢) لو أسأْتَ إلىَّ لم أحسن إليك، ولكن
أُحسنُ إليك لأنك لا تسىءُ إلىٍّ. وكذلك ذلك، ثم قيل: ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ
اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾. بمعنى: وما شأنُهم وما يمنَعُهم أن
يعذِّبَهم اللَّهُ وهم لا يستغفِرون اللَّهَ من كفرِهم فيؤمنوا به، وهم يصُدُّون المؤمنين باللّهِ
ورسوله عن المسجدِ الحرامِ .
وإنما قلنا : هذا القولُ أَوْلى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ ؛ لأن القومَ ، أعنى
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٩٣/٢ من طريق أبى تميلة يحيى بن واضح به .
(٢) فى م: (( و)).

١٥٨
سورة الأنفال : الآيتان ٣٣، ٣٤
مشركي مكةَ ، كانوا اسْتَعْجلوا العذابَ، فقالوا : اللهمّ إن كان ما جاء به محمدٌ هو
الحقَّ، فأمطِرْ علينا حجارةٌ من السماءِ أو انتنا بعذاب أليم. فقال اللَّهُ لنبيّه: ما كنتُ
لأُعذّبَهم وأنتَ فيهم، وما كنتُ لأُعذِّبَهم لو استغفروا، وكيف لا أعذِّبُهم بعدَ
إخراجِك منهم وهم يصُدُّون عن المسجدِ الحرام. فأَعْلَمه جلَّ ثناؤه أن (" الذى
استَعْجلوه مِن العذابِ حائقٌ بهم ونازلٌ، وأَعْلَمهم حالَ نزوله بهم، وذلك بعد
إخراجِه إياه من بين أظهرِهم . ولا وجه لإيعادِهم العذابَ فى الآخرةِ وهم مستعجلوه
فى العاجلٍ، ولا شكّ أنهم فى الآخرةِ إلى العذابِ صائرون ، بل فى تعجيلِ اللَّهِ لهم
[٩٠١/١ و] ذلك يومَ بدرٍ الدليلُ الواضحُ على أن القول فى ذلك ما قلنا .
وكذلك لا وجه لقولٍ من وجَّه قوله: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ
يَسْتَغْفِرُونَ﴾. إلى أنه عُنِى به المؤمنون، وهو فى سياقِ الخبرِ عنهم ، وعما اللّهُ فاعلٌ
بهم، ولا دليلَ على أن الخبرَ عنهم قد تقضَّى، وعلى أن ذلك به عُنوا(٢)، وألا(٣)
خِلافَ فى تأويله من أهلِه موجودٌ .
وكذلك أيضًا لا وجهَ لقول من قال: ذلك منسوخٌ بقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا
يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَارِ﴾ الآية؛ لأن قولَه جلَّ ثناؤه:
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. خبرٌ، والخبرُ لا يجوزُ أن يكونَ فيه
نسخٌ، وإنما يكون النسخُ للأمرِ أو النهي .
/واخْتَلف أهلُ العربيةِ فى وجهِ دخولٍ ((أن)» فى قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ
٢٣٩/٩
(١ - ١) فى م: ((الذين استعجلوا)، وفى ف: ((الذين استعجلوه من)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: (عنهم)).
(٣) فى م، ف: ((لا)).
(٤) فى م: (( و)).

١
١٥٩
سورة الأنفال : الآية ٣٤
اللَّهُ﴾؛ فقال بعضُ نحوِى البصرةِ: هى زائدةٌ ههنا. قال (١) : وقد عمِلت كما
عمِلت ((لا)) وهى زائدةٌ، وجاء فى الشعرِ :
لو لم تكنْ غَطَفَانُ لا ذُنوبَ لها إلىَّ لامت (١) ذوُو أحسابِها عُمرا
وقد أَنْكر ذلك من قولِه بعضُ أهلِ العربيةِ، وقال: لم تدخلْ ((أن)) إلَّا لمعنّی
صحيح؛ لأن معنى ﴿وَمَا لَهُمْ﴾: ما يمنَعُهم من أن يُعَذَّبوا. قال: فدخَلت ((أن))
لهذا المعنى، وأُخرِج بـ ((لا))، ليُعلمَ أنه بمعنى الجَحدِ؛ لأن المنعَ جَخْدٌ . قال:
و((لا)) فى البيتِ صحيحٌ معناها؛ لأن الجحدَ إذا وقع عليه جَحْدٌ صار خبرًا . وقال :
ألا ترى إلى قولك: ما زيدٌ ليس قائمًا. فقد أوْ جَبت القيامَ(٤)؟ قال: وكذلك ((لا))
فى هذا البيتِ .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءَهُوَ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ
أَكْثَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
٣٤
يقولُ تعالى ذكره: وما لهؤلاء المشركين ألا يعذّبَهم اللَّهُ وهم يصُدُّون عن
المسجدِ الحرامِ، ولم يكونوا أولياءَ اللَّهِ. ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ﴾، يقولُ: ما أولياءُ اللَّهِ
إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾. يعنى: الذين يتَّقون اللّهَ بأداءِ فرائضِه، واجتنابِ معاصِيه.
﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: ولكنَّ أكثرَ المشركين لا يعلمون أن
أولياءَ اللَّهِ المتقون ، بل يحسبون أنهم أولياءُ اللَّهِ .
وبنحوِ ما قلنا (° فى ذلك°) قال أهلُ التأويلِ.
(١) سقط من: م .
(٢) تقدم فى ٤/ ٤٤٥.
(٣) فى م، ف: ((لام)) .
(٤) لأن النفى للنفى إثبات .
(٥ - ٥) ليس فى الأصل ، ص ، م، ت ١ ، ت ٢، س.

١٦٠
سورة الأنفال : الآيتان ٣٤، ٣٥
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السُّدِّىِّ: ﴿ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءَهُ: إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُنَّقُونَ ﴾ : هم أصحابُ
رسولِ اللَّهِ عَ﴾(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى، عن ابنٍ أبى
نجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿إِنْ أَوْلَاؤُهُ، إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾: من كانوا وحيثُ
. (٢)
كانوا) .
حدَّثنى المُثَّنَى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنا ابنُ محُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَآءَ،"
إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾: الذين يخرجون منه، ويقيمون الصلاةَ عندَه، أى
أنت، يعنى النبيَّ ◌َِّ، ومن آمن بك، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾(٣).
/ القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا كَانَ صَلَائُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَآءُ
٣٥
وَتَصْدِيَةٌ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ
٢٤٠/٩
يقولُ تعالى ذكره: وما لهؤلاء المشركين ألَّ يعذِّبَهم اللَّهُ وهم يصُدُّون عن
المسجدِ الحرامِ الذى(٥) يصلُّون للَّهِ فيه ويعبدونه، ولم يكونوا للَّهِ أولياءً، بل أولياؤه
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٩٤/٥ من طريق أحمد بن المفضل به .
: (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٩٤/٥ من طريق ابن أبى نجيح به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٨٣/٣ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٩٤، ١٦٩٥ من طريق سلمة عن ابن إسحاق عن محمد بن
جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير .
(٤) فى ت١، ت٢، س، ف: ((الذين)).