Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١
سورة الأنفال : الآية ١
قوله: ﴿ يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾. قال: يسألونك الأنفالَ(١).
قال أبو جعفر : وأوْلَى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ أن يُقالَ: إن الله تعالى ذكرُه
أخبَر فى هذه الآيةِ عن قوم سألوا رسولَ اللَّهِ حِ لِّ الأنفالَ أن يُعطِيَهُمُوها ،
فأخبرهم اللَّهُ أنها للَّهِ ، وأنه جعَلها لرسولِه .
وإذا كان ذلك معناه ، جاز أن يكونَ نزولُها كان من أجل اختلافٍ أصحابٍ
رسولِ اللَّهِ عَلِ فيها، وجائزٌ أن يكونَ كان من أجل مسألةٍ مَن سأله السيفَ الذى
ذكرنا عن سعدٍ أنه سأله إيّاه، وجائزٌ أن يكونَ من أجلِ مسألةٍ مَن سأل (١) قسْمَ ذلك
بینَ الجيشِ .
واختلفوا فيها ، أمنسوخةٌ ("أم هى٣) غيرُ منسوخةٍ؟
فقال بعضُهم: هى منسوخةٌ ، وقالوا: نسخها قولُه: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَمَا غَنِمْتُم مِّن
شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ، وَلِلَرَّسُولِ﴾ الآية [الأنفال: ٤١].
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا أبى، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ وعكرمةَ، قالا : كانت
الأنفالُ للَّهِ وللرسولِ، فنسَخْها: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ
وَلِلرَّسُولِ﴾(٤) .
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّل، قال: ثنا أسباطُ ، عن
- ٠
(١) ذكره البغوى فى تفسيره ٣٢٥/٣.
(٢) فى م، ت٢ : ((سأله)).
(٣ - ٣) فى م: ((هى أم)) .
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٢٦/١٢، والنحاس فى ناسخه ص ٤٥٢، ٤٥٣، وابن الجوزى فى ناسخه
ص٣٤٣ من طريق وكيع عن إسرائيل عن جابر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦١/٣ إلى أبى الشيخ .
٢٢
سورة الأنفال : الآية ١
١٧٦/٩ السدىِّ: ﴿ يَسْئَلُونَكَ / عَنِ الْأَنْفَالِ﴾. قال: أصاب سعدُ بنُ أبى وقاصٍ يومَ بدٍ
سيفًا، فاختصَم فيه وناسٌ معه، فسألوا النبيَّ مَ لَه، فَأخَذه النبىُّ عَِّ منهم،
فقال اللَّهُ: ﴿ يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية، فكانت الغنائمُ
يومئذٍ للنبيِّ عَلِ خاصةً، فنسَخها اللَّهُ بالخُمسِ(١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال :
أخبرنى سليمٌ مولى أمّ محمدٍ (١)، عن مجاهدٍ فى قولِهِ: ﴿ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ﴾
قال: نسَخْها: ﴿ وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّنْ شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُسَهُ﴾(١).
حدَّٹنا أحمدُ بنُإسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا شریكٌ ، عن جابرٍ ، عن
مجاهدٍ وعكرمةً، أو عكرمةَ وعامرٍ، قالا: نسخت الأنفالَ: ﴿ وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم
مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ مُسَهُ﴾ .
وقال آخرون: هى محكمةٌ وليست منسوخةً، وإنما معنى ذلك: ﴿قُلِ(٤)
اُلْأَنْفَالُ لِلَّهِ﴾ وهى لا شكَّ للَّهِ مع الدنيا بما فيها والآخرةِ، وللرسولِ يضعُها فى
مواضعِها التى أمَره اللَّهُ بوضعِها فيه .
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٥٤٩/٣ عن السدى .
(٢) كذا فى النسخ، وفى الناسخ والمنسوخ للنحاس ومصادر ترجمته: ((مولى أم على)). ينظر الجرح والتعديل
٢١٣/٤، وتهذيب الكمال ٣٤٧/١١، وتهذيب التهذيب ١٦٧/٤.
وقد وقع فى الأموال لأبى عبيد: ((سليم)) غير منسوب، وفى ناسخه: (( ليث بن أبى سليم))، وفى الأموال
لابن زنجويه من طريق أبى عبيد: ((سليمان)).
(٣) أخرجه أبو عبيد فى ناسخه ص ٣١٠، ٣١١، وفى الأموال (٧٦٤)، وابن زنجويه فى الأموال
(١١٣٤)، والنحاس فى ناسخه ص ٤٥٢ من طريق حجاج به .
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((قال)).
٢٣
سورة الأنفال : الآية ١
يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾، فقرَأ حتَّى بَلَغ: ﴿إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ﴾: فسَلِّمُوا اللَّهِ
ولرسولِه يحكُمان فيها بما شاءًا (١)، ويضعانِها حيثُ أرادًا، فقالوا: نعم. ثم جاء
بعدَ الأربعين: ﴿ وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ, وَلِلَّسُولِ﴾
الآية [الأنفال: ٤١]، ولكم أربعةُ أخماسٍ. وقال النبىُّ عَلَّمِ يومَ خيبرٍ: (( وَهَذا الخُمُسُ
مَرْدُودٌ على فُقَرائِكُمْ )). يَصْنَعُ اللَّهُ ورسولُه فِى ذلكَ الخُمسِ ما أحَبًّا ، ويَضَعَانِهِ حَيْثُ
أَحَبًّا. ثم أخبرنا(٢) اللَّهُ ( بالذى يحِبُّ" من ذلك، ثم قرأ الآيةَ: ﴿وَلِذِى الْقُرْبَ
وَاَلْيَتَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ كَ لَا يَكُونَ دُولَةٌ بَيْنَ اُلْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧] .
[٨٨٥/١ظ] قال أبو جعفرٍ: والصوابُ من القولِ فى ذلك أن يقال: إن اللَّهَ جلَّ
ثناؤه أخبَر أنه جعَل الأنفالَ لنبيّه عَ لّهِ، يُنفِّلُ مَن شاء، فنفَّل القاتلَ السَّلَبَ، وجعَل
للجیشِ فی البدأةِ الُبعَ ، وفى الرجعةِ الثُلُثَ بعدَ الخُمُسِ ، ونقّل قومًا بعد سُهمانھم
(٥)
بعيرًا بعيرًا فى ١١ بعضِ المغازِى، فجعَل اللَّهُ تعالى ذكرُه حكْمَ الأنفالِ إلى نبيِّه عَلَّه ،
يُنفِّلُ على ما يرَى مما فيه صلاحُ المسلمين، وعلى مَن بعده من الأئمةِ أنْ يستنُوا بسُنَّتِه
فى ذلك . وليس فى الآيةِ دليلٌ على أن حُكمَها منسوخٌ؛ لاحتمالِها ما ذكرتُ من
المعنى الذى وصَفتُ. وغيرُ جائزٍ أن يُحكَمَ بحكم قد نزَل به القرآنُ أنه منسوخٌ إلا
بحجةٍ يجِبُ التسليمُ لها ، فقد دَلَّلْنا فى غيرِ موضعٍ من كُتُبِنا(٢) على أن لا منسوخَ إلَّ
ما أبطَل حكمَه حادثُ حكم بخلافِه، ينفيه من كلٌّ معانيه، أو يأتى خبرٌ يوجِبُ
(١) فى م: ((شاء)).
(٢) فى ت ١، س: ((اختبرنا)).
(٣ - ٣) فى م: ((الذى يجب)).
(٤) ذكره البغوى فى تفسيره ٣٢٥/٣ مختصرا .
(٥) فى ت ١، س، ف: ((سهامهم)).
(٦) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((وفى)).
(٧) فى ت ١، س، ف: (( كتابنا)).
٢٤
سورة الأنفال : الآية ١
الحجةً أن أحدَهما ناسخٌ الآخرَ.
وقد ذُكِر عن سعيدِ بنِ المسيبِ أنه كان ينكِرُ أن يكونَ التَّفيلُ لأحدٍ بعدَ
رسولِ اللَّهِ مَِّّهِ؛ تأويلاً منه لقولٍ) اللَّهِ تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾.
/حدَّثنا ابنُ و کیع، قال : ثنا عبدَةُ بنُ سلیمانَ، عن محمد بن عمرو ، قال :
أرسَل سعيدُ بنُ المسيبِ غلامَه إلى قومٍ سألوه عن شىءٍ ، فقال: إنكمْ أرسَلتم إلىَّ
تسألونى عن الأنفالٍ، فلا نَفَلَ بعدَ رسولِ اللَّهِ عَهٍ(٢).
١٧٧/٩
وقد بيّنا أن للأئمةِ(٢) أن يتأسَّوْا برسولِ اللهِ عَّهِ فى مغازِيهم بفعلِه، فيُنَفِّلوا على
نحوِ ما كان يُنَفِّلُ، إذا كان التَّنفيلُ صلاحًا للمسلمين .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمٌّ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ
١
وَرَسُولَهُ: إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ
يقولُ تعالى ذكره : فخافوا اللَّهَ أيها القومُ ، واتقوه بطاعتِه واجتنابٍ معاصِيه ،
وأصلحوا الحالَ بينكم .
واختلف أهلُ التأويلِ فى الذى عنى ) بقولِه: ﴿ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ
؛
فقال بعضُهم: هو أمرٌ من اللَّهِ الذين غنموا الغنيمةَ يومَ بدرٍ، وشهِدُوا الوقْعةً مع
رسولِ اللَّهِ مَ لَّهِ إِذ اختلفوا فى الغنيمةِ، أن يَرُدَّ(٥) ما أصابوا منها بعضُهم على بعضٍ.
(١ - ١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((بأولى من قول)).
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٥٧/١٤ عن عبدة بن سليمان به نحوه، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦١/٣
إلى أبى الشيخ .
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((الأئمة)).
(٤) بعده فى ت ٢، ف: (( به)).
(٥) فى م: ((یردوا)).
٢٥
سورة الأنفال : الآية ١
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ فَأَتَّقُواْ اللَّهَ
وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾. قال: كان نبىُ اللَّهِ يُنفِّلُ الرجلَ من المؤمنين سَلَبَ
الرجلِ من الكفارِ إذا قتَله، ثم أَنزَل اللَّهُ: ﴿فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ
أمرهم أن يردَّ بعضُهم على بعضٍ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، قال :
بلغنى أن النبىَّ عَِّ، كان ينفِّلُ الرجلَ على قَدْرِ جِدِّه وغَنَائِه على ما رأى، حتى إذا
كان يومُ بدرٍ وملأ الناسُ أيديهم غنائمَ ، قال أهلُ الضعفِ من الناسِ: ذهَب أهلُ
القوّةِ بالغنائم. فذكرُوا ذلك للنبىِّ ◌َّه، فنزَلتْ: ﴿قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَأَتَّقُواْ
اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾: ليردَّ أهلُ القوّةِ على أهلِ الضعفِ . -
وقال آخرون : هذا تحريجٌ من اللَّهِ على القومِ، ونهْىٌ لهم عن الاختلافِ فيما
اختلَفُوا فيه من أمرِ الغنيمةِ وغيرِه .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمارةَ ، قال: ثنا خالدُ بنُ يزيدَ ، وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ ،
قال : ثنا أبو أحمدَ ، قالا : ثنا أبو إسرائيلَ، عن فضيلٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ :
﴿ فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾. قال: حرَّج عليهم .
حدَّثنى الحارثُ ، قال : ثنا القاسمُ، قال: ثنا عبادُ بنُ العوّامِ، عن سفيانَ بنِ
حسين، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾
(١) ذكر آخره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٥٤/٥.
٢٦
سورة الأنفال : الآية ١
قال : هذا تحريج من اللَّهِ على المؤمنين، أن يتقُوا ويصلِحوا ذاتَ بينهم. قال عبادٌ ():
قال سفيانُ : هذا حينَ اختلفوا فى الغنائم يوم بدرٍ .
/ حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشّدىِّ: ﴿ فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾: أْ(٣) لا تَسْتَبُوا (4).
١٧٨/٩
واختلف أهلُ العربيةِ فى وجهِ تأنيثٍ (البينِ) ؛ فقالَ بعضُ نحويِّى البصرةِ :
أضافَ ((ذاتَ)) إلى ((البينِ)) وجعَله ((ذاتَ(٥))؛ لأن بعضَ الأشياءِ يُوضَعُ عليه اسمٌ
مؤنثٌ وبعضًا يُذَكَّرُ، نحوُ ((الدّارِ)) و((الحائطِ))، أَنَّثَ ((الدارُ)) وذُكِّر ((الحائطُ )).
وقال بعضُهم: إنما أراد بقوله: ﴿ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾. الحالَ التى للبين،
فقال(١): وكذلك ((ذاتُ العِشاءِ))، يريدُ الساعةَ التى فيها العِشاءُ. قال: ولم يضَعُوا
مذكرًا لمؤنثٍ ولا مؤنثًا لمذكِّرٍ إلا لمعنّى.
قال أبو جعفرٍ : وهذا القولُ أولى القولين بالصوابِ ، للعلَّةِ التى ذكرتُها له.
وأما قولُه: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾. فإن معناه: وانْتهوا أيُّها القومُ الطالبون
الأنفالَ(٧) إلى أمرِ اللَّهِ وأمرٍ رسولِه فيما أفاء اللَّهُ عليكم، فقد بيَّن لكم وجوهَه(٨)
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((عبادة)).
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ١٣/ ٣٧١، والبخارى فى الأدب المفرد (٣٩٢)، وابن أبى حاتم فى تفسيره
١٦٥٣/٥، والبيهقى فى شعب الإيمان (١١٠٨٤) من طريق عباد عن سفيان عن الحكم عن مجاهد عن ابن
عباس، بزيادة الحكم فى إسناده، وأخرجه ابن أبى الدنيا فى مداراة الناس (١٥٠) من طريق عباد عن سفيان
عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦١/٣ إلى ابن مردويه .
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((و)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٥٤/٥ من طريق أحمد بن مفضل به .
(٥) فى م: ((ذاتا)).
(٦) سقط من : ت ٢.
(٧) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((الأفعال)).
(٨) فى ت ٢: ((وجهه)) .
٢٧
سورة الأنفال : الآيتان ٢،١
وسُبْلَه، ﴿إِن كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: إن كنتم مصدّقين رسولَ اللهِ فيما آتاكُم به
من عندِ ربّكم .
كما حدَّثنی يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿ فَأَتَّقُواْ
اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: إِن كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: فسلِّمُوا اللَّهِ
ولرسوله يحكّمانِ فيها بما شاءا، ويضعانِها حيث أرادا(١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا
تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَّلُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه : ليس المؤمنُ بالذى يخالِفُ اللَّهَ ورسولَه، ويتركُ اتِّبَاعَ ما
أَنزَّله إليه فى كتابِه من حدودِهِ وفرائضِه والانقيادِ لحكمِه، ولكنَّ المؤمنَ هو الذى إذا
ذُكِر اللَّهُ وَجِلَ قْبُه، وانقاد لأمرِهِ، وخضَع لذكرِهِ، خوفًا منه وفَرَقًا من عقابِه ، وإذا
قُرِئُ(١) عليه آياتُ كتابِه(٢) صدَّق بها، وأيقَن أنها من عندِ اللَّهِ، فازداد [٥٨٨٦/١]
بتصدِيقِه بذلك إلى تصديقه بما كان قد بلَغه منه قبلَ ذلك تصديقًا ، وذلك هو زيادةٌ
ما تُلىَ عليهم (٤) من آياتِ اللَّهِ إِيَّاهُم إيمانًا، ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَلُونَ﴾. يقولُ: وباللَّهِ
يوقنون فى أنّ قضاءَه فيهم ماضٍ فلا يرجون غيرَه، ولا يرهبونَ سواه .
وبنحوِ ما قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٥٥/٥ من طريق أصبغ عن ابن زيد به .
(٢) فی م: (قرئت)) .
(٣) فی ت ٢: ((ربه)) .
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((عليه)).
٢٨
سورة الأنفال : الآية ٢
قولَه: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. قال: المنافقون لا
يدخُلُ قلوبَهم شىءٌ من ذكرِ اللَّهِ عندَ أداءِ فرائضِه ، ولا يؤمنون بشىءٍ من آياتِ اللهِ ،
١٧٩/٩ ولا يتوكَّلون على اللَّهِ، ولا يصلُّون إذا غابوا، ولا / يؤدّون زكاةَ أموالهم، فأخبَرِ اللَّهُ
سبحانه أنهم ليسوا بمؤمنين، ثم وصَف المؤمنين فقال: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا
ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: فَأَدَّوْا فرائضَه، ﴿ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ
إِيمَانًا﴾. يقولُ: تصديقًا، ﴿ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَّلُونَ﴾. يقولُ: لا يرجونَ غيرَهُ(١).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ابنِ مجريجٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ كثيرٍ، عن
مجاهدٍ : ﴿ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. قال: فَرِقَتْ .
قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن السُّدئِّ: ﴿ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحِلَتْ
قُلُوبُهُمْ﴾. قال: إذا ذكَر اللَّهَ عندَ الشىءٍ وجِلَ قلبُهُ(٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، (٣ عن
الشُدى٢ِّ): ﴿ إِنَّمَا أَلْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. يقولُ: إذا ذكَر
اللَّهَ وجِلَ قلبُه .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبى
تَجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. قال: فَرِقَت(٤) . .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى تَجِيحٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: فَرِقتْ .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٥٥/٥، ١٦٥٦ من طريق أبى صالح به مفرقا .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٥٥/٥، والخلال فى السنة (١٦٧٥) من طريق وكيع به .
(٣ - ٣) سقط من: ص، ت ١، س.
(٤) تفسیر مجاهد ص ٣٥١.
٢٩
سورة الأنفال : الآية ٢
قال : ثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن سفيانَ ، قال: سمعتُ الشّدئَّ
يقولُ فى قولِهِ: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. قال: هو
الرجلُ يريدُ أن يَظْلِمَ - أو قال: يَهُمُّ بمعصيةِ اللّهِ(١) - أحسَبُه قال: فينْزِعُ عنه (١).
حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال : ثنا سفيان الثورىُّ، عن عبدِ اللهِ بنِ
عثمانَ بنِ خُثيمٍ، عن شهرِ بنِ حَوشَبٍ، عن أبى الدرداءِ فى قوله: ﴿ إِنَّمَا
اُلْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. قال: الوجَلُ فى القلبِ كإحراقٍ(١)
الشَّعَفةِ (٤) ، أما تجدُ له قُشَغْرِيرَةً؟ قال: بلى. قال: إذا وجدْتَ ذلك فى القلبِ
فادُ اللَّهَ؛ فإن الدعاءَ يذهَبُ بذلك(٥) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ
الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. قال: فَرَقًا من اللَّهِ تبارك وتعالى، ووَجَلًا من
اللَّهِ ، وخوفًا من اللَّهِ تبارك وتعالى(١).
وأما قولُه: ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ . فقد ذكَرتُ قولَ ابنِ عباسٍ فيه .
وقال غيرُه فيه ما حدَّثنى المثنى، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى
جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع: ﴿ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ . قال:
(١) سقط من : م.
(٢) تفسير الثورى ص ١١٥، وعنه ابن المبارك فى الزهد (١٣٩ - زوائد نعيم) وطمس أول إسناده، ومن
طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٥٥، وأخرجه البيهقى فى الشعب (٧٣٧) من طريق سفيان به ، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ١٦٢/٣ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.
(٣) فى ت ١، س، ف: ((كاختراق)).
(٤) السعفة : واحدة السعف ، وهى أغصان النخلة ، وقيل: السعفة النخلة نفسها . ينظر اللسان (س ع ف).
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٢/٣ إلى المصنف والحكيم الترمذى وأبى الشيخ.
(٦) ذكر أوله ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٥٥/٥ معلقا.
٣٠
سورة الأنفال : الآيتان ٢، ٣
=(١)
خشيةً (١) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ
ءَتُهُ, زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَّلُونَ﴾. قال: هذا نعتُ أهلِ الإِيمانِ(١) ، فأثْبَت
نعتَهم، ووصَفهم فأثْبَت صِفَتَهم (١) .
/القولُ فى تأويل قوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنْفِقُونَ
١٨٠/٩
أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً ﴾ .
يقولُ تعالى ذكره : الذين يؤدُّون الصلاةَ المفروضةَ بحدودِها ، وينفقون مما
رزَقهم اللَّهُ من الأموالِ فيما أمَرهم اللَّهُ أن ينفِقوها فيه، من زكاةٍ وجهادٍ وحجّ وعمرَةٍ
ونفقةٍ على مَن تجِبُ عليهم(٤) نفقتُه، فيؤدُّون حقوقَهم، ﴿أُوْلَكَ﴾. يقولُ:
هؤلاء الذين يفعلون هذه الأفعالَ ﴿هُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ، لا الذين يقولون بألسنتِهم: قد
آمنا . وقلوبُهم منْطَوِيةٌ على خلافِه نِفاقًا، لا يقيمون صلاةً، ولا يؤدُّون زكاةً .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المُثنى ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىٍّ،
عن ابنِ عباسٍ: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ﴾. يقولُ: الصلواتِ الخمسَ،
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٥٦/٥ من طريق عبد الله بن أبى جعفر به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٦٢/٣ إلى أبى الشيخ .
(٢) بعده عند ابن أبى حاتم: ((نعتهم) .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٥٦/٥ من طريق يزيد به .
(٤) فى ص، س، ف: ((عليه)) .
٣١
سورة الأنفال : الآيتان ٣، ٤
﴿ وَمِعَا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ﴾. يقولُ: زكاةَ أموالِهِم، ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ﴾ .
يقولُ: برِئوا من الكفرِ. ثم وصَف اللَّهُ النفاقَ وأهلَه فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ
بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اَللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ إلى قولِه: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ
اُلْكَفِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥٠، ١٥١]. فجعَل اللَّهُ المؤمنَ مؤمنًا حقًّا، وجعَل الكافرَ
كافرًا حقًّا، وهو قولُه: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ فَنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُ مُؤْمِنٌ ﴾(١
[ التغابن: ٢] .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ
حَقّاً﴾. قال: استحقُّوا الإِيمانَ بحقٍّ، فأحقَّه اللَّهُ لهم (٢).
القولُ فى تأويل قوله: ﴿لَّمْدَرَجَتُّ عِندَرَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌّ كَرِيمٌ
يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿لَّمْ دَرَجَتُ﴾: لهؤلاء المؤمنين الذين وصَف جلّ
ثناؤُه صفتَهم درجاتٌ ، وهى مراتبُ رفيعةٌ .
ثم اختلف أهلُ التأويلِ فى هذه الدرجاتِ التى ذكَر اللَّهُ أنها لهم عنده ما هى ؟
فقال بعضُهم: هى أعمالٌ رفيعةٌ، وفضائلُ قدَّموها فى أيامٍ حياتِهم .
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنى أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إِسرائيلُ، عن أبى
يحيى القناتِ، عن مجاهدٍ: ﴿لَّمْ دَرَجَتُ عِندَ رَبِّهِمْ﴾. قال: أعمالٌ رفيعةٌ (٣).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٥٦، ١٦٥٧ من طريق أبى صالح به مفرقًا، إلى قوله: أولئك هم الكافرون حقا .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٥٨/٥ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٢/٣ إلى
أبى الشيخ .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٥٨/٥ من طريق إسرائيل به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٣/٣
إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ .
٣٢
سورة الأنفال : الآيات ٤ - ٦
وقال آخرون : بل ذلك مراتبُ فى الجنةِ .
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنا أحمدُ بنُ إِسحاقَ ، قال : ثنا أبو أحمدَ ، قال: ثنا سفيانُ ، عن هشام،
عن جبلةَ بنِ عطيةً)، عن / ابنِ محيريزٍ: ﴿لَّمْ دَرَجَتُّ عِندَ رَبِّهِمْ﴾. قال:
الدرجاتُ سبعون درجةً، كلَّ درجةٍ محُضْرُ(٢) الفرسِ الجوادِ المضمَّرِ سبعين سنةً(١).
١٨١/٩
وقولُه: ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾. يقولُ: وعفوٌ عن ذنوبِهم، وتغطيةٌ عليها، ﴿ وَرِزْقٌ
كَرِيمٌ﴾ . قيل: الجنةُ. وهو عندى ما أعدَّ اللَّهُ فى الجنةِ لهم من مزيدِ المآكلِ
والمشارب، وهنىء العيشِ .
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا إسحاقُ، عن هشام، عن عمرٍو، عن سعيدٍ ، عن
قتادةَ: ﴿ وَمَغْفِرَةٌ﴾. قال: لذنوبِهم، ﴿ وَرِزْقُ كَرِيمٌ﴾. قال: الجنةُ(٤).
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ كَمَّا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ
يُجَدِلُونَكَ فِى الْحَقِّ بَعْدَمَا نَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ
۵
اُلْمُؤْمِنِينَ لَكَرِهُونَ
٦
وَهُمْ يَنْظُرُونَ
اختلف أهلُ التأويل فى الجالبِ لهذه الكافِ التى فى قوله: ﴿ كَمَا
أَخْرَجَكَ﴾. وما الذى شُبِّه بإخراجِ اللَّهِ نبيَّه ◌ِّهِ من بيتِه بالحقِّ ؛ فقال بعضُهم: شُبِّه
به فى الصلاحِ للمؤمنين، اتقاؤهم ربَّهم، وإصلاحهم ذاتَ بينِهم، وطاعتُهم اللَّهَ
ورسوله . وقالوا: معنى ذلك: يقولُ اللَّهُ : وأَصْلِحوا ذاتَ بینِكم، فإن ذلكَ خيرٌ
(١ - ١) فى النسخ: ((هشام بن جبلة عن عطية)) والمثبت من مصدر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٤/ ٥٠٠.
(٢) الحُضْر: بالضم : العَدْوُ. النهاية ٣٩٨/١ .
(٣) أخرجه ابن أبى الدنيا فى صفة الجنة (١٩٣) من طريق هشام بن حسان به .
(٤) أخرجه الطبرانى ١٦٢/٢٣ (٢٥٩) من طريق سعيد به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦/٥ إلى عبد
ابن حميد .
٣٣
سورة الأنفال : الآية ٥
لكم، كما إخراج (١) اللَّهِ محمدًا بِّهِ من بيته بالحقِّ(١) كان خيرًا له .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُّ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةً:
﴿ فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: إِن كُنْتُم ◌ُؤْمِنِينَ﴾ ...
كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقٍ﴾ الآية: أى إن هذا خيرٌ لكم، كما كان
إخراجُك من بيتِك بالحقِّ) خيرًا لك(4).
وقال آخرون : معنى ذلك: كما أُخرَجك ربُّك يا محمدُ من بيتِك بالحقِّ على
گُوهٍ من فريقٍ من المؤمنين ، كذلك هم يَكْرَهون القتالَ ، فهم ◌ُجادِلونَك فيه بعدَ ما
تبینَّ لهم .
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصمٍ ، قال : ثنا عيسى، عن ابنٍ أبى
نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَمَّا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِ﴾. قال: كذلك
يُجادِلونك فى الحقِّ .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ : ﴿ كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِ﴾: كذلك يُجادِلونك فى الحقِّ؛
القتالِ .
(١) فى م، ف: ((أخرج)).
(٢) فى ص، ف: ((الحق)).
(٣ - ٣) سقط من : ف.
(٤) عزاه ابن كثير فى تفسيره ٥٥٤/٣ إلى المصنف عن عكرمة .
( تفسير الطبرى ٣/١١ )
٣٤
سورة الأنفال : الآية ٥
قال : ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن ورقاءَ، عن ابنٍ أبى
تَجيحِ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقٍ﴾ . قال : كذلك
أخرجك ريّك(١).
حدَّثنا محمدُ بنُّ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُّدىِّ، قال: أَنزَلَ اللَّهُ فى خروجِه - يعنى خروج النبيِّ ◌َّهِ إِلى بدرٍ - ومجادلتهم
١٨٢/٩ إيَّه، فقال: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ
لَكَرِهُونَ﴾ لطلَبِ المشركين، ﴿يُجَدِلُونَكَ فِ الْحَقِّ بَعْدَمَا نَبَيَّنَ﴾(١).
و(٣) اختلَف أهلُ العربيةِ فى ذلك؛ فقال بعضُ نحوِّى الكوفيين: ذلك أمرٌ
من اللَّهِ لرسولِه ◌َّهِ أن يمضىَ لأمرِه فى الغنائم، على كُرْهٍ من أصحابِهِ، كما مضَى
لأمرِه فى خروجِه من بيتِهِ لطلبِ العِيرِ وهم كارهون .
وقال آخرون منهم : معنى ذلك: يسألونك عن الأنفالِ مُجَادلةً كما جادَلوك
يومَ بدرٍ ، فقالوا: أخرَجْتَنا للْعِيرِ(٥) ، ولم تُعلِمْنا قتالًا فنستعِدَّ له.
وقال بعضُ نحوِّى البصرةِ: يجوزُ أن يكونَ هذا الكافُ فى ﴿كَمَآ
أَخْرَجَكَ﴾ على قولِه: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّاً﴾ ... ﴿ كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ
(١) تفسير مجاهد ص ٣٥١، ٣٥٢، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٥٩/٥ (٨٨٠٣)
مختصرا .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٥٩/٥ (٨٨٠٤) من طريق أحمد بن المفضل به، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ١٦٣/٣ إلى أبى الشيخ.
(٣) سقط من : م.
(٤) فى ص، ف: ((الغير)).
(٥) فى ص، ف: ((للغير)).
٣٥
سورة الأنفال : الآية ٥
بَيْتِكَ بِالْحَقٍ﴾. وقال(١): الكافُ بمعنى علَى.
وقال آخرُ منهم: هى بمعنى القسم. قال : ومعنى الكلام : والذى أخرجَك
ربُّك .
قال أبو جعفرٍ : وأوْلَى هذه الأقوالِ عندى بالصوابِ قولُ مَن قال فى ذلك بقولِ
مجاهدٍ، وقال: معناه: كما أخرَجك ربُّك بالحقِّ، على كُرْهٍ من فريقٍ من (١)
المؤمنين، كذلك يُجادِلونك فى الحقِّ بعدَما تبيَّنَ؛ لأن كلا الأمرين قد كان ، أعنى
خروجَ بعضٍ مَن خرَج من المدينةِ كارهًا ، وجدالَهم فى لقاءِ العدوِّ عندَ دنوِّ القومِ
بعضِهم من بعضٍ، فتشبيهُ بعضِ ذلك ببعضٍ مع قربٍ أحدِهما من الآخرِ ، أَوْلَى من
تشبيهِه بما بعُد عنه .
وقال مجاهدٌ فى الحقِّ الذى ذُكر (*) أنهم يجادِلون فيه النبيَّ عَ المِ بعدَ ما تبيَّنوه :
هو القتالُ.
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿ يُجَدِلُونَكَ فِ الْحَقِّ﴾. قال: القتالُ.
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال : ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نَجيح، عن
مجاهدٍ مثلَه .
حدَّثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبى نَجيح ، عن مجاهدٍ
(١) فى م: ((قيل)).
(٢) فى م، ت ١، س، ف: ((آخرون)).
(٣) سقط من : ص، ف.
(٤) فى ص، ف: ((ذكره)).
٣٦
سورة الأنفال : الآية ٥
مثلَه(١).
وأما قولُه: ﴿مِنْ بَيْتِكَ﴾. فإن بعضَهم قال: معناه: من المدينةِ .
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبى بزَّةَ: ﴿كَمَا
أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ﴾ : المدينةِ إلى بدرٍ .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُرَيجٍ، قال :
أخبرنى محمدُ بنُ عبّادِ بنِ جعفرٍ فى قوله: ﴿ كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِاَلْحَقِ﴾.
قال: من المدينة إلى بدرٍ .
وأما قولُه: ﴿وَإِنَّ فَرِبقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَرِهُونَ ﴾ ، فإن كراهتهم كانت كما
حدَّثنا ابنُ محُميدٍ، قال: ثنا سلّمَةُ، عن ابنٍ إسحاقَ، قال : ثنى محمدُ بنُّ مسلمٍ
الزُّهرىُّ وعاصمُ بنُ عمرَ بنِ قتادةَ وعبدُ اللَّهِ بنُ أبى بكرٍ ويزيدُ بنُ رومانَ، عن عروةَ بنِ
الزبيرِ - وغيرهم من علمائنا - عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ، قالوا: لما سمِع رسولُ اللَّهِ عَّاته
بأبى سفيانَ مقبلًا من الشام، ندَب إليهم المسلمين، وقال: «هذه عِيرُ /قريش فيها
أموالُهم، فاخرجوا إليها لعلَّ اللَّهَ أن يُنقِّلَكُموها)). فانتدَب الناسَ، فخفَّ بعضُهم،
وثقُل بعضُهم(٢)، وذلك أنهم لم يظُنُوا أن رسولَ اللَّهِ وَاخِ يَلقَى حربًا(٣).
١٨٣/٩
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
(١) تفسير مجاهد ص ٣٥٢، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٥٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٦٣/٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ .
(٢) سقط من : ص، ت ١، ت ٢، س، ف.
(٣) سيرة ابن هشام ١/ ٦٠٦، وأخرجه المصنف فى تاريخه ٤٢٧/٢ بهذا الإسناد ، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٦٨/٣ إلى ابن المنذر.
٣٧
سورة الأنفال : الآيتان ٦،٥
الشّدئِّ: ﴿ وَإِنَّ فَرِبِقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَرِهُونَ﴾ لطلبِ المشركين(١).
ثم اختلف أهلُ التأويلِ فى الذين ◌ُنوا بقولِه: ﴿ يُجَدِلُونَكَ فِ اُلْحَقِّ بَعْدَمَا
نَبَيَّنَ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك أهلُ الإيمانِ من أصحابِ رسولِ اللَّهِ مَ ◌ّلِ الذين
كانوا معه حينَ توجّه إلى بدرٍ للقاءِ المشركين.
ذِکژُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أیی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما شاوَر النبىُّ مَّهِ فى لقاءِ القومِ، وقال له سعدُ بنُ عبادةَ
ما قال، وذلك يومَ بدرٍ؛ أمَر الناسَ، فتعبَّوْا(١) للقتال، وأمرّهم بالشوكةِ، وكَرِهِ ذلكَ
أهلُ الإِيمانِ، فأنزّل اللَّهُ: ﴿ كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِأَلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِبقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ
يُجَدِلُونَكَ فِى الْحَقِّ بَعْدَمَا نَبَيَّنَ كَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ
لکرِمُونَ
يَنْظُرُونَ﴾(٣).
حدَّثنی ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلَمةُ ، عن ابن إسحاقَ ، قال: ثم ذكر القومَ،
يعنى أصحاب رسولِ اللَّهِ مَه، ومسيرّهم مع رسولِ اللَّهِ عَلَه، حينَ عَرَف القومُ أن
قريشًا قد سارت إليهم، وأنهم إنما خرجوا يريدون العِيرَ ؛ طمَعًا فى الغنيمةِ ، فقال :
كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبِّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ إلى قولِه: ﴿لَكَِهُونَ﴾. أى كراهيةٌ للقاءِ
القومِ ، وإنكارًا لمسيرٍ قريشٍ حينَ ذُكرُوا لهم(٤).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٥٩/٥ من طريق أحمد بن مفضل به .
(٢) يقال: عبأت الجيش عبثًا وعبيتهم تعبية؛ أى رتبتهم فى مواضعهم وهيأتهم للحرب. ينظر التاج (ع ب أ).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٣/٣ إلى المصنف.
(٤) سيرة ابن هشام ٦٦٧/١ وهو جزء من الأثر الذى سبق تخريجه فى الصفحة السابقة .
٣٨
سورة الأنفال : الآية ٦
وقال آخرون : عُنى بذلك المشركون .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونس، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
يُجَدِلُونَكَ فِى الْحَقِّ بَعْدَمَا نَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾. قال:
هؤلاء المشركون جادَلوك(١) فى الحقِّ كأنما يُساقون إلى الموتِ حينَ يُدعَوْن إلى الإسلامِ،
وهم ينظُرون. قال: وليس هذا من صفةِ الآخرين، هذه صفةٌ مبتدأةٌ لأهل الكفرِ(١).
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا إسحاقُ، قال: ثنا يعقوبُ بنُ محمدٍ ، قال: ثنى
عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ ، عن ابنِ أخى الزُّهرىِّ، عن عمّه، قال: كان رجلٌ من
أصحابٍ رسولِ اللهِ مَّه يفسّرُ: ﴿كَأَنَّمَا يُسَافُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾:
خروجَ رسولِ اللَّهِ عَ لَه إلى العيرِ.
قال أبو جعفرٍ : والصوابُ من القولِ فى ذلك ما قاله ابنُ عباسٍ وابنُ إسحاقَ ،
من أن ذلك خبرٌ من اللَّهِ عن فريقٍ من المؤمنين أنهم كرِهُوا لقاءَ العدوِّ، وكان جدالُهم
نبىَّ اللَّهِ وَلِ أَن قالوا: لم يُعلِمْنا أَنّا نَلْقَى العدوَّ فنستعدَّ لقتالِهم، وإنما خرَجنا للعيرِ.
ومما يدلُّ على صُحِّه(٤) قوله: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى/ الطَّيِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ
وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةٍ تَكُونُ لَكُمْ﴾، ففى ذلك الدليلُ الواضحُ لمن
فهِم عن اللَّهِ أن القومَ قد كانوا للشّوْكَةِ كارِهين، وأن جدالَهم كان فى القتالِ ، كما
١٨٤/٩
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((جادلوه)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٦٠/٥ من طريق أصبغ عن ابن زيد به .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٤/٣ إلى المصنف.
(٤) فى م، ت١، ت٢،، ف: ((صحة)). والصح بالضم، والصحة بالكسر، والصحاح بالفتح، الثلاثة
بمعنى. التاج (ص ح ح).
٣٩
سورة الأنفال : الآية ٦
قال مجاهدٌ؛ كراهةٌ (١ منهم له، وأن لا معنى لما قال ابنُ زيدٍ؛ لأن الذى قَبْلَ(٢)
قوله: ﴿يُجَدِلُونَكَ فِ الْحَقِّ﴾ خبرٌ عن أهلِ الإِيمانِ ، والذى يتلوه خبرٌ عنهم ، فأن
یکون خبرًا عنهم(٢) أولی منه بأن یکون خبرًا عمن لم یجْرِ له ذکرٌ.
وأما قولُه: ﴿بَعْدَمَا نَبَيَّنَ ﴾ فإن أهلَ التأويلِ اختلفوا فى تأويلِه.
فقال بعضُهم: معناه : بعدَ ما تبيَّنَ لهم أنك لا تفعَلُ إلا ما أمرَك اللَّهُ .
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشّدىِّ: ﴿ بَعْدَمَا نَبَيَّنَ ﴾ أنكَ لا تصنَعُ إلا ما أمرَك اللَّهُ به(٤).
وقال آخرون : معناه يجادلونَك فى القتالِ بعدَ ما أُمِرتَ به .
ذِكرُ من قال ذلك
روى الكلبىُ، عن أبى صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ(٥).
وأما قولُه: ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾. فإن(١) معناه: كأنّ
هؤلاءِ الذين يجادلونَك فى لقاءِ العدوِّ من كراهتِهم للقائِهم إذا دُعوا إلى لقائِهم
للقتالِ - يُساقُونَ إلى الموتِ .
(١) فى م: ((كراهية)).
(٢) فى ص، ف: ((قيل)).
(٣) فى م: (عم)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٥٩/٥ من طريق أحمد بن مفضل به .
(٥) كذا فى النسخ بدون ذكر متن هذا الإسناد، ولعله إسناد القول المتقدم .
(٦) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((وأن)).
٤٠
سورة الأنفال : الآيتان ٦، ٧
وبنحوِ ما قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذِكُر من قال ذلك
حدَّثنا ابنُ محُميدٍ ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: قال ابنُ إسحاقَ: ﴿كَأَنَّمَا يُسَافُونَ
إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾. أى كراهةٌ للقاءِ القوم، وإنكارً المسيرِ قريشٍ حينَ ذُكِرُوا
(١)
لهم(١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى اُلَّطَّبِفَنَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ
أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةٍ تَكُونُ لَكُمْ﴾ .
يقولُ تعالى ذكرُه: واذكرُوا أيها القومُ: ﴿إِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى
اُلْطَِّفَتَيْنِ﴾. يعنى: إحدى الفرقتين(١) ؛ فرقةِ أبى سفيانَ بنِ حربٍ والعِيرِ، وفرقةٍ
المشركين الذى نَفَروا من مكةً لمنعٍ عيرِهم .
وقولُه: ﴿أَنَّهَا لَكُمْ﴾. يقولُ: أنَّ ما معهم غنيمةٌ لكم، ﴿ وَتَوَدُّونَ أَنَّ
غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾. يقولُ: وتحثُونَ أن تكونَ تلك(٣) الطائفةُ التى
ليست لها شوكةٌ ، يقولُ: ليس لها حدٌّ، ولا فيها قتالٌ - أن تكونَ لكم. يقولُ:
تودُّون أن تكونَ لكم العِيرُ التى ليس فيها" قتالٌ لكم، دونَ جماعةٍ قريشِ الذين
جائمُوا لمنعٍ عِيرِهم(٥)، الذين فى لقائِهِم القتالُ والحربُ.
(١) سيرة ابن هشام ١/ ٦٦٧.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((الفريقين)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((ذلك)).
(٤ - ٤) سقط من : ف .
(٥) فى ف: ((غيرهم)).