Indexed OCR Text

Pages 621-640

٦٢١
سورة الأعراف : الآية ١٨٩
صَلِحًا﴾ الآية (١).
قال : ثنا جابرُ بنُ نوح، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ ، عن ابنِ عباسٍ ، قال:
أَشْفَقا أن يكونَ بهيمةٌ(٣) .
حدَّثنى القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاج ، عن ابن جريج) ، قال :
قال سعيدُ بنُّ جبيرٍ: لَّ هَبَطَ(٤) آدم وحواءُ، أَلْقِيت الشهوةُ فى نفسِه فأصابَها ، فليسَ إلَّا
أن أصابَها حَمَلَتْ ، فليس إلا أن حَمَلَتْ تحرّكَ فى بطنِها ولدُها، "قالتْ: ما هذا)؟
فجاءَها إِبليسُ، فقال (١): أَتَرَيْنَ فى الأرضِ إلا ناقةٌ أو بقرةً أو ضائنةٌ(٢) أو ماعزةً؟ هو(٨)
بعضُ ذلك. قالت : واللَّهِ ما منِّى شىءٌ إلا وهو يَضِيقُ عن ذلكَ . قال: فأُطِيعِينِى
وسَمِّيه عبدَ الحارثِ تَلِدِى شِبْهَكما مِثْلَكما. قال: فَذَكَرَتْ ذلك لآدمَ عليه السلامُ.
فقال: هو صاحِبُنا الذى قد "أُخْرَجَنا من الجنةِ). فماتَ، ثم حَمَلَتْ بآخرَ، فجاءها
فقال: أَطِيعِينى وسَمِّيه عبدَ الحارثِ - وكان اسمُه فى الملائكةِ الحارثَ - وإلَّ وَلَدتِ
ناقةً أو بقرةً أو ضائنةً أو ماعزةً ، أو قَتَلْتُه ، فإنى أنا قتلتُ الأوَّلَ. قال: فَذَكَرَتْ ذلك
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٣٣/٥ من طريق محمد بن عبيد به، كما أخرجه أيضا فى
نفس الصفحة من طريق آخر عن إسماعيل به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥٢/٣ إلى عبد بن
حميد وأبى الشيخ.
(٢ - ٢) سقط من: ت ١، س، ف.
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٥٢٨/٣.
(٤) فى ت ١: ((أهبط)).
(٥ - ٥) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((قال)). والمثبت موافق لما فى الدر المنثور.
(٦) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: (( ما هذا)).
(٧) فى ص غير منقوطة. وفى ت ١، س، ف، وابن أبى حاتم والدر المنثور: ((ضانية)). والضّائِن من الغَنَم:
ذو الصوف. ويُوصَف به فيقال: كبش ضائن، والأنثى ضائِنة . اللسان (ض أن).
(٨) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((أو)). وينظر الدر المنثور.
(٩ - ٩) مكانه فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف بياض. وفى الدر المنثور: ((علمت)).

٦٢٢
سورة الأعراف : الآية ١٨٩
لآدمَ ، فكأنه لم يَكْرَهْه، فسَمَّتْه عبدَ الحارثِ، فذلك قولُه: ﴿ لَبِنْ ءَاتَيْتَنَا صَلِحًا ﴾
يقولُ: شِبْهِنَا مِثْلَنَا. ﴿ فَلَمَّآ ءَاتَنُهُمَا صَالِحًا﴾. قال: شِبْهَهما مِثْلَهما (١).
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُّدِّىِّ: ﴿فَلَمَّ
أَنْقَلَت﴾، كَبِر الولدُ فى بطنِها، جاءَها إبليسُ، فخَوَّفَها وقال [٥٨٧٨/١] لها: ما
◌ُدرِیك ما فى بطنك؟ لعلّه کلت أو خنزير أو حمارٌ ، وما يُذْریك مِن أین يَخْرُجُ ؛ مِن
دُبْرِك فيَقْتُلَك، أو من قُبُلِك، أو يَنْشَقُّ بطنُك فِيَقْتُلَك؟ فذلك حِينَ ﴿ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا
لَبِنْ ءَاتَبْتَنَا صَلِحًا﴾. يقولُ: مِثْلَنا - ﴿الَّتَكُونَنَّ مِنَ الشََّكِنَ﴾(١).
قال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القول فى ذلك أن يقال: إن اللَّهَ أُخْبرَ عن آدمَ
وحواءَ، أنهما دَعَوَا اللَّهَ ربَّهما بحَمْلٍ حواءَ، وأقْسَما لئن أعطاهما ما(٤) فى بطنٍ
حواءَ صالحاً ، لِيَكُونَانِ للَّهِ مِن الشاكرين. والصَّلامحُ قد يَشْمَلُ معانِىَ كثيرةً؛ منها
الصلاح فى اسْتِواءِ الخَلْقِ، ومنها الصلامحُ فى الدِّينِ، والصلامح فى العقلِ والتدبيرِ .
وإذا كان ذلك كذلك، ولا خبرَ عن الرسولِ يُوجِبُ الحُجَّةَ بأنَّ ذلك على بعض (٥)
معانى الصلاحِ دونَ بعضٍ ، ولا فيه مِن العقلِ دليلٌ - وَجَب أن يُعَمَّ كما عَمَّه اللَّهُ ،
فيقالَ: إِنهما قالا: لئن آتَيْتَنا صالحاً. بجميعٍ (١) معانى الصلاحِ.
وأما معنى قوله: ﴿لَّكُونَنَّ مِنَ الشَّكِرِينَ﴾. فإنه: لَنكونَنَّ مَمَّن يَشْكُرُك على
ما وَهَبْتَ له مِن الولدِ صالحاً .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٣٢/٥، ١٦٣٣، من طريق سالم بن أبى حفصة ، عن سعيد بن
جبير، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥٢/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.
(٢) فى م: ((أمن)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٣٢، ١٦٣٣ من طريق عمرو به نحوه .
(٤) سقط من : م .
(٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف .
(٦) فى ت ١، س، ف: ((لجميع )).

٦٢٣
سورة الأعراف : الآية ١٩٠
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ فَلَمَآ ءَاتَنُهُمَا صَلِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَآ
١٩٠
ءَاتَنْهُمَاَ فَتَعَلَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه : فلمَّا رَزَقَهما اللَّهُ ولدًا صالحًا، كما سألًا ، جعَلا له شركاءَ
فيما آتاهما ورَزَقهما .
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى الشركاءِ التى جَعَلا(١) فيما أُوتِيا مِن المولودِ؛
فقال بعضُهم: جعَلا له شركاءَ فى الاسمِ .
١٤٦/٩
/ ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الصمدِ ، قال: ثنا عمرُ بنُ إبراهيم ، عن
قتادةَ، عن الحسنِ، عن سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ، عن النبىِّ عَ لَّهِ، قال: ((كانت حَوَّاءُ لا
يعيشُ لها ولدٌ، فتَذَرَتْ لئن عاش لها ولدٌ لَتُسمِّيَنَّه عبدَ الحارثِ ، فعاش لها ولدٌ،
فسَمَّتْه عبدَ الحارثِ ، وأَّما كان ذلك عن(١) وَحِي الشيطانِ))(٣) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا معتمرٌ، عن أبيه ، قال : ثنا أبو العلاءِ،
عن سَمُرةَ بنِ جندبٍ أنه حدَّث أن آدمَ عليه السلامُ سمَّى ابنه عبدَ الحارثِ (٤).
(١) فى م: ((جعلاها)).
(٢) فى م، وأكثر مصادر التخريج: ((من)).
(٣) أخرجه المصنف فى تاريخه ١٤٨/١ بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد ١١/٥ (الميمنية)، والترمذى
(٣٠٧٧)، والحاكم ٢/ ٥٤٥، من طريق عبد الصمد به نحوه. كما أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره
١٦٣١/٥، والطبرانى (٦٨٩٥)، وابن عدى فى الكامل ١٧٠٠/٥، وابن مردويه فى تفسيره - كما فى
تفسير ابن كثير ٥٢٩/٣ - من طريق عمر بن إبراهيم به نحوه، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥١/٣
إلى أبى الشيخ .
(٤) بعده فى النسخ: ((قال: ثنا المعتمر عن أبيه)).

٦٢٤
سورة الأعراف : الآية ١٩٠
قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن سليمانَ التَّيْمِىِّ، عن أبى العلاءِ بنِ الشِّخِّيرِ، عن سَمُرَةَ
ابنِ جُندُبٍ ، قال: سَمَّى آدمُ ابنَه عبدَ الحارثِ(١) .
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنٍ إِسحاقَ ، عن داودَ بنِ الحُصَينِ، عن
عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ ، قال: كانت حواءُ تَلِدُ لآدمَ، فتُعَبَّدُهم للَّهِ، وَتُسَمِّيه عبدَ
اللَّهِ ، وعُبَيدَ اللَّهِ، ونحوَ ذلك، فيُصِيُبهم الموتُ ، فأتاها إبليسُ وآدمَ ، فقال : إنكما لو
تُسَمِّيَانِه بغيرِ الذى تُسمِّيانه لَعاش. فوَلَدَتْ له رجلًا، فسمَّاه عبدَ الحارثِ ، ففيه أَنْزَل
اللَّهُ تبارك وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ﴾. إلى قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ.
شُرَّكَ فِيمَآ ءَاتَنُهُمَا﴾. إلى آخرِ الآيةِ(١).
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی أبى ، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه فى آدمَ: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ ﴾. إلى
قوله: ﴿ فَمَرَّتْ بِهِ،﴾: فشَكّتْ أَحَبِلَتْ أم لا، ﴿ فَلَمَّا أَفْقَلَتَ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَبِنْ
ءَاتَيْتَنَا صَلِحًا﴾ الآية. فأتاهما الشيطانُ فقال: هل تَدْرِيان ما يُولَّدُ لكما ، أم هل
تَدْرِیان ما يكونُ، أبهيمةً يكونُ(٢) أم لا؟ وزَيَّن لهما الباطلَ، إنه غَوِىٌّ مُّبِينٌ. وقد
كانتْ قبلَ ذلك وَلَدَتْ ولدَيْنِ فماتا ، فقال لهما الشيطانُ : إِنَّكما إن لم تُسَمِّیاه بی لم
يَخْرُجْ سَوِيًّا ومات كما مات الأوَّلانِ. فسَمَّيا ولدَهما عبدَ الحارثِ، فذلك قولُه:
فَلَمَّاَ ءَاتَنُهُمَا صَلِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَّكَ فِيمَآ ءَاتَنْهُمَأَ ﴾ الآية (٤).
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابنٍ مُجُريج، قال : قال
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٥٢٩/٣ نقلا عن المنصف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥١/٣ إلى
عبد بن حميد وابن مردويه .
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ١٤٨، ١٤٩ بهذا الإسناد، وذكره ابن كثير فى تفسيره ٥٣٠/٣ عن ابن
إسحاق به .
(٣) سقط من: ف. وفى م: « تكون )).
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٥٣٠/٣ عن العوفى به، وقد تقدم طرف منه فى ص ٦١٩.

٦٢٥
سورة الأعراف : الآية ١٩٠
ابنُ عباسٍ: لَّ وُلِد له أوَّلُ ولدٍ ، أتاه إبليسُ فقال: إِنِّى سأَنْصَحُ لك فى شأنٍ ولِك
هذا، تُسَمِّيه عبدَ الحارثِ . فقال آدمُ: أعوذُ باللَّهِ من طاعتِك - قال ابنُ عباسٍ :
وكان اسمُه فى السماءِ الحارثَ - قال آدمُ: أعوذُ باللَّهِ من طاعتِك، إنى أَطَعْتُك فى
أكْلِ الشَّجرةِ ، فَأُخْرَ جْتَنِى مِن الجنةِ ، فلن أَطِيعَك. فمات ولدُه، ثم وُلِد له بعدَ ذلك
ولدٌ آخرُ، فقال: أَطِعْنى وإلا مات كمامات الأوّلُ. فعصاه، فمات، فقال: لا أزالُ
أَقْتُلُهم حتى تُسَمِّيَه عبدَ الحارثِ . فلم يَزَلْ به حتى سَمَّاه عبدَ الحارثِ ، فذلك قولُه :
جَعَلَا لَهُ شُرَّكَآءَ فِيمَآ ءَاتَنُهُمَأْ﴾؛ أَشْرَكَه فى طاعتِه فى غيرِ عبادةٍ ، ولم يُشرِكْ
باللَّهِ ، ولكن أطاعه .
حدَّثنا ابنُّ حُميدٍ، قال: ثنا ...... (١)، عن هارونَ، قال: أخبرنا الزبيرُ بنُ
الخِرِّيتِ، عن عِكْرِمةَ، / قال: ما أَشْرَك آدمُ ولا حواءُ، وكان لا يعيشُ لهما ولدٌ، ١٤٧/٩
فأتاهما الشيطانُ فقال: إِن سَرّكما أن يعيشَ لكما ولدٌ فسَمِّیاہ عبدَ الحارثِ . فهو
قولُه: ﴿جَعَلَاً لَهُ شُرَّكَ فِيمَآ ءَاتَنُهُمَّأَ﴾ .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن
قتادةَ: ﴿ فَلَمَّا تَغَشَنْهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾. قال: كان آدمُ عليه السلامُ لا
يولدُ له ولدٌ إلا مات، فجاءَه الشيطانُ فقال: إِن سَرَّك أن يعيشَ ولدُك هذا، فسَمِّه(١)
(١) مكانه فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف بياض، وكتب مقابله: حرف ((ط))، وفى م: ((سلمة)).
مكان هذا البياض فما ندرى أهم وضعوها أم كانت فى أصولهم. على أن الظاهر أن هذا البياض فى النسخ
الخطية معناه سقوط بقية سند ابن حميد مع متنه وبعض سند هارون الذى بعده. وسند ((هارون)) كما
تقدم فى ٤ /٢١٨، ٣١٠/٨ حدثنى المثنى، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا هارون النحوى ، قال :
ثنا الزبير بن الخريت ، عن عكرمة .
(٢) فى ص، ت ١، س: ((فسماه)).
(٣) فى م: ((فسميه)).
( تفسير الطبرى ٤٠/١٠ )

٦٢٦
سورة الأعراف : الآية ١٩٠
عبدَ الحارثِ. ففَعَل، قال: فأشْرَكا فى الاسم ولم يُشْرِكا فى العبادةِ(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ فَلَمَّآ ءَاتَهُمَا صَلِحًا
جَعَلَا لَهُ شُرَّكَآءَ فِيمَآ ءَاتَنْهُمَاً﴾. ذُكِر لنا أنه كان لا يعيشُ لهما ولدٌ، فأتاهما
الشيطانُ ، فقال لهما : سَمِّياهُ عبدَ الحارثِ . وكان مِن وحى الشيطانِ وأمرِه ، وكان
شركًا فى طاعته (٣)، ولم يكن شركًا فى عبادته(4) (٥).
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عیسی ، عن ابنِ أبی
نجيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿ فَلَمَآ ءَاتَنُهُمَا صَلِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَنُهُمَأْ فَتَعَلَى اللَّهُ
عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. قال: كان(١) لا يعيشُ لآدمَ وامرأتِه ولدٌ ، فقال لهما الشيطانُ: إذا
وُلِد لكما ولدٌ، فسَمِّياه(٢) عبدَ الحارثِ. فَفَعَلًا وأطاعاه، فذلك قولُ اللَّهِ: ﴿فَلَغَّآ
ءَاتَنْهُمَا صَلِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَآءَ ﴾ الآية (٨).
حدَّثنا ابنُّ وكيع ، قال : ثنا ابنُ فُضيلٍ، عن سالمٍ بن أبى حفصةً ، عن سعيد بنِ
جبيرٍ قولَه: ﴿أَنْقَلَتَ دَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾. إلى قولِه تعالى: ﴿فَتَعَلَى اللَّهُ عَمَّا
يُشْرِكُونَ﴾. قال: لَّ حَمَلَتْ حواءُ فى أوَّلٍ ولدٍ وَلَدَتْه حينَ أَتْقَلَتْ ، أتاها إبليسُ قبلَ
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٤٥/١ عن معمر عن الكلبى وقتادة.
(٢) فى ت ١، س، ف: (( سميا)).
(٣) فى ص، ت ١، س، ف: ((طاعة)). والمثبت موافق لمصدرى التخريج الآتيين.
(٤) فى ص، ت ١، س، ف: ((عبارة)). والمثبت موافق لمصدرى التخريج الآتيين
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٣٤/٥ من طريق يزيد به، مقتصرا على قوله: ((كان
شركًا .. )) إلى آخره، وكذا عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥٢/٣، ١٥٣ إلى عبد بن حميد
وابن المنذر.
(٦) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف .
(٧) فى ص، ت ١، ت ٢، س: ((فأسمياه)).
(٨) تفسير مجاهد ص ٣٤٨، وينظر أسباب النزول ص ١٧١.

٦٢٧
سورة الأعراف : الآية ١٩٠
أن تَلِدَ ، فقال: يا حواءُ، ما هذا الذى فى بطنِك؟ فقالت: ما أدرى. فقال: مِن
أينَ يَخْرُجُ؛ مِن أَنفِكِ، أو من عينِك، أو مِن أُذُنِك؟ قالت: لا أدرى١). قال: أَرْأَيْتِ
إن خرَج سليمًا، أَمُطِيعَتِى(١٢) أنتِ فيما آمُرُك به؟ قالت : نعم. قال: سَمِّيه عبدَ
الحارثِ . وقد كان يُسَمَّى إبليسُ الحارثَ. فقالت: نعم. ثم قالتْ بعدَ ذلك لآدمَ:
أتانى آتٍ فى النومِ فقال لى كذا وكذا . فقال: إن ذلك الشيطانُ، فاحْذَرِيه ؛ فإنه عَدُُنا
الذى أُخْرَجَنا مِن الجنةِ. ثم أتاها إبليسُ، فأعاد عليها، فقالتْ: نعم. فلمَّا وَضَعَتْه
أُخْرَجَه اللَّهُ سليمًا، فسَمَّتْه عبدَ الحارثِ، فهو قولُه: ﴿ جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَآ ءَاتَنْهُمَّأَ
فَتَعَلَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾(٣).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا جريرٌ وابنُ فُضيلٍ ، عن عبدِ الملكِ ، عن سعيدِ بنِ
جبيرٍ ، قال: قيل له : أُشْرَك آدمُ ؟ قال: أعوذُ باللَّه أن أَزْعُمَ أن آدمَ أَشْرَك، ولكنَّ حواءَ
لَّ أَثْقَلَتْ ، أتاها إبليسُ فقال لها: مِن أين يَخْرُجُ هذا؟ مِن أَنفِك، أو مِن عينك ، أو
مِن فِيكِ؟ فقَنَّطَها ، ثم قال : أرََّيْتِ إِن خَرَج سويًّا (٩) - زادَ ابنُ فُضيلٍ: لم يَضُرَّك ولمْ
يَقْتُلْك - أَتُطِيعِيِنِى؟ قالت : نعم. قال: فسَمِّيه عبدَ الحارثِ . ففَعَلَتْ. زاد جريرٌ: فِأَّمَا
کان شئْكُه فى الاسمِ(٥).
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشُّدىِّ،
قال : فَوَلَدَتْ غلامًا - يعنى حوّاءَ - فَأتاها إبليسُ فقال: سَمُّوه عبدِى وإلا قَتَلْتُه .
(١ - ١) سقط من: ت ١، س، ف .
(٢) فى م: ((أتطيعينى)).
(٣) أخرجه المصنف فى تاريخه ١٤٩/١ بهذا الإسناد .
(٤) بعده فى تاريخ المصنف: ((قال ابن وكيع)).
(٥) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ١٤٩، ١٥٠ بهذا الإسناد، وينظر مختصر تاريخ دمشق ٧/ ٣٢٠.
(٦) فى م: (( فأتاهما ).

٦٢٨
سورة الأعراف : الآية ١٩٠
١٤٨/٩
قال له آدم عليه السلامُ: قد أطعتُك وأُخْرَ جْتَنِى مِن الجنةِ. فأبى أن يُطِيعَه، فسَمَّاه عبدَ
الرحمن ، فسَلَّط اللَّهُ عليه إبليسَ فقَتَلَه، فحَمَلَتْ بآخرَ، فَلَمَّا وَلَدَتْه / قال لها : سمِّيه
عبدى وإلا قَتَلْتُه . قال له آدمُ: قد أطعتُك فأخْرَ جْتَنِى مِن الجنةِ . فأتَى ، فسَمَّاهُ صالحاً،
فَقَتَلَه . فلمَّا أن كان الثالثُ، قال لهما: "فإذ غلَبتُمونِى) فسَهُّوه عبدَ الحارثِ. وكان
اسمَ إِبليسَ، وإنما سُمِّى إبليسُ حينَ أَبْلَسَ، فعَنَوَا(٢) ، فذلك حينَ يقولُ اللَّهُ تبارك
وتعالى: ﴿ جَعَلَا لَهُ شُرَّكَاةَ فِيمَآ ءَاتَنْهُمَأَ﴾. يعنى فى الأسماء(٣) .
وقال آخرون : بل المَغَنِئُ بذلك رجلٌ وامرأةٌ من أهلِ الكفرِ من بنى آدمَ ،
جعَلًا للَّهِ شركاءَ مِن الآلهةِ والأوثانِ حينَ رَزَقَهما ما رَزَقهما من الولدِ . وقالوا :
معنى الكلام: هو الذى خَلَقَكم مِن نفسٍ واحدةٍ ، وجعَل منها زوجَها ليسْكُنَّ
إليها، فلمّا ( تغشاها أيُّها" الرجلُ الكافر، حَمَلَتْ حملاً خفيفًا، فلمَّا أَتْقَلَتْ دَعَوْتُما
اللَّهَ ربِّكما) . قالوا: وهذا مما ابتُدِئ به الكلامُ على وجهِ الخطابِ، ثم رُدَّ إِلى
الخبرِ عن الغائبٍ، كما قِيل: ﴿هُوَ الَّذِى يُسَيِّكُمْ فِىِ الْبَرِّ وَاَلْبَحْرِّ حَتَّىَ إِذَا كُنْتُمْ
فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيجٍ طَيِّبَةٍ﴾ [ يونس: ٢٢]. وقد بيًَّّا نظائر ذلك بشواهده(٦
فيما مضَى قبلُ .
(١ - ١) فى م: ((فإذا غلبتم)) . ومعنى فإذ غلبتمونی: إذ لم تنساقوا لأمری فتسموه عبدى، فسموه إذن عبد
الحارث .
(٢) فى م: ((ففعلوا)). وعَنَوا: خضعا. ينظر تاج العروس (ع ن و).
(٣) فى م: ((التسمية)). والأثر أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ١٥٠، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره
١٦٣٤/٥ من طريق عمرو به، مقتصرا على قوله: ﴿جعلا له شركاء﴾، إلى آخر الأثر.
(٤ - ٤) فى ص: ((تغشيتها أيها))، وفى م: (( تغشاها. أى هذا)).
(٥ - ٥) فى ف: ((دعوا الله ربهما)).
(٦) فى ص، ت ١، ت ٢، س: ((بشواهدها)). وينظر ما تقدم فى ١ /١٥٥، ١٥٦.

٦٢٩
سورة الأعراف : الآية ١٩٠
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا (سهلُ بنُ يوسفَ()، عن عمرٍو(٢)، عن الحسنِ:
﴿جَعَلَا لَهُ شُرَّكَ فِيمَآ ءَاتَنْهُمَاً﴾. قال: كان هذا فى بعضِ أهلِ المللِ، ولم يكنْ
(٣)
بآدمَ() .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ ، قال : قال
الحسنُ: عنَى بهذا ذريةَ آدمَ؛ مَن أُشْرَك منهم بعدَه. يَعْنى قولَه: ﴿فَلَمَّآ ءَاتَنُهُمَا
صَلِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَّكَ فِيمَآ ءَاتَنْهُمَأَ﴾().
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان
الحسنُ يقولُ: هم اليهودُ والنصارى، رَزَقَهم اللَّه أولادًا فهَوَّدوا ونَصَّروا(٥).
قال أبو جعفرٍ: وَأَوْلَى القولين بالصَّوابِ قولُ مَن قال: عنَى بقولِه: ﴿فَلَمَّآ
ءَتَنْهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَّكَآءَ﴾ فى الاسم لا فى العبادةِ، وأن المَغَنِىَّ بذلك آدمُ
وحواءُ؛ لإجماع الحَُّةِ مِن أهلِ التأويلِ على ذلك.
فإن قال قائلٌ: فما أنت قائلٌ، إذ كان الأمرُ على ما وَصَفْتَ فى تأويلٍ هذه
(١ - ١) فى ف: ((شبل بن حوشب)). وسهل هو ابن يوسف الأنماطى البصرى، يروى عن عمرو وهو ابن
عبيد بن باب البصرى. ينظر تهذيب الكمال ٢١٣/١٢، ١٢٣/٢٢.
(٢) فى ف: ((عمر)). وينظر الحاشية السابقة.
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٥٢٩/٣ عن المصنف، وصحح إسناده فى ٣/ ٥٣٠. وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٥٢/٣ إلى أبى الشيخ .
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٥٣٠/٣ عن المصنف وصحح إسناده، وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره
٢٤٥/١ عن معمر به .
(٥) نقله ابن كثير فى تفسيره ٥٣٠/٣ عن المصنف، وصحح إسناده، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره
١٦٣٤/٥ من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥٢/٣، ١٥٣ إلى عبد بن حميد، وابن
المنذر .

٦٣٠
سورة الأعراف : الآية ١٩٠
الآيةِ، وأن المعنىَّ بها آدم وحواءُ - فى قوله: ﴿فَتَعَلَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ؛ أهو
اسْتِنْكافٌ مِن اللَّهِ أن يكونَ له فى الأسماءِ شريكٌ، أو فى العبادةِ؟ فإن قلتَ :
فى الأسماءِ. وَلَّ على فسادِه قولُه: ﴿أَيْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ
[الأعراف: ١٩١]. وإن قلتَ: فى العبادةِ. قِيل لك: أفكان آدمُ أُشْرَك فى عبادةِ اللَّه
غيرَه ؟
قيل له : إن القولَ فى تأويل قوله: ﴿فَتَعَلَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. ليسَ بالذى
ظَنَنْتَ ، وإنما القولُ فيه: فتعالى اللَّهُ عما يُشْرِكُ به مشركُو العربِ مِن عَبَدَةِ الأوثانِ .
فأما الخبرُ عن آدمَ وحواءَ فقد انْقَضَى عندَ قوله: ﴿ جَعَلَا لَهُ شُرَّكَ فِيمَآ ءَاتَنْهُمَاً﴾ .
ثم اسْتُؤْنِف قولُه: ﴿فَتَعَلَى اَللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ .
كما حدَّثنى محمدُ بنُّ الحسينِ، قال : ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ،
عن الشُّدِّىِّ قوله: ﴿فَتَعَلَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. يقولُ: هذه فَضْلٌ مِن آيَةِ آدمَ ،
خاصَّةٌ فى آلهةِ العربِ(١) .
واخْتَلَفَتِ القَرأَةُ فى قراءةٍ قوله: ﴿ شُرَّكَ﴾؛ فقَرَأ ذلك عامَّةُ قرأَةٍ أهل المدينةِ
وبعضُ المكيين والكوفيّين /: (جَعَلالَهُ شِرْكًا). بكسرِ الشينِ، بمعنى الشَّرِكَةٍ () .
١٤٩/٩
وقرأه بعضُ المكْتِّين وعامةُ قرأَةِ الكوفيين٢) وبعضُ البصريين: ﴿جَعَلَاً لَهُ
شُرَّكَآءَ﴾. بِضَمِّ الشينِ، بمعنى جمعِ شَريكٍ(٤) .
وهذه القراءةُ أَوْلَى القراءتين بالصوابِ ) ؛ لأنَّ القراءةَ لو صحَّتْ بكسرٍ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٣٥/٥ من طريق أحمد بن المفضل به.
(٢ - ٢) سقط من : س.
(٣) قرأ بها نافع وأبو بكر عن عاصم. السبعة لابن مجاهد ص ٢٩٩.
(٤) قرأ بها ابن كثير وحفص عن عاصم وابن عامر وأبو عمرو وحمزة والكسائى. المصدر السابق.
(٥) القراءتان كلتاهما صواب .

٦٣١
سورة الأعراف : الآية ١٩٠
الشينِ، لَوَجَب أن يكونَ الكلامُ: فلمَّا آتاهُما صالحاً، جعَلا(١) لغيره فيه شِركًا؛ لأن
آدمَ وحواءَ لم يَدِينا بأنَّ ولدَهما مِن عَطِيئَّةِ إبليسَ ثم يَجْعَلا للَّهِ فيه شِرْكًا ؛
بِتَسْمِيَتِهما (١ إياه بعبدِ اللَّهِ ، وإنما كانا يدِينان - لا شكَّ - بأن ولدَهما مِن رزقِ اللَّهِ
وعطيَّتِه، ثم سَمَّياه عبدَ الحارثِ، فجعَلا لإِبليسَ فيه شِرْكًا بالاسم . فلو كانت قراءةٌ
مَن قَرَأ (شِرْكًا) صحيحةً؛ وَجَب ما قلنا مِنْ(١) أن يكونَ الكلامُ: جعَلا لغيرِه فيه
شِركًا، وفى نزولٍ وحى اللَّهِ بقولِه: ﴿جَعَلَا لَهُ﴾ ما يُوضِحُ عن أنَّ الصحيحَ مِن
القراءةِ ؛ ﴿ شُرَّكَءَ﴾ بضمّ الشينِ، على ما بَنتُ قبلُ .
فإن قال قائلٌ: فإنَّ آدمَ وحواءَ إنما سَمَّيا ابْنَهما عبدَ الحارثِ، والحارثُ واحدٌ ،
وقولُه: ﴿شُرَكَاءَ﴾. جماعةٌ ، فكيف وَصَفَهما جلَّ ثناؤه بأنهما جعَلا له شركاءَ ،
وإنما أَشْرَكا واحدًا؟
قيل: قدْ دَلَّلْنا فيما مضى على أن العربَ تُخرِجُ الخبرَ عن الواحدِ، مُخْرَجَ الخبرِ
عن الجماعةِ ، إذا لم تَقْصِدْ واحدًا بعينِه ولم تُسَمِّه، كقوله ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ
إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وإنما كان القائلُ ذلك واحدًا، فأخْرَج
الخبرَ مُخرجَ الخبرِ عن الجماعةِ، إذ لم يَقْصِدْ قَصْدَه. وذلك مُسْتَفِيضٌ فى كلامٍ
العربِ وأشعارِها(6) .
وأمَّا قولُه: ﴿ فَتَعَلَى اَللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، فتنزيةٌ مِن اللَّهِ تبارك وتعالى نفسَه،
وتعظيمٌ لها عما يقولُ فيه المُطِلون ، ويَدْعون معه مِن الآلهةِ والأوثانِ .
كما حدَّثنا القاسِمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُريج :
(١) سقط من: ت ١، س، ف .
(٢) فى م: (( لتسميتهما )).
(٣) ليست فى: م، ت١، ت٢، س، ف .
(٤) ينظر ما تقدم فى ٤٠٤/٢،٣٠٢/١ - ٤٠٦.

٦٣٢
سورة الأعراف : الآيتان ١٩٠، ١٩١
﴿ فَتَعَلَى اَللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. قال: هو الإِنْكافُ، أَنْكَفَ نَفْسَه جلَّ وعزَّ -
يقولُ: عَظَّمَ نفسَه - وأَنْكَفَتْه الملائكةُ وما سَبَحَ له(١) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا ابنُ عُيَيْنَةً ،
قال : سمعتُ صَدَقَةَ يُحَدِّثُ عن الشّدىِّ، قال: هذا مِن المَوْصولِ الْمُفَصَّلِ(٢) ، قولُه:
جَعَلَا لَهُ شُرَّكَ فِيمَآ ءَاتَنْهُمَاً﴾. فى شأنِ آدمَ وحواءً(٢) . ثم قال اللَّهُ تبارك وتعالى:
فَتَعَلَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. قال: عما يُشرِكُ المشركون، ولم يَغْنِهِما(4).
١٩١
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿أَيْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ
يقولُ تعالى ذكره: أَيُشْركون فى عبادةِ اللَّهِ، فِيَعْبُدون معه ما لا يَخْلُقُ شيئًا ،
واللَّهُ يخلقُها ويُنْشِئُها؟ وإنما العبادةُ الخالصةُ للخالقِ، لا للمخلوقِ .
و کان ابنُ زيدٍ يقول فى ذلك بما
حدَّثنی يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ، قال: وُلِد لآدمَ(٥)
ولدٌ ، فسَمَّاه(١) عبدَ اللهِ، فأتاهما إبليسُ فقال: ما سَمَّيْتما يا آدمُ ويا حواءُ ابْنَكما؟
قال: وكان وُلِد لهما قبلَ ذلك ولدٌ، فسَمَّياه عبدَ اللَّهِ، فماتَ. فقالا: سَمَّيْناه
١٥٠/٩ عبدَ اللَّهِ. فقال إبليسُ: أَتَظُنَّانِ / أن اللَّهَ تاركٌ عبدَه عندَكُما، لا واللَّهِ لَيَذْهَبَنَّ به، كما
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٣٥/٥ من طريق حجاج عن ابن جريج، عن مجاهد، وعنده
فى أوله: ((هو الانتكاف)) بدل (هو الإنكاف))، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥٣/٣ من قول
مجاهد إلى أبى الشيخ .
(٢) فى م، والدر المنثور: ((والمفصول)). والمثبت موافق لما فى تفسير ابن أبى حاتم .
(٣) بعده فى الدر المنثور: (( يعنى فى الأسماء)).
(٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٤٦، وعنده ((المفصول المفصل)). كما أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٣٤/٥
عن الحسن بن يحيى به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥٢/٣ إلى ابن المنذر، وأبى الشيخ.
(٥) بعده فى م: ((وحواء)). وينظر مصدرا التخريج.
(٦) فى م: ((فسمياه)). وينظر مصدرا التخريج.

٦٣٣
سورة الأعراف : الآيتان ١٩١، ١٩٢
(١)
ذَهَب بالآخَرِ ، ولكنْ أدُلكما على اسم يَثْقَى لكما ما بَقِيتما فسَمِّياه عبدَ شمسٍ .
قال: فذلك قولُ اللَّهِ تبارك وتعالى: ﴿أَيْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾. الشمسُ
تَخْلُقُ شيئًا حتى يكونَ لها عبد؟! إنما هى مخلوقةٌ ، وقد قال رسولُ اللَّهِ عَّهِ:
((خَدَعَهما مَرَّتَيْ(١)؛ خدَعهما فى الجنةِ، وخدَعهما فى الأرضِ)) (١) .
وقيل: ﴿وَهُمْ يُخْلَفُونَ﴾. فَأَخْرَجَ مَكْنِيَّهِم مُخْرَجَ مَكْنِىٌّ بنى آدمَ(٤) ، وقد قال:
أَيْرِكُونَ مَا﴾، فأخْرَجَ ذِكْرَهم بـ (( ما)) لا بـ ((مَنْ)) مُخرِجَ الخبرِ عن غيرِ بنى آدمَ ؛
لأنَّ الذى كانوا يَعْبُدونه إنما كان حَجَرًا أو خشبًا أو نُحاسًا، أو بعضَ الأشياءِ التى
يُخْبَرُ عنها بـ ((ما)) لا بـ ((مَنْ))، فقِيل لذلك: ((ما)). ثم قِيل: ((وهم)). فأُخرِجَتْ
٩
كنايتُهم مُخرجَ كنايةٍ بنى آدمَ ؛ كان الخبرَ عنها بتعظيم المشركينَ إياها نظيرُ الخبرِ عن
تعظيمِ الناسِ بعضِهم بعضًا .
القولُ فى تأويلٍ قولِهِ: ﴿ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَمْ نَصْرًا وَلَّ أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ
١٩٢
يقولُ تعالى ذِكرُه: أَيُشْرِكُ هؤلاء المشركون فى عبادةِ اللَّهِ ما لا يَخْلُقُ شيئًا مِن
خَلْقِ اللّهِ، ولا يستطيعُ أن يَنْصُرَهم، إن أراد اللَّهُ بهم سوءًا، أو أَحَلَّ بهم
عقوبةً، ولا هو قادرٌ إِنْ أراد به سوءًا نَصْرَ نفسِه، ولا دَفْعَ ضُرِّ عنها، وإنما
العابدُ يَعْبُدُ ما يَعْبُدُه، لاْتِلابِ نفع منه، أو لدفعِ ضُرِّ منه عن نفسِه، وآلِهَتُهم
التى يَعْبُدونَها ويُشرِكونهاْ) فى عبادةِ اللَّهِ ، لا تَتْفَعُهم ولا تَضُرُّهم ، بل لا تَْتُلِبُ
(١) بعده فى تفسير ابن أبى حاتم والدر المنثور: ((فمسياه)).
(٢) بعده فى مصدرى التخريج: ((قال زيد)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٣٥/٥ من طريق أصبغ عن ابن زيد به نحوه .
(٤) يعنى المصنف بقوله: ((مكنيهم)) الضمير ((هم)) فى الآية. قال فى اللسان (ك ن ی): قال ابن سيده :
واستعمل سيبويه الكناية فى علامة المضمر.
(٥ - ٥) فى ص، ت ١، س، ف: ((فيشركونها)).

٦٣٤
سورة الأعراف : الآيتان ١٩٢، ١٩٣
إلى نفسِها نفعًا، ولا تَدْفَعُ عنها ضُرًّا، فهى مِن نفع غيرِ أَنْفُسِها ، أو دفع الضُّرِّ عنها،
أَبْعَدُ . يُعَجِّبُ تبارك وتعالى خَلْقَه مِن عظيم خطاً هؤلاء الذين يُشْركون فى عبادتهم
اللَّهَ غيرَه .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَِّعُوكُمْ سَوَءُ عَلَيْكُمْ
أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَمِتُونَ
(١٩٣)
یقول تعالی ذ کژه فى وصفِه وعیبه ما يُشْرِك هؤلاء المشر كون فی عبادتهم ربّهم
إياه : ومِن صِفَتِه أنكم أيُّها الناسُ إِنْ تَدْعوهم إلى الطريقِ المستقيمِ والأمرِ الصحيحِ
السَّديدِ ، لا يَتَّبِعوكم ؛ لأنها ليستْ تَعْقِلُ شيئًا، فتَتْرُكَ مِن الطُّرُقِ ما كان عن القَصْدِ
مُنْعَدِلًا جائرًا، وتَرْكَبَ ما كان مستقيمًا سديدًا .
وأَما أراد اللَّهُ جلَّ ثناؤه بوَصْفِ آلهتهم بذلك مِن صِفَتِها، تنبيهَهم على عظيمٍ
خطئهم وقُبْح اختیارِهم . یقولُ جلَّ ثناؤه: فکیف یھدیکم إلی الرشاد من إن دُعِی
إلى الرشادِ وعُرِّفَه، لم يَعْرِفْه، ولم يَفْهَمْ رشادًا مِن ضلالٍ، وكان سواءً دعاءُ داعِيهِ
إلى الرشادِ وسكوتُه؛ لأنه لا يَفْهَمُ دعاءَه ، ولا يَسْمَعُ صوتَه، ولا يَعْقِلُ ما يُقالُ له .
يقولُ: فكيف يُعْبَدُ ما (١) كانت هذه صفته، أم كيف يُشْكِلُ عظيمُ جَهلٍ مَن اتَّخَذَ ما
هذه صفتُه إلهًا؟ وإنَّما الرَّبُّ المعبودُ هو النافعُ مَن يَعْبُدُه، الضَّارُّ مَن يَعْصيه ، الناصرُ
وليّه ، الخاذِلُ عدوَّه، الهادى إلى الرشادِ مَن أطاعَه، السامعُ دعاءً مَن دعاه .
وقيلَ: ﴿سَوَآءُ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَمِتُونَ﴾، فعطَف بقولِه:
﴿ صَمِتُونَ﴾ وهو اسمٌ، على قولِه: ﴿أَدَعَوْتُمُوهُمْ﴾ وهو فعلٌ ماضٍ، ولم يَقُلْ:
أُم صمتُمْ(٢) . كما قال الشاعر:
(١) فى م: ((من)).
(٢) ينظر كتاب سيبويه ٦٤/٣.

٦٣٥
سورة الأعراف : الآيات ١٩٣ - ١٩٥
١٥١/٩
بأهْلِ القِبابِ مِن ثُمَرِ بنِ عامٍِ(١)
/ سَواءٌ عليك النَّفْرُ(١) أم بِتَّ ليلةٌ
وقد يُنْشَدُ : أم أنت بائِتٌ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادُ أَمْثَالُكُمْ
١٩٤
فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُتُمْ صَدِقِينَ
يقولُ جلَّ ثناؤُه لهؤلاءِ المشركين مِن عبدة الأوثانِ ، موبِّخَهمْ على عبادتهم
مالا يضرّهم ولا ينفعُهم من الأصنامِ: إن الذين تدعونَ أيُّها المشركونَ آلهةً من دونٍ
اللَّهِ، وتعبدونها شركًا منكم، وكفرًا باللّهِ، عبادٌ أمثالُكمْ، يقولُ: هم أملاكٌ لربِّكمْ
كما أنتم له مماليكُ، فإن كنتم صادقينَ أنها تضرُ وتنفَعُ، وأنها تستوجبُ منكم
العبادةَ لنفْعِها إِیاكُمْ، فلْيَستچِيبُوا لدعائكم إذا دعَوْتُمُوهُم، فإن لم يَشْتَجِبُوا لكم
لأنها لا تسمعُ دعاءَكُم، فأَتْقِنوا بأنّها [٨٧٩/١ظ] لا تنفعُ ولا تضرّ؛ لأن الضُّرَّ والنفعَ
إنما يكونان مِّن إذا سُئل سمِع مسألةَ سائِلِه(٢) ، وأعطَى وأفضلَ ؛ ومَن إذا شُکِیَ إليه
مِن شىءٍ سمِع فضرَّ من استحقَّ العقوبةَ، ()ونفَع مَن) لا يستوجبُ الضُّرَّ.
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَاْ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَاْ أَمْ
لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَاْ أَمَ لَهُمْ ءَاذَاتٌ يَسْمَعُونَ بِهَأْ قُلِ أَدْعُواْ شُرَّكَءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا
نُظِرُونِ
١٩٥
يقولُ تعالى ذِكرُه لهؤلاءِ الذين عبدوا الأصنامَ مِن دونِهِ، مُعرِّفَهم جهلَ ما هُم
عليه مقيمون ، ألِأَصْنامِكم هذه أيُّها القومُ ﴿أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَاً﴾. فيسعَونَ معكُم
(١) فى ص، ت ١، س، ف: ((الفقر))، وفى م: ((القفر)). والمثبت من مصدرى التخريج.
(٢) ينظر معانى القرآن ٤٠١/١، والتبيان ٥٧/٥. غير منسوب فيهما .
(٣) فى م: ((سائل)).
(٤ - ٤) سقط من: ص، ت ١، س، ف.

٦٣٦
سورة الأعراف : الآيات ١٩٥ - ١٩٧
ولَكُمْ فى حوائِجِكم، ويتصرَّفون بها فى منافِعِكُم ﴿أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَاً﴾
فيدفعونَ عنكمْ وينْصرونَكمْ بها عندَ قصدٍ من يقصِدُ کم بشرّ ومكروه ، ﴿أَمْ لَهُمْ
أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ فيعرّفوكُم ما عاينوا وأَبْصَروا مما تَغيبون عنه فلا ترونه ﴿أَمَ
لَهُمْ ءَاذَاتٌ يَسْمَعُونَ بِهَ﴾ فيخبروكُم بما سمعوا دونَكُم، مما لم تَسمَعُوه ، يقولُ جلَّ
ثناؤه : فإن كانتْ آلهتكم التى تعبدونَها ليس فيها شىءٌ من هذه الآلاتِ التى
ذكرتُها - والمعظّمُ من الأشياءِ إنما يعظّمُ لما يُؤْجَى منه من المنافع التى توصِّلُ إليه بعضُ
هذه المعانى عندَكم - فما وجْهُ عبادتكم أصنامَكُم التى تعبدُونها وهى خاليةٌ من كلّ
هذه الأشياءِ التى بها يُوصِلُ إلى اجتلابِ النفعِ ودفعِ الضُّرِّ.
وقولُه: ﴿قُلِ أَدْعُواْ شُرَّكَّءَكُمْ ثُمَ كِيدُونِ﴾ أنتم وهى(١)، ﴿فَلَا نُظِرُونِ ﴾
١٥٢/٩ يقولُ: فلا تُؤخِّرونٍ /بالكيدِ والمكرِ، ولكن عجّلُوا بذلكَ. يُعلِمُه جلَّ ثناؤُه بذلكَ
أنَّهم لم يضرُّوه، وأنه قد عصَمَه منهم ، ويُعرِّف الكفرةَ به عَجْزَ أوثانِهم عن نُصرةِ مَن
بغَى أولياءَهم بسوءٍ .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ وَلِغِىَ اللَّهُ الَّذِى نَزَّلَ الْكِنَبِّ وَهُوَ يَتَوَلَّى
الصَّلِينَ
(١٩٦)
يقولُ تعالَى ذكرُه لنبيُّه محمدٍ عَّهِ: قلْ يا محمدُ للمشركين من عبدةٍ
الأوثانِ: ﴿ إِنَّ وَلِّىَ﴾. نصيرِى ومُعينى وظَهيرِى عليكُم ﴿اَللَّهُ الَّذِى نَزَّلَ
اَلْكِنَبِّ﴾ علىَّ بالحقِّ، وهُو الذى يتولَّى من صلَح عملُه بطاعتِهِ مِن خلْقِه .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿وَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ، لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَآَ
أَنفُسَهُمْ یَنصُرُونَ
(١) فى م: ((وهن)).

٦٣٧
سورة الأعراف : الآيتان ١٩٧، ١٩٨
وهذا أيضًا أمْرٌ من اللَّهِ جلَّ ثناؤه نبيّه(١) أن يقولَه للمشركين، يقولُ(٢) تعالَى:
قلْ لَهم : إنّ اللَّهَ نصيرِى وظَهيرِى، والذين تَدْعون أنتمْ أيُّها المشركون من دونِ اللَّهِ
من الآلهةِ ، لا يستطيعونَ نصْرَكُم ، ولا هم مع عجزِهم عن نُصرتِكُم يقدرُون على
نُصرةٍ أنفسِهم، فأُّ هذين أولى بالعبادةِ ، وأحقُّ بالألوهةِ ، أَمَنْ يَنصرُ وليّه ويمنعُ
نفْسَه ممن أرادَه، أم مّن لا يستطيعُ نصرَ ولِيِّه ويعجِزُ عن منع نفسِه ممن أرادَه وبَغاه
بمكروه ؟!
القولُ فى تأويل قوله: ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْمُدَى لَا يَسْمَعُواْ وَتَرَنَّهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ
وَهُمْ لَا يُصِرُونَ
١٩٨
يقولُ جلَّ ثناؤه لنبيِّه محمدٍ عَّهِ: قلْ للمشركين: وإِنْ تدْعُوا أيُّها المشركون
آلهتكم إلى الهدى، وهو الاستقامةُ إلى السدادِ، ﴿لَا يَسْمَعُواْ﴾. يقولُ: لا
يَسمَعُوا دعاءَ كم، ﴿ وَتَرَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴾ . وهذا خطابٌ من
اللَّهِ لنبِّهِ مَظَهِ، يقولُ: وترى يا محمدُ آلهتَهم ينظرونَ إليكَ وهم لا يُيصرون،
ولذلكَ وحَّدَ ، ولو كان أمرُ النبيِّ ◌َِّ بخطابِ المشركين لقالَ: وترونهم ينظرونَ
إلیکم .
وقد رُوى عن السدىِّ فى ذلك ما حدثنى محمدُ بنُ الحسين ، قال: ثنا أحمدُ
ابنُ المُفُضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ: ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْمُدَى لَا يَسْمَعُواْ
وَتَرَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾. قال: هؤلاءِ المشركون(١).
وقد يَحتمِلُ قولُ الشَدىِّ هذا أن يكون أرادَ بقولِه: هؤلاءِ المشركون - قولَ اللَّهِ
(١) فى م، ت ٢: ((لنبيه)).
(٢) فى م، ت ١، ف: ((بقوله)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٣٧/٥ من طريق أحمد بن مفضل به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٥٣/٣ إلى أبى الشيخ .

٦٣٨
سورة الأعراف : الآية ١٩٨
﴿ وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْمُدَى لَا يَسْمَعُواْ﴾ .
وقد كان مجاهدٌ يقولُ فى ذلك ما حدثنى المُنى ، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال:
١٥٣/٩ ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحِ / عن مجاهدٍ: ﴿وَتَرَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا
يُبْصِرُونَ﴾ ما تدعوهم إلى الهدى) .
وكأنَّ مجاهدًا وجَّه معنى الكلام إلى أنّ معناه: وترى المشركين ينظرون إليك
وهم لا يبصرون ، فهو وجْةٌ، ولكن الكلامَ فى سياقِ الخبرِ عن الآلهةِ فهو بوصفها
أشبه .
قال أبو جعفرٍ: فإن قال قائلٌ: فما(٢) معنى قوله: ﴿وَتَرَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ
لَا يُصِرُونَ﴾؟ وهل يجوزُ أن يكونَ شىءٌ ينظرُ إلى شىءٍ ولا يراهُ؟
قيلَ: إِنَّ العربَ تقولُ للشىءِ إذا قابلَ شيئًا أو حاذاهُ: هو ينظرُ إلى كذا .
ويقالُ : مَنزلُ فلانٍ ينظرُ إلى منزلى . إذا قابلَه .
ومحكِى عنها: إذا أتيتَ موضعَ كذا وكذا، فنظَر إليك الجبلُ، فخُذ يمينًا أو
شمالًا .
وحدثت عن أبی ◌ُبیدٍ ، قال : قال الکسائئُ : الحائطُ ينظر إليك ، إذا كان قريبًا
منكَ حيثُ تراهُ، ومنه قولُ الشاعر(٢):
إِذَا نَظَرَتْ بِلادُ بَنِى تَمِيمٌ
بِعَيْنْ أُوْ بِلادُ بَنِى صُباحٍ
(٤)
:
(١ - ١) فى تفسير ابن أبى حاتم والدر المنثور: ((ما تدعوهم إليه من الهدى)). والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى
تفسيره ١٦٣٧/٥ من طريق أبي حذيفة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥٣/٣ إلى أبى الشيخ.
(٢) بعده فى ف: ((وجه)).
(٣) البيت فى النوادر فى اللغة لأبى زيد ص ١٣١، ومعجم مقاييس اللغة ٢٠٣/٤ غير منسوب فيهما .
(٤) فى النوادر: ((حبيب))، وفى معجم مقاييس اللغة: ((نمير)).

٦٣٩
سورة الأعراف : الآيتان ١٩٨، ١٩٩
يريدُ : تَقابل نبتُها وعشْبُها وتحاذَى .
فمعنى الكلام: وترى يا محمدُ آلهةَ هؤلاءِ المشركينَ من عبدةٍ
الأوثانِ، (يقابلونك ويحاذونك)، وهُم لا يُصرونَك، لأنه لا أبصارَ لهم. وقيلَ:
وَتَرَئُهُمْ﴾ ولم يُقَلْ: (وتراها)؛ لأنها صورٌ(١) مصورّةٌ على صورٍ بنى آدمَ .
١٩٩
القولُ فى تأويلِ قولِهِ: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِنَ
اختلفَ أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ ذلك؛ فقال بعضُهم: تأويلُه : خُذِ العفوَ من
أخلاقِ الناسِ، وهو الفضلُ، ومالا يُجهِدُهم .
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عَنْبسةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ ،
عن القاسم، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ﴾. قال: من أخلاقِ الناسِ
وأعمالهم بغيرِ تَشْسٍ(٣) .
حدَّثنا يعقوبُ وابنُ وكيع، قالَاً: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، [٨٨٠/١و] عن ليثٍ ، عن مجاهدٍ
فى قوله: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ﴾. قال: عفْوَ أخلاقِ الناسِ، وعفْوَ أمورِهم.
حدَّثنا يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: ثنى ابنُ أبى الزِّنادِ ، عن هشامِ بنِ
عُرْوةَ، عن أبيه، / فى قولِه: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ﴾ الآية. قال عُروةُ: أمَر اللَّهُ رسولَه عَّهِ أَن ١٥٤/٩
يأخذَ العفوَ مِن أخلاقِ الناسِ(٤) .
(١ - ١) فى ف: ((يقاتلونك ويحادونك)).
(٢) فى ص، ف: ((صورة)) .
(٣) فى ص: ((تحسيس))، وفى ف: ((تجسيس))، والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٣٥.
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٤٥/١، وسعيد بن منصور فى سننه (٩٧٤ - تفسير)، والبزار
(٢١٨٢) .

٦٤٠
سورة الأعراف : الآية ١٩٩
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعلَى، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن مَعمرٍ ، عن هشامِ
ابنِ عُروةَ، عن أبيه، عن ابنٍ (١) الزّبيرِ، قال: ما أنزلَ اللَّهُ هذه الآيةَ إلا فى أخلاقٍ
الناسِ: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُرُ بِالْعُرْفِ﴾ الآية(١).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ، عن ابنٍ جريجٍ، قال :
بلَغْنِى عن مجاهدٍ: ﴿خُذِ اٌلْعَفْوَ﴾: من أخلاقِ الناسِ وأعمالِهم بغيرِ
(٣)
تمش(٢).
قال(٤) : ثنا أبو معاويةَ، عن هشامٍ بنِ عروةَ، عن وهبٍ بنِ کَیْسانَ ، عن ابنِ ()
الزبيرِ: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ﴾. قال: من أخلاقِ الناسِ، واللَّهِ لآخذتّه منهم ما
(٥)
صَحِتُهم(٥).
قال(٤): ثنا عبدةُ بنُ سليمانَ، عن هشامٍ بنِ عُروةً، عن أبيه، عن ابنٍ (١) الزُّبَيرِ،
قال: إنما أنزل اللّهُ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾. من أخلاقِ الناسِ(١).
(١) فى م: ((أبى)).
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٨٨/١٣، وهناد فى الزهد (١٢٦٤)، والبخارى (٤٦٤٣)، وأبو داود
(٤٧٨٧)، والبزار (٢١٨١)، والطبرانى ١٠٧/١٣ (٢٥٧)، والحاكم ١٢٤/١، والبيهقى فى الدلائل
٣١٠/١ من طريق هشام به، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.
(٣) ينظر الأثر المتقدم تخريجه فى ص ٦٣٩.
(٤) القائل : هو ابن وكيع.
(٥) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٩٧٥ - تفسير)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٣٧/٥ من طريق أبى
معاوية به. وقال الحافظ فى الفتح ١٠٣٠٥/٨: رواية أبى معاوية شاذة، مع احتمال أن يكون لهشام فيه
شیخان .
(٦) أخرجه النسائى فى الكبرى (١١١٩٥) من طريق عبدة به، ومن طريقه النحاس فى ناسخه
ص ٤٤٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥٣/٣ إلى ابن المنذر وابن مردويه.