Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١
سورة الأعراف : الآية ١٣٤
كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ﴾. أى: العذابَ.
حدّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، قال : ثنا معمرٌ، عن
قتادةَ: ﴿ وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الْرِجْزُ﴾. يقولُ: العذابُ(١) .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَلَمَّا
وَقَعَ عَلَيْهِمُ الْرِّجْزُ﴾. قال: الرجزُ العذابُ الذى سلَّطه اللّهُ عليهم مِن الجرادِ والقُّمَّلِ
وغيرِ ذلك، وكلُّ ذلك يعاهِدونه ثم يَنْكُئون .
[٤١/٢٠ و] وقد بيَّنا معنى ((الرِّجزِ)) فيما مضى من كتابنا هذا بشواهدِه المغنيةِ
عن إعادتها(١) .
وأولى القولين بالصوابِ فى هذا الموضع أن يقال: إن الله تعالى ذكره أَخبر عن
فرعونَ وقومِه أنهم لما وقَع عليهم الرجزُ - وهو العذابُ والسَّخَطُ مِن اللَّهِ عليهم -
فزِعوا إلى موسى بمسألتِه ربَّه كَشْفَ ذلك عنهم . وجائزٌ أن يكونَ ذلك الرجزُ كان
الطوفانَ والجرادَ والقُمَّلَ والضفادعَ والدمَ؛ لأنَّ كلَّ ذلك كان عذابًا عليهم. وجائزٌ
أن يكونَ ذلك الرجزُ كان طاعونًا ، ولم يُخبرنا اللَّهُ أَّ ذلك كان، ولا صحَّ عن
رسولِ اللَّهِ عَلَّمِ بأىِّ ذلك كان خبرٌ فتُسَلِّمَ له . فالصوابُ أن نقولَ فيه كما قال جلَّ
ثناؤه : ﴿ وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ . فلا نتعداه إلا بالبيانِ الذى لا تمانعَ فيه بينَ أهلِ
التأويلِ، وهو: لمَّا حل بهم عذابُ اللَّهِ وسخطُه قالوا: ﴿يَمُوسَى أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا
عَهِدَ عِندََكَ﴾. يقولُ: بما أوصاك وأمَرك به - وقد بينًا معنى ((العهدِ)) فيما
ـىُ - ﴿لَبِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الْرِجْزَ﴾. يقولُ: لئن رفَعت عنا العذابَ الذى
مضی
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٣٤/١ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١١/٣ إلى عبد بن
حميد وأبى الشيخ .
(٢) ينظر ما تقدم فى ٧٢٩/١ - ٧٣١.
(٣) ينظر ما تقدم فى ٤٣٥/١ ، ٤٣٦.
( تفسير الطبرى ٢٦/١٠ )
٤٠٢
٠
سورة الأعراف : الآيتان ١٣٤ ، ١٣٥
نحن فيه ، ﴿ لَتُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾. يقولُ: لنُصَدِّقن بما جئتَ به ودعوتَ إليه، ولُقِرَّن به
لك، ﴿ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِيَّ إِسْرَِّيلَ﴾. يقولُ: ولنُخَلِّين معك بنى إسرائيلَ
فلا نمنعهم أن يذهبوا حيث شاءوا .
القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ وعزَّ: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم
بَلِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُونَ
(١٣٥)
٤٢/٩
/ [٤١/٢٠ظ] يقول تعالى ذكرُه: فدعا موسى ربَّه فأجابه، فلما رفَع اللَّهُ عنهم
العذابَ الذى أنزله بهم، ﴿ إِلَى أَجَلٍ هُم بَلِغُوهُ﴾؛ لِيَشْتَوفوا عددَ أيامِهم التى
جعَلها اللَّهُ لهم مِن الحياةِ أجلاً إلى وقتِ هلاكِهم، ﴿ إِذَاهُمْ يَنْكُثُونَ﴾. يقولُ : إِذا
هم يَنْقُضُون عهودَهم التى عاهدوا ربَّهم وموسى، ويقيمون على كفرِهم
وضلالهم .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبى
تَجِيحِ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿إِلَى أَجَلٍ هُم بَلِغُوهُ ﴾ . قال: عددٌ
مسمّى لهم(١) مِن أيامِهم(١) .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ مثله(٣).
(١) فى الأصل، ص، ت١، ت٢، س، ف: ((منهم)). وفى مصدرى التخريج: (( معهم).
(٢) تقدم تخريجه فى ص ٣٩٤
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: ((نحوه)).
٤٠٣
سورة الأعراف : الآيتان ١٣٥ ، ١٣٦
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السُدِّىِّ: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَلِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنَكُونَ
قال: ما أعْطَوا مِن العهودِ. وهو حين يقولُ اللَّهُ: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾:
وهو الجوعُ، ﴿ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾(١) [الأعراف: ١٣٠].
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَهُمْ فِى الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ
بِثَايَلِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَفِلِينَ
١٣٦
يقولُ تعالى ذكره: فلما نكَثوا عهودَهم ﴿انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ يقولُ: [٤٢/٢٠ و]
انتصَرنا منهم بإحلالٍ نِقْمَتِنا بهم، وذلك عذابُه ﴿فَأَغْرَقْنَهُمْ فِى الْيَمِ﴾. وهو
البحرُ. كما قال ذو الؤُمَّةِ(١) :
ثُمّ تَرَاطَنُ فى حافَاتِهِ الروم
داوِيَّةٌ ودُجَى لَيْلٍ كأنهما
وكما قال الراجز(٣):
كباذخِ الیمِّ سقاه اليُّ
بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِثَايَلِنَا﴾ . يقولُ: فعلنا ذلك بهم بتكذيهم بحُجَجِنا
وأعلامِنا التى أريناهموها، ﴿ وَكَانُواْ عَنْهَا غَفِلِينَ﴾. يقولُ: وكانوا عن النقمةِ
التى أحللناها بهم غافلين قبلَ حلولها بهم أنها بهم حالَّةٌ .
والهاء والألف فى قوله: ﴿ عَنْهَا﴾ كنايةٌ مِن ذكرِ ((النقمةِ))، فإن قال قائلٌ:
هى كنايةٌ مِن ذكرِ ((الآياتِ)). ووجَّه تأويلَ الكلام إلى: وكانوا عن آياتنا معرضين.
(١) تقدم بتمامه فى ٣٨٧، ٣٨٨، وأخرج هذا الجزء ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٥١/٥ (٨٨٩٣) من طريق
عمرو بن حماد به .
(٢) ديوانه ١/ ٤١٠.
(٣) هو العجاج، والرجز فى ديوانه ص ٤٢٧.
٤٠٤
سورة الأعراف : الآيتان ١٣٦، ١٣٧
فجعَل إعراضَهم عنها غفولًا منهم، إذ لم يقبلوها - كان مذهبًا .
يقالُ مِن الغفلةِ: غَفَل الرجلُ عن كذا، يَغْفُلُ عنه غَفْلَةً وَغُفُولًا وغَفْلًا.
٤٣/٩
/القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ
مَشَرِفَ الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا الَّتِىِ بَرَكْنَا فِيَهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِيّ
إِسْرَّهِ يلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا [٤٢/٢٠ ظ] كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا
كَانُواْ يَعْرِشُونَ
٣٧
يقولُ تعالى ذكرُه: وأورَثْنا القومَ الذين كان فرعونُ وقومُه يستضعِفونهم
فيذبِّحون أبناءهم ويستخيون نساءَهم ويستخدمونهم تسخيرًا واستعبادًا - ( مِن بنى
إسرائيلَ(١) - مشارِقَ(٢) الشامِ، وذلك ما يلى الشرقَ منها، ﴿ وَمَغَرِبَهَا الَّتِى بَرَّكْنَا
فِيهَا﴾. يقولُ: التى جعلنا فيها الخيرَ ثابتًا دائما لأهلِها .
(" وإنما قال جل ثناؤه: ﴿ وَأَوْرَثْنَا﴾؛ لأنّه أورَث ذلك بنى إسرائيلَ بمهلِكِ مَن
كان فيها مِن العمالقةِ .
وبمثلِ الذى قلنا فى قوله: ﴿مَشَرِفَ آلْأَرْضِ وَمَغَرِّبَهَا﴾ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال : ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن إسرائيلَ، عن فُراتِ القزَّازِ ، عن
الحسنِ فى قولِه: ﴿ وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَرِقَ الْأَرْضِ
وَمَغَرِبَهَا الَّتِى بَرَّكْنَا فِيَهَا﴾ . قال: الشامُ .
(١ - ١) سقط من: ت ١، س، ف.
(٢) بعده فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((الأرض)).
(٣ - ٣) سقط من: الأصل.
٤٠٥
سورة الأعراف : الآية ١٣٧
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال : أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ ، قال : أخبرنا إِسرائيلُ، عن
فُراتِ القزَّازِ، قال: سمِعت الحسنَ يقولُ. فذكَر نحوَه(١).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا قَبِيصَةُ، عن سفيانَ ، عن فُراتِ القزَّازِ، عن الحسنِ :
الأرضُ التى باركنا فيها . قال : الشامُ(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ
الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾: (وهم بنو إسرائيلَ(٣)، ﴿مَشَرِقَ الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا
الَِّ بَرَكْنَا فِيهَا﴾: "وهىُ) أرضُ الشامِ .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ
قولَه: ﴿مَشَرِقَ الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا الَّتِى بَرَكْنَا فِيهَا﴾. قال: التى بارك(٥) فيها:
(٦)
الشامُ().
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يزعُمُ أن مشارقَ الأرضِ ومغاربها نصبٌ على المحلِّ،
بمعنى (٧): وأورثنا القومَ الذين كانوا [٤٣/٢٠ و] يُستَضعفون فى مشارقِ الأرضِ
(١) تفسير عبد الرزاق ٢٣٥/١ - ومن طريقه ابن عساكر فى تاريخه ١٤١/١ - وأخرجه ابن أبى حاتم فى
تفسيره ١٥٥١/٥ (٨٨٩٥) عن الحسن بن يحيى به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١١/٣ إلى عبد بن
حميد وابن المنذر وأبى الشيخ .
(٢) تفسير سفيان ص ١١٣ من قوله ، وأخرجه ابن عساكر فى تاريخه ١٤٢/١ من طريق الأشجعى عن
سفيان به ، ثم قال : رواه قبيصة عن الثورى وأسقط منه الحسن .
(٣ - ٣) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س، ف .
(٤ - ٤) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((هى)).
(٥) فی ف: « بار کنا)).
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٥١/٥ (٨٨٩٦) من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه
عبد الرزاق فى تفسيره ٢٣٤/١ - ومن طريقه ابن عساكر فى تاريخه ١٤٢/١ - عن معمر به، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ١١١/٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.
(٧) فى ص، م، ت ١، ف: (( یعنی)).
٤٠٦
سورة الأعراف : الآية ١٣٧
ومغاربها . وأن قولَه ﴿ وَأَوْرَثْنَا﴾. إنما وقَع على قولِه: ﴿ الَّتِى بَرَّكْنَا فِيهَا﴾ . وذلك
قولٌ لا معنَى له؛ لأن بنى إسرائيلَ لم يكنْ يستضعِفُهم أيامَ فرعونَ غيرُ فرعونَ وقومِه ،
ولم يكن له سلطانٌ إلا بمصرَ، فغيرُ جائزٍ والأمرُ كذلك أن يقالَ : الذين يُستضعَفون
فى مشارقِ الأرضِ ومغاربها .
فإن قال قائلٌ : فإنَّ معناه: فى مشارقٍ أرضٍ مصرَ ومغاربها . فإن ذلك بعيدٌ مِن
المفهومِ فى الخطابِ، مع خروجِه عن ١١ أقوالِ أهلِ التأويلِ والعلماءِ بالتفسيرِ.
٤٤/٩
وأما قولُه: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى﴾. فإنه يقولُ: وفَى وعدُ اللَّهِ
الذى وعَد بنى إسرائيلَ / بتمامِه، على ما وعدَهم مِن تمكينهم فى الأرضِ، ونصرِه
إياهم على عدوّهم فرعونَ. وكلمتُه الحسنى قولُه جلّ ثناؤه: ﴿ وَثُرِيدُ أَنْ ثَّمُنَّ عَلَى
الَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ فِي الْأَرْضِ وَنَجْمَلَهُمْ أَبِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَرِثِنَ ﴾ وَثُمَكِنَ
لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَحُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ﴾
[ القصص : ٥، ٦].
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عیسی ، عن ابن أبى
تَجِيحِ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِىّ
إِسْرَِّ يلَ﴾. قال: ظهورُ قوم موسى على فرعونَ، وتمكينُ اللَّهِ لهم فى
الأرضِ، ("وما ورثهم منها(1).
(١) فى الأصل: ((من)).
(٢) فى الأصل، ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((ظهر)).
(٣ - ٣) فى ص، ت١، س: ((ما)).
(٤) تقدم تخريجه فى ص ٣٩٤ .
٤٠٧
سورة الأعراف : الآية ١٣٧
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ بنحوه .
وأما قولُه: ﴿ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ﴾. فإنه يقولُ:
وأهلكنا ما [٤٣/٢٠ظ] كان فرعونُ وقومُه يصنعونه مِن العماراتِ والمزارعِ، ﴿ وَمَا
كَانُواْ يَعْرِشُونَ﴾. يقولُ: وما كانوا يبنون مِن الأبنيةِ والقصورِ، فأخرجناهم
مِن ذلك كلِّه، وخرَّبْنا جميعَ ذلك .
وقد بيَّنا معنى (( التعريشِ)) فيما مضى بشواهده (١).
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی المثنى، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال : ثنی معاویةُ ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ
فى قوله: ﴿ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ﴾. يقولُ: يبنون(٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابنٍ أبى نجيح، عن
مجاهدٍ: ﴿ يَعْرِشُونَ﴾: بينون البيوتَ والمساكنَ ما بلغَت، وكان عِنَبُهم غيرَ معروشٍ(١).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبِى تَجَيحٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
واختلَفت القرَأَةُ فى قراءةٍ ذلك؛ فقرأته عامَّةُ قرَأَةِ الحجازِ والعراقِ :
(١) ينظر ما تقدم فى ٤/ ٥٨٥.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٥٢/٥ (٨٩٠٠) من طريق الضحاك، عن ابن عباس.
(٣) فى الأصل، ص، ت ١، س، ف: ((معرش)).
والأثر تقدم تخريجه فى ص ٣٩٤ .
٤٠٨
سورة الأعراف : الآيتان ١٣٧، ١٣٨
﴿ يَعْرِشُونَ﴾. بكسرِ الراءِ، سوى عاصم بنِ أبى النجودِ، فإنه قرأَه بضمُّها (١).
مس
وهما لغتان مشهورتان فى العربِ ، يقالُ: عرَش يعرِش ويعرُش.
فإذا كان ذلك كذلك ، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ ؛ لاتفاقٍ معنى (١) ذلك،
وأنهما معروفتان (١) مِن كلام العربِ، وكذلك تفعَلُ العربُ فى ((فعَل)) إذا ردَّته إلى
الاستقبالِ، تضمُ(٤) العينَ منها(*) أحيانًا، (" وتَكْسِرُ) أحيانًا، غيرَ أن أحبَّ القراءتين إلىّ
كسرُ الراءِ؛ [٤٤/٢٠ و] لشهرتِها فى العامَّةِ، وكثرة القرأةِ بها، وأنها أفصَحُ(٧) اللُّغتين.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿ وَجَزْنَا بِبَنِىّ إِسْرَّهِ يلَ الْبَحْرَ فَأَتَوَأْ عَلَى قَوْمٍ
يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَاءٍ لَّهُمَّ قَالُواْ يَمُوسَى أَجْعَل لَّا إِلَهَا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ
قَوْمٌ تَجْهَلُونَ
١٣٨
٤٥/٩
/ يقولُ تعالى ذكره: وقطعنا ببنى إسرائيلَ البحرَ بعدَ الآياتِ التى أريناهموها
والعبرِ التى عاينوها على يَدَى نبيِّ اللَّهِ موسى، فلم تزجُرْهم تلك الآياتُ، ولم تعِظُهم
تلك العبرُ والبيناتُ، حتى قالوا مع معاينتهم مِن (٨مُجَجِ اللَّهُ) ما يحقُّ أن تَذَكَّرَ (٩)
معها البهائمُ، إذ مرّوا ﴿عَلَى قَوْمٍ يَعَكُفُونَ عَلَى أَصْنَاءٍ لَّهُمْ﴾. يقولُ: يُقيمون(١٠)
(١) فى رواية أبى بكر عنه، وهى أيضا قراءة ابن عامر، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم فى رواية حفص
وحمزة والكسائى بكسر الراء. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٢٩٢.
(٢) فى م، ت ٢، س، ف: ( معنی)).
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س ف: ((معروفان)).
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((بضم)).
(٥) فى م: ((منه)) .
(٦ - ٦) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((وبكسرها))، وفى م: (( وتكسره)).
(٧) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: ((أصح)).
(٨ - ٨) فى ص، ت ١، س، ف: ((حجج))، وفى م: ((الحجج)).
(٩) فى م، ت ١، س، ف: ((یذکر)).
(١٠) سقط من: ت ٢، وفى ص، م، ت ١، س، ف: ((يقومون)).
٤٠٩
سورة الأعراف : الآية ١٣٨
على مُثُلٍ(١) لهم يعبدونها مِن دونِ اللَّهِ -: ﴿أَجْعَل لَّنَا﴾ يا موسى ﴿إِلَّهَا﴾ .
يقولُ: مِثالًا نعبُدُه، وصنَمًا نتخذُه إلهًا، كما لهؤلاءِ القوم أصنامٌ يعبدُونها . ولا
تنبغى العبادةُ لشىءٍ سوى اللَّهِ الواحدِ القهارِ. قال(٢) موسى صلواتُ اللهِ عليه:
﴿إِنَّكُمْ﴾ أيُّها القومُ، ﴿ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ عظمةَ اللَّهِ وواجبَ حقٌّه عليكم، ولا
تعلمون أنه لا تجوزُ العبادةُ لشىءٍ سوى اللَّهِ الذى له ملكوتُ (٣) السماواتِ والأرضِ.
وذُكِر عن ابنِ جريجٍ فى ذلك ما حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنی
حجاجٌ: ﴿ وَجَوَزْنَا بِبَنِيّ إِسْرَّهِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوَأْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَاءِ
لَّهُمْ﴾. قال ابنُ جريج: ﴿عَلَى أَصْنَاءٍ لَّهُمْ﴾. قال: تماثيلٍ بقرٍ، فلما كان عجلُ
السامرىِّ شَبَّهَهُ(٢) لهم أنه مِن تلك البقرِ، فذلك كان(*) أولَّ شأنِ العجلِ، ﴿قَالُواْ
يَمُوسَى أَجْعَل لَّنَّا إِلَهَا كُمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ (١).
وقيل: إن القومَ الذين كانوا عُكُوفًا على أصنام لهم، الذين ذكرهم اللَّهُ فى
هذه الآية - قومٌ كانوا مِن لَخْم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عمرَ ، قال: ثنا العباسُ بنُّ
الفضلِ ، عن أبى العوّامِ، عن قتادةَ: ﴿فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَ أَصْنَاءٍ لَّهُمَّ﴾ .
(١) المثل ، جمع المثال: وهى صورة الشىء التى تمثل صفاته .
(٢) فى م: (( وقال)).
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: ((ملك)).
(٤) فى م: (( شبه)).
(٥) سقط من: الأصل، ص، ت ١، ت ٢، س، ف.
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٤/٣ إلى المصنف وابن المنذر.
(٧) فى م، ت ٢: ((عمرو)).
(٨) فى ص، م، ت ١، س، ف: ((المفضل)).
٤١٠
سورة الأعراف : الآية ١٣٨
قال: على لحم(١).
وقيل : إنهم قومٌ(٣) كانوا مِن الكنعانيين الذين أُمِر موسى عليه السلامُ بقتالهم.
وقد حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ ، عن
الزهرىِّ، أن أبا واقد الليثيّ قال: خرَجنا مع رسولِ اللَّهِ مَظَاهِ قِبَلَ حُنَيْنِ، فمرَرْنا
بسِدرَةٍ(٣) ، قلتُ: يا نبيَّ اللَّهِ، اجعلْ لنا هذا(٤) ذات أنواطٍ كما للكفارِ ذاتُ أنواطٍ -
وكان الكفارُ يَنوطون(٥) سلاحهم بسدرةٍ " ويعكُفون) حولَها - فقال النبىُ عَامٍ:
((اللَّهُ أَكْبَرُ! هَذَا كَمَا قالَتْ بَثُو إِسْرَائِيلَ لُوسَى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهَا كما لهم آلهَةٌ . إِنَّكم
ستَرْكَبُونَ سَنَنَ الذين مِن قَبْلِكم » .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
الزهرىِّ، عن سنانٍ بن أبی سنانٍ ، عن أبى (٢) واقد الليثيّ، قال: خرجنا مع رسول
اللَّهِ مَّهِ قِبَلَ حنينٍ، فمرَرْنا بسِدرةٍ ، فقلنا: يا نبيّ اللَّهِ، اجعلْ لنا هذه ذات أنواطٍ.
فذكر نحوه(٨) .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٥٣/٥ (٨٩٠٤) من طريق بشر به.
(٢) سقط من: م، ت ٢، ف.
(٣) السدرة: واحدة السّذْر، وهو شجر النبق. ينظر الوسيط (س در).
(٤) فى م: (( هذه)) .
(٥) ينوطون: أى يعلقون . الوسيط (ن وط).
(٦ - ٦) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت٣، س، ف: ((يعكفون)).
(٧) سقط من: م.
(٨) أخرجه معمر فى جامعه (٢٠٧٦٣)، وعنه عبد الرزاق فى تفسيره ١/ ٢٣٥، ومن طريقه أخرجه أحمد
٢١٨/٥ (الميمنية)، والنسائى فى الكبرى (١١١٨٥)، والطبرانى (٣٢٩٠). وأخرجه الطيالسى (١٤٤٣)،
وابن أبى شيبة ١٠١/١٥، وأحمد ٢١٨/٥ (الميمنية)، والترمذى (٢١٨٠)، وابن أبى حاتم فى
تفسيره ١٥٥٣/٥ (٨٩٠٦)، والبيهقى فى الدلائل ١٢٥/٥، وغيرهم من طريق الزهرى به. وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ١١٤/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه .
٤١١
سورة الأعراف : الآيتان ١٣٨ ، ١٣٩
[٤٥/٢٠ و] حدَّثنى المثنى، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حمادٌ، عن محمدِ بنِ
إسحاق ، عن الزهرى، عن سنانِ بنِ أبی سنان ، عن أبی واقد الليثىِّ ، عن رسولِ
اللَّهِ عَلِ نحوَه(١).
«حدثنی المثنی ، قال): حدثنا أبو (١) صالح، قال: ثنی الليثُ ، قال : ثنی
عُقِيلٌ، عن ابنٍ شهابٍ ، قال : أخبرنى سنانُ بنُ أبى سنانِ الدِّيلُ، عن أبى واقدٍ
الليثىِّ، أنهم خرجوا مِن مكةَ مع رسولِ اللهِ عَه إلى حُنينٍ. قال: وكان للكفارِ
سِدرةٌ يعكُّفون عندها ويعلِّقون بها أسلحتَهم، يقالُ لها: ذاتُ أنواطٍ . قال :
فمرَرنا / بسدرةٍ خضراءَ عظيمةٍ . قال : فقلنا: يا رسولَ اللَّهِ ، اجعل لنا ذات أنواطٍ .
قال: ((قُلتم والذى نَفْسِى بِيَدِهِ ما قالَ قَوْمُ موسى: اجْعَلْ لَنَا إلَهَا كمَا لهم آلِهَةٌ .
قالَ: إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ. إِنَّهَا السَّنَنُ، لِتَوْكَبُنَّ سَنَنَّ مَنْ كَان قَبْلَكُمْ))(٤) .
٤٦/٩
القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿ إِنَّ هَؤُلَاءٍ مُتَبِّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَيَطِلٌ مَّا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ
١٣٩
وهذا خبرٌ مِن اللَّهِ جلِّ ثناؤه عن قِيلِ موسى لقومِه مِن بنى إسرائيلَ . يقولُ جلَّ
ثناؤه : قال لهم موسى : إنَّ هؤلاء العُكُوفَ على هذه الأصنام ، اللَّهُ مُهلِكُ ما هم فيه
مِن العملِ ومفسدُه ومُخْسِرُهم فيه بإثابَتِه إياهم عليه العذابَ المهينَ. ﴿ وَيَطِلٌ مَّا
كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِن عبادتِهم [٤٥/٢٠ظ] إياها، فمُضْمَحِلٌ؛ لأَنَّه غيرُ نافِعِهمْ
(١) سيرة ابن هشام ٢ / ٤٤٢، وأخرجه الطبرانى (٣٢٩٣)، والبيهقى فى الدلائل ١٢٤/٥ من طريق محمد
ابن إسحاق به .
(٢ - ٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: ((ابن))، وكلاهما صواب .
(٤) أخرجه البخارى فى تاريخه ١٦٢/٤، ١٦٣ عن أبى صالح به مختصرا، وأخرجه أحمد ٢١٨/٥
(الميمنية) من طريق الليث به .
(٥) فى م: ((نافع)).
٤١٢
سورة الأعراف : الآية ١٣٩
عندَ مجىءٍ أمرِ اللَّهِ وحلولِه بساحتِهم، ولا مدافعٌ عنهم بأسَ اللَّهِ إذا نزل بهم، ولا
مُنقذُهم مِن عذابِه إذا عذّبَهم فى القيامةِ ، فهو فى معنى ما لم يكنْ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضلِ، وحدَّثنى موسى بنُ
هارونَ ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قالا جميعًا: حدثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿ إِنَّ
هَؤُلَاءٍ مُتَبِّرٌ مَّا هُمْ فِهِ﴾. يقولُ: مهلَكٌ ما هم فيه(١) .
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءٍ مُتَبِّرُّ مَاهُمْ فِيهِ﴾. يقولُ: خُشْرانٌ (٢) .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ إِنَّ
هَؤُلَاءٍ مُتَبِرٌ مَّاهُمْ فِيهِ﴾. قال: المُثُ المخَشَرُ. وقال: المُثَرُ والباطلُ سواءٌ. وقرأ:
﴿إِنَّ هَؤُلَاءٍ مُتَبِّرٌ مَا هُمْ فِهِ ) وَيَطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. قال: هذا كلُّه واحدٌ؛
كهيئةِ غفور رحيمٍ ، عفوًّ غفورٍ. قال: والعربُ تقولُ: إنه البائشُ المَكْوُ(٤) ، وإنه
البائسُ المُخَشِّرُ(٥) .
(١) تقدم تخريجه فى ص ٣٨٨ .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٥٣/٥ (٨٩٠٨) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ١١٤/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.
(٣ - ٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.
(٤) فى الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ف: ((لمتبر)).
(٥) فى الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ف: ((مخسر)).
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٥٥٣، ١٥٥٤ (٨٩٠٩) من طريق أصبغ ، عن ابن
زید .
٤١٣
سورة الأعراف : الآيتان ١٤٠، ١٤١
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿ قَالَ أَغَيْرَ اَللَّهِ أَبْفِيكُمْ إِلَهَا وَهُوَ
٤٠
فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ
[٤٦/٢٠ و] يقولُ تعالى ذكرُه : قال موسى لقومِه: أسوى اللَّهِ ألتمِشكم إلهًا
وأَجْعَلُ لكم معبودًا تعبُدونه، واللَّهُ الذى هو خالقُكم فضَّلَكم على عَالَى دهر كم
وزمانِكم. يقولُ: أفأبغيكم معبودًا لا ينفعُكم ولا يضرُّكم تعبدونه وتترُكون عبادةَ
مَن فضَّلَكم على الخلقِ؟ إن هذا بكم (١) لجهلٌ!
٤٧/٩
/القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَإِذْ أَنَيْنَكُمْ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ
يَسُومُونَكُمْ سُوّءَ الْعَذَابٍ يُقَطِّلُونَ أَبْنَاءَ كُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَآءٌ مِّنْ
رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ
يقولُ تعالى ذكرُه لليهودِ مِن بنى إسرائيلَ الذين كانوا بینَ ظَهْرَانَی مُهاجَرٍ
رسولِ اللَّهِ مَ له: واذكروا مع قِيلِكم هذا الذى قلتموه لموسى بعدَ رُؤْيَتِكم مِن الآياتِ
والعبرِ، وبعدَ النعم التى سلَفت منى إليكم، والأيادى التى تقدمت فِعْلَكم ما
فَعَلتم - ﴿ إِذْ أَنْجَيْنَكُم مِّنْ ءَالٍ فِرْعَوْنَ﴾، وهم الذين كانوا على مِنهاجِه
وطريقتِه فى الكفرِ باللّهِ مِن قومِه، ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ﴾. يقولُ: إِذ
يحمِّلونكم قُبْحَ (١) العذابِ وسيِّئَه .
وقد بيًّا فيما مضى مِن كتابنا هذا ما كان العذابُ الذى كان يسومُهم سيّئَه (١).
يُقَلِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ﴾. [٤٦/٢٠ظ] يعنى": الذكورَ مِن أولادهم،
(١) فى م: ((منكم)).
(٢) فى م: ((أقبح)).
(٣) ينظر ما تقدم فى ١/ ٦٤٤، ٦٤٥.
(٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.
٤١٤
سورة الأعراف : الآيتان ١٤١، ١٤٢
وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَ كُمْ﴾. يعنى(١): يستبقُون إناثَهم، ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِّنْ
رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾. يقولُ: وفى سَوْمِهم إياكم سُوءَ العذابِ اختبارٌ مِن اللَّهِ
لكم "ونعمةٌ عظيمةٌ(٢) .
القولُ فى تأويل قوله جل وعزَّ: ﴿ وَوَعَدْنَا مُوسَى ثَثِينَ لَيْلَةُ وَأَتْمَمْنَهَا بِعَشْرٍ
فَتَمَّ مِيقَتُ رَيِّهِ- أَرْبَعِينَ لَيْلَةُ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه : وواعدْنا موسى لمناجاتِنا ثلاثينَ ليلةً . وقيل : إنها ثلاثون
ليلةٌ مِن ذِى القَعْدَةِ. ﴿ وَأَتْمَمْنَهَا بِعَشْرٍ﴾. يقولُ: وَأَتَمَمْنا الثلاثين الليلةَ بعشرٍ ليالٍ
تَتِمةً أربعين ليلةً . وقيل: إن العشرَ التى أتَّها بها(٢) أربعين عشرُ ذى الحِجَّةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ :
وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَثِينَ لَيْلَةُ وَأَتْمَمْنَهَا بِعَشْرٍ﴾. قال: ذو القَعدَةِ وعشرُ ذى
(٤)
الحِجَّةِ(٤).
(٥ حدَّثنا ابنُْ وكيع، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ وَوَعَدْنَا
مُوسَى ثَلَثِينَ لَيْلَةُ وَأَتْمَمْنَهَا بِعَشْرٍ﴾. قال: ذو القَعدةِ وعشرُ ذى الحِّةِ، ففى
ذلك اختلَفوا .
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: ((يقول)).
(٢ - ٢) فى ص، م، ت ١، ف: ((وتعمد عظيم))، والتاء فى ص، ت١ غير منقوطة، وفى ت ٢: (( وبعد
عظیم )) .
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: ((به)).
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٣٦/١ عن الثورى به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٤/٣، ١١٥
إلی عبد بن حميد .
(٥ - ٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.
٤١٥
سورة الأعراف : الآية ١٤٢
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَوَعَدْنَا مُوسَى ثَثِينَ لَيْلَةُ﴾: هو ذو القَعدةِ وعشرٌّ مِن ذى الحِجَّةِ ،
فذلك قوله : ﴿فَتَمَّ مِيقَتُ رَيِِّ- أَرْبَعِينَ لَيْلَةٌ﴾ .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأُعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه ، قال :
زعَم الحضرميُّ أن الثلاثين التى كان واعد موسى ربُّه [٤٧/٢٠ و] كانت ذا القَعدةِ ،
والعشرَ مِن ذى الحِبَّةِ التى تمّمَ اللَّهُ بها الأربعين (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَوَاعَدْنَا / مُوسَى ثَثِينَ لَيْلَةٌ﴾. "قال: ذو القَعدةِ). ﴿ وَأَتْمَمْنَهَا
بِمَشْرٍ﴾. "قال: عشرُ ذى الحجةِ. قال ابنُ جريجٍ: قال ابنُ عباسٍ مثلَه (١).
٤٨/٩
حدَّثنى الحارثُ ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ ، قال: سمِعت
مجاهدًا يقولُ فى قولِهِ: ﴿ وَوَعَدْنَا مُوسَى ثَثِينَ لَيْلَةُ وَأَتْمَمْنَهَا بِعَشْرٍ﴾. قال:
ذو القَعدةِ ، والعشرُ الأُوَلُ من ذى الحِجَّةِ .
" وحدَّثنى الحارثُ)، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبى
إسحاقَ ، عن مسروقٍ: ﴿وَأَتْعَمْنَهَا بِعَشْرٍ﴾. قال: عشرُ الأضحَى(٦) .
وأما قولُه: ﴿فَتَمَّ مِيقَتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾. فإنه يعنى: فكمَل الوقتُ
ج
(١) علقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٥٧/٥ (٨٩٢١) عن هُزيم بن عبد الأعلى ، عن معتمر بن سليمان به .
(٢ - ٢) فى الأصل، ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((ذو القعدة قال)).
(٣ - ٣) سقط من: الأصل، ص، ت ١، ت ٢، س، ف.
(٤) أثر ابن عباس أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٥٦/٥ (٨٩٢٠) من طريق عطاء عن ابن عباس ، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ١١٤/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.
(٥ - ٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.
(٦) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٥٦/٥ عقب الأثر (٨٩٢٠) معلقا .
٤١٦
سورة الأعراف : الآية ١٤٢
الذى وعَد (١) اللَّهُ موسى أربعين ليلةً وبلَغها .
كما حدثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مجريج ،
قال: ﴿فَتَمَّ مِيقَتُ رَيِّدِهِ﴾. قال: فبلَغ ميقاتُ ربِّه أربعين ليلةٌ .
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿ وَقَالَ مُوسَى لِأَخِهِ هَرُونَ آَخْلُفْنِى فِ قَوْمِی
١٤٢
وَأَصْلِحْ وَلَا تَنَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ
يقولُ جل ثناؤه: لما مضى موسى(٢) لموعدِ ربِّه قال لأخيه هارونَ: ﴿ آَخْلُفْنِي فِی
قَوْمِى﴾. يقولُ: كنْ خليفتى فيهم إلى أن أرجعَ. يقالُ منه: خلَفه يخلُفه خِلافَةً.
﴿ وَأَصْلِحْ﴾ . يقولُ: وأصلِخْهم بحَمْلِك إياهم على طاعةِ اللَّهِ وعبادته .
كما حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مُریجٍ،
قال: قال موسى لأخيه هارونَ: ﴿اَخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحَ﴾. وكان [٤٧/٢٠ ظ]
مِن إصلاحِه ألا يدعَ (١) العجلَ يُعبدُ .
وقولُه: ﴿ وَلَا تَنَِّعِ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾. يقولُ: ولا تَسْلُكْ طريقَ الذين
يُفسِدون فى الأرضِ بمعصيتِهم ربَّهم، ومعونتِهم أهلَ المعاصى على عِصْيانِهم
ربَّهم، ولكن اسْلُكْ سبيلَ المطيعين ربَّهم .
(" وكانت" مواعدةُ اللَّهِ موسى عليه السلامُ بعدَ أن أهلكَ(٥) فرعونَ، ونَجَّى منه
بنى إسرائيلَ ، فيما قال أهلُ العلمِ .
كما حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ
(١) فى م: (( واعد)).
(٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.
(٣) فى الأصل: (( تدع)).
(٤ - ٤) فى ص، م، ت ١، س، ف: ((فكانت))، وفى ت ٢: ((وكان)).
(٥) فى الأصل: ((ملك)).
٤١٧
سورة الأعراف : الآية ١٤٢
قوله: ﴿ وَوَعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةُ ﴾ الآية. قال: يقولون (١) : إن ذلك بعد ما فرَغ
من فرعونَ وقبلَ الطورِ ، لما نَجِّى اللَّهُ موسى عليه السلامُ مِن البحرِ وغَرَّق آلَ فرعونَ،
وخلص إلى الأرضِ الطيبةِ ، أنزل اللَّهُ عليهم فيها المنَّ والسلوى، وأمَره ربُّه أن يلقاه ،
فلما أراد لقاءَ ربِّه استخلَف هارونَ على قومِه ، وواعدهم أن يأتيَهم إلى ثلاثين ليلةً
ميعادًا من قِبَلِهُ مِن غيرِ أمرِ ربِّه ولا ميعادِه، فتوجَّه ليلقَى رَّه. قال(٢): فلمَّا تَمّت
ثلاثون ليلةً قال عدُّ اللَّهِ السَّامرىُّ: ليس يأتيكم موسى، وما يُصلِحُكم إلا إلهٌ
تعبدونه. فناشَدهم هارونُ وقال: لا تفعلوا ، انظروا(4) ليلتكم هذه ويومَكم هذا،
فإن جاء وإلا فعلتم ما بدا لكم . فقالوا : نعم . فلما أصبحوا من غدٍ ولم يَرَوْا موسى ،
عاد السامرىُّ لمثلٍ قولِهِ بالأمسِ . قال: وأحدَث اللَّهُ الأجلَ بعدَ الأجلِ الذى جعله
نَبِيُهم (٢) عشْرًا، فتمَّ ميقاتُ ربِّه أربعين ليلةً ، فعاد هارونُ فناشَدهم إلا ما نظَروا يومَهم
ذلك أيضًا، فإن جاء وإلا فعلتم ما بدا لكم . ثم عاد السامرىُّ " فى الثالثةِ لمثلُ"
(٧)
قولِه لهم، وعاد هارونُ فناشَدهم أن ينتظروا، فلما لم يَرَوه (١).
[٤٨/٢٠ و] / قال القاسمُ: قال الحسينُ: حدَّثنى حجاج، قال: ثنى أبو بكرِ بنُ ٤٩/٩
عبدِ اللَّهِ الهذلئُ، قال : قام السامرىُّ إلى هارونَ حين انطلق موسى فقال: يا نبيَّ
اللَّهِ ، إِنا اسْتَعَرْنا يومَ خرَجنا مِن القِبْطِ حُلِيًّا كثيرًا من زينتِهم، وإن الجندَ(٤) الذين
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: ((يقول)).
(٢) فی ص، ف، ت ٢، س: ((قیله)) .
(٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.
(٤) فى ت ٢، ف: ((وينظروا)).
(٥) فى م، ت ١، س: ((بينهم))، وفى ف: ((منهم))، والكلمة غير منقوطة فى: ص، ت ٢.
(٦ - ٦) سقط من: ت ١، س، ف، وفى ص، م، ت ٢: ((الثالثة)).
(٧) فى الأصل، ت ٢: ((مثل)).
(٨) كذا فى النسخ، ليس فيها تتمة هذا الأثر.
(٩) سقط من: م .
( تفسير الطبرى ٢٧/١٠ )
٤١٨
سورة الأعراف : الآيتان ١٤٢، ١٤٣
معك قد أسرّعوا فى الحُلِىٌّ يبيعونه وينفقونه، وإنما كان عاريَّةً مِن آلٍ فرعونَ ، فليسوا
بأحياءٍ فنردَّها عليهم ، ولا ندرى، لعلَّ أخاك نبيَّ اللَّهِ موسى إذا جاء يكونُ له فيها
رأىٌ؛ إما أن (١) يُقرِّبَها قربانًا فتأكلَها النارُ، وإما أن (١) يجعلَها للفقراءِ دونَ الأغنياءِ.
فقال له هارون : نعم ما رأیت وما قلت . فأمر منادیًا فنادى : من كان عنده شىءٌ مِن
حُلِىٌّ آلٍ فرعونَ فليأتِنا به . فأتَوه به ، فقال هارونُ: يا سامرىٌّ ، أنت أحقُّ مَن كانت
عندَه هذه الخِزانةُ . فقبَضها السامرىٌّ، (٢ وكان٢) عدوًّ اللَّهِ الخبيثُ صائغًا، فصاغَ
منه عجلًا جسدًا، ثم قذَف فى جَوْفِه تربةً مِن القبضة التی قبض مِن أثرٍ فرسٍ
جبريلَ عليه السلامُ إذ رآه فى البحرِ، فجعَل يخورُ، ولم يَخُوْ إلا(١) واحدةً،
وقال لبنى إسرائيلَ: إنما تَخَلَّف موسى بعد الثلاثين الليلةَ(٤) يلتمسُ هذا، (*)
﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِىَ﴾ [طه: ٨٨]. يقولُ: إن موسى عليه السلامُ
نسِی ربّه .
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿ وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَلِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبّ
أَرِّ أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَئِ وَلَكِنِ أَتُرْ إِلَى الْجَبَلِ [٤٨/٢٠ظ] فَإِنِ أُسْتَقَرَّ
مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَِىّ﴾ .
يقولُ تعالى ذكره: ولما جاء موسى للوقتِ الذى وعدناه(١) أن يلقانا(٧) فيه،
وكلَّمه ربُّه وناجاه، قال موسى لربِّه: ﴿ أَرِفِ أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾. قال اللّهُ له مجيبًا:
(١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.
(٢ - ٢) فى الأصل: ((فكان)).
(٣) بعده فى م: ((مرة)).
(٤) فى م: ((ليلة)) .
(٥) سقط من: الأصل، ت ١، ت ٢.
(٦) فى م: ((وعدنا))، وفى ت ١، س، ف: ((وعدنا به))، وفى ت٢: ((وعد ربه)).
(٧) فى ت ٢: ((يلقاه)).
٤١٩
سورة الأعراف : الآية ١٤٣
﴿ لَنْ تَرَِ وَلَكِنِ أَتْقُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ .
و(١) كان سببَ مسألةٍ موسى ربَّه النظرَ إليه ما حدَّثنى به موسى بنُ هارونَ،
قال : ثنا عمرُو بنُ حمّادٍ ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ، قال: إن موسى لما كلَّمه
ربُّه أحبّ أن ينظُرَ إليه، ﴿ قَالَ رَبٍّ أَرِفِ أَنْظُرْ إِلَيْكَّ قَالَ لَنْ تَرَئِ وَلَكِنِ أَنْظُرْ إِلَى
اُلْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَِ﴾. فحَفَّ(١) حولَ الجبلِ الملائكةَ،
وحَفَّ حولَ الملائكةِ بنارٍ ، وحَفَّ حولَ النارِ بملائكةٍ ، و(٢) حولَ الملائكةِ بنارٍ، ثم
تجلى ربئه (٣) للجبلِ(٤).
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
الربيعِ فى قوله: ﴿ وَقَرََّنَهُ نِيًّا﴾ [مريم: ٥٢]. قال: حدثنى من لقِى أصحابَ
النبيِّ عَلِ أَنه قرَّبَه الربُّ حتى سمِع صريفَ القلم ، فقال عندَ ذلك مِن الشوقِ إليه :
﴿رَبِّ أَرِفِ أَنْظُرْ إِلَيْكَّ قَالَ لَنْ تَرَئِ وَلَكِنِ أَنْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ .
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبى بكرٍ الهذلىٌّ ،
قال: لما تخلَّف موسى / بعدَ الثلاثين حتى سمع كلامَ اللَّهِ، اشتاقَ إلى النظرِ إليه ٥٠/٩
فقال: ﴿رَبِّ أَرِ أَنْظُرْ إِلَيْكَّ قَالَ لَنْ تَرَِ﴾. وليس لبشرٍ أن يُطيقَ أن ينظُرَ إلىَّ
فى الدنيا، مَن نظَر إِلىَّ مات. قال: إلهى، سمِعتُ منطقَك فاشتقتُ إلى النظرِ
إليكَ ، وَلأَن أَنظُرَ إِليك [٤٩/٢٠ و] ثم أموتَ أحبُّ إلىَّ مِن أن أعيشَ ولا أراك. قال:
(١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.
(٢) بعده فی م: ((حف)).
(٣) فى الأصل، ص: ((ربك)).
(٤) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٤٢٢، ٤٢٣ بإسناد السدى المعروف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/
١٢٠ إلى المصنف وابن مردويه والحاكم عن ابن عباس. وهو عند الحاكم ٥٧٦/٢ من طريق عمرو عن
أسباط عن السدى عن عكرمة عن ابن عباس، وفيه زيادة ستأتى فى ص ٤٢٧، ٤٣٥.
٤٢٠
سورة الأعراف : الآية ١٤٣
فانظر إلى الجبلِ، فإن استقرَّ مكانه فسوفَ ترانى.
حدَّثنی المثنی ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال : ثنی معاویةُ ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿أَرِفِ أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾. قال: أعطنى (١).
حدّثنا ابنُ حمیدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، عن ابن إسحاقَ ، قال : استخلَف موسی
هارونَ على بنى إسرائيلَ وقال: إنى مُتعجّلٌ إلى ربِّى، فاخلُفْنى فى قومى(١) ولا تتبغ
سبيلَ المفسدين. فخرَج موسى إلى ربِّه متعجّلًا للُقِيَّه شوقًا إليه، وأقام هارونُ فى بنى
إسرائيلَ ومعه السامرىُّ يسيرُ بهم على أثرٍ موسى ليُلْحِقَهم به، فلما كلَّم اللَّهُ موسى
طمِعٍ فى رؤيته، فسأل ربّه أن ينظُرَ إليه، فقال اللَّهُ له: إِنَّكَ ﴿لَنْ تَرَِ وَلَكِنِ أَتُرْ إِلَى
اَلْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَبِىّ﴾ الآية(٣) .
قال ابنُّ إسحاقَ: فهذا ما وصَل إلينا فى كتابِ اللَّهِ مِن(٤) خبرٍ موسى فيما (٥)
طلَب مِن(١) النظرِ إلى ربِّه، وأهلُ الكتابِ يزعمون وأهلُ التوراةِ أَنْ قد كان لذلك
تفسيرٌ وقصةٌ وأمورٌ كثيرةٌ ومراجعةٌ لم تأتِنا فى كتابِ اللَّهِ، فاللَّهُ أعلم .
قال ابنُ إسحاقَ عن بعضٍ أهلِ العلمِ الأولِ بأحاديثِ أهلِ الكتابِ أنهم
یچدون فی تفسیرِ ما عندهم مِن خبرٍ موسی حین طلَب ذلك إلى ربِّه ، أنه كان مِن
کلامِه إِیاه حین طمع فى رؤيته وطلب ذلك منه ، وردًّ علیه ربُّه (٧منه ما" ردًّ - أن
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٥٩/٥ (٨٩٣١) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ١١٨/٣ إلى أبى الشيخ.
(٢) بعده فى ف: (( وأصلح )) .
(٣) سقط من : الأصل، ف.
(٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: ((عن)) .
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((فلما))، وفى م: ((ما)).
(٦) سقط من : م .
(٧ - ٧) فى ف: ((مما)).