Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
سورة الأعراف : الآية ٥٣
عذابِ اللَّهِ، وصِلِيّهم نارَ(١) جَحيمِه، وأشباهِ ذلك(٢) مما أَوْعَدهم اللَّهُ به.
وقد بيَّنا معنى التأويلِ فيما مضى بشَواهدِه، بما أُغْنَى عن إعادتِه فى هذا
(٣)
الموضعِ().
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا
تَأْوِيلَةٌ﴾. أى: ثوابَه، ﴿يَوْمَ يَأْتِ تَأْوِيلُ﴾ [٥٩/١٩] أى: ثوابُهُ(٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةَ :
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ﴾. قال: تأويلُه عاقبتُه(٥) .
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةً، عن شبلٍ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾. قال: جزاءَه، ﴿يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ﴾. قال:
مـ (٦)
جزاؤُ(٦) .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا يحيى بنُ أبى زائدةً ، عن ابنِ أبى نجيح ، عن مجاهد
مثلَه .
(١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((هذا))، وفى ف: ((بهذا)).
(٣) ينظر ما تقدم فى ٢٢٢/٥.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٩٤/٥ (٨٥٥٧) من طريق يزيد به .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٩٤/٥ (٨٥٦٢) عن محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق
فى تفسيره ٢٣٠/١ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩٠/٣ إلى أبى الشيخ.
(٦) تفسير مجاهد ص ٣٣٨، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٩٤/٥ (٨٥٦١)، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٩٠/٣ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ. (تفسير الطبرى ١٦/١٠)

٢٤٢
سورة الأعراف : الآية ٥٣
٢٠٤/٨
/ "حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: حدَّثنا أبو عاصم، قال: حدَّثنا عيسى،
عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿تَأْوِيلٌَّ﴾. قال: جَزَاؤُه(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ :
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾: أما تأويلُه، عَواقِئُه، مثلُ وقعة بدرٍ ، والقيامةِ ، وما وَعَدَ
(٢)
فيه مِن موعدٍ
٠
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
الربيع بنٍ أنسٍ فى قولِه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ
مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَيِّنَا بِالْحَقِّ ﴾: فلا يزالُ يقعُ مِن (١) تأويلِه أمرٌ بعدَ أمرٍ، حتى يتمَّ
تأويلُه يومَ القيامةِ ، ففى ذلك أَنزَل اللَّهُ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَةٍّ﴾. حيثُ أثابَ اللَّهُ
جلَّ ثناؤه أولياءَه وأعداءَه ثوابَ أعمالِهِم، ﴿يَقُولُ﴾ يومئذٍ ﴿الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ
قَدْ جَتْ رُسُلُ رَيِّنَا بِالْحَقِّ ﴾ الآيةُ().
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی ابی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيَّ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ﴾: فهو (٥) يومُ
(٦)
القيامة
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله : ﴿ یَوْمَ يَأْتِی
.
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٩٤/٥ (٨٥٥٨) من طريق أحمد بن المفضل به.
(٣) زيادة من : م.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٩٤/٥ (٨٥٦٠) من طريق عبد الله بن أبى جعفر به بمعناه، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٩٠/٣ إلى أبى الشيخ.
(٥) فى م: (( قال).
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٩٤/٥ (٨٥٥٩) عن محمد بن سعد به .

٢٤٣
سورة الأعراف : الآية ٥٣
تَأْوِيلُ﴾. قال: (يومَ تأتى حقيقتُه١). وقرَأ قولَ اللهِ تعالى: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُهْيَىَ مِن
قَبْلُ﴾ [يوسف: ١٠٠]. قال: هذا تحقيقُها. وقرَأ قولَ اللَّهِ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ:
[٠/١٩ ٦ظ] إِلَّا اللَّهُ﴾: قال: ما يعلمُ حقيقته، ومتى يأتى، إلا اللَّهُ(١).
وأما قوله: ﴿ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ﴾ فإن معناه: يومَ
يجىءُ ما يَقُولُ إليه أمرُهم مِن عقابِ اللَّهِ ﴿ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ﴾، أى:
يقولُ الذين ضَيَّعوا، وتَرَكوا ما أُمِروا به مِن العملِ المُنُجِيهم مما آلَ إليه أمرُهم يومَئذٍ مِن
العذابِ، مِن قبلِ ذلك فى الدنيا: لـ﴿قَدْ جَتْ رُسُلُ رَيِّنَا بِالْحَقِّ ﴾، أقسم
المساكينُ حينَ عايَنوا البلاءَ، وحَلَّ بهم العقابُ، إن رُسُلَ اللَّهِ التى أَتَتْهم بالنِّذَارةِ ،
وبَلَّغَتْهم عن اللَّهِ الرسالةَ، قد كانت نَصَحَت لهم، وصَدَقَتْهم عن اللَّهِ، وذلك حينَ
لا ينفعُهم التصديقُ، ولا يُنَجِّيهم مِن سَخَطِ اللَّهِ وأليم عقابِهِ، كثرةُ القالِ والقيلِ .
وبنحوِ ما قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ(١٢) بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدئِّ: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَيِّنَا بِالْحَقِّ﴾: أما ﴿ الَّذِينَ
فَسُوُهُ﴾ فَتَرَكوه، فلما رَأَوا ما وَعَدَهم أنبياؤُهم اسْتَثْقَنوا فقالوا: ﴿ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ
رَيْنَا بِالْحَقِّ﴾(٤).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
(١ - ١) فى م: ((يأتى تحقيقه)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٩٤/٥ (٨٥٦٣)، من طريق أصبغ، عن ابن زيد بنحوه.
(٣) بعده فى م: (( بن عمرو)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٩٥/٥ (٨٥٦٥، ٨٥٦٦) من طريق أحمد به .

٢٤٤
سورة الأعراف : الآ ية ٥٣
نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ﴾: أعْرَضُوا عنه (١).
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا أبو حذيفةً ، قال : ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَةُ
فَتَغَمَلَ غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ [٥٦٠/١٩] قَدْ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ
يَفْتَرُونَ
٥٣
وهذا خبرٌ مِن اللَّهِ جلّ ثناؤه عن هؤلاء المشركين الذين وَصَفَ صِفَتَهم أنهم
٢٠٥/٨ يقولون عندَ حلولٍ سَخَطِ / اللَّهِ بهم، ووُرُودِهم أليمَ عذابِهِ، ومُعاينَتِهم تأويلَ ما
كانت رسلُ اللَّهِ تَعِدُهم: هل لنا مِن أصدقاءَ وأولياءَ اليومَ، فَيَشْفَعوا لنا عندَ ربِّنا ،
فُتَجِّنا شفاعتُهم عندَه مما قد حَلَّ بنامِن (٢غضبِ اللَّهِ وسَخطِه، وتُرَضِّيَه عنا، أو إن
لم تُرَضِّه عنا، لما قد سلَف منا مِن٢١ سوءٍ فعالِنا فى الدنيا، فهل(١) نُرَدُّ إلى الدنيا مرةٌ
أُخرى، فتَعْمَلَ فيها بما يُرْضِيه ويُعْتِبُه مِن أنفسِنا؟ قال هذا القولَ المساكينُ هنالك ؛
لأَنَّهم كانوا عَهِدوا فى الدنيا أنفسَهم لها شفعاءُ تشفعُ لهم فى حاجاتِهم،
فتَذَكَّرو(٤) ذلك فى وقتٍ لا خُلَّةً فيه لهم ولا شفاعةً .
يقولُ اللَّهُ جلّ ثناؤه: ﴿قَدْ خَسِرُوًا أَنْفُسَهُمْ﴾. يقولُ: غَبَتَوا أنفسَهم
◌ُظُوظها ، بنتعهم ما لا خطرَ له مِن نعيم الآخرةِ الدائم ، بالخسیسِ مِن عَرَضِ الدنيا
الزائلِ، ﴿ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾. يقولُ: وأسْلَمَهم لعذابِ اللَّهِ
(١) تفسير مجاهد ص ٣٣٨، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٩٥/٥ (٨٥٦٤).
(٢ - ٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف .
(٣) فى م، ت ١: ((أو)).
(٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((فيذكروا)).

٢٤٥
سورة الأعراف : الآيتان ٥٣، ٥٤
وجارَ عنهم أولياؤُهم الذين كانوا يَعْبُدونهم مِن دونِ اللهِ، ويَزْعُمون كذِبًا وافتراءٌ
أنهم أربابُهم مِن دونِ اللَّهِ.
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ
قولَه: ﴿قَدْ خَسِرُوَاْ أَنْفُسَهُمْ﴾. يقول: بشَّروها(٢) بخُشْرانٍ(٣).
وإنما رُفِع قولُه: ﴿أَوْ نُرَدُّ﴾. ولم يُنْصَبْ عطفًا على قوله: ﴿فَيَشْفَعُواْ﴾ .
لأن المعنى: هل لنا مِن شفعاءَ فيَشْفَعوا لنا ، أو هل نُرَدُّ فنعملَ غيرَ الذى كُنَّا نعملُ؟
ولم يُرَدْ به العطفُ على قولِه: ﴿فَيَشْفَعُواْ﴾
[٦١/١٩ظ] القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ
السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضَ فِى سِتَّةٍ أَيَّامٍ ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ
حَثِيثًا ﴾ .
يقولُ تعالى ذكره : إن سيدَكم ومُصْلِحَ أمورٍ كم أيُّها الناسُ ، هو المعبودُ الذى
له العبادةُ مِن كلِّ شىءٍ ، الذى خَلَقَ السماواتِ والأرضَ فى ستةٍ أيامٍ ، وذلك يومَ
الأحدِ والاثنين والثلاثاءِ والأربعاءِ والخميس والجمعةِ .
كما حدَّثنى المثنى، قال : ثنا الحجاجُ بنُ المِنهالِ ، قال: ثنا أبو عَوَانةَ ، عن
أبى بشرٍ، عن مجاهدٍ ، قال: بَدْءُ الخلقِ العرشُ والماءُ والهواءُ، وخُلِقَت الأرضُ
مِن الماءِ، وبدَأ الخلقَ يومَ الأحدِ والاثنين والثلاثاءِ والأربعاءِ والخميسِ، وُجُمِعَ
الخلقُ فى يومِ الجمعةِ ، فَتَهَوَّدَت اليهودُ يومَ السبتِ . ويومٌ مِنَ الستةِ الأيامِ كألفٍ
سنةٍ مما تَعُدُّون(٤) .
(١) فى ص: ((حاز))، وفى م، ت ٢، ت ٣: ((جاد))، وفى ت ١، س: ((حار))، وفى ف: ((جاز)).
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((شروها)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٩٥/٥ (٨٥٦٩) من طريق أحمد بن مفضل به.
(٤) أخرجه البيهقى فى الأسماء والصفات ٢٤٢/٢ (٨٠٦) من طريق أبى عوانة به، وأخرجه ابن أبى شيبة=

٢٤٦
سورة الأعراف : الآية ٥٤
ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَى اَلْعَرْشِ﴾. وقد ذَكَرنا معنى الاستواءِ واختلافَ الناسِ فيه
فيما مَضَى قبلُ ، بما أغنى عن إعادتِه(١) .
وأما قولُه: ﴿يُنْشِى أَلَيْلَ النَّهَارَ يَطْلُمُ حَثِيثًا﴾. فإنه يقولُ: يُورِدُ الليلَ على
النهارِ فيُلْبِسُه إياه، حتى يُذْهِبَ نَضْرتَه ونورَه، ﴿ يَطْلُبُهُ﴾. يقولُ: يطلبُ الليلُ
النهارَ ﴿حَثِيثًا﴾ . يعنى: سريعًا .
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
٢٠٦/٨
/ ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ:
يَطْلُ حَثِيثًا﴾. يقولُ: سريعًا(٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىّ :
﴿ يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَ [٥٦١/١٩] يَطْلُ حَثِيثًا﴾ . قال: يُعْشى الليلَ النهارَ، فيذهبُ
بضَوْئِه ، ويطلُبُه سريعًا حتى يُدْرِكَه(٢).
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَتٍ بِأَمْرِيَّةٌ
٥٤
أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه : إِن ربّكم اللَّهُ الذى خَلَقَ السماواتِ والأرضَ والشمسَ
= ١٠٦/١٤ من طريق أبى عوانة، عن أبى كثير، عن مجاهد، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩١/٣ إلى
سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(١) ينظر ما تقدم فى ٤٥٤/١ - ٤٥٨.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٩٨/٥ (٨٥٨٢) من طريق أبى صالح به .
(٣) أخرج شطره الأول ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٩٧/٥ (٨٥٨١) من طريق أحمد بن المفضل به، وشطره
الثانى ١٤٩٨/٥ عقب الأثر (٨٥٨٢) من طريق عمرو، عن أسباط به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩٢/٣
إلى أبى الشيخ .

٢٤٧
سورة الأعراف : الآيتان ٥٤، ٥٥
والقمرَ والنجومَ مُسَخَّرًا(١) كلُّ ذلك بأمرِهِ، أَمَرَ هنَّ اللَّهُ فَأَطَعْنَ لأمره(٢)، ألَا له الخلقُ
كلُّه ، والأمرُ الذى لا يُخالَفُ ، ولا يُرَدُّ أمرُه دونَ ما سِواه مِن الأشياءِ كلِّها ، ودونَ ما
عَبْدَه المشركون مِن الآلهةِ والأوثانِ التى لا تضرُّ ولا تنفعُ ، ولا تخلُقُ ولا تأمُرُ، تبارَك
معبودُنا الذى له عبادةُ كلِّ شيءٍ ربُّ العالمين .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا هشام أبو عبدِ الرحمنِ ، قال : ثنا
بقيةُ بنُ الوليدِ ، قال: ثنى عبدُ الغفارِ بنُ عبدِ العزيزِ الأنصارىُّ، عن عبدِ العزيزِ
الشاميِّ، عن أبيه، وكانت له صحبةٌ، قال: قال رسولُ الَّهِ عَلَّه: ((مَن لم يَحْمَدِ
اللَّهَ على ما عَمِلَ مِن عملٍ صالح، وحَمِدَ نفسَه، قَلَّ شُكْرُه، وحَبِطَ عملُه، ومَن
زَعَمَ أن اللَّهَ جَعَلَ للعبادِ مِن الأمرِ شيئًا، فقد كَفَرَ بما أَنْزَلَ اللَّهُ على أنبيائِه ؛ لقولِه :
(أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾))(١).
القولُ فى تأويل قولِه جلِّ ثناؤُه: [٦٢/١٩ظ] ﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةٌ
إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْنَدِينَ
٥٥
يقولُ جلَّ ثناؤه : ادْعُوا أيُّها الناسُ ربَّكم وحدَه، فأَخْلِصوا له الدعاءَ، دونَ ما
تَدْعُون مِن دونِهِ مِن الآلهةِ والأصنامِ ﴿ تَضَرُّعًا﴾. يقولُ: تَذَلَّلاً واستكانةٌ لطاعتِه ،
وَخُفْيَةٌ﴾. يقولُ : بخشوع قلوبكم ، وصحة اليقين منكم بوحدانيته فيما بينكم
وبينَه . لا جهارًا مراءاةً وقلوبُكم غيرُ موقِيةٍ بوحدانيته وربوبيته، فِعْلُ أهلِ النفاقِ
والخداع للَّهِ ولرسولِه .
كما حدَّثنى المُنى، قال : ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ ، عن
(١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف .
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((أمره)).
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٢٣/٣، والحافظ فى الإصابة ٧/ ٢٦٥، وفيهما: عبد الغفار بن عبد العزيز. كما
هذا ، والذى فى كتب التراجم أن اسمه عبد الغفور بن عبد العزيز. ينظر التاريخ الكبير ١٣٧/٦، والجرح والتعديل
٥٥/٦، والثقات ١٢٥/٥، ولسان الميزان ٤ /٤٣، وسيأتى فى ٤١٩/١٢ باسم عبد العزيز بن عبد الغفور.

٢٤٨
سورة الأعراف : الآية ٥٥
المباركِ بنِ فَضالةً، عن الحسنِ، قال: إن كان الرجلُ لقد جَمَعَ القرآنَ وما يشغُرُ به
جارُه، وإن كان الرجلُ لقد فَقِهَ الفقه الكثيرَ(١) وما يشعُرُ به الناسُ، وإن كان الرجلُ
ليُصَلِّى الصلاةَ الطويلةَ فى بيتِه، وعندَه الزَّوْرُ(١) وما يَشْعرون به، ولقد أدْرَكْنا
أقوامًا ما كان على الأرضِ مِن عملٍ يَقْدِرون على أن يَعْمَلوه فى السرِّ فيكونَ
علانيةً أبدًا، ولقد كان المسلمون يَجْتَهدون فى الدعاءِ، وما يُسْمَعُ لهم صوتٌ،
٢٠٧/٨ إن كان إلا هَمْسًا بينَهم وبينَ ربِّهم، وذلك أن اللَّهَ يقولُ: / ﴿آدْعُواْ رَبَّكُمْ
تَضَرُّعًا وَخُفْيَةٌ﴾. وذلك أن اللَّهَ ذَكَرَ عبدًا صالحً ورَضِىَ فعَلَه، فقال: ﴿إِذْ
نَادَى رَبَُّ نِدَآءَ خَفِيًّاً ﴾﴾ [مريم: ٣].
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن عاصم الأحولِ ، عن أبى عثمانَ النهدىِّ،
عن أبى موسى، قال: كان النبيُّ ◌َّهِ فِى غَزاةٍ، فَأَشْرَفوا على وادٍ ( فجعَل الناس٤ُ)
يُكَبّرون ويُهَلِّلون ويَرْفَعون أصواتهم، فقال: ((أيُّها الناسُ ارْبَعُوا(٥) على أنفسِكم، إنكم
لا تَدْعُون أَصَمَّ ولا غائِبًا، إنكم تَدْعُون سميعًا قريبًا، إنه " معكم))(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى [٦٢/١٩و] حجاجٌ، عن ابنٍ
جريج، عن عطاءِ الخُراسانىّ، عن ابنِ عباس قوله: ﴿آدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا
وَخُفْيَةً﴾. قال: السُّهُ().
(١) فى الأصل: ((الكبير)).
(٢) فى م: ((الزوار)). وفى ص: ((الروز))، وفى ت ١، س، ف: ((السرور)). والزّور: الزائرون، اسم
للجمع ويكون للواحد والمذكر والمؤنث بلفظ واحد. تاج العروس (ز ور).
(٣) الزهد لابن المبارك (١٤٠)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩٢/٣، ٩٣ إلى أبى الشيخ.
(٤ - ٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف .
(٥) اربعوا : ارفقوا. تاج العروس (ر ب ع).
(٦) سقط من: م، وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((أنا)).
(٧) أخرجه ابن ماجه (٣٨٢٤) من طريق جرير به، وأخرجه الطيالسى (٤٩٥)، والبخارى (٢٩٩٢،
٤٢٠٥)، ومسلم (٢٧٠٤) وغيرهم من طريق عاصم الأحول به .
(٨) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٢٤/٣ عن ابن جريج به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩٢/٣ إلى =

٢٤٩
سورة الأعراف : الآيتان ٥٥، ٥٦
وأما قولُه: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ . فإن معناه : إن ربَّم لا يُحِبُّ مَن
اعْتَدى، فتجاوزَ حَدَّه الذى حَدَّه لعبادِه ، فى دعائِه ومسألتِه ربَّه ، ورَفْعِه صوتَه فوقَ
الحدِّ الذى حَدَّ لهم فى دعائهم إياه ومسألتِهم، وفى غيرِ ذلك مِن الأمورِ.
كما حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا معتمِرُ بنُّ سليمانَ، قال: أنبأنا إسماعيلُ بنُ
حمادِ بنِ أبي سليمانَ، عن عبادِ بنِ عبادِ بنِ (١) علقمةَ، عن أبى مِجْلٍ: ﴿آدْعُواْ
رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْنَدِينَ﴾. قال: لا تسألْ منازلَ الأنبياءِ(٢) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
عطاءِ الخراسانيّ، عن ابنِ عباس: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْنَدِينَ﴾: فى الدعاءِ ولا فى
غيرِه . قال ابنُ جريج: مِن الدعاءِ اعتداءٌ، يُكَرَهُ رفعُ الصوتِ، والنداءُ والصياحُ
بالدعاءِ، ويُؤمَرُ بالتضرّعِ والاستكانةِ(١٢).
القولُ فى تأويلِ قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿ وَلَا نُفْسِدُواْ فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَا
٥٦
وَأَدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعَاْ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ وَلَا تُفْسِدُواْ فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ : لا
تُشْرِكوا باللّهِ فى الأرضِ، ولا تَعْصُوه فيها ، وذلك هو الفسادُ فيها .
وقد ذَكَّرنا الروايةَ فى ذلك فيما مَضَى، وبيَّنَّا معناه بشواهدِه " .
بَعْدَ إِصْلَحِهَا﴾. يقولُ: بعدَ إصلاح اللَّهِ إِياها [٦٣/١٩ظ] لأهلِ طاعتِهِ،
= المصنف وابن المنذر وأبى الشيخ .
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((عن)). وينظر تهذيب الكمال ١٣٢/١٤.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٠٠/٥ (٨٥٩٧) من طريق معتمر بن سليمان به.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٠٠/٥ (٨٥٩٩) من قول عطاء، وأما قول ابن جريج فقد ذكره ابن
كثير فى تفسيره ٤٢٤/٣، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩٣/٣ إلى أبى الشيخ.
(٤) ينظر ما تقدم فى ٢٩٦/١ - ٢٩٩.

٢٥٠
سورة الأعراف : الآية ٥٦
بابْتعائِه فيهم الرسلَ دعاةً إلى الحقِّ، وإيضاحِه حُجَجْه لهم، ﴿ وَأَدْعُوهُ خَوْفًا
وَطَمَعَاً﴾. يقولُ: وأخْلِصوا له الدعاءَ والعملَ ، ولا تُشْرِ كوا فى عملكم له شيئًا غيرَه
مِن الآلهةِ والأصنامِ وغيرِ ذلك، وليكنْ ما يكونُ منكم مِن (١) ذلك خوفًا مِن عقابِهِ،
وطمَعًا فى ثوابِهِ ، فإنَّ مَن كان دعاؤُه إياه على غيرِ ذلك، فهو بالآخرةِ مِن المكذِّبين؛
لأن مَن لم يَخَفْ عقابَ اللَّهِ، ولم تَرْجُ ثوابَه، لم يُيالِ ما رَكِبَ مِن أمرٍ يَسْخَطُه اللَّهُ
ولا يَرْضَاه، ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: إِن
ثوابَ اللَّهِ الذى وعَد المحسنين على إحسانِهم فى الدنيا قريبٌ منهم، وذلك هو
رحمتُه؛ لأنه ليس / بينَهم وبينَ أن يَصِيروا إلى ذلك مِن رحمته وما أعدَّ لهم مِن
كرامته ، إلا أن تُفارِقَ أرواحهم أجسادهم.
٢٠٨/٨
ولذلك مِن المعنى ذُكِّرَ قولُه: ﴿قَرِيبٌ﴾. وهو مِن خبرِ ((الرحمةِ))،
و ((الرحمةُ)) مؤنثةٌ؛ لأنه أُرِيدَ بهِ القربُ فى الوقتِ لا فى النسبِ . والأوقاتُ بذلك
المعنى، إذا وقعَت أخبارًا للأسماءِ أَجْرَتْها العربُ مُجْرَى الحالِ (١)، فوَخَدَتها مع
الواحدِ والاثنين والجميع، وذَكَّرَتها مع المؤنثِ، فقالوا: كرامةُ اللَّهِ(٢) بعيدٌ مِن فلانٍ،
وهى قريبٌ مِن فلانٍ. كما يقولون : هندٌ منَّا قريبٌ، والهندان منا قريبٌ ، والهنداتُ
منا قريبٌ ؛ لأن معنى ذلك: هى فى مكانٍ قريبٍ مِنَّا. فإذا حَذَفوا المكانَ ، وجَعَلوا
القريبَ خلفًا منه، ذَكّروه ووَحَّدُوه فى الجمع، كما كان المكانُ مذكّرًا وموحَّدًا
فى الجمعِ. وأما إذا أَنَُّوه أخْرَجوه مثنَّى مع الاثنين، ومجموعًا مع الجميعِ،
فقالوا: هى قريبةٌ مِنَّا، وهما ("قَرِيبَتان منك). كما قال عروةُ بنُ الوردِ:
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((فى)).
(٢) فى الأصل، ص، ت ١، ف: ((المحال)).
(٣) بعده فى الأصل، ص، ت ١، س، ف: ((فلانة)).
(٤ - ٤) فى ص، م: ((منا قريبتان))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: (( منا قريبان)).
(٥) كذا فى النسخ والصواب عروة بن حزام، والبيت فى معانى القرآن للفراء ١/ ٣٨١، ونسبه إلى عروة فقط،=

٢٥١
سورة الأعراف : الآيتان ٥٦، ٥٧
فَتَدْنُو ولا عَفْرَاءُ مِنْكَ بَعِيدُ
عَشِيَّةً لَا عَفْرَاءُ مِنْكَ قَرِيبةٌ
[٦٣/١٩و] فَأَنَّثَ ((قريبةً))، وذَكَّر ((بعيدًا)) على ما وَصَفْتُ، ولو كان ((القريبُ))
مِن القرابةِ فى النسبِ ، لم يكنْ مع المؤنثِ إلا مؤنثًا، ومع الجمعِ إلا مجموعًا .
وكان بعضُ نحوِّى البصرةِ يقولُ: ذُكِّر ﴿قَرِيبٌ﴾، وهو صفةٌ
لـ ((الرحمة))، وذلك كقولِ العربِ: ريحْ خَرِيقٌ(١)، ومِلْحَفةٌ جديدٌ، وشاةٌ
سّديشٌ(١) . قال: وإن شئتَ قلتَ: تفسيرُ الرحمةِ ههنا المطرُ ونحوُه، فلذلك ذُكِّرَ ،
كما قال: ﴿ وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ ءَامَنُواْ﴾ [الأعراف: ٨٧]. فَذَكَّر؛ لأنه
أرادَ الناسَ. وإن شئتَ جعلتَه كبعضٍ ما يُذَكّرون مِن المؤنثِ، كقولِ الشاعرِ ():
وَلَا أَرْضَ أَبْقَلَ إِنْقَالَهَا »
وقد أنكر ذلك(٤) بعضُ أهلِ العربيةِ، ورأى أنه يَلْزَمُه إن جازَ أن يُذَكِّرَ ((قريبًا ))
تَوْجيهًا منه لـ ((الرحمةِ)) إلى معنى المطرِ، أن يقولَ: هندٌ قامَ. توجيهًا منه لـ « هندٍ))
وهى امرأةٌ ، إلى معنى ((إنسانٍ))، ورأى أن ما شبّه به قولَه: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ
فَرِيبٌ﴾. بقولِه: ﴿وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِنْكُمْ ءَامَنُواْ﴾. غيرُ مُشْتِهِتْنَ".
وذلك أن ((الطائفةَ)) فيما زعم مصدرٌ بمعنى ((الطَّيفٍ))، كما الصيحةُ والصياحُ
بمعنّى، ولذلك قيل: ﴿ وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ ﴾ [هود: ٦٧].
/ القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الْرَّ بُشْرًا(٦) بَيْنَ
٢٠٩/٨
يَدَىْ رَحْمَتِهِ، حَتَّىَ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَهُ لِبَلَدٍ مَّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا
= ونسب إلى عروة بن حزام فى الأغانى ٢٤/ ١٥٥، وخزانة الأدب ٢١٥/٣ والبيت فيهما برواية أخرى .
(١) ريح خريق : شديدة، وقيل: لينة سهلة. فهو ضد. اللسان (خ ر ق).
(٢) شاة سَديس: أى أتت عليها السنة السادسة. اللسان (س د س).
(٣) هو عامر بن جوين الطائى. وهذا شطر بيت تقدم تخريجه فى ١/ ٤٥٩.
(٤) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((من قيله)).
(٥) فى م: ((مشبهه)).
رج في السخ: « شراء أو١٫٠٠
رسممحا. وسعى لل* المحل على الترزات في الآية.

٢٥٢
سورة الأعراف : الآية ٥٧
٥٧
◌ِهِ، مِن كُلِّ الثَّمَزَتِ كَذَلِكَ [٦٤/١٩ ظ] تُخْرِجُ الْمَوْنَ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه: إن ربَّكم اللَّهُ الذى خَلَقَ السماواتِ والأرضَ والشمسَ
والقمرَ والنجومَ مسخراتٍ بأمرِهِ، وهُوَ الَّذِى يُؤْسِلُ الرّياحَ نَشْرًا بينَ يَدَىْ رَحْمَتِّه.
و ((النَّشْرُ))، بفتح النونِ وسكونِ الشين فى كلامِ العربِ، مِن الرياحِ، الطيِّةِ
اللينةِ الهُبوبِ، التى تُنْشِئُّ السحابَ، وكذلك كلُّ ريح طيّةٍ عندَهم فهو (١) نَشْرٌ،
ومنه قولُ امرئُّ القيسِ(٣):
وَرِيحَ الْخُزَامَى(٤) ونَشْرَ القُطُرُ(٥)
كأنَّ المُدَامَ(٣) وَصَوْبَ الغَمَامِ
وبهذه القراءةِ قرَأْ ذلك عامةُ قرَأَةٍ الكوفيّين(١) ، خلا عاصم بنِ أبِى النَّجودِ ، فإنه
كان يقرؤه: ﴿بُشْرًا﴾ على اختلافٍ عنه فيه، فرَوَى ذلك بعضُهم عنه: ﴿بُشْرًّا﴾
بالباءِ وضَمِّها وسكون الشينِ(١)، وبعضُهم بالباءِ وضَمِّها وضمِّ الشين معها().
وكان يتأوَّلُ فى قراءتِه ذلك كذلك قولَه: ﴿ وَمِنْ ءَئِهِ أَنْ يُرْسِلَ الْرِّيَاحَ مُبَشِّرَتٍ﴾
[الروم: ٤٦]. " وأنه جَمْعُ بشيرٍ، تُبَشِّرُ بالمطرِ جُمِعِ بُشُرًا)، كما يُجْمَعُ النذيرُ نُذُرًا.
وأما قرَأَةُ المدينةِ وعامةُ قرأةِ المكيّين والبصريِّين، فإنهم قَرَءوا ذلك: (وَهُوَ الَّذى
(١) فى م: ((فهى)).
(٢) ديوانه ص ١٥٧.
(٣) المُدَام، والمُدامة : الخمر ، لسان العرب (د وم).
(٤) الخزامى : نبت طيب الريح. لسان العرب (خ ز م).
(٥) القطر: رائحة العود . لسان العرب (ق ط ر).
(٦) وهى قراءة حمزة والكسائى وخلف، وقرأ ابن عامر بضم النون وسكون الشين. النشر ٢٠٢/٢.
(٧) وهى رواية حفص وأبى بكر . ينظر المصدر السابق .
(٨) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف، وهذه القراءة ذكرها عنه فى المحتسب ١/ ٢٥٥،
والبحر المحيط ٣١٦/٤، وقرأ بها ابن عباس والسلمى وابن أبى عبلة .
(٩ - ٩) فى م: ((تبشر بالمطر وأنه جمع بشير بشرا)).

٢٥٣
سورة الأعراف : الآية ٥٧
يُْسِلُ الرّياحَ نُشُرًا) بضَمِّ النونِ والشينِ، بمعنى جمع نَشورٍ جُمِع نُشُرًا، كما
يُجْمَعُ الصَّبورُ صُبْرًا، والشَّكُورُ شُكُرًا .
وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلام العربِ (١) يقولُ: معناها إذا قُرِئت كذلك أنها
الريحُ التى تَهُبُّ مِن كلِّ ناحيةٍ ، وتجىءُ مِن كلِّ وجهٍ .
وكان بعضُهم يقولُ : إذا قُرِئت بضَمِّ النونِ ، فينبغى أن تُسَكّنَ شِيئُها ؛ لأن
ذلك لغةٌ بمعنى ((النَّشْرِ)) بالفتح، وقال: العربُ تَضُمُّ النونَ مِن ((النُّشْرِ)) أحيانًا ،
وتفتحُ أحيانًا بمعنَّى واحدٍ . وقال : فاختلافُ القرَأةِ فى ذلك على قَدْرِ اختلافِها فى
لُغيِّها فيه. وكان يقولُ: [٦٤/١٩و] هو نظيرُ ((الخَشْفِ)) و((الخُشْفِ))، بفتحِ الخَاءِ
وضمها .
والصوابُ مِن القولٍ(٢) فى ذلك أن يقال: إن قراءةَ مَن قرَأ ذلك: (نَشْرًا)
و(نُشُرًا)، بفتح النونِ وسكونِ الشينِ، وبضمّ النونِ والشين، قراءتان مشهورتان
فى قرأةِ الأمصارٍ (*متقاربتا المعنى، فبأيّهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ فى ذلك .
وأما قراءةُ ذلك بالباءِ ، فقراءةٌ قليلٌ مَّن يقرأُ بها مِن قرأةِ الأمصار٤ِ) ، فلا أُحبُ القراءةَ
بها ، وإن کان لها معنی صحیح ، ووجة مفهومٌ فى المعنى والإعرابِ ؛ لما ذكرناه مِن
(٥)
العلةِ (٥) .
/ وأما قولُه: ﴿بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهٌِ﴾. فإنه يقولُ: قُدَّامَ رحمته وأمامَها. ٢١٠/٨
والعربُ تقولُ كذلك لكلِّ شىءٍ يحدُثُ قُدَّامَ شىءٍ وأمامَه : جاء بينَ يدَيْه ؛
(١) وهى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو، وأبى جعفر ويعقوب. النشر ٢٠٣/٢.
(٢) هو أبو عبيدة فى مجاز القرآن ٢١٧/١.
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((القراءة)).
(٤ - ٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.
(٥) القراءة بالباء وسكون الشين متواترة .

٢٥٤
سورة الأعراف : الآية ٥٧
لأن ذلك مِن كلامِهم جرَى فى أخبارِهم عن بنى آدمَ، وكَثُرَ به استعمالُهُ " فيهم،
حتى قالوا ذلك فى غيرٍ بنى(٢) آدمَ وما لا يَدَ له .
و «الرحمةُ)) التى ذَكَرها جلَّ ثناؤه فى هذا الموضعِ، المطرُ.
فمعنى الكلام إذن : واللَّهُ الذى يرسلُ الرياحَ لَيْنًا هُبوبُها، طيًّا نَسِيمُها، أمامَ
غَيْثِه الذى يسوقُه بها إلى خلقِه، فيُنْشِئُّ بها سحابًا ثِقالً، حتى إذا أقَّتها والإقلالُ
بها حَمْلُها، كما يقالُ: اسْتَقلَّ البعيرُ بحِمْلِه وأقلَّه. إذا حَمَله فقام به - ساقَه اللَّهُ
لإحياءِ بلدٍ مَيِّتٍ قد تَعَفَّت مزارعُه، ودَرَسَت مشاربُه، وأجْدَبَ أهلُه ، فأنزَل به
المطرَ، وأَخْرَجَ به مِن كلِّ الثمراتِ .
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، [٦٥/١٩ظ] قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ (وَهُوَ الَّذِى يُؤْسِلُ الرِّياحَ نَشْرًا بِينَ يَدَىْ رَحْمَتِه) إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ
تَذَكَّرُونَ ﴾. قال: إن اللَّهَ يُرسلُ الريحَ، فتأتى بالسحابِ مِن بينِ الخافقَين، طرفٍ
السماءِ والأرضِ مِن(٢) حيثُ يَلْتَقيان، فَيُخْرِجُه مِن ثَمَّ، ثم يَنشُرُه فَيَبْشُطه فى السماءِ
كيف يشاءُ، ثم يَفتحُ أبوابَ السماءِ، فَيَسِيلُ الماءُ على السحابِ ، ثم يمطِرُ السحابُ
بعدَ ذلك، وأما: ﴿رَحْمَيِّةٍ﴾: فهو المطرُ().
(١) فى الأصل، ص، ت ١، س، ف: ((استعمالهم)).
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((ابن)).
(٣) سقط من: الأصل، ص ، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٥٠١، ١٥٠٢ (١٦٠٥، ٨٦٠٩) من طريق أحمد بن المفضل به،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩٣/٣ إلى أبى الشيخ.

٢٥٥
سورة الأعراف : الآية ٥٧
وأما قولُه: ﴿كَذَلِكَ تُخْرِجُ اَلْمَوْقَ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ . فإنه يقولُ تعالى
ذكرُه: كما نُحْيِى هذا البلدَ الميتَ بما نُنَزِّلُ به مِن الماءِ الذى نُتَزِّلُه مِن السحابِ،
فتُخرِجُ به مِن الثمراتِ بعدَ موتِهِ وُجُدُوبِتِه وقُحُوطِ أهلِه، كذلك تُخرِحُ الموتَى مِن
قبورِهم أحياءٌ بعدَ فنائِهم، ودُرُوسٍ آثارِهم، ﴿ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. يقولُ جلَّ
ثناؤُه للمشركين به مِن عبدةِ الأصنام، المُكذِّبين بالبعثِ بعدَ الَماتِ ، المُكِرِين
الثوابَ والعقابَ: ضَرَبْتُ لكم أيُّها القومُ هذا المثلَ الذى ذَكَرتُ لكم ، مِن إحياءِ
البلدِ الميتِ بقَطْرِ المطرِ، الذى يَأْتى به السحابُ، الذى تَنْشُرُه الريامحُ التى وَصَفْتُ
صفتها؛ لتعْتَبِروا ، فتَذْكُروا وتعلموا أن مَن كان فعلُ(١) ذلك مِن قُدْرتِه، فیسیر فی
قدرتِه(١٢) إحياء الموتى بعدَ فنائِها، وإعادتها خلقًا سَوِيًّا بعدَ دُرُوسِها .
وبنحوِ ما قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ
قولَه: ﴿ كَذَلِكَ تُخْرِجُ الْمَوْقَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾: وكذلك تُخْرَجون، وكذلك
النشورُ، كما يُخْرِجُ(٣) الزرعَ(٤) بالماء(٥).
وقال أبو هريرةَ : إن الناسَ إذا ماتوا فى النفخةِ الأولى، أَمْطِرَ عليهم مِن ماءٍ تحتَ
العرشِ يُدْعَى ماءُ الحيوانِ أربعين سنةٌ ، فيَتْبُتون كما يَنْبُتُ الزرعُ مِن الماءِ، [٦٥/١٩ و]
حتى إذا اسْتُكْمِلت أجسادُهم ، نُفِخَ فيهم الروح ، ثم تُلْقَى عليهم نَوْمٌ ، فَينامون فى
(١) لیست فی : ص، م، ت ١، ت٢، ت ٣، س، ف.
(٢) سقط من: م، وفى ص: ((مقدرته).
(٣) فى م: ((نخرج)).
(٤) فى الأصل: ((الزروع)).
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٠٣/٥ (٨٦١٤) من طريق أحمد بن المفضل به.

٢٥٦
سورة الأعراف : الآيتان ٥٧، ٥٨
٢١١/٨
قُبُورِهم ، فإذا نُفِخَ فى الصورِ الثانيةَ، عاشوا، وهم يَجِدون طعمَ النومِ / فى
رءوسِهم وأعينهم، كما يجدُ النائمُ حينَّ يستيقظُ مِن نومِه، فعندَ ذلك يقولون :
﴿يَوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَّاْ﴾. فَناداهم المُنَادِى: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ
وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾(٢) [يس:
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
نجيحِ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿ كَذَلِكَ تُخْرِجُ اٌلْمَوْنَى﴾. قال: تُمْطِرُ السماءُ
حتى تَنْشَقَّ عنهم الأرضُ .
(٣ حدَّثنى المُنى، قال: حدثنى أبو حذيفةً، قال: حدثنا شِبلٌ، عن ابنٍ أبى
نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ كَذَلِكَ تُخْرِجُ الْمَوْقَ﴾. قال: إذا أراد اللَّهُ أن يُخرجْ
الموتى، أمطَر السماءَ حتى تَنْشَقَّ عنهم الأرض٣ُ)، ثم يرسلَ الأرواحَ، فتعودُ(٤) كلُّ
رُوحٍ إلى جسدِها، فكذلك يُحْيِى اللَّهُ الموتَى بالمطرِ كإحيائِه الأرضَ(*).
القولُ فى تأويل قوله جلَّ وعزَّ: ﴿ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِهِ، وَالَّذِى
٥٨
خَبُثَ لَا يَخْيُعُ إِلَّا تَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْأَيَتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ
يقولُ تعالى ذكره : والبلدُ الطيبةُ تربتُه، العذبةُ مشاربُه، يخرجُ نباتُه إذا أنزَل
اللَّهُ به الغيثَ، وأرسَل عليه الحيا بإذنه، طيبًا ثمرُه فى حينِه ووقتِه، والذى خَبُث
فَردُؤَت تربتُه، ومَلُحَت مشاربُه، لا يَخْرُجُ نباتُهُ(٩) ﴿إِلَّا نَكِدَّأَ﴾. يقولُ: إلا
(١) فى الأصل: ((عاشوها)) .
(٢) أصله فى مسلم (١٤١/٢٩٥٥) عن أبى هريرة يرفعه إلى النبى عَ ◌ٍّ.
(٣ - ٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.
(٤) فى ص، والدر المنثور: ((فتهوى)).
(٥) تفسير مجاهد ص ٣٣٨، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٠٣/٥ (٨٦١٣) مختصرا، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٩٣/٣ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.
(٦) ليس فى : الأصل .

٢٥٧
سورة الأعراف : الآية ٥٨
عَسِرًا فى شدَّةٍ، كما قال الشاعرُ(١) :
أَعْطَيْتَ أَعْطَيتَ تَافِهًا نَكِدًا
لا تُنْجِزُ الوعدَ إِنْ وَعَدْتَ وإن
يعنى بـ ((الثَّافِهِ)) القليلَ، وبـ ((الَّكِدِ)) العَسِرَ. يقالُ منه: نَكِدَ يَنْكَدُ نَكَدًا
ونَكْدًا، فهو نَكَدٌ ونَكِدٌ ، والنُّكْدُ المصدرُ. ومن أمثالهم: نَكْدًا وَجَحْدًا. و: نُكْدًا
وُجُحْدًا، والجُعْدُ الشدَّةُ والضيقُ. ويقالُ: ("قد نُكِد٢). إذا شُفِه(٢) وسُئِل. وقد
نَكَدُوه، يَتْكُدُونه نَكْدًا. كما قال الشاعرُ:
[٦٦/١٩ظ] وَأَعْطِ مَا أَعْطَيْتَهَ طَيًِّا لا خيرَ فى المَنَّكُودِ والنَّاكِدِ
واخْتَلَفت القرَأَةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأَه بعضُ أهلِ المدينةِ: (إلّا نَكَدًا) بفتح
(٥)
الكافِ(٥).
وقرأه بعضُ الكوفيِّين بسكون الكافِ : (نَكْدًا)(٦).
وخالَفَهما بعدُ سائرُ القرَأَةِ فى الأمصارِ، فَقَرَءوه: ﴿إِلَّا نَكِدًا﴾ بكسرٍ
الكافِ(٧).
وكأن مَن قرَأَه : (نَكَدًا) بنصبِ الكافِ أرادَ المصدرَ، وكأن مَن قرَأَه بسكونِ
الكافِ أرادَ كسرَّها، فسَكِّنَها على لغةٍ مَن قال: هذه فِخْذٌ وكِبْدٌ. وكان الذى
يجبُ عليه إذا أرادَ ذلك أن يكسِرَ النونَ مِن «نِكْدٍ)) حتى يكونَ قد أصابَ القياسَ .
والصوابُ مِن القراءةِ فى ذلك عندَنا قراءةُ مَن قَرَأه ﴿نَكِدًا﴾ بفتحِ النونِ
(١) البيت فى مجاز القرآن ٢١٧/١، ولسان العرب (ت ف هـ)، وهو غير منسوب فيهما .
(٢ - ٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.
(٣) المَشْفُوه: إذا كثر سؤال الناس إياه حتى نفد ما عنده. لسان العرب (ش ف هـ).
(٤) البيت فى اللسان (ن ك د) غير منسوب .
(٥) وهى قراءة أبى جعفر المدنى، من العشرة. النشر ٢٠٣/٢.
(٦) وهى قراءة ابن محيص، وهى شاذة . إتحاف فضلاء البشر ص ١٣٦.
(٧) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وأبى عمرو وحمزة والكسائى ويعقوب وخلف. ينظر
( تفسير الطبرى ١٧/١٠ )
المصدران السابقان .

٢٥٨
سورة الأعراف : الآية ٥٨
٢١٢/٨ وكسرِ الكافِ؛ / لإجماع الحجةِ مِن قَرَأَةِ الأمصارِ عليه .
وقولُه: ﴿كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾. يقولُ: كذلك نبيِّنُ
لهم(١) آيةٌ بعدَ آیةٍ ، ونُدْلِى(١) بحجةٍ بعدَ حجةٍ، ونضرِبُ مثلاً بعدَ مثلٍ، لقومٍ
يَشْكُرون اللَّهَ على إنعامِه عليهم بالهدايةِ، وتَبصيرِهِ إياهم سبيلَ أهلِ الضلالةِ،
باتِّاعِهم ما أمَرَهم باتباعِه ، وتَجَنُّبِهم ما أمَرهم بتجنُِّهِ مِن سُبْلِ الضلالةِ. وهذا مَثَلٌ
ضَرَبَه اللَّهُ للمؤمن والكافرِ، فالبلدُ الطيبُ الذى يخرجُ نباتُه بإذنِ ربِّه، مَثَلٌ للمؤمنِ،
والذى خَبُثَ فلا يخرُجُ نباتُه إلا نَكِدًا، مَثَلٌ للكافرِ .
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى [٦٦/١٩و] معاويةٌ ، عن عليٍّ، عن
ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَالْبَلَدُ اُلْطَيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ، وَالَّذِى خَبُثَ لَا يَخْرُ إِلَّا
تَكِدًا﴾: فهذا مَثَلٌ ضَرّبه اللَّهُ للمؤمنِ ، يقولُ: هو طيبٌ ، وعملُه طيبٌ ، كما البلدُ
الطيبُ ثمرُه طيبٌ، ثم ضرَب مَثَلَ الكافرِ، كالبلدةِ السَّبِخةِ المالحةِ التى لا(٣) تخرجُ
منها البَرَكَةُ ، فالكافرُ هو الخبيثُ ، وعملُه خبيثٌ (٤) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبى نُجیح،
عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿ وَاَلْبَلَهُ الطَّيِّبُ﴾، ﴿ وَالَّذِى خَبُثَ﴾: كلُّ ذلك مِن الأرضِ
(١) سقط من: م.
(٢) فى الأصل، ص، س: ((ندل))، وفى ف: ((يدل)).
(٣) سقط من: الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف. وينظر التبيان ٤٣٣/٤.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٥٠٣، ١٥٠٤ (٨٦١٥، ٨٦١٩) من طريق عبد الله بن صالح به ،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩٣/٣ إلى ابن المنذر.

٢٥٩
سورة الأعراف : الآية ٥٨
السّباخِ وغيرِها ، مثلُ آدمَ وَذُرِّيتِه (١ كلِّهم، منه (٢) خبيثٌ وطَيِّبٌ ٤١(٢).
حدَّثْنِى المثنى، قال : ثنا أبو حذيفةَ ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبى نَجِيحِ، عن
مجاهدٍ بنحوه .
حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا محمدُ بنُّ ثورٍ، عن مَعمرٍ ، عن قتادةً ؛
﴿ وَالْبَلَدُ اُلَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ، وَالَّذِى خَبُّثَ لَا يَخْرَجُ إِلَّا نَكِدًا﴾. قال:
هذا مثلٌ ضَرَّبَه اللَّهُ فى الكافرِ والمؤمنٍ ().
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىٌّ:
﴿وَأَلْبَلَدُ اُلْطِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهُ وَالَّذِى خَبُثَ ◌ٌ لَا يَخْرُ إِلَّ تَكِدَأَ﴾: مثلٌ
ضرَّبه اللهُ للقلوبِ، يقولُ جلّ ثناؤه: ينزلُ الماءِ فَيُخرج البلدُ الطيّبُ نباتَه بإذنِ ربِّه -
وَلَّذِى خَبُتَ﴾: هى السَّبِخَةُ لا تُخْرِجُ نباتَها إِلَّا نَكِدًا، والنَّكِيدُ الشيء القليلُ الذى
لا ينفَعُ - فكذلك القلوبُ لما نزلُ القرآنُ، فانقلبُ المؤمنُ ما دخَلَه القرآنُ آمَنْ بِهُ، وَثَّبَتَ
الإيمانُ فِي قَلْبِه)، والقلب الكافر لما ذَخَله القرآن لم يَتَعلَّقُ منه شىءٌ ينفعُه، ولم يَثْبَتْ
شبه مِن الإيمانِ شى ء إلا ما لا ينفع، كما لم يُخْرِجْ هذا البلدُ إلا ما لا ينفعُ مِن النباتِ (١).
[٦٧/١٩ظ] حذَّثنى الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَاَلْبَلَدُ أَلَّلِيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَيِّدِ، وَأَلَّذِى حَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا
(١ - ١) فى م، والدر المنثور: ((فيهم طيب زخبيث)).
(٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف. وفى تفسير مجاهد وابن أبى حاتم: ((منهم).
(٣) تفسير مجاهد ص ٣٣٨، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٠٣/٥ (٨٦١٦)، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٩٣/٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٢٨/١ عن معمر به .
(٥ - ٥) سقط من: ص، م، ف .
(٦ - ٦) فى م: ((فيه)).
(٧) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٠٣/٥ (٨٦١٧) من طريق أحمد بن مفضل به، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٩٣/٣ إلى أبى الشيخ .

٢٦٠
سورة الأعراف : الآيتان ٥٨ ، ٥٩
نَكِّدًا﴾. قال: الطيبُ ينفعُه المطرُ فيَتْبُتُ، ﴿ وَالَّذِى خَبُثَ﴾: السِّباعُ لا ينفعُه
المطرُ، لا يخرُجُ نباتُه إلا نَكِدًا. قال: هذا مثَلٌ ضرّبه اللَّهُ لآدمَ وذرِّيتِه كلِّهم، إنما
خُلِقوا مِن نفسٍ واحدةٍ ، فمنهم مَن آمَن باللَّهِ وكتابِهِ، فطابَ، ومنهم مَن كفَر باللَّهِ
و كتابه، فخَبُث(١).
/ القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ يَقَوْمِ
أُعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، إِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
٥٩٦
٢١٣/٨
أقسَمَ ربّنا جلَّ ثناؤُه للمُخاطَبِين بهذه الآيةِ ، أنه أرسَل نوحًا إلى قومِه، مُنْذرَهم
بأسَه ، ومَخوَّفَهم سَخَطَه، على عبادتِهم غيرَه ، فقال لَمَّنْ كَفَر منهم : يا قومِ اعْبُدوا
اللهَ الذى له العبادةُ، وذِلُّوا له بالطاعةِ، واخْضَعوا له بالاسْتكانةِ، ودَعُوا عبادةَ ما
سواه مِن الأنْدادِ والآلهةِ ، فإنه ليس لكم "إله - يعنى معبودًا" . - يَستَؤْجبُ عليكم
العبادةَ غيرُه، فإنى أخافُ عليكم إن لم تَفْعَلوا ذلك ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ .
یعنی : عذابَ يومٍ يَعْظُمُ فيه بلاؤُ كم ، بمجيئِه إياكم بسَخَطِ ربِّكم .
واختلفت القرّأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿غَيْرُهُ﴾؛ فقرَأ ذلك بعضُ أهلِ المدينةِ
والكوفةِ: (ما لكم مِن إلهٍ غيرِهِ) بخفضٍ ((غير)) على النعتِ لـ ((الإِلهِ)) (١).
وقرأَه جماعةٌ من أهلِ المدينةِ والكوفةِ والبصرةِ: ﴿مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾
برفعِ ((غير)) (١)، ردًّا لها على موضع ﴿مِّنْ﴾؛ لأن موضعَها رفعٌ، [٦٧/١٩ و] لو
نُزِعَت مِن الكلامِ لكان الكلامُ رفعًا. وقيل: ما لكم إلهٌ غيرُ اللَّهِ . فالعربُ - لِمَا
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩٣/٣ إلى المصنف.
(٢ - ٢) سقط من: م، وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: (( يعنى معبود)).
(٣) وهى قراءة أبى جعفر والكسائى. النشر ٢٠٣/٢.
(٤) وبها قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة ويعقوب وخلف. المصدر السابق .