Indexed OCR Text

Pages 661-680

٦٦١
سورة الأنعام : الآية ١٥١
(١)
.
نحوه
وقال آخرون: ﴿مَا ظَهَرَ﴾: نكاح الأمهاتِ وحَلائلِ الآباءِ، ﴿ وَمَا
بَطَرَبٌ﴾: الزنى .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن أبيه، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ وَلَا
تَقْرَبُواْ أَلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنِبٌ﴾. قال: ﴿مَا ظَهَرَ﴾: جمعٌ بينَ
الأُختين، وتزويجُ الرجلِ امرأةً أبيه مِن بعدِه، ﴿وَمَا بَطَرَبٌ﴾: الزنى(٣).
وقال آخرون فى ذلك بما حدَّثنى إسحاقُ بنُ زيادِ العَطَّارُ البَصْرِىُّ(١) ، قال: ثنا
محمدُ بنُ إسحاقَ البَلْخىُّ، قال: / ثنا تَمْيُ بنُ شاكرٍ الباهلىُ، عن عيسى بن أبى ٨٤/٨
حَفْصَةَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ وَلَا تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ
مِنْهَا وَمَا بَطَنْ﴾. قال: ﴿مَا ظَهَرَ﴾: الخمرُ، ﴿وَمَا بَطَنٌ﴾:
(٤)
الزنى(٤).
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَلَا تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ
١٥١
وَضَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ نَعْقِلُونَ
يقولُ تعالى ذكره: ﴿قُلُ تَعَالَوَاْ أَثْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُواْ
بِهِ، شَيْئًا﴾ - ﴿ وَلَا تَقْخُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِآلْحَقِّ﴾. يعنى بالنفسِ
(١) تفسير عبد الرزاق ٢٢١/١ عن معمر من قوله.
(٢) أخرج أوله ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤١٦/٥ (٨٠٦٨) من طريق خصيف به بنحوه، وذكر آخره
١٤١٧/٥ عقب الأثر (٨٠٧٢) معلقا .
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((النصرى))، وغير منقوطة فى س.
(٤) ذكره البغوى فى تفسيره ٣/ ٢٠٣.

٦٦٢
سورة الأنعام : الآيتان ١٥٢،١٥١
التى حرَّم اللَّهُ قتلَها؛ نفسَ مؤمنٍ أو مُعاهَدٍ. وقولُه: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾. يعنى: بما أباح
قتلَها به؛ مِن أَن تَقْتُلَ نفسًا فتقْتَلَ قَوَدًا بها، أو تَزْنِىَ وهى مُحْصَنَةٌ فتُرْجَمَ، أو تَوْتَدَّ (١)
عن دينها الحقِّ فتُقْتَلَ(٢) ، فذلك الحقُّ الذى أباح اللَّهُ جلَّ ثناؤُه قتلَ النفسِ التى حرَّم
على المؤمنين قتلَها به. ﴿ ذَلِكُمْ﴾. يعنى: هذه الأمورُ التى عهد إلينا فيها ربُّنَا أَلَّا
نَأْتِيَه، وألَّ نَدَعَه، هى الأمور التى وَصَّانا والكافرين بها أن نَعْمَلَ جميعًا به. ﴿لَعَلَّكُمْ
نَعْقِلُونَ﴾. يقولُ: وَصَّاكم بذلك لتَعْقِلوا(٢) ما وضَّاكم به ربّكم.
القولُ فى تأويل قوله: [٨٠٩/١ ٥] ﴿ وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِلَتِى هِىَ أَحْسَنُ
خَّى يَبْلُغَ أَشُدَّةٌ ﴾ .
يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيِ إِلَّا بِلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾: ولا
تَقْرَبوا مالَه إلا بما فيه صلاحُه وتَثْمِيرُه (٤) .
كما حدَّثنى المثنى، قال: ثنا الحِمَّانُ، قال: ثنا شَريكٌ، عن ليثِ، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَقِيمِ إِلَّا بِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾. قال: التجارةُ
(٥)
فيه(٥) .
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيِ إِلَّا بِلَتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾: فَلْيُثَمِّزْ مالَه.
حدَّثْنى الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا فُضَيْلُ بنُ مرزوقٍ العَنَزىُّ، عن
سَلِيطِ بنِ بلالٍ، عن الضحاكِ بنِ مُزاحِمٍ فى قولِهِ: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَّتِيِمِ إِلَّا
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((ترد)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((فيبدل))، وفى ف: ((فتبدل)).
(٣) فى م: (( لعلكم تعقلون)).
(٤) فى س: ((تنميته))، وفى ف: ((تميزه)).
تفسده ٢٠٣/٣، ٢٠٤
(٥) ذكره البغوي

٦٦٣
سورة الأنعام : الآية ١٥٢
بِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾. قال: يَتَغِى له فيه، ولا يَأْخُذُ مِن ربحِه شيئًا(١).
حدَّثنى يونُسُ، قال: أُخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَلَا
نَقْرَبُواْ مَالَ أَلْيَقِيمِ إِلَّا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾. قال: التى هى أحسنُ أن يَأْكُلَ بالمعروفِ
إِن افْتَقَر، وإن اسْتَغْنَى فلا يَأْكُلُ / قال اللَّهُ: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفٌ وَمَن كَانَ ٨٥/٨
فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]. قال: وسُئِل عن الكِسْوةِ فقال: لم يَذْكُرِ اللَّهُ
الكِسوةَ، إنما ذكَر الأكلَ(٢).
وأما قولُه: ﴿حَّى يَبْلُغَ أَشُدَّةٌ﴾. فإن(٢) الأَشُدَّ جمعُ شَدٍّ، كما الأَضْرُ جمعُ
ضَرٍّ، وكما الأَشُرُ جمعُ شَرٌ. والشَّدُّ(٤) القُوَّةُ، وهو اسْتِحْكامُ قوةِ شبابِه وسنِّه، كما
شّدُّ النهارِ ارتفاعُه وامْتِدادُه ، يقالُ: أَتَيْتُه شَدَّ النهارِ ومَدَّ النهارِ. وذلك حينَ امتدادِه
وارتفاعِه. وكان المُفُضَّلُ فيما بلَغَنِى يُنْشِدُ بيتَ عَنْتَرَةً(٥) :
خُضِب اللَّبانُ(١) ورأسُه بالعِظْلِمِ()
عَهدى به شَدَّ النَّهارِ كأَنَّما
ومنه قولُ الآخرِ (٨) :
طويلةُ أَنْقَاءٍ(١٠) اليَدَيْنِ سَحوقُ(١١)
تُطِيفُ به شَدَّ النَّهارِ ظَعِينةٌ (٦)
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٦/ ٣٧٩، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤١٨/٥، ١٤١٩ (٨٠٨٣) من طريق فضيل
به نحوه ، وليس عند ابن أبى شيبة : سليط بن بلال .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤١٩/٥ (٨٠٨٤) من طريق أصبغ عن ابن زيد به.
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((قال)).
(٤) فى ت ١، ف: ((الشدة)).
(٥) شرح ديوان عنترة ص ١٢٧.
(٦) اللبان: الصدر، وقيل: وسطه ، وقيل: ما بين الثديين، ويكون للإنسان وغيره. اللسان (ل ب ن ).
(٧) انعظلم هنا: صبغ أحمر. اللسان (عظلم ).
(٨) الأضداد ص ٢٢٣، واللسان ( س ح ق )، غير منسوب.
(٩) الظعينة : المرأة فى الهودج. اللسان (ظ ع ن ).
(١٠) الأنقاء جمع النقو: كل عظم ذى مخ. اللسان (ن ق و ).
(١١) السحوق : المرأة الطويلة . اللسان (س ح ق ).

٦٦٤
سورة الأنعام : الآية ١٥٢
وكان بعضُ البصريين يَزْعُمُ أن الأَشُدَّ اسمٌ مثلُ الآلْكِ(١).
فأما أهلُ التأويلِ فإنهم مُخْتِلِفون فى الحينِ الذى إذا بلَغه الإنسانُ قيل: بلَغ
أُشُدَّه؛ فقال بعضُهم : يقالُ ذلك له إذا بلَغ الحُلُمَ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ ، قال : ثنا عمى، قال: أخبرَنى يحيى بنُ أيوبَ ،
عن عمرو بنِ الحارث، عن ربيعةً فى قوله: ﴿حَّى يَبْلُغَ أَشُدَّةٌ﴾. قال: الحُلُمَّ(٢).
حدَّثنی أحمدُ بنُ عبد الرحمنِ ، قال : ثنا عمی ، قال : ثنی عبدُ الرحمنِ بنُ زيد
ابنِ أسْلَمَ ، عن أبيه مثلَه . قال ابنُ وهبٍ : وقال لى مالكٌ مثلَه(٣).
حُدِّثْتُ عن الحِمَّانِيِّ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، "عن مجالدٍ"، عن عامٍ: ﴿حَّى يَبْلُغَ
أَشُدَّةٍّ﴾. قال: الأَشُدُّ الْحُلُمُ، حيث تُكْتَبُ له الحسناتُ، وَتُكْتَبُ عليه
الشّيئاتُ(٥).
وقال آخرون : إنما يقالُ ذلك له إذا بلغ ثلاثين سنةٌ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال : ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ ، عن
(١) الآنُك: الأُسْرُب، وهو الرصاص القَلْعِىُّ، أو أنْيَضُه، أو أُشْوَدُه، أو خالِصُه. وقال كراع: هو القَزْدِير.
ينظر تاج العروس (أُ ن ك ).
(٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤١٩/٥ عقب الأثر (٨٠٨٨) معلقا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٥٥/٣ إلى أبى الشيخ .
(٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤١٩/٥ عقب الأثر (٨٠٨٨) معلقًا، عن زيد بن أسلم ومالك، وقول
زيد عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٥/٣ إلى أبى الشيخ.
(٤ - ٤) فى م: ((عن مجاهد))، وفى ف: ((بن مجالد)) ..
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤١٩/٥ (٨٠٨٨) من طريق هشيم به .

٦٦٥
سورة الأنعام : الآية ١٥٢
السدىِّ: ﴿حَّى يَبْلُغَ أَشُدَّةٌ﴾. قال: أما ﴿ أَشُدَّةٌ﴾ فثلاثون سنةً، ثم جاء بعدَها :
﴿ حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦](١).
وفى الكلام محذوفٌ تُرِك ذكرُه اكْتِفاءً بدَلالةِ ما ظهَر عما حُذِف . وذلك أن
معنى الكلامِ: ولا تَقْرَبوا مالَ اليتيمِ إلَّا بالتى هى أحسنُ حتى يَتْلُغَ أَشُدَّه، فإذا بلَغ
أَشُدَّه فآنَسْتُم منه رُشْدًا فادْفَعوا إليه مالَه. لأنه جلَّ ثناؤُه لم يَنْهَ / أن يُقْرَبَ مالُ اليتيم ٨٦/٨
فى حالٍ يُتْمِه إلا بالتى هى أحسنُ حتى يَبْلُغَ أَشُدَّه، لِيَحِلَّ(١) لوليّه بعدَ بُلوغِهِ أَشُدَّه أن
يَقْرَبَه بالتى هى أشْوأُ، ولكنَّه نَهاهم أن يَقْرَبوه(٢) حِياطةً منه له، وحِفظًا عليه،
ليُسْلِمِوه إليه إذا بلَغ أَشُدَّه .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَاَلْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا تُكَلِّفُ نَفْسًا
إِلَّا وُسْعَهَا﴾ .
يقولُ تعالى ذكره: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَثْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُواْ
بِهِ شَيْئًا﴾ - وأن ﴿ أَوْفُواْ الْكَيْلَ وَاُلْمِيزَانَ﴾. يقولُ: لا تَبْخَسوا الناسَ
الكيلَ إذا كِلْتُموهم، والوزنَ إذا وزَنْتُموهم، ولكنْ أَوْفُوهم حقوقَهم . وإيفاؤُهم
ذلك إعطاؤهم حقوقَهم تامَّةً، ﴿بِالْقِسْطِ﴾ . يعنى: بالعدلِ .
كما حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال : ثنا شِبلٌ، عن ابنٍ أبى نَجيح،
عن مجاهدٍ: ﴿ بِالْقِسْطِ﴾: بالعدلِ(٤).
وقد بيًَّا معنى ((القسطِ)) بشَواهِدِه فيما مضى، وكَرِهْنا إعادته(٥).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٢٠/٥ (٨٠٩٠) من طريق أحمد بن المفضل به دون آخره.
(٢) فى م: ((ويحل)).
(٣) فى م: ((يقربوا)).
(٤) تقدم فى ٢٨٠/٥.
(٥) ينظر ما تقدم فى ٨/ ٤٤٧، ٤٤٨.

٦٦٦
سورة الأنعام : الآية ١٥٢
وأما قولُه: ﴿لَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. فإنه يقولُ: لا نُكَلِّفُ نفسًا مِن
إيفاءِ الكيلِ والوزنٍ إلا ما يَسَعُها فيَحِلُّ لها ولا تُحْرِجُ فيه ، وذلك أن الله جلَّ ثناؤُه علِم
مِن عبادِه أن كثيرًا منهم تَضِيقُ نفسُه عن أن تَطِيبَ لغيرِه بما لا يَجِبُ عليها له ، فأمَر
المُغْطِىّ بإيفاءِ ربِّ الحقِّ حقَّه الذى هو له، ولم يُكَلِّفْه الزيادةَ ؛ لِمَ فى الزيادةِ عليه مِن
ضِيقِ نفسِه بها، وأمَر [٨٠٩/١ظ] الذى له الحقُّ بأَخْذِ حقِّه، ولم يُكَلِّفْه الرضا بأقلَّ
منه؛ لِمَ فى النقصانِ عنهَ مِن ضيقِ نفسِه، فلم يُكَلِّفْ نفسًا منهما (١) إلا ما لا(٢) حرج
فيه ولا ضيقَ(٢) ، فلذلك قال: ﴿لَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
وقد اسْتَقْصَيْنا بيانَ ذلك بشَواهدِه فى موضعٍ غيرِ هذا الموضعِ، بما أُغْنَى عن
(٤)
إعادته(٤) .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَإِذَا قُلْتُمْ فَأَعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ
١٥٢
أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ وَإِذَا قُلْتُمْ فَأَعْدِلُواْ﴾: وإذا حكَمْتُم بينَ الناسِ
فتكَلَّمْتُم، فقولوا الحقَّ بينَهم ، واعْدِلوا وأَنْصِفوا ولا تَجُوروا، ولو كان الذى يَتَوَجَّهُ
الحقُّ عليه والحكمُ ذا قَرابةٍ لكم ، ولا يَحْمِلَنَّكم قَرابُ قريبٍ ، أو صَداقُ صديقٍ،
حَكَمْتُم بينَه وبينَ غيرِهِ ، أن تَقولوا غيرَ الحقِّ فيما احْتَكَم إليكم فيه. ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ
أَوْفُواْ﴾. يقولُ: وبوصيةِ اللَّهِ التى أُوْصاكم بها فأُؤْفُوا. وإيفاءُ ذلك أن يُطِيعوه فيما
أُمَرَهم به ونهاهم، وأن يَعْمَلُوا بكتابه وسنةِ رسولِهِ عَّهِ، وذلك هو الوفاءُ بعهدِ اللَّهِ .
وأما قوله : ﴿ ذَلِكُمْ وَضّنگُم په ﴾ . یقول تعالی ذ کرُه لنبيِّه محمدٍ }ٍ :
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((منها)).
(٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((يضيق))، وفى ف: ((تضيق)).
:١٣,٢٠

٦٦٧
سورة الأنعام : الآية ١٥٢
قلْ للعادلين باللّهِ الأوثان والأصنامَ مِن قومِك: هذه الأمور التی ذکرْتُ لکم فی ماتین
الآيتين، هى الأشياءُ التى عهد إلينا ربّنا، ووصَّاكم بها ربُّكم، وأمَرَ كم ) بالعملِ
بها ، لا بالبَحائِ(١) والسَّوائبِ والوَصائلِ والحامِ ، وقتلِ الأولادٍ، وَأَدِ البناتِ، واتّباعِ
خُطُواتِ الشيطانِ . ﴿ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. يقولُ: أمَرَكم بهذه الأمورِ التى أُمَرّكم
بها فى هاتين الآيتين، ووصَّاكم بها، وعهِد إليكم فيها؛ لتَذَكّروا عَواقبَ أمرٍ كم،
وخطأ ما أنتم عليه مُقِيمون ، فتَنْزَجِروا عنها، وتَوْتَدِعوا وتُنِيبوا إلى طاعةِ ربِّكم .
وكان ابنُ عباسٍ يقولُ: هذه الآياتُ هن الآياتُ المَحْكَماتُ .
(" حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن علىّ بنِ(٤) صالحٍ، عن أبى إسحاقَ،
عن عبدِ اللهِ بنِ قيسٍ / عن ابنِ عباسٍ، قال: هن الآياتُ المحْكَماتُ"؛ قولُه: ﴿ قُلْ ٨٧/٨
تَعَالَوَاْ أَتْلُ مَا حَزَّمَ رَبُكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ، شَيْئاً﴾ (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى ، ومحمدُ بنُ بشارٍ ، قالا : ثنا وهبُ بنُ جريرٍ ، قال : ثنا
أبى، قال: سمِعْتُ يحيى بنَ أيوبَ يُحَدِّثُ عن يزيدَ بنِ أبى حَبيبٍ، عن مَوْقَدٍ " بنِ
عبدِ اللَّهِ، عن عُبيدِ اللَّهِ بنِ عدىٍّ بنِ الخِيَارِ، قال: سمِع كعبُ الأحبارِ رجلًا يَقْرَأْ:
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((أمرهم)).
(٢) فى ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((بالبحيرة)).
(٣ - ٣) سقط من: ت ١.
(٤) بعده فى ص، م، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((أبى)). والمثبت من تفسير ابن أبى حاتم والمستدرك ٢/ ٢٨٨.
وينظر تهذيب الكمال ٢٠ / ٤٦٤.
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤١٤/٥ (٨٠٥٧) من طريق وكيع به، وأخرجه الحاكم ٢٨٨/٢ من
طريق على بن صالح به . وأخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٤٩٣ - تفسير) وأبو داود فى ناسخه - كما فى
تهذيب الكمال ٤٥٨/١٥ - وابن أبى حاتم ٥٩٢/٢ (٣١٦٨) من طريق أبى إسحاق به. وأخرجه الحاكم
أيضًا ٣١٧/٢ من طريق أبى إسحاق ، لكن عن عبد الله بن خليفة - لا ابن قيس - عن ابن عباس. وينظر ما
تقدم فى ١٩٣/٥.
(٦) فى ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: (يزيد). ينظر تهذيب الكمال، ٠١٠٢/٣٢
:

٦٦٨
سورة الأنعام : الآية ١٥٢
﴿ قُلْ تَعَالَوَاْ أَتْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ . فقال: والذى نفسُ كعب بيده،
إن هذا لأُوَّلُ شيءٍ فى التوراةِ: ( بسم الله الرحمن الرحيم: قل تعالوا أتلُ ما حرّم
ربكم عليكم)(١).
حدّثنا ابنُ و کیع، قال : ثنا أبی ، عن أبيه ،عن سعيد بن مسروق ، عن رجلٍ،
عن الرَّبِيعِ بنِ خُثَيمِ (١) أنه قال لرجلٍ : هل لك فى صَحيفةٍ عليها خاتمُ محمدٍ؟ ثم قرأ
هؤلاء الآياتِ: ﴿قُلْ تَعَالَوَاْ أَتْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ،
عطر (٣)
شَيْئاً﴾(7).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا إسحاقُ الرازىُّ، عن أبى سِنانٍ ، عن عمرٍو بنٍ مُرَّةَ ،
قال: قال الربيعُ: ألا أَقْرَأُ عليكم صحيفةٌ مِن رسولِ اللَّهِ وَعِ لم يُفَلَّ(٤) خاتمُها؟ فقرَأْ
هذه الآياتِ: ﴿قُلْ تَعَالَوَاْ أَثْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ}
حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ ، عن عَلْقمةً ،
قال: جاء إليه نَفَرٌ ، فقالوا: قد جالَسْتَ أصحابَ محمدٍ فحدِّثْنا عن الوحى . فقرَأ
عليهم هذه الآياتِ مِن ((الأنعامِ)): ﴿قُلْ تَعَالَوَا أَتْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمَّ
أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ، شَيْئاً﴾. قالوا: ليس عن هذا نَسْألُك. قال: فما عندَنا وَحْىٌ غيرُه .
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ ، عن
السدىِّ، قال: هؤلاء الآياتُ التى أُوْصَى بها مِن مُحْكَم القرآنِ .
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٣٨٣/٥ من طريق محمد بن المثنى به، كما أخرجه ابن الضَّرَيس فى فضائل
القرآن (١٩٨)، وأبو نعيم فى الحلية ١٣/٦، من طريق الزُّبير بن الخرِّيت عن عكرمة مولى ابن عباس عن
كعب، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٤/٣ من قول كعب إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر، ومن قول عبيد الله
ابن عدى إلى أبى الشيخ. ووقع عند أبى نعيم: الحارث بدلاً من الخريت. وينظر تهذيب الكمال ٩/ ٣٠١.
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((خيثم)) وينظر تهذيب الكمال ٩/ ٧٠.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٤/٣ إلى أبى عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٤) فى ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((يقل)).

٦٦٩
سورة الأنعام : الآيتان ١٥٣،١٥٢
حدَّثنى يونُسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَإِذَا
قُلْتُمْ فَأَعْدِلُواْ﴾. قال: قولوا الحقَّ(١).
القولُ فى تأويل قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُواْ السُبُلَ
١٥٣
فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ، ذَلِكُمْ وَضَّنِكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه : وهذا الذى وصَّاكم به ربُّكم أيُّها الناسُ فى هاتين الآيتين
مِن قولِه: ﴿ قُلْ تَعَالَوَاْ أَتْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾. وأمَرَكم بالوَفاءِ به،
هو صِراطُه؛ يعنى طريقَه ودينَه الذى ارْتَضاه لعبادِه، ﴿ مُسْتَقِيمًا﴾ . يعنى: قَويمًا
لا اْوجاجَ به عن الحقِّ، ﴿فَأَتَّبِعُوهُ﴾. يقولُ: فاعْمَلوا به، واجْعَلوه لأنفسكم
مِنْهاجًا تَسْلُكونه، فاتَّبِعوه (١) ﴿وَلَا تَنَّبِعُواْ السُبُلَ﴾. يقولُ: ولا تَسْلُكوا طريقًا
سواه، ولا تَرْكَبوا /منهجًا غيرَه، ولا تَبْغُوا [٨١٠/١و] دينًا خلافَهُ مِن اليهوديةِ ٨٨/٨
والنصرانيةِ والمجوسيةِ وعبادةِ الأوثانِ، وغيرِ ذلك مِن الملَلِ؛ فإنها بدعٌ وضَلالاتٌ،
﴿ فَفَرَّنَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهٍ﴾. يقولُ: فَيَشَّثَّتَ بكم - إن أَّبَعْتُم السبلَ المحّدَثَ التى
ليست للَّهِ بسبلٍ ولا طرقٍ ولا أديانٍ - اتباعُكم إياها، ﴿عَن سَبِيلِهِ،﴾. يعنى: عن
طريقِه ودينِه الذى شرَعه لكم وارْتَضاه، وهو الإسلامُ الذى وصَّى به الأنبياءَ، وأَمَر به
الأممَ قبلَكم . ﴿ ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ﴾ . يقولُ تعالى ذكره : هذا الذى وصَّاكم به
ربُّكم مِن قولِه لكم: ﴿أَنَّ هَذَا صِرَاطِى مُسْتَقِيمًا فَتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُواْ السُبُلَ﴾ .
وصَّاكم به ﴿ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ﴾. يقولُ: لِتَتَّقُوا اللَّهَ فى أنفسِكم فلا تُهْلِكوها،
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٢١/٥ (٨٠٩٨) من طريق أصبغ، عن ابن زيد، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٥٥/٣ إلى أبى الشيخ .
(٢) فى ص: (فأما ما سعونه))، وفى ت ١، ت ٣: ((فأما ما يتبعونه))، وكذا فى ص، ت ٢، ولكن غير تامة
النقط، وفى س: ((لا ما تتبعونه))، وفى ف: ((فاما يتبعونه)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((خلاه)) وفوقها فى ص، س: (ط ) إشارة إلى الخطأ ،
والکلمة صواب ، وهی بمعنى ( خلاقه ) التى فى: م.

٦٧٠
سورة الأنعام : الآية ١٥٣
وتَحْذَروا ربّكم فيها ، فلا تُشْخِطوه عليها، فيَحِلّ بكم نقمتُه وعذابُه .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
تَجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَا تَنَّبِعُوا السُبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ،﴾ .
قال : البِدَعَ والشُّبُهاتِ(١) .
حدّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ ، عن شبلٍ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ
(٢)
مثلَه(٢) .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبى تَجيحٍ، عن
مجاهدٍ : ﴿ وَلَا تَتَّبِعُوا السُبُلَ﴾: البدعَ والشبهاتِ .
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال : ثنا معاويةُ، عن على بن أبى
طلحةَ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿ فَأَتَّبِعُوَةٌ، وَلَا تَنَّبِعُوا الشُّبُلَ فَنَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ
سَبِيلٍِ﴾. وقوله(٢): ﴿أَنَّ أَقِيمُواْ أَلْذِينَ وَلَا نَشَفَرَّقُواْ فِيْهِ ﴾ [الشورى: ١٣]. ونحوَ
هذا فى القرآنِ، قال: أمَر اللَّهُ المؤمنين بالجماعةِ ، ونهاهم عن الاختلافِ والفُرقةِ،
وأخْبَرهم أنه إنما هلك من كان قبلَهم بالمِراءِ والخُصُوماتِ فى دينِ اللَّهِ(٤).
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی أبی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباس قولَه: ﴿وَلَا تَقَّبِعُواْ السُبُلَ فَنَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهٍ﴾ .
(١) تفسير مجاهد ص ٣٣١.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٢٢/٥ (٨١٠٤) من طريق أبى أسامة به.
(٣) بعده فى النسخ: ((و)). والمثبت نصُّ التلاوة.
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٦٠/٣ وقد وقع فيه على الخطأ فى تلاوة الآية.

٦٧١
سورة الأنعام : الآية ١٥٣
يقولُ: لا تَشَّبِعوا الضَّلالاتِ(١).
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا الحِمَّانُ، قال : ثنا حمادٌ ، عن عاصم، عن أبى وائلٍ،
عن عبدِ اللَّهِ، قال: خطَّ لنا رسولُ اللَّهِ عِ لَه يومًا خطًّا، فقال: ((هذا سبيلُ اللَّهِ)). ثم
خطَّ عن يمين ذلك الخطِّ وعن شِمالِه خطوطًا، فقال: ((هذه سُئلٌ، على كلِّ سبيل
منها شيطانٌ يَدْعُو إليها)). ثم قرأ هذه الآيةَ: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ
وَلَا تَنَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِلِّ﴾(١).
حدَّثنى يونُسُ، قال: أَخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَأَنَّ
هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَتَّبِعُوَةٌ وَلَا تَنَبِعُوا السُبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ .
قال: سبيلُه الإِسلامُ، وصراطُه الإسلامُ، نهاهم أن يَتَبِعوا السبلَ سِواه، ﴿فَتَفَرَّقَ
بِكُمْ عَن سَبِلٍِ﴾ عن الإسلامِ().
حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثوٍ، عن معمرٍ ، عن أبانٍ ،
أن رجلًا قال لابن مسعودٍ: / ما الصراط المستقيمُ؟ قال: ترَكَنا محمدٌ عَ لَه فى ٨٩/٨
أَدْناه، وطَرَفُه فى الجنةِ، وعن يمينِهِ جَوَاءٌ(٤)، وعن يسارِهِ جَوَادٌ، وَثَمَّ رجالٌ يَدْعُون مَن
مرَّبهم ، فمَن أَخَذ فى تلك الجَوَادِّ انْتَهَتْ به إلى النارِ، ومَن أخَذ على الصراطِ انْتَهَى به
إلى الجنةِ. ثم قَرَأْ ابنُّ مسعودٍ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا﴾ الآية (٥).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٢٢/٥ (٨١٠٣) عن محمد بن سعد به .
(٢) أخرجه الطيالسى (٢٤١)، وأحمد ٢٠٧/٧ (٤١٤٢)، والدارمى ٦٧/١، ٦٨ وابن أبى عاصم فى
السنة (١٧)، والبزار (١٧١٨)، والنسائى فى الكبرى (١١١٧٤)، من طريق حماد - وهو ابن زيد - به .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٢٢/٥ (٨١٠٥) من طريق أصبغ ، عن ابن زيد.
(٤) الجوادُّ : الطرق . اللسان (ج د د ).
(٥) أخرجه المصنف فى آداب النفوس، كما فى تفسير القرطبى ٧/ ١٣٨، وذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٦٢/٣
عن هذا الموضع من التفسير .

٦٧٢
سورة الأنعام : الآية ١٥٣
واخْتَلَفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا﴾؛ فقرَأ ذلك
عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيين: ﴿ وَأَنَّ﴾ بفتح الألفِ مِن ﴿ أَنَّ﴾
وتشديدِ النونِ (١)، ردًّا على قولِه: ﴿وَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ، شَيْئً﴾. بمعنى: ﴿قُلْ تَعَالَوَا
أَتْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ، شَيْئًا﴾ - ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى
مُسْتَقِيمًا﴾ .
وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين: (وإنَّ). بكسرِ الألفِ مِن ((إِنَّ)) وتشديدِ النونِ
منها (١) ، على الابتداءِ، وانْقِطاعِها عن الأولِ ، إذ كان الكلامُ قد انْتَهَى بالخبرِ عن
الوصيةِ التى أَوْصَى اللَّهُ بها عبادَه دونَه، عندَهم(١) .
والصوابُ مِن القولٍ فى ذلك عندى أنهما قراءتان مُسْتَفِيضتان فى قرأةٍ
الأمصارِ وعوام المسلمين ، صحيحٌ معنياهما ، فبأىِّ القراءتين قرَأ القارئُ فهو مصيبٌ
الحقَّ فى قراءتِه . وذلك أن اللَّه تعالى ذكرُه قد أمَر (٤) باتِّباع سبيلِه، كما أمَر عبادَه
الأَشْياءَ(٥)؛ وإن أدْخَل ذلك مُدْخِلٌ فيما أمَرِ اللَّهُ نبيَّه عَلَّمِ أن يقولَ للمشركين: تعالَوْا
أَثْلُ ما حرَّم ربُّكم عليكم وما أمَرَكم به . ففتَح على ذلك ﴿أَنَّ﴾ فمصيبٌ . وإن
كسرها، إذ كانت التلاوةُ قولًا، وإن كان بغيرِ لفظِ القولِ ؛ لبعدِها مِن قوله :
﴿ أَثّلُ﴾. وهو يُرِيدُ إِعمالَ ذلك فيه، فمصيبٌ . وإن كسرها بمعنى ابتداءٍ وانقطاع
عن الأول والتلاوة ، وأن ما أُمِرِ النبىُ عَفِ بتلاوته على مَن أُمِر بتلاوةِ ذلك عليهم قد
(١) وهى قراءة ابن كثير ونافع وعاصم وأبى عمرو. السبعة لابن مجاهد ص ٢٧٣.
(٢) وهى قراءة حمزة والكسائى. ينظر المصدر السابق.
(٣) دونه عندهم: أى: دون النبى معَّفتمٍ عند من قرأ بكسر الألف من ((وإن))، وسيأتى مصرّحا به فى كلام
المصنف بعدُ .
(٤) فى ف: ((أمرنا)).
(٥) فى م: (( بالأشياء)).

٦٧٣
سورة الأنعام : الآيتان ١٥٣، ١٥٤
انْتَھی دون ذلك، فمصیبٌ .
وقد قرأ ذلك عبدُ اللَّهِ بنُ أبى إسحاقَ البصرىُّ: (وأَنْ). بفتح الألفِ مِن
((أن)) وتخفيفِ النونِ منها(١)، بمعنى: ﴿قُلْ تَعَالَوَأَ [٨١٠/١ط] أَثْلُ مَا حَزَّمَ
رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ، شَيْئًا﴾ - (وأنْ هذا صراطى). فخَفَّفَها، إذ
كانت ((أن)) فى قولِه: ﴿أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ، شَيْئاً﴾ مخففةً، وكانت ((أن)) مِن قولِه:
(وأنْ هذا صِراطى). معطوفةً عليها، فجعَلها نظيرةً ما عُطِفَتْ عليه. وذلك وإن
كان مذهبًا، فلا أَحِبُّ القراءةَ به؛ لشُذوذِها عن قراءةٍ (١) قَرَأَةِ الأمصارِ، وخلافٍ ما
هم عليه فى أمصارِهم(٣) .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ تَمَامًا عَلَى الَّذِى أَحْسَنَ
وَتَفْضِيلًاً لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ .
يعنى جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى اُلْكِنَبَ﴾: ثم قلْ بعدَ ذلك يا
محمدُ : آتَى ربُّك موسى الكتابَ . فترَكَ ذِكْرَ ((قل)) إذ كان قد تقَدَّم فى أولِ القصةِ
ما يَدُلُّ على أنه مرادٌ فيها، ذلك قولُه: ﴿قُلْ تَعَالَوَاْ أَقْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ
عَلَيْكُمْ﴾. فقصَّ ما حرَّم عليهم وأخَلَّ، ثم قال: ثم قل: ﴿ءَاتَيْنَا مُوسَى}
فحذَف ((قل)) لدَلالةِ قولِه: ﴿قُلّ﴾. عليه، وأنه مرادٌ فى الكلام.
/وإنما قلنا: ذلك مرادٌ فى الكلام؛ لأن محمدًا عَّامٍ لا شكَّ أنه بُعِث بعدَ موسى ٩٠/٨
بدهرٍ طويلٍ ، وأنه إنما أُمِر بتلاوةِ هذه الآياتِ على مَن أُمِر بتلاوتها عليه بعدَ مَبْعَثِه،
ومعلوم أن موسى أَوتى الكتابَ مِن قبل أمْرِ اللَّهِ محمدًا بتلاوةِ هذه الآياتِ على مَن
أَمِر بتلاوتِها عليه، و((ثُمَّ)) فى كلام العربِ حرفٌ يَدُلَّ على أن ما بعدَه مِن الكلام
(١) ينظر البحر المحيط ٢٥٣/٤. وهى قراءة ابن عامر من السبعة، ويعقوب من العشرة. النشر ص ٢٠٠.
(٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.
(٣) القراءة بذلك ليست شاذة ، بل متواترة كما خرجناها .
( تفسير الطبرى ٤٣/٩ )

٦٧٤
سورة الأنعام : الآية ١٥٤
والخبرِ بعدَ الذى قبلَها .
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى معنى قوله: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِى أَحْسَنَ﴾
فقال بعضُهم : معناه : تمامًا على المحسنين .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
تَجِيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِىّ أَحْسَنَ﴾. قال: على المؤمنين(١).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبى نجيح، عن
مجاهدٍ: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِى أَحْسَنَ﴾: المؤمنين والمحسنين(١).
وكأن مجاهدًا وجّه تأويلَ الكلام ومعناه إلى أن اللَّهَ جلّ ثناؤه أخبر عن موسى
أنه آتاه الكتابَ فضيلةً على ما آتَى المحسنين مِن عبادِه.
فإن قال قائلٌ: فكيف جاز أن يقالَ: ﴿عَلَى الَّذِى أَحْسَنَ﴾. فيُوَحِّدُ
الَّذِى﴾، والتأويلُ: على الذين أحسنوا؟
قيل : إن العربَ تَفْعَلُ ذلك خاصةً فى ((الذى)) وفى الألف واللام ، إذا أرادت
به الكلَّ والجميعَ، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿ وَالْعَصْرِ ) إِنَّ الْإِسَنَ لَفِى خُتْرٍ﴾
[ العصر: ١، ٢]. وكما قالوا: أَكْثَرَ "الدِّرْهَمُ فى أيدى الناسِ.
وقد ذُكِر عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: (َامًا على الَّذِينَ
أُحْسَنُوا)(٤) . وذلك مِن قراءتِه كذلك يُؤَيِّدُ قولَ مجاهدٍ .
(١) تفسير مجاهد ص ٣٣١، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٢٣/٥ (٨١١١).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٦/٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ .
(٣ - ٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((الذى هم فيه فى)).
(٤) أخرجه أبو عبيد فى فضائل القرآن ص ١٧١ عن حجاج، عن هارون. وينظر مختصر الشواذ خالويه ص ٤٧.

٦٧٥
سورة الأنعام : الآية ١٥٤
وإذا كان المعنى كذلك، كان قولُه: ﴿أَحْسَنَ﴾. فعلًا ماضيًا، فَيَكونُ نصبُه لذلك.
وقد يجوزُ أن يكونَ ﴿أَحْسَنَ﴾ فى موضعِ خفضٍ، غيرَ أنه نُصِب ، إذ كان
أفعلَ، وأفعلُ لا يُجْرَى(١) فى كلامِها .
فإن قيل : فبأىِّ شىءٍ خُفِض ؟
قيل: ردًّا على ﴿ الَّذِى﴾؛ إذ لم يَظْهَرْ له ما يَرْفَعُه.
فيكونُ تأويلُ الكلام حينئذٍ : ثم آتَيْنا موسى الكتابَ تمامًا على الذى هو
أحسنُ. ثم حُذِف ((هو))، وجاوَر ((أحسن)) ((الذى))، " فعُرِّب بتَغْرِيبِه) ، إذ كان
كالمعرفةِ؛ مِن أجلِ أن الألف واللامَ لا يَدْخُلانِه، و((الذى)) مثلُه، كما تقولُ
العربُ : مرَرْتُ بالذى خيرٍ منك وشرٌّ منك. وكما قال الراجزُ(٣):
إِن الزُّبَيرِىَّ الذى مِثْلَ الحَلَمْ(٤)
مَشَّى(٥) بأسلائِكُم أهلَ العَلَمْ(٦)
فَأْبَع ((مِثْلَ)) ((الذى)) فى الإعرابِ، ومَن قال ذلك لم يَقُلْ: مرَرْتُ بالذى
عالم. لأن ((عالمًا)) نكرةٌ، و((الذى)) معرفةٌ، ولا تَنْبَعُ نكرةٌ معرفةٌ .
وقال آخرون: معنى ذلك: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِى أَحْسَنَ﴾: موسى فيما امْتَحَنه
اللَّهُ به فى الدنيا مِن أمره ونهيه .
(١) الإجراء : الصرف. كما تقدم قبل .
(٢ - ٢) فى م: ((فعرف بتعريفه))، وفى ت ١: ((يعرف سعريه)، وفى ت ٢، ت ٣، س: ((يعرب بتعريبه).
(٣) معانى القرآن للفراء ٣٦٥/١، غير منسوب لقائل.
(٤) الحلم، جمع حَلَمَة: وهى الصغيرة من القِردان . اللسان (ح ل م ).
(٥) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ( مسی).
(٦) العلم : الجبل . اللسان (ع ل م ).

٦٧٦
سورة الأنعام : الآية ١٥٤
ذكرُ مَن قال ذلك
٩١/٨
/حدَّثنى المثنى، قال : ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه،
عن الربيع: ﴿ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ تَمَامَا عَلَى الَّذِىَ أَحْسَنَ﴾: فيما أعْطاه
اللَّهُ(١) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً :
﴿ ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ تَمَامَا عَلَى الَّذِى أَحْسَنَ﴾ . قال : مَن أحسَنَ فى الدنيا
ثمّم اللَّهُ له ذلك فى الآخرةِ(١) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ثُمَّ ءَاتَيْنَا
مُوسَى الْكِتَبَ تَمَامَا عَلَى أَلَّذِى أَحْسَنَ﴾. يقولُ: مَن أحسَن فى الدنيا تَمّت عليه
كرامةُ اللَّهِ فى الآخرةِ.
وعلى هذا التأويلِ الذى تأؤَّله الربيعُ يكونُ ﴿أَحْسَنَ﴾ نصبًا؛ لأنه فعلٌ ماضٍ.
و﴿ الَّذِى﴾ بِمَعْنَى ((ما)). وكان الكلامُ حينئذٍ: ثم آتَيْنا موسى الكتابَ تمامًا على
ما أحسَن موسى. أىْ: آتَيْناه الكتابَ لأَّمَ له كرامتى فى الآخرةِ ، تمامًا على إحسانِه
فى الدنيا فى(٣) عبادةِ اللَّهِ والقيامِ بما (٤كلَّفه بهٌ) مِن طاعتِه.
وقال آخرون فى ذلك : معناه : ثم آتينا موسی الکتاب تمامًا علی إحسانِ اللهِ إِلی
أنبيائه وأيادِيهِ عندَهم.
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٢٣/٥ (٨١١٣) من طريق عبد الله بن أبى جعفر به.
(٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٢١، ٢٢٢ - ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٢٣/٥ (٨١١٢) - عن
معمر به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٦/٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ .
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: ((وفى)).
(٤ - ٤) فى ص، ف: (( كلفه)) وفى ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (( كلفته)).

٦٧٧
سورة الأنعام : الآية ١٥٤
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ثُمَّ
ءَاتَّيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ تَمَامَا عَلَى الَّذِى أَحْسَنَ﴾. قال: تمامًا مِن اللَّهِ وإحسانِه الذى
أحسَن إليهم وهدَاهم للإسلام، آتاهم ذلك الكتابَ تمامًا لنعمتِه عليهم
(٢)
وإحسانِه (١).
و﴿أَحْسَنَ﴾ على هذا التأويلِ أيضًا فى موضعٍ نصبٍ على أنه فعلٌ ماضٍ،
و﴿ اَلَّذِى﴾ على هذا القول والقولِ الذى قاله الربيعُ بَمَعْنَى ((ما)).
وذُكِر عن يحيى بنٍ يَعْمَرَ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: (تمامًا على الذى أحسَنُ)(١).
رفعًا، بتأويلٍ: على الذى هو أحسنُ.
حدَّثنى بذلك أحمدُ بنُ يوسُفَ ، قال : ثنا القاسمُ بنُ سلَّام، قال: ثنا حجّاجٌ،
عن هارونَ ، عن أبى عمرٍو بنِ العَلاءِ، عن يحيى بنِ يَعْمَرَ(٤).
قال أبو جعفرٍ : وهذه قراءةٌ لا أَسْتَجِيزُ القراءةَ بها وإن كان لها فى العربيةِ وجهٌ
صحيح؛ لخلافِها ما عليه الحُجَّةُ مُجْمِعةٌ مِن قرأَةِ الأُمْصارِ.
وأولى هذه الأقوالِ عندى بالصوابِ قولُ مَن قال : معناه : ثم آتَيْنا موسی
.
الكتابَ تمامًا لِنِعَمِنا عندَه ، على الذى أحسَنَ موسى فى قيامِه بأمرِنا ونهْيِنا ؛ لأن ذلك
أظهرُ معانيه(٢) فى الكلام، وأن إيتاءَ موسى كتابَه نعمةٌ مِن اللَّهِ عليه، ومنةٌ عظيمةٌ ،
فأخْبَر جلَّ ثناؤه أنه أنْعَم بذلك عليه لِما سلَف له مِن صالحٍ عملٍ، وحُسنِ طاعةٍ ، ولو
(١) فى م: ((وآتاهم)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٢٣/٥ (٨١١٠) من طريق أصبغ عن ابن زيد به.
(٣) وهى قراءة شاذة لم يقرأ بها أحد من القراء العشرة .
(٤) ينظر المحتسب ص ٢٣٤.
(٥) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((و)).

٦٧٨
سورة الأنعام : الآية ١٥٤
كان التأويلُ على ما قاله ابنُ زيدٍ ، كان الكلامُ : ثم آتَيْنا موسى الكتابَ تمامًا على الذى
أَحْسَنًا. أو: ثم آتَى اللَّهُ موسى الكتابَ تمامًا على الذى أُحْسَنَ. وفى وصفِه جلَّ ثناؤه
نفسَه بإيتائِه الكتابَ، ثم صَرْفِه الخبرَ بقوله: ﴿أَحْسَنَ﴾. إلى غيرِ المخْبِرِ عن نفسِه؛
بقُرْبٍ ما بينَ الخبرين - الدليلُ الواضحُ على أن القولَ غيرُ الذى قاله ابنُ زيدٍ .
وأما ما ذُكِر عن مجاهدٍ مِن توجيهِه ﴿ الَّذِى﴾ إلى معنى الجميع، فلا دليلَ
فى الكلام يَدُلُّ على صحةٍ ما قال مِن ذلك ، بل ظاهرُ الكلام بالذى اخْتَوْنا مِن القول
أَشْبَهُ، وإذا تُنُوزِع فى تأويلِ الكلامِ، كان أوْلَى مَعانِيهِ به أغْلَبَه على الظاهرِ، إلا أن
یکونَ مِن العقل أو الخبرِ دليل واضح على أنه معنىٌ به غیرُ ذلك .*
٩٢/٨
/وأما قولُه: ﴿وَتَفْضِيلًا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾. فإنه يَغْنى: وتَبِينًا لكلِّ شىءٍ مِن أمرٍ
الدينِ الذى أُمِروا به.
فتأويلُ الكلام إذن: ثم آتَيْنا موسى التوراةَ تمامًا لِنِعَمِنا عندَه ، وأَیادِینا قِبَلَه ، تَنِمْ
به كرامتنا عليه، على إحسانِه وطاعتِه ربَّه، وقيامِه بما كلَّفه مِن شرائع دينه ، وتَبِْينًا
لكلِّ ما بقومِه (٢) وأتباعِه إليه الحاجةُ مِن أمرٍ دينهم.
كما حدَّثنى بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً: ﴿وَتَفْصِيلًا
لِكُلِّ شَىْءٍ﴾: فيه حلالُه وحرامُه(٣) .
القولُ فى تأويلِ قوله: ﴿ وَهُدَى وَرَحْمَةٌ لَعَلَّهُم بِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ
١١٥٤
يقولُ تعالى ذكره: آتَيْنا موسى الكتابَ تمامًا وتفصيلاً لكلِّ شىءٍ،
(١) بعده فى م: ((القول)).
(٢) فى م: ((لقومه))، وفى س: ((تقومه))، وفى ف: ((يقومه)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٢٣/٥ (٨١١٤) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٥٦/٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ .

٦٧٩
سورة الأنعام : الآية ١٥٤
وَهُدَى﴾. يعنى بقوله ﴿ وَهُدَى﴾: تقويمًا لهم على الطريق المستقيم، وبيانًا لهم
سُبْلَ الرشادِ ؛ لئلا يَضِلُّوا. ﴿ وَرَحْمَةَ﴾. يقولُ: ورحمةً منا بهم، ورَأَفَةً ؛ لتُنْجِيَهم
مِن الضلالةِ وعَمَى الحِيرَةِ .
وأما قولُه: ﴿لَعَلَّهُم بِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾. فإنه يعنى: إيتائى موسى الكتابَ
تمامًا لكرامةِ اللَّهِ موسى على إحسانِ موسى ، وتفصيلاً لشرائع دينه، وهدّى لمن
اتَّبَعه، ورحمةً لمن كان منهم ضالًا؛ ليُنْجِيَه اللَّهُ به مِن الضَّلالةِ، ولَيُؤْ مِنَ بلقاءِ ربِّه إذا
سمِعِ مَواعظَ اللَّهِ التى وعَظ بها خَلْقَه فيه، فيَرْتَدِعَ عما هو عليه مقيمٌ مِن الكفرِ به،
وبلقائِه بعدَ مَماتِه، فيُطِيعَ ربَّه، ويُصَدِّقَ بما جاءه به نبيُّه موسى عليه السلامُ.