Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
سورة الأنعام : الآيتان ١٢٤، ١٢٥
بـ
الصَّغارِ، عذابٌ شديدٌ بما كانوا يَكِيدُون للإسلام وأهله ، بالجِدالِ بالباطلِ والزخرفٍ
مِن القولِ غُرورًا، لأهلِ دينِ اللَّهِ وطاعتِه .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ﴾.
يقولُ تعالى ذكره : فمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِیَه للإيمانِ به وبرسوله ، وما جاء به مِن
عندٍ ربِّه فيُوَفِّقَه له، ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ﴾. يقولُ: فسَح صدرَه لذلك،
وهوَّنه عليه ، وسهَّله له بلطفِه ومعونتِه، حتى يَستنيرَ الإِسلامُ فى قلبِهِ ، فَيُضِىءَ له،
ویتَسِعَ له صدرُه بالقبول .
كالذى جاء الأثرُ به عن رسولِ اللَّهِ عَظِّمِ الذى حدَّثنا سَؤَّارُ بنُ عبدِ الله
العَنْبَرُّ ، قال: ثنا المعتمِرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ أبى يُحَدِّثُ عن عبدِ اللهِ بنِ
مُرَّةً(٢)، عن أبى جعفرٍ، قال: لما نزَلَت هذه الآيَةُ: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ
صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ﴾. قالوا: كيف يُشْرَحُ الصدرُ؟ قال: إذا نزَل النورُ فى القلبِ
انْشَرَح له الصدرُ وَانْفَسَح. قالوا: فهل لذلك آيَةٌ يُعْرَفُ بها؟ قال: نعم ، الإنابةُ إلى
دارٍ الخلودِ، والتَّجافى عن دارِ الغُرورِ، والاسْتِعدادُ للموتِ قبلَ الموتِ (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحبى، قال: أَخْبَرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أُخْبَرنا الثورىُّ، عن
عمرٍو بن قيسٍٍ، عن عمرٍو بنِ مُرَّةً، عن أبى جعفرٍ قال: سُئِل النبيُّ عَ لَّهِ: أَىُّ المؤمنين
أكْيَسُ؟ قال: ((أكثرُهم للموتِ ذكرًا، وأخْسَنُهم لما بعدَه اسْتِعدادًا)). قال : وسُئِل
(١) كذا فى النسخ، وتفسير ابن كثير ((عبد الله بن مرة)) والصواب: أبى عبد الله بن مرة. وهو عمرو بن مرة
ابن عبد الله المرادى أبو عبد الله الكوفى الأعمى وأبو جعفر هو عبد الله بن مسور بن عون بن جعفر بن أبى
طالب الهاشمى المدائنی، كان يضع الحديث ويكذب. ينظر الجرح والتعديل ١٦٩/٥، وتهذيب الكمال
٢٢ /٢٣٢.
(٢) فى م: ((الفوت)).
والأثر ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٢٧/٣ عن المصنف.

٥٤٢
سورة الأنعام : الآية ١٢٥
النبىُّ ◌َظّمِ عن هذه الآيةِ: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ﴾.
قالوا: كيف يُشْرَحُ صدرُه يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: ((نُورٌ يُقْذَفُ فيه، فيَنْشَرِحُ له
ويَنْفَسِحُ)). قالوا: فهل لذلك مِن أمارةٍ يُعْرَفُ بها؟ قال: ((الإنابةُ إلى دارِ الخلودِ ،
والتَّجافى عن دارِ الغُرورِ، والاسْتِعدادُ للموتِ قبلَ الموتِ))(١).
حدَّثنا هنادٌ ، قال: ثنا قبيصةٌ، عن سفيانَ، عن عمرٍو بنٍ مُؤَّةً ، عن رجلٍ يُكْنَى
٢٧/٨ أبا جعفرٍ كان يَسْكُنُ / المدائنَ، قال: سُئِل النبيُّ عَ للِ عن قوله: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَنْ
يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ﴾. قال: ((نُورٌ يُقْذَفُ فى القلبِ، فَيَنْشَرِحُ
ويَنْفَسِحُ)). قالوا: يا رسولَ اللَّهِ ، هل له مِن أمارةٍ يُعْرَفُ بها ؟ ثم ذكَر باقىَ الحديثِ
(٢)
مثلَه(٢) .
حدَّثنى هلالُ (١) بنُ العَلاءِ، ثنا سعيدُ بنُ عبدِ الملكِ بنِ واقدِ الحَانىُ، قال : ثنا
محمدُ بنُ سلمةً ، عن أبى عبدِ الرَّحيمِ ، عن زيدِ بنِ أبِى أُنَيْسةَ ، عن عمرو بنٍ مرةً، عن
أبى عُبيدةَ، عن عبدِ اللَّهِ بنٍ مسعودٍ ، قال: قيل لرسول اللّهِ وَعِ حينَ نزَلَت هذه
الْآيَةُ: ﴿ فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ﴾. قال: ((إذا دخَل النورُ
القلبَ انْفَسَح وانْشَرَح)». قالوا: فهل لذلك مِن أمارةٍ يُعْرَفُ بها؟ قال: ((الإنابةُ إلى
(١) تفسير عبد الرزاق ٢١٧/١، وأخرجه ابن أبى شيبة ٢٢١/١٣، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٨٤/٤
(٧٨٧٣) من طريق عمرو بن قيس بنحوه. وتحرف عبد الله بن مسور فى المصنف إلى عبد الله بن مسعود،
وأخرجه ابن المبارك فى الزهد (٣١٥)، وابن أبى شيبة ٢٢١/١٣، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٨٤/٤
(٧٨٧٢) من طريق عمرو بن مرة به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٤/٣ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن
المنذر وابن مردويه .
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٢٧/٣ عن المصنف، وأخرجه البيهقى فى الأسماء والصفات (٣٢٥) من
طريق سفيان الثورى به موقوفًا على أبى جعفر .
(٣) فى م، ف: ((محمد))، وفى ص: ((يعلى))، وفى ت ١، ت ٢، س: ((على)). والمثبت مما تقدم فى
٤٩٣/٢، وتفسير ابن كثير، وينظر تهذيب الكمال ٣٤٦/٣٠.

٥٤٣
سورة الأنعام : الآية ١٢٥
دارِ الخلودِ، والتَّحِّى عن دارِ الغُرورِ، والاستعدادُ للموتِ قبلَ الموتِ))(١).
حدَّثنى سعيدُ بنُ الربيع الرازىُّ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عُيينةَ ، عن خالدِ بنِ أبى
كَرِيمةَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ المِسْوَرِ، قال: قرَأ رسولُ اللَّهِ وَهِ: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَنْ
يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ﴾. ثم قال رسولُ اللَّهِ عَهِ: ((إذا دخَل النورُ القلبَ
انْفَسَح وانْشَرَح)). قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، وهل لذلك مِن علامةٍ تُغْرَفُ؟ قال:
(( نعم ، الإنابةُ إلى دارِ الخلودِ، والتَّجافى عن دارِ الغُرورِ ، والاسْتِعدادُ للموتِ قبلَ
نزول الموتِ))(٢).
حدَّثنى ابنُ سِنانِ القَزَّزُ، قال: ثنا مَحْبوبُ بنُ الحسنِ الهاشمىُ، عن يونُسَ،
عن عبد الرحمنِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُثْبةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، عن رسولِ اللَّهِ عَّهِ،
قال: ((﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ﴾)). قالوا: يا
رسولَ اللَّهِ، وكيف يُشْرَحُ صدرُه؟ قال: «يَدْخُلُ فيه النورُ فيَنْفَسِحُ)». قالوا: وهل
لذلك مِن علامةٍ يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: ((التَّجافى عن دارِ الغُرورِ، والإنابةُ إلى دارٍ
الخلودِ، والاستعدادُ للموتِ قبلَ أن يَنْزِلَ الموتُ))(١).
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٢٧/٣ عن المصنف، وذكر الدارقطنى فى العلل ١٨٨/٥ - ١٩٠ عدة طرق
لهذا الحديث عن عبد الله بن مسعود منها هذا الطريق عن أبى عبد الرحيم، ثم قال: وكلها وَهْم ، والصواب :
عن عمرو بن مرة ، عن أبى جعفر عبد الله بن المسور مرسلا عن النبى معاهم ، كذلك قاله الثوری، وعبد الله بن
المسور .. متروك .
(٢) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٩١٨ - تفسير) - ومن طريقه البيهقى فى الأسماء والصفات
(٣٢٦) - عن ابن عيينة به، وقال البيهقى: هذا منقطع. وأخرجه أبو الشيخ فى طبقات المحدثين بأصبهان
١٥٢/١- ومن طريقه أبو نعيم فى أخبار أصبهان ٣٠٥/١، ٣٨/٢ - من طريق ابن عيينة عن خالد بن أبى
كريمة، عن عبد الله بن المسور ، عن أبيه .
(٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣٢٨/٣ عن المصنف. وأخرجه ابن أبى الدنيا فى قصر الأمل ص٩٩ (١٣١) -
ومن طريقه الحاكم ٣١١/٤، والبيهقى فى الشعب (١٠٥٥٢) - من طريق عدى بن الفضل عن عبد الرحمن
ابن عبد الله المسعودى عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله بن مسعود. وليس فى إسناد ابن أبى
الدنيا : القاسم بن عبد الرحمن. وفى إسناد البيهقى القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن أيوب عن عبد الله بن
مسعود . وينظر سلسلة الأحاديث الضعيفة (٩٦٥).

٥٤٤
سورة الأنعام : الآية ١٢٥
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿فَمَن يُرِدِ اَللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ﴾: أما ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ
لِلْإِسْلَمِ﴾: فيُوَسِّعُ صدرَه للإسلامِ.
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاج، عن ابنٍ جريج قولَه :
﴿ فَمَن يُرِدِ اَللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ﴾: بلا إلهَ إلاّ اللَّهُ.
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ ، عن ابنٍ جريج
قراءةً: ﴿فَمَن يُرِدِ اَللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ﴾: بلا إلهَ إلا اللَّهُ، يَجْعَلُ
لها فى صدرِهِ مُتَّسَعًا .
القولُ فى تأويلٍ قوله: ﴿وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَُّ يَجْعَلْ صَدْرَمُ ضَيِّقًا حَرَجً﴾.
يقولُ تعالى ذكره : ومَن أراد اللَّهُ إضلالَه عن سبيلِ الهُدَى ، يشغَلُه بكفرِهِ
٢٨/٨ وصدِّه عن سبيلِه، ويَجْعَلُ / صدرَه بخِذْلانِه وغلبةِ الكفرِ عليه ، حرَجًا .
والحرجُ أشدُّ الضيقِ، وهو الذى لا يُْفِذُه مِن شدةِ ضيقِه، [٧٩٤/١و] وهو هلهنا
الصدرُ الذى لا تَصِلُ إليه الموعظةُ، ولا يَدْخُلُه نورُ الإيمانِ ؛ لِرَيْنِ الشركِ عليه،
وأصلُه مِن الحرَجِ، والحرَجُ جمعُ حَرَجةٍ، وهى الشجرةُ المُلْتَفُّ بها الأشجارُ، لا
يَدْخُلُ بينَها وبينَها شىءٌ لشدةِ التفافِها بها .
كما حدَّثنى المثنى، قال : ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا هُشيمٌ ، قال: ثنا
عبدُ اللَّهِ بنُ عمارٍ - رجلٌ مِن أهلِ اليمنِ - عن أبى الصَّلْتِ الثَّقَفىِّ، أن عمرَ بنَ
الخطابِ رحمةُ اللَّهِ عليه قرَأ هذه الآيةَ: ﴿وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا

٥٤٥
سورة الأنعام : الآية ١٢٥
حَرَجًا﴾ بنصبِ الراءِ. قال: وقرَأ بعضُ مَن عندَه مِن أصحابِ رسولِ اللهِ عَّهِ:
(ضَيِّقًا حَرِجًا). قال صَفْوانُ: فقال عمرُ: ابْغُونى رجلًا مِن كِنانةَ، واجْعَلوه راعيًا ،
وَلْيَكُنْ مُدْلِجِيًّا. قال: فأَتَوْه به ، فقال له عمرُ: يا فتى، ما الحَرَجةُ؟ قال: الحَرَجةُ
فينا الشجرةُ تَكونُ بينَ الأشجارِ التى لا تَصِلُ إليها راعيةٌ ، ولا وَخْشِيَّةٌ، ولا شىءٌ .
قال: فقال عمرُ: كذلك قلبُ المنافقِ، لا يَصِلُ إليه شىءٌ مِن الخيرِ (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال: ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَُّ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجً﴾. يقولُ:
مَن أراد اللَّهُ أن يُضِلَّه يُضَيِّقْ عليه صدرَه حتى يَجْعَلَ الإِسلامَ عليه ضيقًا، والإسلامُ
واسعٌ، وذلك حينَ يقولُ: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
يقولُ: ما جعَل عليكم فى الإسلامِ مِن ضيقٍ(١).
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه : شاًّا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا عمرانُ بنُ موسى ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ ، قال: ثنا حميدٌ ، عن
مجاهدٍ: ﴿ضَيِّقًا حَرَجًا﴾: قال: شائّا(٣).
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال : ثنا أحمدُ بنُ المفضل، قال: ثنا أسْباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾: أما ﴿حَرَجًا﴾ فشائى (٣).
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٥/٣ إلى المصنف وعبد ابن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ. وينظر تفسير
ابن كثير ٣٢٨/٣ .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٨٥/٤ (٧٨٧٦)، والبيهقى فى الأسماء والصفات (٣٢٤) من طريق
محمد بن سعد به .
(٣) ينظر تفسير ابن كثير ٣٢٨/٣.
( تفسير الطبرى ٣٥/٩ )

٥٤٦
سورة الأنعام : الآية ١٢٥
وقال آخرون : معناه : مُلْتَبِسًا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ
ضَيِّقًا حَرَجً﴾. قال: ﴿ضَيِّقًا﴾: مُلْتَبِسًا(١).
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ ، قال: ثنى أبى(٢) ، قال: ثنى أبى، عن
(١) ، عن قتادةَ أنه كان يَقْرَأُ: ﴿ضَبِّقًا حَرَجًا﴾ يقولُ: مُلْتَبِسًا.
الحسين
وقال آخرون: معناه أنه مِن شدةِ الضيقِ لا يَصِلُ إليه الإيمانُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
/حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال: ثنا جَريرٌ، عن حَبِيبٍ بنٍ أَبِى عَمْرةَ ، عن سعيد بنِ
٢٩/٨
جُبيرٍ: ﴿ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَبِّقًا حَرَجً﴾. قال: لا يَجِدُ مَسْلَكًا إلا صُعُدًا(٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال : ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ ، عن عطاءٍ
الخراسانيّ: ﴿ضَيِّقًا حَرَجًا﴾. قال: ليس للخيرِ فيه مَنْقَذٌ (٥).
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا سُوَيدُ بنُ نصرٍ ، قال: أخْبَرنا ابنُ المباركِ ، عن معمرٍ ،
عن عطاءِ الخُراسانىّ مثلَه .
حدَّثْنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ تجريج قولَه :
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٥/٣ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.
(٢) بعده فى النسخ: ((حدثنى عمى)). وسيأتى على الصواب فى ٢١٠/١٠، ١٢٨/١٤، ١٠٤/١٥، ٢/١٩،
٧/٢٠، ٣/٢٦، وينظر ٩٩/١٨، ٤٧٨.
(٣) فى النسخ: ((الحسن)). وتنظر المواضع السابقة، وص٥٧٩، وتهذيب الكمال ٣٧٢/٦.
(٤) ينظر تفسير ابن كثير ٣٢٩/٣.
(٥) تفسير عبد الرزاق ٢١٨/١ - ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٨٥/٤ (٧٨٧٩) - عن معمر به،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٥/٣ إلى ابن المنذر.

٥٤٧
سورة الأنعام : الآية ١٢٥
﴿ وَمَن يُرِدُ أَنْ يُضِلَّمُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا ﴾: بلا إلهَ إلا اللَّهُ، لَا يَجِدُ لها فى
.. (١)
صدرِه مَسَاعًا(١).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ ، قال: أُخْبرَنا ابنُ المباركِ ، عن ابن جريجٍ
قراءةً فى قوله: ﴿ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾: بلا إلهَ إلا
اللَّهُ، حتى لا يَسْتَطِيعَ أن تَدْخُلَه (١).
واخْتَلَفَت القرأةُ فى قراءةِ ذلك، فقرَأَه بعضُهم: ﴿ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ بفتح الحاءِ
والراءِ مِن: ﴿حَرَجًا﴾. وهى قراءةُ عامةِ المكيين والعراقيين ، بمعنى جمعِ حَرَجٍ ،
على ما وصَفْتُ .
وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ: (ضَيِّقًا حَرِجًا) بفتح الحاءِ وكسرِ الراءِ .
ثم اخْتَلَف الذين قرءوا ذلك فى معناه؛ فقال بعضُهم: هو بمعنى الحَرَجِ،
وقالوا: الحَرَجُ بفتح الحاءِ والراءِ، والحَرِيجُ بفتح الحاءِ وكسرِ الراءِ، بمعنى واحدٍ، وهما
لغتان مشهورتان ، مثلُ الدَّنَفِ والدَّنِفِ، والوَحَدِ والوَحِدِ ، والفَرَدِ والفَرِدِ .
وقال آخرون منهم : بل هو بمعنى الإثم ، مِن قولهم : فلانٌ آئِمٌ حَرِجٌ. وذُكِر عن
العربِ سَماعًا منها : حَرِجٌ عليك ظُلْمی. بمعنى : ضِيقٌ وإثْمّ .
والقولُ عندى فى ذلك أنهما قراءتان مشهورتان ، ولغتان مُسْتَفِيضتان بمعنّی
واحدٍ ، وبأَتِهما قرَأ القارئُ فهو مصيبٌ؛ لاتفاقٍ معنَيَكْهما، وذلك كما ذكَرْنا مِن
الرواياتِ عن العربِ فى الوَحَدِ والفَرَدِ ، بفتح الحاءِ مِن الوَحَدِ ، والراءِ من الفرَدِ،
وكسرِهما ، بمعنى واحدٍ .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٥/٣ إلى أبى الشيخ، وذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٢٩/٣ عن ابن المبارك به.
(٢) وهى قراءة ابن كثير وحفص وأبى عمرو وابن عامر وحمزة والكسائى ويعقوب وخلف. ينظر النشر ١٩٧/٢.
(٣) وهى قراءة نافع وأبى جعفر وأبى بكر شعبة . ينظر المصدر السابق.
(٣) ينظر معانى القرآن للفراء ٣٥٣/١.

٥٤٨
سورة الأنعام : الآية ١٢٥
وأما ((الضيّقُ))، فإن عامةَ القرأةِ على فتح ضادِه وتشدیدِ یائِه ، خلا بعضَ
المكيين، فإنه قرَأَه: (ضَيْقًا) بفتح الضادِ وتسكينِ الياءِ وتخفيفه (١).
وقد يتّجه لتشکینه ذلك وجهان : أحدهما ، أن یکونَ سکنه وهو ینْوِی معنی
التحريكِ والتشديدِ، كما قيل: هَيْنٌّ لَيْنٌ، بمعنى: هيِّنٌّ لِيِّنٌ.
والآخرُ، أن يَكونَ سكّنه بنيةِ المصدرِ، مِن قولهم: ضاق هذا الأمرُ يَضِيقُ
ضَيْقًا. كما قال رُؤْبةُ :
قد علِمْنا عندَ كلِّ مأْرِقِ
ضَيْقٍ بِوَجْهِ الأُمْرِ أو(٢) مُضَيَّقٍ
ومنه قولُ اللَّه: ﴿ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقِ مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٢٧]. وقال
رُؤْبةُ أيضًا(٣) :
/ وشَفَّها اللُّوحُ بِمَأْزُولٍ ضَيَقْ(٤)
٣٠/٨
[٧٩٤/١ظ] بمعنى: ضيّقٍ.
ومحكِى عن الكِسائىِّ أنه كان يَقولُ : الضِّيقُ بالكسرِ ، فى المعاشِ والموضعِ،
وفى الأمرِ الضَّيْقُ.
وفى هذه الآيةِ أنْيَنُ البيانِ لمن وُفِّق لفهمِها عن أن السببَ الذى به يُوصَلُ
إلى الإيمانِ والطاعةِ غيرُ السببِ الذى به يُوصَلُ إلى الكفرِ والمعصيةِ، وأن كلا
(١) وهى قراءة ابن كثير. ينظر الكشف ١/ ٤٥٠، ٤٥١.
(٢) فى م: ((أى)).
(٣) ديوانه ص ١٠٥.
(٤) شفها: أنحلها وهَزَّلها. واللُّوح: العطش. والمأزول من الأزل، وهو الشدة والضيق. اللسان (ل وح،
ش ف ف، أزل ) وجعل (ضيق ) بالتحريك مراعاة للوزن .

٥٤٩
سورة الأنعام : الآية ١٢٥
السببين مِن عندِ اللَّهِ ، وذلك أن اللَّهَ جلَّ ثناؤه أخْبَر عن نفسِه أنه يَشْرَحُ صدرَ مَن أراد
هدايتَه للإسلام، ويَجْعَلُ صدرَ مَن أراد إضلالَه ضيِّقًا عن الإسلام حَرَجًا، كأنما
يَصَّعَّدُ فى السماءِ، ومعلومٌ أن شرحَ الصدرِ للإيمانِ خِلافُ تَضْيِيقِه له ، وأنه لو كان
يُوصَلُ بتضييقِ الصدرِ عن الإيمانِ إلیه ، لم یکنْ بینَ تضييقِه عنه وبینَ شرحِه له
فرقٌ ، ولكان مَن ضُيّق صدرُه عن الإيمانِ قد شُرِح صدرُه له ، ومَن شُرِح صدرُه له،
فقد ضُيِّق عنه ، إذ كان مَوصولًا بكلِّ واحدٍ منهما - أعنى مِن التضييقِ والشرحٍ -
إلى ما يُوصَلُ به إلى الآخرِ. ولو كان ذلك كذلك، وجَب أن يَكونَ اللَّهُ قد كان
شرَح صدرَ أبى جهلٍ للإيمانِ به، وضيَّق صدرَ رسولِ اللَّهِ عَلِ عنه، وهذا القولُ مِن
أعظم الكفرِ باللَّهِ، وفى فسادٍ ذلك أن يَكونَ كذلك الدليلُ الواضحُ على أن
السببَ الذى به آمَن المؤمنون باللَّهِ ورسلِه وأطاعه المُطِيعون، غيرُ السببِ الذى
كفَر به الكافرون باللّهِ، وعصاه العاصون، وأن كلا السببين مِن عندِ اللَّهِ
وبيدِه؛ لأنه أُخْبَر جلَّ ثناؤه أنه هو الذى يَشْرَحُ صدرَ هذا المؤمنِ به للإيمانِ إذا
أراد هدايتَه، ويُضَيِّقُ صدرَ هذا الكافرِ عنه إذا أراد إضلالَه .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ كَأَنَّمَا يَصَّغَّدُ فِىِ السَّمَاءِ﴾ .
وهذا مَثَلٌ مِن الله تعالی ذ کرُه ضربه لقلبٍ هذا الكافر فی شدةِ تَضْییقه إیاه عن
وصوله إلیه ، مثلَ امتناعه مِن الصُّعودِ إلى السماءِ، وعجزه عنه؛ لأن ذلك لیس فی
وُسْعِه .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن عطاءٍ
الخُراسانىِّ: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّغَدُ فِ السَّمَلَمْ﴾. يقولُ: مَثَلُه كمَثَلٍ الذى لا يَسْتَطِيعُ

٥٥٠
سورة الأنعام : الآية ١٢٥
أن يَصََّّدَ فى السماءِ (١).
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا سُوَيْدٌ ، قال: أُخْبِرَنا ابنُ المباركِ، عن معمرٍ ، عن عطاءٍ
الخراسانيّ مثلَه .
وبه قال: أُخْبَرنا ابنُ المباركِ، عن ابنٍ جريج قراءةً: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا
حَرَجًا﴾: بلا إلهَ إلا اللَّهُ حتى لا يَسْتَطِيعَ أن تَدْخُلَه، ﴿كَأَنَّمَا يَصَّغَّدُ فِي
السَّمَاءِ﴾: مِن شدةِ ذلك عليه(٢) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ مثلَه .
/حدَّثنى محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿كَأَنَّمَا يَصَغَدُ فِ السَّمَاءِ﴾: مِن ضِيقِ صدرِه (١) .
٣١/٨
واخْتَلَفَت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأَته عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والعراقِ :
كَأَنَّمَا يَصَغَدُ﴾(١). بمعنى: يَتَصَغَّدُ. فَأَدْغَموا التاءَ فى الصادِ، فلذلك
شَدَّدوا الصادَ .
وقرَأَ ذلك بعضُ الكوفيين: (يَصَّاعَدُ)(٥). بمعنى: يَتَصاعَدُ، فأَدْغم التاءَ فى
الصادِ وجعَلَها صادًا مُشَدَّدةً .
وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ المكيين: ( كأنما يَصْعَدُ)(١). مِن: صَعِد يَصْعَدُ .
(١) تفسير عبد الرزاق ٢١٨/١ - ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٨٦/٤ (٧٨٨٢) - عن معمر به ،
وهو تتمة الأثر المتقدم ص ٥٤٦ .
(٢) تقدم تخريجه فى ص ٥٤٧ .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٨٦/٤ (٧٨٨٣) من طريق أحمد بن مفضل به .
(٤) قرأ بها جميع القراء سوى ابن كثير وأبى بكر شعبة. النشر ١٩٧/٢ .
(٤) رواها أبو بكر شعبة عن عاصم . المصدر السابق .
(٦) قرأ بها ابن كثير المكى ، المصدر السابق.

٥٥١
سورة الأنعام : الآية ١٢٥
وكلُّ هذه القراءاتِ مُتَقارِباتُ المعانى، وبأيُّها قرَأ القارئُ فهو مصيبٌ ، غيرَ
أنى أَخْتارُ القراءةَ فى ذلك بقراءةٍ مَن قرَأَه: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّغَّدُ﴾ بتشديدِ الصادِ
بغيرِ ألفٍ ، بمعنى: يَتَصَغَّدُ ؛ لكثرةِ القرأةِ بها ، ولقِيلِ عمرَ بنِ الخطابِ رضِى اللَّهُ
عنه: ما تصَعَّدَنى شىءٌ ما تصَعَّدَتْنى خُطبةُ النكاحِ(١) .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرَّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا
(١٢٥)
يُؤْمِنُونَ
يقولُ تعالى ذكره: كما يَجْعَلُ اللَّهُ صدرَ مَن أراد إضلالَه ضيقًا حَرَجًا كأنما
يَصَّغَدُ فى السماءِ مِن ضيقِه عن الإيمانِ ، فَيَجْزِيه بذلك، كذلك يُسَلِّطُ اللَّهُ الشيطانَ
عليه وعلى أمثالِه ممّن أتَى الإِيمانَ باللّهِ ورسولِهِ، فَيُغْوِيه ويَصُدُّه عن سبيلِ الحقِّ .
وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى معنى ((الرِّجْسِ)) ؛ فقال بعضُهم: هو كلُّ ما لا خيرَ
فيه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال : ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابنِ أبى نجيحِ،
عن مجاهدٍ، قال: ﴿الرِّجْسَ﴾: ما لا خيرَ فيه (١).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ يَجْعَلُ اللَّهُ الْرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. قال: ما لا خيرَ فيه .
وقال آخرون: ﴿الْرّجْسَ﴾: العذابَ .
(١) ينظر غريب الحديث لأبى عبيد ٣٨٧/٣.
(٢) تفسير مجاهد ص ٣٢٨، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٨٦/٤ (٧٨٨٤)، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٤٥/٣ إلى عبد بن حميد وابن أبى شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.

٥٥٢
سورة الأنعام : الآية ١٢٥
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُّ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿كَذَلِكَ
يَجْعَلُ اللَّهُ الرّحْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. قال: الرِّجْسُ عذابُ اللَّهِ(١).
وقال آخرون: ﴿الْرّجْسَ﴾: الشيطانَ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنى المثنى، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال : ثنى معاويةُ بنُ صالح، عن
علىّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿الرِّجْسَ﴾. قال: الشيطانَ(٣).
وكان بعضُ أهلِ المعرفةِ بلغاتِ العربِ مِن الكوفيين يقولُ: الرِّجْسُ والنّجْسُ
لغتان . ويَحْكِى عن العربِ أنها تَقولُ: ما كان رِجْسًا، ولقد رَجُس رَجاسةٌ، وَجُس
نَجاسةٌ .
وكان بعضُ نحوبى البصريين يقولُ(١): الرِّجْسُ والرّجْزُ سواءٌ، وهما
العذابُ .
٣٢/٨
/ والصوابُ من القول فى ذلك عندى ما قاله ابنُ عباس ومَن قال: [٧٩٥/١ و] إن
الرِّجْسَ والنِّجسَ واحدٌ ؛ للخبرِ الذى رُوِى عن رسولِ اللَّهِ سَمِ أنه كان يَقولُ إِذا
دخَل الخَلَاءَ: ((اللهم إنى أعوذُ بك مِن الرِّجْسِ النِّجْسِ، الْخَبِيثِ المخِّثِ(٤)،
الشيطان الرجيمِ)).
(١) ينظر تفسير ابن كثير ٣٢٩/٣ وتفسير القرطبى ٨٣/٧.
(٢) ينظر تفسير البغوى ١٨٧/٣ وتفسير ابن كثير ٣٢٩/٣.
(٣) مجاز القرآن لأبى عبيدة ٢٠٦/١.
(٤) الخبيث : ذو الخبث فى نفسه، والمخبث : الذى أعوانه خبثاء ... وقيل: هو الذى يعلمهم الخبث ويوقعهم
فيه . النهاية ٢ / ٦.

٥٥٣
سورة الأنعام : الآيتان ١٢٥، ١٢٦
حدَّثنى بذلك عبدُ الرحمنِ بنُ البَخْتَرَىِّ الطائىُ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ
محمدٍ المحارِيئُ، عن إسماعيلَ بنِ مسلمٍ، عن الحسنِ وقتادةً، عن أنسٍ، عن
(١)
النبيُّ عليم
وقد بينَّ هذا الخبرُ أن الرِّجْسَ هو النِّجْسُ القَذِرُ، الذى لا خيرَ فيه، وأنه مِن
صفةِ الشيطانِ .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَهَذَا صِرَطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَضَّلْنَا الْآَيَتِ لِقَوْمٍ
يَذَّ كَّرُونَ
(١٢٦)
يقولُ تعالى ذكره : وهذا الذى بيَّنا لك يا محمدُ فى هذه السورةِ وغيرِها مِن
سُوَرِ القرآنِ ، هو ﴿صِرَطُ رَبِّكَ﴾. يقولُ : طريقُ ربِّك، ودينُه الذى ارْتَضاه لنفسِه
دينًا ، وجعَله مُسْتقيمًا لا اعْرِ جاجَ فيه ، فاتْبُتْ عليه، وحرّمْ ما حرَّمْتُه عليك ، وأَعْلِلْ
ما أحْلَلْتُه لك، فقد بيَّنا الآياتِ والحججَ على حقيقةِ ذلك وصحتِه ﴿لِقَوْمٍ.
يَذَّكَّرُونَ﴾. يقولُ: لَمَن يَتَذَكُّ ما احْتَجَّ اللَّهُ به عليه مِن الآياتِ والعِبَرِ، فَيَعْتَبِرُ بها .
وخصَّ بها الذين يَتَذَكَّرون ؛ لأنهم هم أهلُ التَّغْيِيزِ والفهم ، وأولو الحِجَا والفضلِ،
فقيل(٢): ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
(١) أخرجه أبو نعيم - كما فى نتائج الأفكار ١٩٩/١ - من طريق عبد الرحمن بن محمد المحاربى ، وليس فيه
قتادة. قال الحافظ: وزاد فى أوله: (( بسم الله)) ومداره على إسماعيل بن مسلم المكى وهو ضعيف.
وأخرجه الطبرانى فى الأوسط (٨٨٢٥)، وفى الدعاء ٩٦٤/٢ (٣٦٥) ، وابن السنى فى عمل اليوم
والليلة (١٧) من طريق إسماعيل بن مسلم به، إلا أنه عند الطبرانى فى الدعاء عن الحسن وحده ، وفى الأوسط زاد
فى أوله : ( بسم الله )) .
(٢) فی ص، س: (( وقيل)).

٥٥٤
سورة الأنعام : الآيات ١٢٦ - ١٢٨
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَهَذَا صِرَطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾: يعنى به الإسلامَ(١).
﴿﴿﴿ لَمْ دَارُ السَّلَمِ عِندَ رَيْهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُواْ
القولُ فى تأويلٍ قولِه : .
٢٧
يَعْمَلُونَ
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿لَهُمْ﴾: للقوم الذين يَذَّكَّرون آياتِ اللَّهِ ، فِيَعْتَبِرون
بها، ويُوقِنون بدَلالتِها على ما دلَّت عليه مِن توحيدِ اللَّهِ، ومِن نبوةٍ نبيّه محمدٍ عَ لِّ ،
وغيرِ ذلك، فيُصَدِّقون بما وصَلوا بها إلى علمِهِ مِن ذلك .
وأما ﴿ دَارُ السَّلَمِ﴾، فهى دارُ اللَّهِ التى أَعَدَّها لأوليائه فى الآخرةِ ، جزاءً لهم
على ما أَبْلَوْا فى الدنيا فى ذاتِ اللَّهِ، وهى جنَّتُه. والسلامُ اسمُ مِن أسماءِ اللَّهِ تعالى ،
كما قال السدئُّ .
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿لَمْ دَارُ السَّلَمِ عِندَ رَبِهِمْ﴾: اللَّهُ هو السلامُ، والدارُ الجنةُ(٢).
وأما قولُه: ﴿ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾. فإنه يقولُ: واللَّهُ ناصرُ هؤلاء القومِ الذين
يَذَّرون آياتِ اللَّهِ، ﴿بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. يعنى: جزاءً بما كانوا يَعْمَلون مِن
طاعةِ اللَّهِ ويَتَّبِعون رِضوانَه .
٣٣/٨
/ القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ (١ جَمِيعًا يَمَعْشَرَ أَلْجِنّ قَدِ أَسْتَكْثَرْتُم
(١) ينظر ما تقدم تخريجه فى ١٧٤/١.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٥/٣ إلى أبى الشيخ. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٨٧/٤ عقب
الأثر (٧٨٨٧) من طريق عمرو بن حماد عن أسباط به .
(٣) فى ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف، وفيما سيأتى: ((نحشرهم)) بالنون، وغير منقوطة فى ص، والمثبت
قراءة حفص عن عاصم، وقرأ الباقون بالنون . السبعة لابن مجاهد ص ٢٦٩.

٥٥٥
سورة الأنعام : الآية ١٢٨
مِنَ الإِسِّ ﴾
يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾: ويومَ يَحْشُرُ(١) هؤلاء
العادلين باللّهِ الأوثانَ والأصنامَ، وغيرَهم مِن المشركين، مع أوليائهم مِن الشياطين
الذين كانوا يُوحُون إليهم زُخْرِفَ القولِ غُرورًا ليُجادِلوا به المؤمنين، فيَجْمَعُهم جميعًا
فى موقفِ القيامة، يقولُ للجِنِّ: ﴿يَمَعْشَرَ الْجِنّ قَدِ أُسْتَكْثَرْتُم مِّنَ اُلْإِسِّ﴾.
وحذَف ((يقولُ للحِنِّ))، مِن الكلامِ؛ اكتفاءً بدلالةِ ما ظهَر مِن الكلامِ عليه منه .
وعَنَى بقولِه: ﴿قَدِ أُسْتَكْثَرْتُم مِّنَ اُلْإِسِّ﴾: اسْتَكْثَرْتُم مِن إضلالهم
وإنغْوائهم .
كما حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحِ،
عن علىّ بن أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍٍ قوله: ﴿وَيَوْمَ تِحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَمَعْشَرَ الْجِنْ
قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ اُلْإِنِسِّ﴾. يعنى: أَضْلَلْتُم منهم كثيرًا(١٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً :
يَكَمَعْشَرَ الْجِنّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ اُلْإِنِسِّ﴾. قال: قد أَضْلَلْتُم كثيرًا مِن الإنسِ(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
نَجيح، عن مُجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ اُلْإِسِّ﴾. قال: كثُر مَن
(٤)
أَغْوَيْتُم(٤).
(١) فى ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((نحشر)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٨٧/٤ (٧٨٩٠) من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٤٥/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ .
(٣) تفسير عبد الرزاق ٢١٨/١، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٨٧/٤ (٧٨٩٢) عن معمر به .
(٤) تفسير مجاهد ص ٣٢٨، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٨٧/٤ (٧٨٩١) وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٤٥/٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ .

٥٥٦
سورة الأنعام : الآية ١٢٨
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةً، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبِى تَجيحٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن
الحسنِ: ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الْإِنِسِ﴾. يقولُ: أَضْلَلْتُم كثيرًا مِن الإنسِ.
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ اُلْإِسِ رَبَّنَا أُسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا
بِبَعْضٍ﴾ .
يقولُ تعالى ذكره: فيُجِيبُ أولياءُ الجنِّ مِن الإنسِ، فيقولون: ربَّنا اسْتَمْتَعَ
بعضُنا ببعض فى الدنيا .
فأمّا اسْتِمْتَاعُ الإِنسِ بالجنِّ، فكان كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ،
قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ نجريجٍ قولَه: ﴿ رَبَّنَا أُسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾. قال:
كان الرجلُ فى الجاهليةِ يَنْزِلُ الأرضَ فيقولُ: أَعوذُ بكبيرِ هذا الوادى. فذلك
اسْتِمْتَاعُهم، فاعْتَذَروا يومَ القيامةِ(١).
وأمّا استمتاُ الجنّ بالإنس ، فإنه كان فيما ذُكِر ، ما ینالُ الجنُّ مِن الإنسِ، مِن
تعظيمِهم إياهم فى استعاذتِهم بهم، فيقولون: قد سُدْنا الجِنَّ والإنسَ(٢).
[٧٩٥/١ظ] القولُ فى تأويلٍ قولِهِ: ﴿ وَبَلَغْنَآَ أَجَنَا الَّذِىَ أَجَّلْتَ لَنََّ﴾ .
/ يقولُ تعالى ذكرُه: قالوا: وبلَغْنا الوقتَ الذى وقَّتَّ لموتِنا. وإنما يعنى جلَّ
ثناؤه بذلك أنهم قالوا : اسْتَمْتَع بعضُنا ببعضٍ أیامَ حیاتِنا إلى حالٍ موتِنا .
٣٤/٨
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٣١/٣ عن ابن جريج به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٥/٣ إلى ابن المنذر
وأبى الشيخ .
(٢) فى ص: ((الحن))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٤٣ س، ف: ((الجن)). وقد وردت هذه الفقرة فى جميع
النسخ ما عدا (( ص)) من تمام كلام ابن جريج، وصنيع ابن كثير فى تفسيره يشعر بذلك ، ولكن قد فُصلت فى
(ص)) عن الأثر قبلها، ويؤيده صنيع السيوطى .

٥٥٧
سورة الأنعام : الآية ١٢٨
كما حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال : ثنا أحمدُ بنُ المفضل، قال: ثنا أسْباطُ ،
عن السدىِّ: أما قولُه: ﴿ وَبَلَغْنَآَ أَجَنَا الَّذِىَّ أَجَلْتَ لَنَّأَ﴾. فالموتُ(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ قَالَ النَّارُ مَثْوَنَّكُمْ خَلِينَ فِيهَا إِلَّ مَا شَآءَ اللَّهَ إِنَّ رَبَّكَ
١٢٨١
حَكِيمُ عَلِيمٌ
وهذا خبرٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه عما هو قائلٌ لهؤلاء الذين يَحْشُرُهم يومَ القيامةِ ،
مِن العادلين به فى الدنيا الأوثانَ ، ولقُرَنائِهم مِن الجنّ. فأخْرَج الخبرَ عما هو كائنٌ
مُخْرَجَ الخبرِ عما كان؛ لتقدُّمِ الكلام قبلَه بمعناه والمرادِ منه، فقال: قال اللَّهُ لأولياءٍ
الجنِّ مِن الإنسِ، الذين قد تقدَّم خبرُه عنهم: ﴿ النَّارُ مَثْوَئِكُمْ﴾ . يعنى : نارُ
جهنَّمَ، ﴿ مَثْوَنَّكُمْ﴾: الذى تَتْؤُون فيه، أى : تُقِيمون فيه .
والمثَّوَى هو المَفْعَلُ، مِن قولهم : ثَوَى فلانٌ بمكانٍ كذا . إذا أقام فيه .
خَلِينَ فِيهَا﴾. يقولُ: لابثين فيها، ﴿إِلَّا مَا شَآءَ اللَّهُ﴾. يعنى: إلا ما
شاء اللَّهُ مِن قَدْرٍ مُدَّةٍ ما بينَ مَبْعَثِهم مِن قبورِهم إلى مصيرِهم إلى جهنمَ ، فتلك المدةُ
التى اسْتَشْناها اللَّهُ مِن خلودِهم فى النارِ، ﴿ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمُ ﴾ فی تدبيره فى خلقِه،
وفى تصريفِه إياهم فى مشيئته مِن حالٍ إلى حالٍ ، وغيرِ ذلك مِن أفعالِهِ، ﴿عَلِيمٌ﴾
بَعَواقبٍ تدبيرِه إياهم، وما إليه صائرةُ (١) أمرِهم مِن خيرٍ وشرٌّ .
ورُوِى عن ابنِ عباسٍ أنه كان يَتَأَوَّلُ فى هذا الاستثناءِ أن اللَّهَ جعَل أمْرَ هؤلاء
القومِ فی مَبْلَغ عذابِه إياهم إلى مشيئته .
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال : ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٨٨/٤ عقب الأثر (٧٨٩٦) من طريق عمرو بن حماد عن أسباط به .
(٢) فى م: ((صائر)) والمراد بالصائرة العاقبة والمآل، من الصائرة، وهو ما يصير إليه النبات من اليس. ينظر
اللسان ( ص ی ر ) .

٥٥٨
سورة الأنعام : الآيتان ١٢٨، ١٢٩
علىٍّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَنَّكُمْ خَلِينَ فِيهَا إِلَّ مَا شَآءَ
الََّ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمُ عَلِيمٌ﴾. قال: إن هذه الآيةَ آيَةٌ لا يَنْبَغِى لأحدٍ أن يَحْكُمَ على
اللَّهِ فى خلقِه ؛ لا(١) يُنْزِلُهم جنةً ولا نارًا(٢).
القولُ فى تأويل قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِ بَعْضَ الظَّالِينَ بَعْضَا بِمَا كَانُواْ
يَكْسِبُونَ
١٢٩
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ: ﴿ نُوَلِ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: نَجْعَلُ
بعضَهم لبعضٍ وليًّا على الكفرِ باللّهِ .
ذكرُ مَن قال ذلك :
حدَّثنا يونُسُ ، قال: ثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ
قولَه: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِى بَعْضَ النََّلِمِينَ بَعْضَا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾: وإنما يُؤَلِّى اللَّهُ بِينَ
الناسِ بأعمالِهم ، فالمؤمنُ ولُّ المؤمنِ، أينَ كان، وحيثُ كان ، والكافرُ ولىُّ الكافرِ ،
أينما كان، وحيثما كان، ليس الإيمانُ بالثَّمنِّى ولا بالتَّحَلِّى(٣).
وقال آخرون: معناه: نُشْبِعُ بعضَهم بعضًا فى النارِ. مِن الموالاةِ ، وهو المتابعةُ بينَ
الشىءِ والشىءٍ، مِن قولِ القائلِ: والَيْتُ بينَ كذا وكذا . إذا تابَعْتَ بينَهما .
٣٥/٨
/ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُّ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً :
(١) فى م: ((ألا )).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٨٨/٤ (٧٨٩٧) من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٤٥/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ، وتقدم أوله فى ص ٥٥٥ .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٨٨/٤ (٧٨٩٩) من طريق يزيد به.

٥٥٩
سورة الأنعام : الآيتان ١٢٩، ١٣٠
وَكَذَلِكَ نُوَلِ بَعْضَ اُلَّلِينَ بَعْضَا﴾: فى النارِ يَتْبَعُ بعضُهم بعضًا (١)
٠
وقال آخرون: معنى ذلك: نُسَلِّطُ (٢) بعضَ الظلمةِ على بعضٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی یونُسُ، قال: أَخْبَرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَكَذَلِكَ
نُوَلِ بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾. قال: ظالمى الجنِّ وظالى الإنسِ. وقرَأ: ﴿وَمَن يَعْشُ
عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَنَّا فَهُوَ لَهُ فَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]. قال: نُسَلِّطُ ظَلَمَةَ
الجنِّ على ظَلَمةِ الإنسِ(٣) .
وأولى هذه الأقوالِ فى تأويلِ ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال : معناه: وكذلك
تَجْعَلُ بعضَ الظالمين لبعضٍ أولياءً؛ لأن اللَّهَ ذكَر قبلَ هذه الآيةِ ما كان مِن قولٍ
المشركين، فقال جلَّ ثناؤه: ﴿ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الْإِنِسِ رَبَّنَا أُسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا
بِبَعْضٍ﴾. وأَخْبَر جلَّ ثناؤه أن بعضَهم أولياءُ بعضٍ، ثم عقّب خبرَه ذلك بخبرِه عن
أن ولايةَ بعضِهم بعضًا بتوليته إياهم ، فقال: وكما جعَلْنا بعضَ هؤلاء المشركين مِن
الجنِّ والإنسِ أولياءَ بعضٍ، يَسْتَمْتِعُ بعضُهم ببعضٍ، كذلك تَجْعَلُ بعضَهم أولياءَ
بعضٍ فى كلِّ الأمورِ، ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مِن مَعاصِى اللَّهِ وَيَعْمَلونه.
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿يَمَعْشَرَ اَلْنِّ وَالْإِسِ أَلَمْ يَأْتِّكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُضُونَ
عَلَيْكُمْ ءَايَتِىِ وَيُنِذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ .
وهذا خبرٌ مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤه عما هو قائلٌ يومَ القيامةِ لهؤلاء العادِلين به مِن
(١) تفسير عبد الرزاق ٢١٨/١ - ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٨٨/٤ (٧٨٩٨) - عن معمر به ،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٥/٣ إلى أبى الشيخ.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((تسليط)).
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٣٢/٣. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٥/٣ إلى أبى الشيخ.

٥٦٠
سورة الأنعام : الآية ١٣٠
مِن مشركى الإنس والجنِّ، يُخْبِرُ أنه يَقولُ لهم تعالى ذكرُه يومَئذٍ: ﴿يَمَعْشَرَ الجِنّ
وَأَلْإِسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنَكُمْ يَقُصُونَ عَلَيْهِكُمْ ءَايَتِ﴾. يقولُ: يُخِْرونكم بما
أُوحِى إليهم؛ مِن تَنْبِيهى إياكم على مواضعِ محُجَجى، وتعريفِى لكم أدلَّتِى
على توحيدى، وتصديقٍ أنبيائى، والعملِ بأمرِى، والانتهاءِ إلى حُدودى.
﴿ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾. يقولُ: يُحَذِّرونكم لقاءَ عذابى فى يومِكم هذا،
وعقابى [٧٩٦/١ظ] على معصيتكم إياىَ، فتَنْتَهُوا عن مَعاصِىَّ.
وهذا مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤُه تَفْرِيعٌ وتَوْبيخٌ لهؤلاء الكفَرةِ على ما سلَف منهم فى
الدنيا مِن الفسوقِ والمعاصى ، ومعناه : قد أتا كم رسلٌ منكم يُنَبِّهونكم على خطأً ما
كنتم عليه مقيمين، بالحجج البالغةِ، ويُنْذِرونكم وعيدَ اللَّهِ على مُقامِكم على ما
كنتم عليه مقيمين، فلم تَقْبَلوا ذلك، ولم تَتَذَكّروا ولم تَغْتَبِروا .
/ واخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى الجنّ، هل أُزْسِل منهم إليهم(١) أم لا؟ فقال بعضُهم:
٣٦/٨
قد أُزْسِل إليهم رسلٌ، كما أُزْسِل إلى الإنسِ منهم رسلٌ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا يحيى بنُ واضح، قال: ثنا عُبيدُ بنُّ سليمانَ ، قال :
سُئِل الضحاكُ عن الجنِّ، هل كان فيهم نبيٌّ (١) قبلَ أن يُبْعَثَ النبيُّ ◌َّمِ؟ فقال: ألم
تَشْمَعْ إلى قولِ اللَّهِ: ﴿يَمَعْشَرَ الْجِنّ وَالْإِنِسِ أَلَمَـ بَأْتِكُمْ رُسٌُ مِّنَكُمْ يَقُصُونَ
عَلَيْكُمْ ءَايَتِ﴾. يعنى بذلك رسلاً مِن الإنسِ ورسلًا مِن الجنّ؟ فقالوا: بَلَى(٣).
(١) بعده فى ف: (( رسل)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((مؤمن).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٦/٣ إلى المصنف.