Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢١ سورة الأنعام : الآية ١٢١ أولياءَهم فى الجاهليةِ - وقولوا له: إنَّ ما ذبَحْتَ فهو حلالٌ، وما ذبَح اللَّهُ - قال ابنُ عباسٍ : بشِمْشارٍ مِن ذهبٍ - فهو حرامٌ! فَأَنْزَل اللَّهُ هذه الآيةَ: ﴿ وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآَبِهِمْ﴾. قال: الشياطينُ فارسُ، وأولياؤهم قريشٌ(٢). حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال : قال عمرُو بنُ دينارٍ، عن عكرمةَ: إن مُشْرِكى قريشٍ كاتَبوا فارسَ على الرومِ ، وكاتَبَتْهم فارسُ، وكتَبَت فارسُ إلى مشركي قريشٍ: إن محمدًا وأصحابَه يَزْعُمون أنهم يَتَّبِعون أمرَ اللَّهِ ، فما ذبَح اللَّهُ بسکین مِن ذهبٍ ، فلا يَأْكُلُه محمدٌ وأُصحابُه - للميتةِ - وأما ما ذبحوا هم يَأْكُلون . وكتب بذلك المُشْرِكون إلى أصحاب محمدٍ عليه الصلاةُ والسلامُ، فوقَع فى أنفسٍ ناسٍ مِن المسلمين مِن ذلك شىءٌ، فنزَلَت : ﴿ وَإِنَُّ لَفِسُقٌ وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ ﴾ الآية. ونزَلَت: ﴿يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورَاً﴾ [الأنعام: ١١٢]. وقال آخرون : إنما عُنِى بالشياطينِ الذين يَغِرُون بنى آدمَ، أنهم أَوْحَوْا إلى أوليائهم مِن قريشٍ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا حكّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن سِماكٍ ، عن عكرمةً ، قال: كان مما أُوْحَى الشياطينُ إلى أوليائِهم مِن الإنسِ: كيف تَعْبُدون شيئًا لا (١) الشمشار: السيف بالفارسية. المعجم الذهبى ص ٣٧٨، وفيه: شَمْشير. (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٧٩/٤ (٧٨٤٢) عن عبد الرحمن بن بشر بن الحكم به مختصرا. وأخرجه الطبرانى فى الكبير (١١٦١٤) من طريق موسى بن عبد العزيز، عن الحكم، عن عكرمة ، عن ابن عباس بنحوه. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٢/٣ إلى المصنف وأبى الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس . (٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٢١/٣ عن عكرمة به . ٥٢٢ سورة الأنعام : الآية ١٢١ تَأْكُلُون مما قتَل، وتَأْكُلُون أنتم ما قتَلْتُم؟ فَرَوَى الحديثَ حتى بلغ النبيُّ ◌َِِّ، فنزَلَت: ﴿ وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمَّ يُذْكَرِ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ . حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، قال : قال ابنُ عباسٍ: قولَه: ﴿وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيََّبِهِمْ﴾. قال: إبليسُ الذی یُوحِی إلی مشرکی قریش (١). قال ابنُ جريج، عن عطاءِ الخُراسانىّ، عن ابنِ عباسٍ ، قال : شياطينُ الجنِّ يُوحُون إلى شياطين الإنس؛ يوحون إلى أوليائهم ليجادِلو كم . قال ابنُ جريجٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ كثيرٍ، قال: سمِعْتُ أَن الشياطينَ يُوحُون إلى أهلِ الشركِ، يَأْمُرونهم أن يقولوا: ما الذى يَموتُ وما الذى تَذْبَحون إلا سواءٌ. يَأْمُرُونهم أن يُخاصِموا بذلك محمدًا عَ لَه. ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمْرِكُونَ﴾ . قال: قولُ المشركين: أمّا ما ذبح اللَّهُ - للميتةِ - فلا تَأْكُلون، وأما ما ذبَخْتُم بأيديكم فحلالٌ ! حدَّثنا محمدُ بنُ عمارِ الرازىُّ، قال: ثنا سعيدُ بنُ سليمانَ ، قال : ثنا شَریكٌ ، عن سماكِ بنِ حربٍ ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ : إن المشركين قالوا للمسلمين: ما قتَل ربّكم فلا تَأْكُلون، وما قتَلْتُم أنتم تَأْكُلُونه! فَأُوْحَى اللَّهُ إلى نبيِّه ◌ِجَ ﴿ وَلَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ أَسْمُ أَنْلَّهِ عَلَيْهِ﴾. ١٧/٨ / حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى ، قال: ثنى أبى ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ ، قال: لما حرَّم اللَّهُ الميتةَ أمَر الشيطانُ أولياءَه فقال لهم: ما قتَل اللَّهُ لكم خيرٌ مما تَذْبَحون أنتم بسكاكينِكم. فقال اللَّهُ: ﴿ وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَ يُذْكَرِ اسْمُ اُللَّهِ عَلَيَّهِ ﴾ . (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٢/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ. ٥٢٣ سورة الأنعام : الآية ١٢١ حدَّثنا يحيى بنُ داودَ الواسطىُّ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ يوسُفَ الأزْرِقُ، عن سفيانَ ، عن هارونَ بنِ عَنْرةَ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ ، قال: جادل المشركون المسلمين فقالوا: ما بالُ ما قتَل اللَّهُ لا تَأْكُلونه، وما قتلْتُم أنتم أكَلْتُموه، وأنتم تَتَّبِعون أمرَ اللَّهِ؟ ـظ فَأَنْزَلِ اللَّهُ: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسُقٌ ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (١). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ، عن إسرائيلَ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباس فى قوله: ﴿ وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآَبِهِمْ﴾. يقولون: ما ذَبَح اللَّهُ فلا تَأْكُلوه، وما ذبَحْتُم أنتم فَكُلُوه! فَأَنْزَل اللَّهُ: ﴿ وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمَّ يُذْكَرِ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ (١). حدَّثنا ابنُ محُميدٍ ، قال: ثنا [٧٩١/١ و] يحيى بنُ واضح، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن يزيدَ، عن عكرمةً، أن ناسًا مِن المشركين دخلوا على رسولِ اللهِ عَتِهِ، فقالوا : أخْبِونا عن الشاةِ إذا ماتَت مَن قتَلها؟ فقال: ((اللَّهُ قتَلها)). قالوا: فَتَزْعُم أن ما قتَلْتَ أنت وأصحابُك حلالٌ، وما قتله اللَّهُ حرامٌ؟ فأنزل اللَّهُ: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾(١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، عن الحضرميّ ، أن ناسًا مِن المشركين قالوا: أما ما قتَل الصَّفْرُ والكلبُ فتَأْكُلونه ، وأما ما قتَل اللّهُ فلا تَأْكُلونه ! حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُاللّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن (١) أخرجه النسائى (٤٤٤٩)، وفى الكبرى (١١١٧١) - ومن طريقه النحاس فى ناسخه ص ٤٤١ - والحاكم ٢٣٣/٤ من طريق سفيان به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٢/٣ إلى الفريابى وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه . (٢) أخرجه الحاكم ١١٣/٤، ٢٣١ من طريق عبيد الله بن موسى به، وأخرجه أبو داود (٢٨١٨) - ومن طريقه البيهقى ٢٤١/٩ - من طريق إسرائيل به . (٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/٣؛ إلى أبى داود فى ناسخه. ٥٢٤ سورة الأنعام : الآية ١٢١ علىٍّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ أُسْمُ اَللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنْتُم بِشَايَتِهِ، مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ١١٨]. قال: قالوا: يا محمدُ، أما ما قتَلْتُم وذبَحْتُم فَتَأْكُلونه، وأما ما قتَل ربّكم فتُحَرِّمونه! فَأَنْزَل اللَّهُ: ﴿ وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَ يُذْكَرِ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُؤْحُونَ إِلَى أَوْلِيَآبِهِمْ لِيُجَدِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمْرِكُونَ﴾. وإن أَطَعْتُموهم فى أكلٍ ما نهَيْتُكم عنه، إنكم إذن لمشركون(١). حدَّثنا المثنى، قال : ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخْبَرنا هُشَيْمٌ ، عن مجويبٍ ، عن الضحاكِ، قال: قال المشركون : ما قتَلْتُم فتَأْكُلونه، وما قتَل ربّكم لا تَأْكُلونه! فنزَلَت: ﴿ وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَ يُذْكَرِ اسْمُ الَّهِ عَلَيْهِ ﴾ (١). حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى نَجيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمْرِكُونَ﴾. قولُ المشركين: أما ما ذبَح اللَّهُ - للمينةٍ - فلا تَأْكُلون منه، وأما ما ذبَحْتُم بأيديكم فهو حلالٌ(٢)! حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله . حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً : ﴿ وَإِنَّ الشَّيَطِينَ / لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآَ بِهِمْ لِيُجَدِلُوكُمْ﴾. قال: جادلهم المشركون فى الذَّبيحةِ فقالوا: أما ما قتَلْتُم بأيديكم فتَأْكُلونه، وأما ما قتَل اللَّهُ فلا تَأْكُلونه! يعنون الميتةَ، فكانت هذه مُجادَلتَهم إياهم (٤). ١٨/٨ (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٨٠/٤ (٧٨٤٨) من طريق عبد الله بن صالح به مختصرًا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٢/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ، وسيأتى بتمامه فى ص ٥٣١. (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٢/٣ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ. (٣) تفسیر مجاهد ص ٣٢٧. (٤) تفسير عبد الرزاق ٢١٧/١ عن معمر به . ٥٢٥ سورة الأنعام : الآية ١٢١ حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَلَا ے تَأْكُلُواْ مِمَّا لَ يُذَكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ الآية. يعنى: عدوُّ اللَّهِ إِبليسُ أوْحَى إلى أوليائِه مِن أهلِ الضَّلالةِ ، فقال لهم : خاصِموا أصحابَ محمدٍ فى الميتةِ ، فقولوا: أما ما ذبَحْثُم وقتَلْتُمْ فتَأْكُلون ، وأما ما قتَل اللَّهُ فلا تَأْكُلون، وأنتم تَزْعُمون أنكم تَشَبعون أمرَ اللَّهِ! فأَنْزَل اللَّهُ على نبيّه: ﴿ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمْرِكُونَ﴾. وإنا واللَّهِ مَا نَعْلَمُه كان شِرٌ قطُّ إلا بإحدى ثلاثٍ؛ أن يَدْعُوَ(١) مع اللَّهِ إلهًا آخرَ، أو يَشْجُدَ لغيرِ اللَّهِ، أو يُسَمِّىَ الذبائحَ لغيرِ اللَّهِ(١). حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ: ﴿ وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾: إن المشركين قالوا للمسلمين : كيف تَزْعُمون أنكم تَتَبِعون مَرْضاةَ اللَّهِ، وما ذَبَح اللَّهُ فلا تَأْكُلونه، وما ذبَحْتُم أنتم أكَلْتُموه؟ فقال اللَّهُ: لَئِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ فَأَكَلْتم الميتةَ ﴿إِنَّكُمْ لَمْرِكُنَ﴾(٢). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿ وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآَبِهِمْ لِيُجَدِلُوكُمْ﴾. قال: كانوا يقولون: (* ما ذُكِر اللَّهُ عليه، وما ذبَعْتُمْ فَكُلوا!) فنزَلَت: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِنَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَّ أَوْلِيَآَبِهِمْ ﴾(١). (١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، والدر المنثور: (( يدعى)) . (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٢/٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ. (٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٢١/٣ عن السدى. (٤ - ٤) كذا وردت العبارة فى النسخ، ومصدرا التخريج: (( ما ذكر عليه اسم الله فلا تأكلوا، وما لم يذكر اسم الله عليه فكلوه)). وهو الصواب . (٥) أخرجه ابن ماجه (٣١٧٣)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٨٠/٤ (٧٨٤٥) من طريق وكيع به وتقدم ص ٥٢٣. ٥٢٦ سورة الأنعام : الآية ١٢١ حدَّثنا ابنُ وكَيع، قال : ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جبیرٍ، عن ابنٍ عباسٍ: ﴿ وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَّ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ إلى قولِهِ: ﴿ِيُجَدِلُوكُمْ﴾ . قال : يقولُ: يُوحِى الشياطينُ إلى أوليائِهم: تَأْكُلون ما قتَلْتُم، ولا تَأْكُلون مما قتَل اللَّهُ! فقال: إِن الذى قتَلْتُم يُذْكَرُ اسمُ اللَّهِ عليه، وإن الذى مات لم يُذْكَرِ اسمُ اللَّهِ (١) عليه(١). حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: أَخْبِرَنا عبيدُ ابنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ(٢) فى قوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآَبِهِمْ لِيُجَدِلُوكُمْ﴾: هذا فى شأنِ الذَّبيحةِ. قال: قال المشركون للمسلمين: تَرْعُمون أن اللَّهَ حرَّم عليكم الميتةَ، وأحَلَّ لكم ما تَذْبَحون أنتم بأيديكم، وحرَّم عليكم ما ذبَح هو لكم! وكيف هذا وأنتم تَعْبُدونه! فَأَنْزَل اللَّهُ هذه الآيةَ: ﴿ وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ إلى قولِه: ﴿لَمْرِكُونَ وقال آخرون : كان الذين جادلوا رسولَ اللَّهِ يَ ◌ّ فى ذلك قومًا مِن اليهودِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى وسفيانُ بنُ وكيع، قالا: ثنا عمرانُ بنُ عُيينةً ، عن عطاءٍ بنِ السائبٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ - قال ابنُ عبدِ الأعلى : ١٩/٨ خاصَمَت اليهودُ النبىَّ عَ لَه. وقال / ابنُ وَكيعٍ: جاءَت اليهودُ إلى النبىّ عَ لَه - فقالوا: نَأْكُلُ ما قتَلْنا، ولا نَأْكُلُ ما قتل اللَّهُ! فَأَنْزَل اللّهُ: ﴿ وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٧٩/٤، ١٣٨٠ (٧٨٤٣، ٧٨٤٦) من طريق جرير به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٢/٣ إلى أبى الشيخ . (٢) ليست فى: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س. ٥٢٧ سورة الأنعام : الآية ١٢١ يُذْكَرِ [٧٩١/١ظ] أَسْمُ اُللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْوٌ﴾(١). وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ: أن يقال: إن اللَّهَ أخْبَر أن الشياطينَ يُوحُون إلى أوليائهم لِيُجادِلوا المؤمنين فى تحريمهم أكلَ الميتةِ بما ذكَرْنا مِن جِدالهم إياهم ، وجائزٌ أن يكونَ المُوحُون كانوا شياطينَ الإِنسِ يُوخُون إلى أوليائهم منهم، وجائزٌ أن يَكونوا شياطين الجنِّ أوْحَوْا إلى أوليائِهم مِن الإنسِ، وجائزٌ أن يكونَ الجِنْسان كلاهما تَعاوَنا على ذلك، كما أخْبَرِ اللَّهُ عنهما فى الآيةِ الأخرى التى يقولُ فيها : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِّ عَدُوًّا شَيَطِينَ اُلْإِنِسِ وَالْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢]. بل ذلك الأغلبُ مِن تأويله عندى؛ لأن اللَّهَ أَخْبَرِ نبيّه أنه جعَل له أعداءٌ مِن شياطينِ الجنِّ والإنسِ، كما جعَل لأنبيائِه مِن قبله ، يُوحِى بعضُهم إلى بعضِ الْمُزُيَّنَ مِن الأقوالِ الباطلةِ ، ثم أَعْلَمه أن أولئك الشياطينَ يُوحُون إلى أوليائهم مِن الإنسِ لُجادِلوه ومَن تبعه مِن المؤمنين فيما حرَّم اللَّهُ مِن الميتةِ عليهم . واخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى الذى عنَى اللَّهُ جلَّ ثناؤه بنهبِه عن أكلِه مما لم يُذْكَرٍ اسمُ اللَّهِ عليه؛ فقال بعضُهم: هو ذبائحُ كانت العربُ تَذْبَحُها لآلهتِها . ذَكرٌ مَن قال ذلك حذَّثنا محمدُ بنُ المثنى ومحمدُ بنُ بشارٍ ، قالا: ثنا أبو عاصم، قال: أخبرنا ابنُ لجريج، قال: قلتُ لعطاءٍ: ما قولُه: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اُسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾؟ قال: يَأْمُرُ بذكرِ اسمِه على الشرابِ والطعام والذبح. قلتُ لعطاءٍ: فما قولُه: ﴿ وَلَا تَأْكُلُواْ (١) أخرجه أبو داود (٢٨١٩)، والطبرانى (١٢٢٩٥)، والبيهقى ٢٤٠/٩ من طريق عمران بن عيينة به، وأخرجه الترمذى (٣٠٦٩) من طريق عطاء بن السائب به . ٥٢٨ سورة الأنعام : الآية ١٢١ مِمَّا لَمَّ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾؟ قال: يَنْهَى عن ذبائحَ كانت فى الجاهليةِ على الأوثانِ ، كانت تَذْبَحُها العربُ وقريشٌ(١). " وقال آخرون: هى الميتةُ(٢) . ذكرُ مَن قال ذلك حدّثنا ابنُ حُمیدٍ وابنُ وَ کیع، قالا: ثنا جريرٌ، عن عطاءِ بنِ السائبِ ، عن سعيد ابنِ مجبيرٍ، عن ابنِ عباس: ﴿ وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾. قال: ي (٣) الميتةُ(٢). وقال آخرون : بل عنَى بذلك كلَّ ذَبيحةٍ لم يُذْكَرِ اسمُ اللَّهِ عليها . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن مجُهَيرٍ (١٢ بنِ يزيدَ، قال: سُئِل الحسنُ، سأَله رجلٌ قال له: أُتِيتُ بطيرٍ كَرّا (٥) ، فمنه ما ذُبِح فذكِر اسمُ اللَّهِ عليه، ومنه ما نُسِى أن يُذْكَرَ اسمُ اللَّهِ عليه ، واخْتَلَط الطيرِ. فقال الحسنُ: كُلْه كلَّه. قال: وسأَلْتُ محمدَ ابنَ سِيرِينَ، فقال: قال اللَّهُ: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾(١). حدَّثنى المثنى، قال : ثنا الحجاجُ، قال : ثنا حمادٌ، عن أيوبَ وهشامٍ، عن (١) تقدم شطره الأول فى ص ٥١١، ٥١٢، وأخرج ابن أبى حاتم شطره الثانى فى تفسيره ١٣٧٨/٤ (٧٨٣٦) من طريق ابن جريج به بنحوه . (٢ - ٢) سقط من: ص ، ت ١، ت ٢، س، ف. (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٧٨/٤ (٧٨٣٣) من طريق جرير به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٢/٣ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه. (٤) فى م: ((حميد)) وتنظر ترجمته فى التاريخ الكبير ٢/ ٢٥٥، والجرح والتعديل ٢/ ٥٤٧. (٥) فى م: (( كذا)) والكرا: لغة فى الكَرَوان، ويجمع على كزوان وكَراوين: ينظر اللسان (ك رو). (٦) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣١٩/٣ عن المصنف . ٥٢٩ سورة الأنعام : الآية ١٢١ ٢٠/٨ محمدٍ بنِ سِيرينَ، عن / عبدِ اللهِ بنِ يزيدَ الخَطْميِّ ، قال: كُلوا مِن ذبائح أهلِ الكتاب والمسلمين، ولا تَأْكُلوا مما لم يُذْكَرِ اسمُ اللَّهِ عليه(١). حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن أشعثَ ، عن ابنِ سِيرينَ، عن عبدِ اللهِ بنِ يزيدَ، قال: كنتُ أَجْلِسُ إليه فى حَلَقةٍ (٢) ، فكان يَجْلِسُ فيها ناسٌ مِن الأنصارِ هو رأسُهم ، فإذا جاء سائلٌ فإنما يَسْأَلُه ويَسْكُتون . قال : فجاءه رجلٌ فسأَلَه فقال: رجلٌ ذبَح فنسِى أن يُسَمِّىَ؟ فتلا هذه الآيةَ: ﴿ وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ حتى فرغ منها . والصوابُ مِن القولٍ فى ذلك أن يقالَ: إن اللَّهَ عنَى بذلك ما ذُبِح للأصنامِ والآلهةِ، وما مات أو ذبَحَه مَن لا تَحِلُّ ذَبیحتُه. وأما مَن قال: عُنِى بذلك ما ذبَحَه المسلمُ فتَسِى ذكرَ اسم اللَّهِ . فقولٌ بعيدٌ مِن الصوابِ ؛ لشُذوذِهِ وخُروجِه عما عليه الحجةُ مُجْمِعَةٌ مِن تَحليلِه، وكفَى بذلك شاهدًا على فسادِه. وقد بيَّنا فسادَه مِن جهةِ القياسِ فى كتابِنا المُسَمَّى (( لطيف القولِ فى أحكامٍ شرائعِ الدينِ))، فَأَعْنَى ذلك عن إعادتِه فى هذا الموضعِ . وأما قولُه: ﴿لَفِسٌُ﴾. فإنه يعنى: وإِنَّ أْلَ ما لم يُذْكَرِ اسمُ اللَّهِ عليه مِن الميتةِ وما أُهِلَّ به لغيرِ اللَّهِ لَفِسْقٌ . واخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى معنى ((الفسقِ)) فى هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: معناه: المعصيةُ. فتأويلُ الكلام على هذا: وإنَّ أَكْلَ ما لم يُذْكَرِ اسمُ اللَّهِ عليه لمعصيةٌ للَّهِ وإثمٌ . (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٣/٣ إلى عبد بن حميد. (٢) المتكلم هنا ابن سيرين . ( تفسير الطبرى ٣٤/٩ ) ٥٣٠ سورة الأنعام : الآية ١٢١ ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال: ثنى أبى ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾. قال: الفسقُ المعصيةُ(١). وقال آخرون : معنى ذلك الكفر. وأما قولُه: ﴿وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآبِهِمْ﴾. فقد ذكَوْنا اختلافَ المختلفين فى المَعْنِيِّينُ) بقولِه: ﴿ وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ ﴾ والصوابَ مِن القولِ (٣) فیه(٢). وأما إيحاؤُهم إلى أوليائِهم، فهو إشارتُهم إلى ما أشاروا لهم إليه ؛ إما بقولٍ ، وإما برسالةٍ ، وإما بكتابٍ . وقد بيَّنا معنى ((الوحي)) فيما مضى قبلُ بما أغْنَى عن إعادته فى هذا الموضعِ(). وقد حدَّثنى المثنى، قال : ثنا أبو حُذيفةً ، قال: ثنا عكرمةُ، عن أبى زُمَيْلٍ، قال : كنتُ قاعدًا عندَ ابنِ عباسٍ ، فجاءه رجلٌ مِن أصحابِه فقال : يا أبا عباسٍ ، زعَم أبو إسحاقَ أنه أُوحِى إِليه الليلةَ. يعنى المختارَ بنَ أبى عُبَيدٍ. فقال ابنُ عباسٍ : صدَق. فنفَوْتُ، فقلتُ : يقولُ ابنُ عباس: صدَق؟ [٧٩٢/١و] فقال ابنُ عباسٍ: هما وَحْيان؛ وَخْى اللَّهِ ، ووحى الشيطانِ، فوخى اللَّهِ إلى محمدٍ، ووحى الشياطينِ إلى أوليائهم. ثم قرأ: ﴿وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُؤْحُونَ إِلَى أَوْلِيَابِهِمْ﴾(٥). (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٧٩/٤ (٧٨٣٨) عن محمد بن سعد به . (٢) فى م: ((المعنِىّ)). (٣) ينظر ما تقدم ص ٥٢٠ - ٥٢٧ . (٤) ينظر ما تقدم فى ٤٠١/٥، ٤٠٢. (٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٧٩/٤ (٧٨٤١) من طريق أبي حذيفة به. ٥٣١ سورة الأنعام : الآية ١٢١ وأما ((الأولياءُ)): فهم النُّصَراءُ والظَّهَراءُ فى هذا الموضعِ . ويعنى بقولِه: ﴿ لِيُجَدِلُوكُمْ﴾: ليُخاصِموكم. بالمعنى الذى قد ذكَرْتُ قبلُ . / وأما قولُه: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمْرِكُونَ﴾. فإنه يعنى: وإن أُطَعْتُموهم فى ٢١/٨ أكل الميتة وما حَّم عليكم ربكم. كما حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ ، عن عليّ ابنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ . يقولُ: وإن أُطَعْتُموهم فى أكلِ ما نهَتُكم عنه(١) . حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ ، عن السدىِّ: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ فَأكُلْتُم الميتةَ(٢) . وأما قولُه: ﴿ إِنَّكُمْ لَمْرِكُونَ﴾. يعنى: إنكم إذن مثلُهم، إذ كان هؤلاء يَأْكُلون الميتةَ اسْتِحْلالًا، فإذا أنتم أكَلْتُموها كذلك فقد صِرْتُم مثلَهم مُشْرِكين . واخْتَلَف أهلُ العلم فى هذه الآيةِ : هل نُسِخِ مِن حكمِها شىءٌ أم لا؟ فقال بعضُهم: لم يُنْسَخْ منها شىءٌ، وهى مُحْكَمَةٌ فيما عُنِيَت به . وعلى هذا قولُ عامةٍ أهلِ العلمِ . وزُوِى عن الحسن البصرىِّ وعكرمةَ ما حدَّثنا به ابنُ حُميدٍ ، قال : ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحسين بنِ واقدٍ ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ والحسنِ البصرىِّ قالا : قال : (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٨٠/٤ (٧٨٤٨) من طريق عبد الله بن صالح به، وهو جزء من الأثر المتقدم فى ص ٥٢٤. (٢) جزء من الأثر المتقدم فى ص ٥٢٥. ٥٣٢ سورة الأنعام : الآيتان ١٢٢،١٢١ فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنْتُم بِشَايَتِهِ، مُؤْمِنِينَ﴾، ﴿ وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَّ يُذْكَرِ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقُ﴾ فنسَخ، واسْتَثْنَى مِن ذلك فقال: ﴿ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حِلٌ لَّكُ وَطَعَامُّكُمْ حِلٌّ لَّ﴾(١) [ المائد [ المائدة : ٥] . والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندَنا أن هذه الآيةَ مُحْكَمَةٌ فيما أُنْزِلَت لم يُنْسَخْ منها شىءٌ ، وأن طعامَ أهلِ الكتابِ حَلالٌ ، وذبائحَهم ذَكِيَّةٌ ، وذلك مما حرَّم اللَّهُ على المؤمنين أكلَه بقولِه: ﴿ وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ بَمَعْزِلٍ؛ لأن اللَّهَ إِنها حرَّم علينا بهذه الآيةِ الميتةَ وما أُهِلَّ به للطَّواغيتِ ، وذبائعُ أهلِ الكتابِ ذكيةٌ ، سَمَّوْا عليها أو لم يُسَمُّوا؛ لأنهم أهلُ توحيدٍ، وأصحابُ كتبٍ للَّهِ يَدِينون بأحْكَامِها ، يَذْبَحون الذبائحَ بأذيانِهم، كما يَذْبَحُ المسلمُ بدينِه، سمَّى اللَّهَ على ذبيحتِه أو لم يُسَمِّه ، إِلا أن يَكونَ ترَك مِن ذكرٍ تسميةِ اللَّهِ على ذبيحته، على الدَّئنونة بالتعطيلِ ، أو بعبادةِ شىءٍ سوى اللَّهِ ، فَيَخْرُمُ حينئذٍ أكلُ ذَبيحتِه، سمَّى اللَّهَ عليها أو لم يُسَمِّ . القولُ فى تأويل قولِه: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْئًا فَأَحْيَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًّا یَمْشِی پِهِ، فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُ فِ اَلْتُلُمَتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾﴾ . ج وهذا الكلامُ مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤُه يَدُلُّ على نهيِهِ المؤمنين برسولِه يومَئذٍ عن طاعةٍ بعضٍ المشركين الذين جادلوهم فى أكلِ الميتةِ ، بما ذكَرْنا عنهم مِن جِدالهم إياهم به ، وأَمْرِه إياهم بطاعةٍ مؤمنٍ منهم كان ، أو (١) كافرًا، فهَدَاه جلَّ ثناؤه لرُشْدِهِ، ووفَّقه ٢٢/٨ للإيمانِ، فقال لهم: أطاعةُ ﴿مَن كَانَ مَيْئًا﴾. يقولُ: مَن كان كافرًا / فجعَله جلَّ ثناؤه لانْصِرافِه عن طاعتِه ، وجهله بتوحيدِه وشَرائع دينه، وتركِه الأخذَ بنصیبِهِ مِن العمل للَّهِ بما يُؤَدِّيه إلى نجاتِه - بمنزلةِ الميتِ الذى لا يَنْفَعُ نفسَه بنافعةٍ ، ولا يَدْفَعُ عنها (١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣١٩/٣ عن المصنف. (٢) سقط من : م . ٥٣٣ سورة الأنعام : الآية ١٢٢ مِن مَكْروهِ نازلةٍ ﴿فَأَحْبَيْنَهُ﴾. يقولُ: فهدَيْناه للإسلام، فأنْعَشْناه، فصار يَعْرِفُ مَضارَّ نفسِه ومَنافعَها ، ويَعْمَلُ فى خَلاصِها مِن سَخَطِ اللَّهِ وعقابه فى مَعادِه . فجعَل إبصارَه الحقَّ تعالى ذكرُه - بعدَ عَماه عنه ، ومعرفته بوَحْدانيتِه وشَرائع دينِه بعدَ جهلِه بذلك - حياةً وضياءً يَسْتَضِىءُ به، فيَمْشِى على قصدِ السبيلِ ومنهج الطريقِ فى الناسِ ﴿ كَمَن مَّثَلُهُ فِ الظَّلُمَتِ﴾ لا يَدْرِى كيف يَتَوَجَّهُ، وأَىَّ طريقٍ يَأْخُذُ ؛ لشدةٍ ظُلْمةِ الليلِ، وإضلالِه الطريقَ، فكذلك هذا الكافر الضالّ فى ظلماتِ الكفرِ ، لا يُنْصِرُ رُشْدًا، ولا يَعْرِفُ حقًّا، يعنى فى ظلماتِ الكفرِ. يقولُ: أَفَطَاعةُ هذا الذى هدَيْناه للحقِّ وبصَّرْناه الرشادَ ، كطاعةِ مَن مثَلُه مثَلُ مَن هو فى الظلماتِ مُتَرَدِّدٌ ، لا يَعْرِفُ المخْرَجَ منها، فى دعاءِ هذا إلى تحريم ما حرَّم اللَّهُ وتحليلٍ ما أحَلَّ ، وتحليلٍ هذا ما حرَّم اللَّهُ وتحريمِهِ ما أحَلَّ ؟ وقد ذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلَت فى رجلين بأعْيانِهما معروفَيْن ؛ أحدُهما مؤمنٌ والآخر كافرٌ. ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فيهما ؛ فقال بعضُهم: أما الذى كان مَيْتًا فأحياه اللَّهُ ، فعمرُ بنُ الخطابِ رضِى اللَّهُ عنه، وأما الذى مثلُه فى الظلماتِ ليس بخارجٍ منها ، فأبو جهلٍ بنُ هشامٍ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ ، قال: أخبرَنا سليمانُ بنُ أبى هَؤْذةً، عن شُعيبِ السَّرَّاج، عن أبى سِنانٍ، عن الضحاكِ فى قوله: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْئًا فَأَحْيَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِ النَّاسِ﴾ . قال : عمرُ بنُ الخطابِ رضِى اللهُ عنه، ﴿كَمَنْ مَّثَلُهُ فِيِ الظَّلُمَتِ ﴾. قال: أبو جهلِ بنُ هشامِ . (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤ / ١٣٨١، ١٣٨٣ (٧٨٥٢، ٧٨٦٣) من طريق شعيب بن العلاء السراج به . ٥٣٤ سورة الأنعام : الآية ١٢٢ وقال آخرون : بل الميتُ الذى أحياه اللَّهُ عمارُ بنُ ياسرِ رضِى اللَّهُ عنه، وأما الذى مثلُه فى الظلماتِ ليس بخارجِ منها ، فأبو جهلٍ بنُ هشامٍ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، [٧٩٢/١ظ ] عن بشرِ بنِ تَّيْمٍ، عن رجلٍ، عن عكرمةً: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْئًا فَأَحْيَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِى النَّاسِ﴾. قال: نزلَت فی عمارٍ بنِ یاسٍ ١. حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الزبيرِ، عن ابنٍ ◌ُبَينةَ ، عن بشرِبنِ تيم، عن عكرمةَ: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْئًا فَأَحْبَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِی پِهِ، فِى النَّاسِ﴾: عمارُ بنُ ياسرٍ، ﴿كَمَن ◌َّثَلُهُ فِ الظُّلُمَتِ﴾: أبو جهلٍ بنُ هشامٍ (١). وبنحوِ الذى قلنا فى الآية قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْئًا فَأَحْبَيْنَهُ﴾. قال: ضالًّا فهدَيْناه ﴿ وَجَعَلْنَا لَمُ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِ النَّاسِ﴾. قال: هُدًى. ﴿كَمَن مَّثَلُهُ فِى الُظُلُمَتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾. قال: فى الضلالةِ أبدًا(٤). / حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحِ، عن ٢٣/٨ (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٨١/٤ (٧٨٥٤) من طريق سفيان بن عيينة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٣/٣ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ. (٢) فى م: ((عن)). (٣) ينظر التاريخ الكبير ٩٦/٢ . (٤) تفسير مجاهد ص ٣٢٧، ومن طريقه ابن أبى حاتم ١٣٨٢/٤ (٧٨٦٢) بالجزء الأخير من الأثر، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٣/٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ . ٥٣٥ سورة الأنعام : الآية ١٢٢ مجاهدٍ: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْبَيْنَهُ﴾: هدَيْنَاه. ﴿ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِی پِهِ، فِى النَّاسِ كَمَن مَّثَلُ فِ اَلُلُمَتِ﴾: فى الضلالةِ أبدًا . حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَوَ مَنْ كَانَ مَيْئًا فَأَحْبَيْنَهُ﴾. قال : ضالا فهدَيْناه . حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ ، عن على بنِ أبی طلحةً ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ﴾. يعنى: مَن كان كافرًا فهدَيْنَاه ﴿ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِى النَّاسِ﴾. يعنى بالنورِ القرآنَ، مَن صدَّق به وعمِل به، ﴿كَمَن مَّثَلُهُ فِ الظَّلُمَتِ ﴾. يعنى بالظلماتِ الكفرَ والضلالةَ(١). حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى، قال : ثنى عمى، قال: ثنى أبى ، عن أبيه، عن ابنِ عباس قولَه: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ فِي النَّاسِ ﴾. يقولُ: الهدى. ﴿يَمْشِى بِهِ، فِىِ النَّاسِ﴾. يقولُ: فهو الكافر يَهْدِيه اللَّهُ للإسلام. يقولُ: كان مُشْرِكًا فهدَيْناه. ﴿كَمَن مَّثَلُ فِ الظُّلُمَتِ لَيْسَ بِخَارِجِ مِنْهَا﴾(١). حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْئًا فَأَحْبَيْنَهُ﴾: هذا المؤمنُ معه مِن اللَّهِ نورٌ وبِيَّةٌ، يَعْمَلُ بها ويَأْخُذُ ، وإليها يَنْتَهِى؛ كتابُ اللَّهِ ﴿ كَمَن مَّثَلُ فِ اَلُكُلُمَتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾: وهذا مثلُ الكافرِ فى الضلالةِ، مُتَحَيّ فيها مُتَسَكِّقٌ، لا يَجِدُ مخرجًا ولا مَنْفَذًا(٢) . (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤/ ١٣٨١، ١٣٨٢ (٧٨٥١، ٧٨٥٥، ٧٨٥٦، ٧٨٦١) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٣/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ. (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٨٢/٤ (٧٨٥٧) عن محمد بن سعد به . (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤/ ١٣٨٢، ١٣٨٣ (٧٨٥٩، ٧٨٦٥) من طريق يزيد به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٣/٣ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ . ٥٣٦ سورة الأنعام : الآية ١٢٢ حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُمْ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِىِ النَّاسِ﴾ . يقولُ: مَن كان كافرًا فجعَلْناه مسلمًا، وجعَلْنا له نورًا يَمْشِى به فى الناسِ، وهو الإِسلامُ. يقولُ: هذا كمَن هو فى الظلماتِ. يعنى الشركَ(١). حدّثنی یونُسُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : قال ابنُ زیدِ فی قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِى النَّاسِ﴾. قال: الإسلامُ الذى هداه اللَّهُ إليه، ﴿ كَمَنْ مَثَلُهُ فِ اَلْظَلُمَتِ﴾: ليس مِن أهلِ الإسلامِ. وقرَأ: ﴿اَللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُمِ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]. قال: والنورُ يَسْتَضِىُ به ما فى بيتِه ويُنْصِرُه ، وكذلك الذى آتاه اللَّهُ هذا النورَ يَسْتَضِىءُ به فى دينِهِ، ويَعْمَلُ به فى نورِه (٢)، كما يستَضِىءُ صاحبُ هذا السِّراجِ. قال: ﴿كَمَن ◌َّثَلُ فِى الْتُلُمَتِ﴾ : لا يَدْرِى ما يَأْتِى ولا ما يَقَعُ عليه(٢). القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَذِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ١٢٢ يقولُ تعالى ذكره : كما خذَلْتُ هذا الكافرَ الذى يُجادِلُكم أيُّها المؤمنون باللَّهِ ورسوله فى أكلٍ ما حرَّمْتُ عليكم مِن المطاعم عن الحقِّ، فزيَّنْتُ له سُوءَ عملِه فرآه حسنًا؛ ليَسْتَحِقَّ به ما أَعْدَدْتُ له من أليم العقابِ، كذلك زيَّنتُ لغيرِهِ مَّن كان على مثلٍ ما هو عليه مِن الكفرِ باللَّهِ وآياتِه ما كانوا يَعْمَلون مِن مَعاصى اللَّهِ؛ لِيَشْتَوْجِبوا بذلك مِن فعلِهم ما لهم عندَ ربِّهم مِن النَّكالِ . (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٨٢/٤ (٧٨٥٨) من طريق أحمد بن مفضل به ببعضه ، وأخرجه عقب الأثرين (٧٨٥١، ٧٨٥٥) من طريق عمرو، عن أسباط به . (٢) فى م: (( فوره)). (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٨٣/٤ (٧٨٦٤) من طريق أصبغ، عن ابن زيد، مقتصرًا على آخره . ٥٣٧ سورة الأنعام : الآيتان ١٢٢، ١٢٣ / وفى هذا أوضحُ البيانِ على تكذيبِ اللَّهِ الزاعِمِين أن اللَّهَ فوَّض الأمورَ إلى ٢٤/٨ خلقِه فى أعمالِهم، فلا صُنعَ له فى أفعالِهم، وأنه قد سوَى بينَ جميعِهم فى الأسبابِ التى بها يَصِلون إلى الطاعةِ والمعصيةِ ؛ لأن ذلك لو كان كما قالوا ، لكان قد زيَّن لأنبيائِه وأوليائِه مِن الضلالةِ والكفرِ نظيرَ ما زيَّن مِن ذلك لأعدائِه وأهلِ الكفرِ به ، وزيَّن لأهلِ الكفرِ به مِن الإيمانِ به نظيرَ الذى زيَّن منه لأنبيائه وأولیائِه. وفی إخبارِه جلَّ ثناؤه أنه زيَّن لكلِّ عاملٍ منهم عملَه، ما يُنْيِئُ عن تَزْبِينٍ(١) الكفرِ والفسوقِ والعصيانِ، وخصَّ أعداءَه وأهلَ الكفرِ بتَزْيينِ الكفرِ لهم والفسوقِ والعصيانِ، وكرّه إليهم الإيمانَ به والطاعةً . القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِى كُلِّ قَرْبَةٍ أَكَبِرَ مُجْرِمِيهَا ١٢٣ لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [٧٩٣/١ و] يقولُ جلَّ ثناؤه: وكما زيَّنا للكافرين ما كانوا يَعْمَلون، كذلك جعَلْنا بكلِّ قريةٍ عُظماءَها مُجرميها، يعنى أهلَ الشركِ باللَّهِ والمعصيةِ له، لِيَمْكُرُواْ فِيهَا﴾ بغرورٍ مِن القولِ، أو بباطلٍ مِن الفعلِ، بدينِ اللَّهِ وأنبيائِه، وَمَا يَمْكُرُونَ﴾. أْ: ما يَحِيقُ مكرُهم ذلك إلا بأنفسِهم ؛ لأن الله تعالى ذكرُه مِن وراءِ عقوبتهم على صدِّهم عن سبيلِه، وهم لا ﴿ يَشْعُونَ﴾. يقولُ: لا يَدْرُون ما قد أعَدَّ اللَّهُ لهم مِن أليم عذابهِ، فهم فى غَيِّهم وعُتُوُّهم على اللَّهِ يَتَمادَوْن . وبنحوِ ما قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أُبى (١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف. ٥٣٨ سورة الأنعام : الآية ١٢٣ نجيحٍ، عن مجاهدِ: ﴿أَكَبِرَ مُجْرِمِيهَا﴾. قال: عُظماؤُها(١). حدَّثنى المثنى، قال : ثنا أبو حذيفةً ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله . حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً : ﴿ أَكَبِرَ مُجْرِمِيهَا﴾. قال: عظماؤُها (٢). حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن عكرمةَ : نزَلَت فى المُسْتَهْزِئين . قال ابنُ نجريج: عن عمرَ بنِ عطاءٍ، عن عكرمةَ: ﴿أَكَبِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ﴾: بدينِ اللَّهِ وبنبيّه عليه السلامُ وعبادِه المؤمنين(٤). والأكابرُ جمع أكبرَ، كما الأفاضلُ جمعُ أفضلَ . ولو قيل: هو جمعُ کبیرٍ، فُجُمع أكابرَ؛ لأنه قد يُقالُ: أكبرُ. كما قيل: ﴿قُلْ هَلْ تُلِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِنَ أَعْمَلًا﴾ [ الكهف: ١٠٣]. واحدُهم الخاسرُ. لكان صوابًا. ومحكِى عن العربِ سَماعًا : الأكابرةُ والأصاغرةُ ، والأكابرُ والأُصاغُ ، بغيرِ الهاءِ، على نيةِ النعتِ ، كما يُقالُ: ٢٥/٨ هو أفضلُ منك. وكذلك تَفْعَلُ / العربُ بما جاء مِن النعوتِ على ((أَفْعَلَ))، إذا أُخْرَجوها إلى الأسماءِ؛ مثلَ جمعِهم الأحمر والأسودَ: الأحامرَ والأَحامِرةَ ، والأساوِدَ والأَساوِدةَ. ومنه قولُ الشاعرِ(٥): (١) تفسير مجاهد ص ٣٢٨، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٨٣/٤ (٧٨٦٧)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٤/٣ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ. (٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٢٣/٣. (٣ - ٣) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((عمرو))، وفى م: ((عمرو عن)). وتقدم فى ٢١٦/٦، ٢١٧، وسيأتى فى ١٦٧/١٠. (٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٤/٣ إلى المصنف وأبى الشيخ. (٥) هو الأعشى الكبير ميمون بن قيس ، والبيت فى اللسان (ح م ر ). ٥٣٩ سورة الأنعام : الآيتان ١٢٣، ١٢٤ مالى وكنتُ بهن قِدْمًا مُولَعًا إن الأَحامِرةَ الثلاثةَ أَهْلَكَت والزَّعْفَرانَ فلن أَرُوعَ(٢) مُبَقَّعًا(٣) الخمرَ واللحمَ السَّمِينَ إِدَامُهُ(١) وأما المكرُ، فإنه الخديعةُ والاخْتِيالُ للمَمْكورِ به بالغدرِ؛ ليُوَرِّطَه الماكرُ به مَكروهًا مِن الأمرِ . القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَإِذَا جَاءَتْهُمْ ءَايَةٌ قَالُواْلَن نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْقَى مِثْلَ مَآ أُوتِيَ ظ (٤), رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُمْ يقولُ تعالى ذكره: وإذا جاءَت هؤلاء المشركين الذين يُجادِلون المؤمنين بُخْرفِ القولِ فيما حرَّم اللَّهُ عليهم لِيَصُدُّوا عن سبيلِ اللَّهِ ﴿ءَايَةٌ﴾. يعنى: حُجَّةٌ مِن اللَّهِ على صحةٍ ما جاءهم به محمدٌ عَظ ◌َلِّ مِن عندِ اللَّهِ وحقيقتِه، قالوا النبيِّ اللَّهِ وأصحابِهِ: ﴿لَنْ تُؤْمِنَ﴾. يقولُ: يقولون: لن نُصَدِّقَ بما دعانا إليه محمدٌ ◌َ ◌ِّ مِن الإيمانِ به، وبما جاء به مِن تحريم ما ذَكَر أن اللَّهَ حرَّمه علينا ﴿حَتَّى نُؤْنَى﴾﴾ . يَعْنُونَ : حتى يُعْطِيَهم اللَّهُ مِن المُغْجِزاتِ مثلَ الذى أعْطَى موسى مِن فَلْقِ البحرِ ، وعيسى مِن إحياء الموتى وإبراءِ الأَكْمَهِ والأبرصِ، يقولُ اللَّهُ تعالى ذكرُه: (اللهُ أَعلَمُ حَيثُ يَجَعَلُ رِسالَاتِهِ). يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: إن آياتِ الأنبياءِ والرسلِ (°لن يُغْطَاها) مِن البشرِ إلا رسولٌ مُرْسَلٌ، وليس العادلون بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ منهم فيُعْطَؤها . يقولُ جلَّ ثناؤه : فأنا أَعْلَمُ بِمَواضِعٍ رِسالاتى، ومَن هو لها أهلٌ، فليس لكم أيُّها (١) فى م: ((أُدِيُه)). (٢) فى م: ((أزال)). (٣) البَقَع والبُقْعة: تخالف اللون. وقيل: الأبقع ما خالط بياضَه لونٌ آخر. اللسان (ب ق ع). (٤) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((رسالاته)) بالجمع، وهى القراءة التى سيذكرها المصنف فى تفسيره للآية ، وهى قراءة نافع وأبى بكر وابن عامر وحمزة والكسائى، والمثبت قراءة ابن كثير وحفص. ينظر التيسير ص ٨٨، وحجة القراءات ص ٢٧٠. (٥ - ٥) فى م: ((لم يعطها)). ٥٤٠ سورة الأنعام : الآية ١٢٤ المشركون أن تَتَخَيّروا ذلك علىَّ أنتم؛ لأُن تخيُّرَ الرسولِ إلى المرسِلِ دونَ المرسَلِ إليه، واللَّهُ أعلمُ إذا أرْسَل رسالةً بموضعٍ رسالاتِه . القولُ فى تأويل قوله: ﴿ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارُ عِندَ اللَّهِ وَعَذَابُ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ (٦)﴾ . يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عِ لَّ معلِمَه ما هو صانعٌ بهؤلاء المُتَمَرِّدِين عليه : سيُصيبُ يا محمدُ الذين اكتَسَبوا الإثمَ بشركِهم باللّهِ، وعبادتهم غيرَه صَغَارُ﴾ . يعنى : ذلةٌ وهوانٌ . كما حدَّثنى محمدُ بنُّ الحسين، قال : ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ ، ٢٦/٨ عن السدىِّ: ﴿سَيُصِيبُ / الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارُ عِندَ اللَّهِ﴾. قال: الصَّغَارُ ي(١) الذلةُ(١). وهو مصدرٌ مِن قول القائلِ: صغِرٍ يَصْغَرُ صَغَارًا وصَغَرًا، وهو أشدُّ الذلِّ. وأما قولُه: ﴿صَغَارُ عِندَ اللَّهِ﴾. فإن معناه: سيُصِيبُهم صَغارٌ مِن عندِ اللَّهِ، كقولِ القائلِ: سيَأْتِينى " رِزْقى عندَ اللهِ). بمعنى: مِن عندِ اللَّهِ. يُرادُ بذلك: سيَأْتِينى الذى لى عندَ اللهِ. وغيرُ جائزٍ لمن قال: سيُصِيبُهم صَغَارٌ عندَ اللَّهِ. أن يَقولَ: جئتُ عندَ عبدِ اللَّهِ . بمعنى: جئتُ مِن عندِ عبدِ اللهِ؛ لأن معنى : سُصِيبُھم صَغارٌ عندَ اللَّهِ : سيُصِيئِهم الذى عندَ اللَّهِ مِن الذلِّ بتكذيِهم رسولَه. فليس ذلك بنظيرٍ : جئتُ مِن عندِ عبدِ اللَّهِ. وقولُه: ﴿وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ﴾. يقولُ: يُصِيبُ هؤلاءِ المكذِّبين باللَّهِ ورسولِه، [٧٩٣/١ظ] المُسْتَحِلِّين ما حرَّم اللَّهُ عليهم مِن الميتةِ، مع (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٨٤/٤ (٧٨٧٠) من طريق أحمد بن مفضل به. (٢ - ٢) فى ص: ((رزق الله))، وفى ت ١، ت ٢، س، ف: ((من عند الله)).