Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
سورة الأنعام : الآية ١١٢
يا نبيَّ اللَّهِ، أَوَ إن من الإنسِ شياطينَ؟ فقال النبيُّ عَ لَّمِ: ((نعم))(١).
حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا
لِكُلِّ نَبِّ عَدُوًّا شَيَطِينَ الْإِسِ وَالْجِنّ﴾ الآية. ذُكِر لنا أن أبا ذرِّ قام ذاتَ يومٍ
يُصَلِّى، فقال له نبىُ اللَّهِ: ((تَعَوَّذْ باللَّهِ مِن شياطين الجنِّ والإنسِ)). فقال: يا نبيَّ
اللَّهِ ، أَوَ للإنسِ شياطينُ كشياطينِ الجُبِّ؟ قال: ((نعم، أوَ كذَبْتُ عليه؟!)).
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُرَيْجٍ، قال:
قال مجاهدٌ: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِّ عَدُوًّا شَيَطِيْنَ اُلْإِنسِ وَالْجِنِّ﴾. فقال:
كفارُ الجنِّ شياطينُ، يُوحُون إلى شياطين الإنسِ؛ كفارِ الإنسِ، زُخْرِفَ القولِ
(٢)
غُرورًا(٢) .
وَأَما قولُه: ﴿ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًاً﴾، فإنه المُزَيَّنُ بالباطلِ كما وصَفْتُ قبلُ ،
يُقالُ منه: زَخْرَف كلامَه وشهادتَه، إذا حسَّن ذلك بالباطلِ ووشَّاه .
كما حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال : ثنا أبو نُعيمٍ، عن شَريك ، عن سعيدِ بنِ
مسروقٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿زُخْرُفَ اَلْقَوْلِ غُرُوراً﴾. قال: تَزْبِينُ الباطلِ
بالألسنةِ(٣) .
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ ، عن
السدىِّ: أما الزخرفُ، فرخْرَفوه: زيَّنوه (٤).
(١) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٢١٦، وأخرج شطره الأول ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٧١/٤ (٧٧٨٨) من طريق عبد
الرزاق به ، وأخرج شطره الأخير عبد الرزاق فى مصنفه ٨٤/٢ (٢٥٧٩) عن معمر به . وقال ابن كثير فى تفسيره
٣/ ٣١٢: وهذا منقطع بين قتادة وأبى ذر، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٠/٣ إلى المصنف وابن المنذر.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٠/٣ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى نصر السجزى فى الإبانة
وأبى الشيخ ، وينظر تفسير البغوى ١٧٩/٣.
(٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٧٢/٤ عقب الأثر (٧٧٩٢).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٧٢/٤ (٧٧٩٣) من طريق أحمد بن مفضل به ، وسيأتى بقيته فى

٥٠٢
سورة الأنعام : الآية ١١٢
٦/٨
/حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أُبی
نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾. قال: تَزْبِينُ الباطلِ بالألسنةٍ () .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبى تَجِيحٍ، عن
مُجاهدٍ مثلَه .
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورً﴾. يقولُ: حسَّن بعضُهم لبعضٍ
القولَ ، ليشَِّعوهم فى فتنتِهم (١).
حدَّثنى يونُسُ ، قال: أَخْبَرَنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿زُخْرُفَ
اَلْقَوّلِ غُرُورًا﴾. قال: الزخرفُ المُزَيَّنُ، حيث زيَّن لهم هذا الغُرورَ، كما زيَّن إبليسُ
لآدمَ ما جاءه به، وقاسمه إنه لِمِن الناصِحين، وقرأ: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُواْ
لَهُمْ﴾ [فصلت: ٢٥]. قال: ذلك الزخرفُ(٣).
وأما الغرورُ: فإِنه ماغرّ الإنسانَ فخدَعه، فصدَّه عن الصوابِ إلى الخطأ ، ومِن
الحقِّ إلى الباطلِ، وهو مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: غرَرْتُ فلانًا بكذا وكذا، فأنا أَغُرُّه
غُرورًا وغَرًّا .
كالذى حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المَفَضَّلِ، قال : ثنا
أشْباطُ، عن السدىِّ: ﴿ غُرُورَاً﴾. قال: يَغُرُون به الناسَ والجنّ(٤) .
(١) تفسير مجاهد ص ٣٢٧، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٠/٣ إلى المصنف والفريابى وعبد بن حميد
وابن المنذر وأبى نصر السجزى فى الإبانة وأبى الشيخ .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٧٢/٤ (٧٧٩٢) بهذا الإسناد .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٧٣/٤ (٧٧٩٤) من طريق آخر عن ابن زيد به. وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٤٠/٣ إلى أبى الشيخ.
(٤) هذا الأثر تتمة للأثر المتقدم فى الصفحة السابقة .

٥٠٣
سورة الأنعام : الآية ١١٣
١١٢
القولُ فى تأويل قوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ
يقولُ تعالى ذكره : ولو شئتَ يا محمدُ أن يُؤْمِنَ الذين كانوا لأنبيائی أعداءً مِن
شياطين الإنسِ والجنِّ فلا يَنالُهم مكروهُهم (١)، ويَأْمَنوا غَوائِلَهم وأذاهم - فعلتُ
ذلك ، ولكنى لم أَشَأْ ذلك؛ لأَبْتَلِىَ بعضَهم ببعضٍ، فَيَسْتَحِقَّ كلّ فريقٍ منهم ما سبَق
له فى الكتابِ السابقِ، ﴿ فَذَرْهُمْ﴾. يقولُ: فدَعْهم، يعنى الشياطينَ، الذين
يُجادِلونك بالباطلِ مِن مشر کی قومِك ، ويُخاصِمونك بما يُوحِی إلیھم أولیاؤُهم مِن
شياطين الإنسِ والجنِّ، ﴿ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾. يعنى: وما يَخْتَلِقون مِن إِفْكِ وزُورٍ .
يقولُ له ◌َ ◌ّهِ: اصْبِرْ عليهم؛ فإنى مِن وراءِ عقابِهِم على افترائِهم على اللَّهِ،
واخْتلاقِهم عليه الكذبَ والزُّورَ.
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَلَِصْغَىَ إِلَيْهِ أَفْعِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ
وَلِيَرْضَوْهُ ﴾ .
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِي عَدُوًّا شَيَطِيْنَ اُلْإِنِسِ وَالْجِنّ
يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًاً﴾ - ﴿ وَلِنَصْغَىَ إِلَيْهِ﴾. يقولُ جلَّ
ثناؤُه : يُوحِى بعضُ هؤلاء الشياطين إلى بعضِ المُزُيَّنَ مِن القولِ بالباطلِ ، ليُغُرُّوا به
المؤمنين مِن أتباع الأنبياءِ، فَيَفْتِثُوهم عن دينِهم، ﴿ وَلِنَصْغَىَ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا
يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ﴾. يقولُ: ولِتَمِيلَ إليه قلوبُ الذين لا يُؤْمِنون بالآخرةِ .
وهو مِن صَغَوْتَ تَصْغَى وَتَصْغُو - والتنزيلُ جاء بـ ((تَصْغَى)) - صَغْوًا وصُغُوًّا،
وبعضُ العربِ / يقولُ: صَغَيْتُ بالياءِ . حُكِى عن بعضٍ بنى أسَدٍ : صَغِيتُ إلى ٧/٨
حديثِه ، فأنا أَصْغَى صُغِيًّا بالياءِ، وذلك إذا مِلْتَ ، يقالُ: صَغْوِى معك. إذا كان
هَواك معه ومَيْلُك ، مثلُ قولِهِم : ضِلَعِى معك. ويقالُ: أَصْغَيْتُ الإِناءَ، إذا أُمَلْتَه ؛
(١) فى م: ((مكرهم)).

٥٠٤
سورة الأنعام : الآية ١١٣
لِيَجْتَمِعَ ما فيه، ومنه قولُ الشاعرٍ (١):
تَرَى السَّفيهَ به عن كلٌّ مُحْكَمةٍ زَيْغٌ وفيه إلى التَّشْبِيهِ إِصْغاءُ
ويقالُ للقمرِ إِذا مال للغُيوبِ: صغا وأصْغَى .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال : ثنى معاويةُ، عن علىٍّ بن أبى
طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَلَِصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةٌ﴾. يقولُ: تَزِيغَ(٢) إليه
(٣)
أفئدةٌ (٣) .
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُرَيْج، قال :
قال ابنُ عباسٍ فى قوله: ﴿ وَلِنَصْغَىْ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ﴾ .
.(٤)
قال : لِئَمِيلَ (٤).
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال : ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أشباطُ ، عن
السدِّى: ﴿ وَلِيَصْغَىَ إِلَيْهِ أَفْعِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ﴾. يقولُ: تَمِيلَ
إليه قلوبُ الكفارِ ويُحِبُّونه، ويَرْضَوْن به (٥).
(١) تفسير القرطبى ٦٩/٧، واللسان (ص غ ى)، والبحر المحيط ٤ / ٢٠٥، وفى تفسير القرطبى واللسان :
مكرمة بدلا من : محكمة .
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((ترجع)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٠/٣ إلى المصنف وابن المنذر وأبى الشيخ، وسيأتى بقية الأثر فى الصفحة القادمة.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٧٣/٤ (٧٧٩٦) من طريق الضحاك، عن ابن عباس، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٤٠/٣ إلى ابن المنذر.
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٧٣/٤ عقب الأثر (٧٧٩٦) من طريق عمرو بن حماد، عن
أسباط به، وفى ١٣٧٣/٤ (٧٧٩٩، ٧٨٠٠) من طريق أحمد بن مفضل به، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٤٠/٣ إلى أبى الشيخ.

٥٠٥
سورة الأنعام : الآية ١١٣
حدَّثنى يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
﴿ وَلِيَصْغَىّ إِلَيْهِ أَفْعِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلَخِرَةِ﴾. قال: ﴿ وَلِتَصْغَى﴾:
ولِيَهْرَوْا ذلك ولِيَرْضَوْه. قال: يقولُ الرجلُ للمرأةِ: صَغَيْتُ إليها: هَوِيتُها (١).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَلِيَقْتِفُواْ مَا هُمْ تُفْتِفُونَ
١١٣
يقولُ تعالى ذكره: ولِيَكْتَسِبُوا مِن الأعمالِ ما هم مُكْتَسِبون.
◌ُحُكِى عن العربِ سَماعًا منها: خرَجِ يَقْتَرِفُ لأهلِه(٢) . بمعنى: يَكْسِبُ لهم.
ومنه قيل: قارَف فلانٌ هذا الأمرَ ، إذا واقَعه وعمِله .
وكان بعضُهم يقولُ: هو التُّهْمةُ والادّعاءُ، يقالُ للرجلِ : أنت قرَقْتَنى. أى :
اتَّهَمْتَنى. ويقالُ : بْسما اقْتَرَفْتَ لنفسِك. وقال رُؤْبةُ(١) :
أَعْيَا اقْترافُ الكذبِ المَقْروفِ
تَقْوَى الثَّقِىِّ وعِفَّةَ العَفيفِ
/ وبنحوِ الذى قلنا فى تأويلٍ قوله: ﴿وَلِيَقْتِفُواْ﴾. قال أهلُ التأويلِ.
٨/٨
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللّهِ بنُ صالحِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليّ بن أبى
طلحةً، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَلِيَقْتِّنُوْمَا هُمْ مُفْتِّفُونَ﴾: ولِيَكْتَسِبوا ماهم مُكْتَسِبون(٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٧٣/٤ (٧٧٩٧) من طريق أصبغ عن ابن زيد به .
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((أهله)).
(٣) مجاز القرآن ١/ ٢٠٥، وتفسير القرطبى ٧/ ٧٠.
(٤) هذا الأثر تتمة الأثر فى الصفحة السابقة .

٥٠٦
سورة الأنعام : الآيتان ١١٣، ١١٤
السدىِّ: ﴿ وَلِيَقْتِفُواْ مَا هُمْ تُقْتَرِفُونَ﴾. قال: لِيَعْمَلوا ما هم عامِلون(١).
حدَّثْنى يونُسُ، قال: أَخْبِرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
﴿ وَلِيَقْتِّفُوْ مَا هُم ◌ُقْتَرِفُونَ﴾. قال: لِيَعْمَلوا ما هم عامِلون(٣).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿أَفَغَيْرَ اَللَّهِ أَبْتَغِى حَكَّمَا وَهُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ
اُلْكِتَبَ مُفَضَّلاً ﴾
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَّهِ: قلْ لهؤلاء العادِلين باللّهِ الأوثانَ
والأصنامَ ، القائلين لك: كُفَّ عن آلهتِنا ونَكُفَّ عن إلهِك: إن اللَّهَ قد حكم علىَّ
بذكرٍ آلهتكم بما يَكونُ صدًّا عن عبادِها، ﴿أَفَغَيْرَ اَللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمًا﴾ ، أىْ:
قلْ: فليس لى أن أَتَعَدَّى حكمَه وأَتجاوَزَه؛ لأنه لا حَكَمَ أعدلُ منه ، ولا قائلَ أُصدقُ
منه، ﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَبَ مُفَصَّلاً﴾. يعنى: القرآنَ
مُفَضَّلَا﴾، مُبَيِّنًا فيه الحكمُ فيما تَخْتَصِمون فيه مِن أمرى وأمرٍ كم.
وقد بيَّنا معنى (( التفصيلِ)) فيما مضَى قبلُ .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَالَّذِينَ ءَاتَّيْنَهُمُ اُلْكِنَبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ
بِالْقٍّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتِنَ (إِ
يقولُ تعالى ذكرُه: إِن أَنْكَر هؤلاء العادِلون باللَّهِ الأوثانَ مِن قومِك توحيدَ
اللَّهِ، وأَشْرَكوا معه الأندادَ، وجحَدوا ما أَنْزَلْتُه إليك، وأَنْكَروا أن يَكونَ حقًّا ،
وكذَّبوا به، فـ ﴿ الَّذِينَ ءَاتَّيْنَهُمُ اَلْكِنَبَ﴾ وهو التوارةُ والإنجيلُ، مِن بنى
إسرائيلَ، ﴿ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ﴾. يعنى: القرآنَ وما فيه، ﴿ بِآلْقِّ﴾.
(١) هذا الأثر تتمة الأثر المتقدم فى صفحة ٥٠٤ .
(٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٧٣/٤، ١٣٧٤ عقب الأثر (٧٨٠١، ٧٨٠٢) معلقًا.

٥٠٧
سورة الأنعام : الآيتان ١١٤، ١١٥
يقولُ: فضْلًا بينَ أهلِ الحقِّ والباطلِ، يَدُلَّ على صدقِ الصادقِ على(١) اللَّهِ،
وكذبِ الكاذبِ المُفْتَرِى عليه. ﴿ فَلَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. يقولُ: فلا تَكُونَّ
يا محمدُ مِن الشاكِين فى حقيقة الأنباء التى جاءتك مِن اللهِ فی هذا الكتاب وغیرِ
ذلك مما تضَمَّنه؛ لأن الذين آتيناهم الكتابَ يَعْلَمون أنه مُنَزَّلٌ مِن رَبِّك بالحقِّ .
وقد بيَّنا فيما مضى ما وجْهُ قولِه: ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ اٌلْمُمْتَرِينَ﴾. بما أَغْنَى
عن إعادتِه، مع الروايةِ المرويةِ فيه (٢) .
وقد حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفرٍ ، عن
أبيه، عن الربيع قولَه: ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. يقولُ: لا تَكُونَنَّ فى شكٌّ
مما قصَصْنا عليك(٣).
/ القولُ فى تأويل قولِه: ﴿ وَثَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلَاً لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَلٍِّ، ٩/٨
وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(
١١٥
يقولُ تعالى ذكرُه: وكمُلَت ﴿ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾، يعنى: القرآنَ.
ستَّاه كلمةٌ ، كما تقولُ العربُ للقَصيدةِ مِن الشعرِ يقولُها الشاعرُ: هذه كلمةٌ
فلان .
صِدْقًا وَعَدّلاً﴾. يقولُ: كمُلَت كلمةُ ربِّك مِن الصدقِ والعدلِ .
و ((الصدقُ)) و ((العدلُ)) نُصِبا على التفسيرِ الكلمةِ، كما يقالُ: عندى
عشرون درهمًا .
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، فى: ((علم))، وفى م: ((فى علم))، والمثبت هو الصواب.
(٢) ينظر ما تقدم فى ٦٧٣/٢، ٦٧٤.
(٣) ينظر ما تقدم فى ٦٧٣/٢، ٤٦٤/٥.

٥٠٨
سورة الأنعام : الآية ١١٥
﴿لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِهٍ ﴾. يقولُ: لا مُغَيِّرَ لما أخْبَر فى كتبِه أنه كائنٌ مِن وقوعِه
فى حينِه وأجلِه الذى أَخْبَر اللَّهُ أنه واقعٌ فيه، وذلك نظيرُ قولِه جلَّ ثناؤه:
﴿ يُرِيِدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوْ كَمَ اللَّهِ قُل لَّن تَشَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اَللَّهُ مِن قَبْلٌ﴾
[الفتح: ١٥]. فكانت إرادتُهم تبديلَ كلام اللَّهِ مسألتَهم نبيَّ اللَّهِ أن يَثْرُكَهم
يَحْضُرون الحربَ معه، وقولَهم له ولمن معه مِن المؤمنين: ﴿ ذَرُونَا نَّعْكُمْ﴾. بعدَ
الخبرِ الذى كان اللَّهُ أَخْبَرهم تعالى ذكرُه فى كتابِه بقوله: ﴿فَإِن رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى
◌َاِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَذَنُوَكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّنْ تَّخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًّا وَلَن نُقَتِلُواْ مَعِىَ عَدُوًّا.
الآية [التوبة: ٨٣]، فحاولوا تبديلَ كلامِ اللَّهِ وخبرَه بأنهم لن يَخْرُجوا مع نبيِّ اللَّهِ فى
غَزاةٍ ، ولن يُقاتِلوا معه عدوًّا، بقولهم لهم: ﴿ ذَرُونَا نَتَِّّعْكُمْ﴾. فقال اللَّهُ جلَّ ثناؤه
النبيّه محمدٍ عَّه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَُدِّلُواْ﴾ بمسألتِهم إياهم ذلك كلامَ اللهِ
وخبرَه، ﴿قُل لَن تَشَبِعُونَّا كَذَلِكُمْ قَالَ اَللَّهُ مِن قَبْلٌ﴾ . فكذلك معنى قوله:
لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِهِ﴾. إنما هو: لا مغيِّرَ لما أُخْبَر عنه مِن خبرٍ أنه كائنٌ، فيَبْطُلُ
مجيتُه وكونُه ووُقُوعُه على ما أخبَر جلَّ ثناؤُه؛ لأنه لا يَزِيدُ المُفْتَرون فى كتبِ اللَّهِ،
ولا يَنْقُصون منها ، وذلك أن اليهود والنصارى لاشكَّ أنهم أهلُ كتبِ اللَّهِ التى أَنْزَلها
على أنبيائِه، وقد أُخْبَر جلَّ ثناؤه أنهم يُحَرِّفون غيرَ الذى أُخْبَر أنه لا مُبَدِّلَ له .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَثَمَّتْ كَلِمَتُ
رَبِّكَ صِدْقًّاً وَعَدْلَاً لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَيِّةٍ﴾. يقولُ: صدقًا وعدلاً فيما حكَم (١).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٧٤/٤ (٧٨٠٧، ٧٨٠٨) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٤٠/٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ .

٥٠٩
سورة الأنعام : الآيتان ١١٥، ١١٦
وأما قولُه: ﴿ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. فإن معناه: واللَّهُ السميعُ لِما يقولُ هؤلاء
العادِلون باللَّهِ ، المُقْسِمون باللّهِ جَهْدَ أيمانِهِم: لَئِن جاءتهم آيَةٌ لَيُؤْ مِنُنَّ بها ، وغيرِ ذلك
ین کلامٍ خلقِه ، العلیمُ بما تَقُولُ إلیه أيمانُھم مِن بر وصدق ، و کذبٍ وچِنْثٍ ، وغیرِ
ذلك مِن أمورٍ عبادِه .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ
اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ
/ يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَله: لا تُطِع هؤلاء العادِلين باللَّهِ الأندادَ يا ١٠/٨
محمدُ فيما دعَوْك إليه مِن أكْلِ ما ذبَحوا لآلهتِهم وأهَلُّوا به لغيرِ ربِّهم ، وأشكالَهم مِن
أهلِ الزَّيْعِ والصَّلالِ ، فإنك إن تُطِعْ أكثرَ مَن فى الأرضِ يُضِلُّوك عن دينِ اللَّهِ ومَحَجَّةٍ
الحقِّ والصوابِ ، فَيَصُدُّوك عن ذلك .
وإنما قال اللّهُ لنبيّه: ﴿ وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الْأَرْضِ﴾ مِن بنى آدمَ؛ لأنهم
كانوا حينئذٍ كفارًا ضُلَّالًا، فقال له جلَّ ثناؤه: لا تُطِعْهم فيما دَعَوْك إليه، فإنك إن
تُطِعْهم ضلَلْتَ ضلالَهم، وكنتَ مثلَهم؛ لأنهم لا يَدْعُونك إلى الهُدَى وقد
أخطئوه . ثم أخبر جلَّ ثناؤه عن حالِ الذين نهَى نبيّه عن طاعتهم فيما دعَوْه إليه فى
أنفسِهم فقال: ﴿ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الَّنَّ﴾. فأخْبَر جلَّ ثناؤُه أنهم مِن أمرِهم على ظنِّ
عندَ أنفسِهم، وحِشبانٍ على صحةِ عزمٍ عليه ، وإن كان خطأً فى الحقيقةِ: ﴿ وَإِنْ
هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ﴾. يقولُ: ما هم إلا مُتَخَرِّصون يَظُنُّون ويُوقِعون حَزْرًا لا يقينَ
علم .
يقالُ منه: خرَص يَخْرُصُ خَرْصًا وخُروصًا، أى: كذَب، وتخَرَّص بظنٍّ،
وتخَرَّص بكذبٍ ، وخرَصْتُ النخلَ أَخْرُصُه، وخرِصَتْ إِبْلُك: أصابها البردُ والجوعُ.
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُ عَن سَبِيلِةٍ، وَهُوَ أَعْلَمُ

٥١٠
سورة الأنعام : الآية ١١٧
UV
بِالْمُهْتَدِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَالَمِ: يا محمدُ، إن ربَّك الذى نهاك أن تُطِيعَ
هؤلاء العادلين باللّهِ الأوثانَ؛ لئلا يُضِلوك عن سبيلِه، هو أعلمُ منك ومن جميعٍ
خلقِه ، أىَّ خلقِه يَضِلُّ عن سبيله بزُخْرفِ القولِ الذى يُوحِى الشياطينُ بعضُهم إلى
بعضٍ، فيَصْدِفُ عن طاعتِه واتباعِ ما أمَر به، ﴿ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. يقولُ:
وهو أعلمُ أيضًا منك ومنهم بمَن كان على استقامةٍ وسَدادٍ ، لا يَخْفَى عليه منهم
أحدٌ . يقولُ: واتَّبِع يا محمدُ ما أمَرْتُك به، وانْتَهِ عما نهَيْتُك عنه مِن طاعةٍ مَن
نهَيْتُك عن طاعتِهِ ، فإنى أعلمُ بالهادى والمُضِلِّ مِن خلْقى منك.
واخْتَلَف أهلُ العربيةِ فى موضعٍ ((مَن)) فى قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ
يَضِلُ﴾؛ فقال بعضُ نحوبى البصرةِ(١) : موضعُه خفضٌ بنيةِ الباءِ. قال : ومعنى
الكلامِ : إِن ربَّك هو أعلمُ بَمَن يَضِلُ.
وقال بعضُ نحوبى الكوفةِ(١): موضعُه رفعٌ؛ لأنه بمعنى ((أَىِّ))، والرافعُ له
((يَضِلُ)).
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك: أنه رُفِع بـ ((يَضِلُّ))، وهو فى معنى ((أَىِّ))،
وغيرُ معلومٍ فى كلامِ العربِ اسمٌ مخفوضٌ بغيرِ خافضٍ، فيَكونَ هذا له نظيرًا .
وقد زعم بعضُهم أن قولَه: ﴿أَعْلَمُ﴾ فى هذا الموضعِ بمعنى: يَعْلَمُ،
واستشهد لقيله ببيتٍ حاتم الطائىّ(٣):
واللَّهُ أعلمُ ما كُتّا لهم خُذُلَا
فحالَفَت طَِّئُ مِن دُونِنا حِلِفًا
(١) هو الأخفش كما تقدم فى ص ٤٣١ .
(٢) هو الفراء فى معانى القرآن ٣٥٢/١.
(٣) تفسير القرطبى ٧/ ٧٢.

٥١١
سورة الأنعام : الآيتان ١١٨،١١٧
وبقولٍ خَنْساءً (١) :
١١/٨
تَعْدُو غَدَاةَ الريحِ أو تَشْرِى(٢)
/ القومُ أعلمُ أن جَفْنَتَهُ
وهذا الذى قاله قائلُ هذا التأويلِ، وإن كان جائزًا فى كلامِ العربِ ، فليس قولُ
اللَّهِ تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُ عَن سَبِيلِهِ ﴾ منه، وذلك أنه عطَف عليه
بقوله : ﴿ وَهُوَ أَعْلَمُ پِآلْمُهْتَدِينَ ﴾ . فأبان بدخول الباءِفى (( المهتدين)) ، أن أعلم ليس
بمعنى ((يَعْلَمُ ))؛ لأن ذلك إذا كان بمعنى ((يَفْعَلُ))، لم يُوصَلْ بالباءِ، كما لا يُقالُ:
هو يَعْلَمُ بزيدٍ . بمعنى : يَعْلَمُ زيدًا .
القولُ فى تأويلٍ قولِهِ: ﴿فَكُلُواْ مَِّا ذُكِرَ أَسُْ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُم بِعَايَتِهِ،
مُؤْمِنِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَظ له، وعبادِه المؤمنين به وبآياتِه : فَكُلُوا أَيُّها
المؤمنون مما ذَكَّيْتُم مِن ذبائِحِكم، وذبَحْتُموه الذبحَ الذى بيَّنْتُ لكم أنه تَحِلُ به
الذَّبيحةُ لكم ، وذلك ماذبحه المؤمنون بى مِن أهلِ دينكم ، دينِ الحقِّ ، أو ذبحه مَن
دان بتوحيدى مِن أهلِ الكتابِ ، دونَ ما ذبحه أهلُ الأوثانِ ومَن لا کتابَ له من
المَجُوسِ، ﴿إِن كُنتُم ◌ِثَايَلِ مُؤْمِنِينَ﴾ . يقولُ: إن كنتم بحُججِ اللَّهِ التى أَتَتْكم
وأعلامِه، بإحلالٍ ما أخْلَلْتُ لكم، وتحريم ما حرَّمْتُ عليكم مِن المطاعمِ والمآكلِ -
مُصَدِّقين، ودَعُوا عنكم زُخْرِفَ ما تُوحِيه الشياطينُ بعضُها إلى بعضٍ مِن زُخرفٍ
القول لكم، وتَلْبيسٍ دينكم عليكم غُرورًا .
وكان عطاءٌ يقولُ فى ذلك ما حدَّثنا به محمدُ بنُ بشارٍ ومحمدُ بنُ المثنى،
قالا : ثنا أبو عاصم، قال: أُخْبَرنا ابنُ جريج، قال: قلتُ لعطاءٍ: قولَه: ﴿فَكُلُواْ
(١) أنيس الجلساء شرح ديوان الخنساء ص ٥٢.
(٢) تغدو: أى تأتيهم غدوة، وتسرى: أى تأتيهم ليلًا، والمعنى أن كرمه يشمل قومه ليلاً ونهارًا.

٥١٢
سورة الأنعام : الآيتان ١١٩،١١٨
مِمَّا ذُكِرَ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾. قال: يَأْمُرُ بذكرِ اسمِه على الشرابِ والطعامِ والذبحِ،
وكلُّ شىءٍ يَدُلُّ علی ذکرِه يَأْمُ به(١) .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُواْ مِمَا ذُكِرَ أَسْمُ اَللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ
فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا آَضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًاً لَُّضِلُّونَ بِأَهْوَابِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍّ
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ
اخْتَلَف أهلُ العلمِ بكلامِ العربِ فى تأويلِ قوله: ﴿ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا﴾ ؛
فقال بعضُ نحوِّى البصريين: معنى ذلك: وأىُّ شىءٍ لكم فى ألّا تَأْكُلُوا ؟ قال:
وذلك نظيرُ قولِه: ﴿ وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَتِلَ﴾ [البقرة: ٢٤٦]. يقولُ: أَىُّ شىءٍ لنا فى
تركِ القتالِ؟ قال: ولو كانت ((أَنْ))(٢) زائدةً لارْتَفَع(٣) الفعلُ، ولو كانت فى معنى:
وما لنا وكذا. لكانت: وما لنا وأن لا نُقاتِلَ.
وقال غيره: إنما دخَلَت ((لا)) للمنع؛ لأن تأويلَ ((مالك))، و((ما منَعك))
واحدٌ : ما منَعك لا تَفْعَلُ ذلك، وما لك لا تفعلُ. واحدٌ، فلذلك دخَلَت ((لا)).
١٢/٨ قال: وهذا الموضعُ تَكونُ / فيه ((لا))، وتَكونُ فيه ((أن)) مثلَ قولِه: ﴿ يُبَيِّنُ اللَّهُ
لَكُمْ أَنْ تَضِلُّواْ﴾ [النساء: ١٧٦] و((أن لا تَضِلُّوا)): يَمْنَعُكُم مِن الضلالِ
(٤)
بالبيان(٤) .
وأولى القولين فى ذلك بالصوابِ عندى قولُ مَن قال: معنى قوله: ﴿ وَمَا
لَكُمْ﴾ فى هذا الموضع: وأىُّ شىءٍ يَمْنَعُكم أن تَأْكُلُوا مما ذُكِر اسمُ اللَّهِ عليه . وذلك
أن اللَّهَ تعالى ذكرُه تقدَّم إلى المؤمنين بتحليلِ ما ذُكِر اسمُ اللَّهِ عليه، وإباحةٍ أكلِ ما
(١) ينظر تفسير القرطبى ٧/ ٧٢، وفتح القدير ١٥٦/٢.
(٢) فى م: ((لا)).
(٣) فى النسخ: (( لا يقع )) وهو تحريف والصواب ما أثبت .
(٤) ينظر ما تقدم فى ٤٤٥/٤ .

٥١٣
سورة الأنعام : الآية ١١٩
ذُبِح بدينه أو دينٍ مَن كان يَدِينُ ببعضِ شَرائعِ كتبِهِ المعروفةِ ، وتحريمٍ ما أُهِلَّ به لغيرِهِ
مِن الحيوانِ، وزَجْرِهم عن الإصْغاءِ لما يُوحِى الشياطينُ بعضُهم إلى بعضٍ مِن
زُخرفِ القولِ فى الميتةِ والمُخَنِقةِ والمُرَدِّيةِ وسائرٍ ما حرَّم اللَّهُ مِن المطاعمِ ، ثم قال :
. وما يَمْنَعُكم مِن أكلِ ما ذُبِح بدينى الذى ارْتَضَيْتُه وقد فضَّلْتُ لكم الحلالَ مِن الحرامِ
فيما تَطْعَمون، وبيَثْتُه لكم بقولى (١): ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ وَاَلَّمُ وَلَمُ اَلِخِزِيرِ وَمَآَ
أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ إلى قولِهِ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّائِيمٍ﴾
[ المائدة: ٣]. فلا لَيْسَ عليكم فى حَرامِ ذلك مِن حلالِه، فَتَمْتَنعوا مِن أكلِ حَلالِهِ،
حَذَرًا مِن مُواقَعةِ حَرامِه .
فإذ كان ذلك معناه، فلا وجهَ لقولٍ مُتأوّلى ذلك: وأىُّ شىءٍ لكم فى أن لا
تَأْكُلوا؟ لأن ذلك إنما يقالُ كذلك لمن كان كفَّ عن أكلِه رجاءً ثوابٍ بالكفّ عن
أكلِه، وذلك يَكونُ مَمَّن آمَن بالكفّ، فكفَّ اتِّباعًا لأمرِ اللَّهِ، وتسليمًا لحكمِه ، ولا
نَعْلَمُ أحدًا مِن سلفِ هذه الأمةِ كفَّ عن أكلِ ما أحَلَّ اللَّهُ مِن الذبائح رجاءَ ثوابِ اللَّهِ
على تركِه ذلك، واعْتقادًا منه أن اللَّهَ حرَّمه عليه، فبيّنٌ بذلك إذ كان الأمر كما
وصَفْنا أن أولى التأويلين فى ذلك بالصوابِ ما قلنا .
وقد بيَّنا فيما مضى قبلُ أن معنى قولِه: فضَّل، وفصَّلْنا، وفُصِّل: بيَّن،
وبيِّن، بما يُغْنِى عن إعادتِه فى هذا الموضعِ .
كما حدَّثنی محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُّ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن
قتادةَ: ﴿ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾. يقولُ: قد بَيَنَّ لكم ما حرَّم عليكم (١).
حدَّثنی یونُسُ ، قال: أُخْبَرنا ابنُّ وهب، عن ابنِ زيدٍ مثلَه .
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((بقول))، وفى م: ((بقوله)).
(٢) ينظر ما تقدم ص ٢٧٦، ٤٣٢، ٤٤٣، ٥٠٦.
(٣) تفسير عبد الرزاق ٢١٧/١، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٧٦/٤ (٧٨١٧) - عن معمر به.
سم الوط ١٣٣/٩

٥١٤
سورة الأنعام : الآية ١١٩
واخْتَلَفَت القرأةُ فى قولِ اللَّهِ جلَّ ثناؤه: ﴿وَقَدْ فَضَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ
عَلَيْكُمْ﴾؛ " فقرأه بعضُهم١) بفتح أولِ الحرفين مِن ﴿فَصَلَ﴾ و﴿حَرَّمَ﴾
أى : فضَّل ما حرّمه مِن مطاعمِکم فبيَّنه لكم .
٠
وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين: ﴿ وَقَدْ فَصَّلَ﴾ بفتح فاءِ (( فصّل))، وتشديد
صادِهِ، ( ما تُحُرِّم) بضمٌّ حائِه وتشديدٍ رائِهُ ١١، بمعنى: وقد فضَّل اللَّهُ لكم المحرّمَ
علیکم مِن مطاعمِکم .
وقرَأ ذلك بعضُ المكيين وبعضُ البصريين: (وقد فُصِّل لكم) بضمّ فائِه
وتشديدٍ صادِه ، ( ما حُرِّم عليكم ) بضمٌّ حائِه وتشديدِ رائِه، على وجهِ ما لم يُسَمَّ
فاعلُه فى الحرفين كليهما(٤) .
ورُوِى عن عطيةَ العَوْفىِّ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: (وقد فَصَل) بتخفيفِ الصادِ
وفتح الفاءِ ، بمعنى: وقد أتاكم حكمُ اللَّهِ فيما حَرَّم عليكم .
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندَنا أن يقال: إن كلُّ هذه القراءاتِ الثلاثِ التى
ذكّوْناها ، سوى القراءةِ التى ذكرنا عن عطيةَ، قراءاتٌ معروفاتٌ، مستفيضةٌ القراءةُ
بها فى قرأةِ الأمصارِ ، وهن مثَّفقاتُ المعانى ، غيرُ مختلفاتٍ ، فبأىِّ ذلك قرَأ القارئُ
فمُصيبٌ فيه الصوابَ .
/ وأما قولُه: ﴿إِلَّا مَا أَضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾. فإنه يعنى تعالى ذكرُه أن ما اضطُرِرْنا
١٣/٨
(١ - ١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.
(٢) هى قراءة نافع، وحفص عن عاصم. حجة القراءات ص٢٦٩ .
(٣) هى رواية أبى بكر عن عاصم، وقراءة حمزة والكسائى. المصدر السابق.
(٤) هى قراءة ابن كثير وأبى عمرو وابن عامر. المصدر السابق.
(٥) ينظر سنن سعيد بن منصور (٩١٠ - تفسير)، وتفسير القرطبى ٧٣/٧، والبحر المحيط ٤/ ٢١٠.

٥١٥
سورة الأنعام : الآية ١١٩
إليه مِن المطاعم المحرّمةِ التى بينَّ تحريمَها لنا فى غيرِ حالٍ الضرورةِ ، لنا حلالٌ ما كنا إليه
مُضْطَرِّين حتى تَزُولَ الضرورةُ .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِلَّا مَا
اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهُ﴾: مِن الميتةِ(١).
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَابِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍّ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ
أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ .
يقولُ تعالى ذكره : وإن كثيرًا مِن الناسِ يُجادِلُونكم فى أكلِ ما حرَّم اللَّهُ عليكم
أيُّها المؤمنون باللّهِ ، مِن الميتةِ، لَيُضِلُّون أتباعَهم بأهوائِهم من غيرِ علم منهم بصحةٍ ما
يقولون ، ولا بُرهانٍ عندَهم بما فيه يُجادلون ، إلا ركوبًا منهم لأهوائِھم، واتباعًا منهم
لدواعى نفوسِهم ، اعتداءً وخلافًا لأمرِ اللَّهِ ونهيه، وطاعةً للشياطينِ. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ
أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾. يقولُ: إن ربَّك يا محمدُ الذى أحَلَّ لك ما أحَلَّ، وحرّم عليك
ما حرَّم ، هو أعلمُ بَمَن اعْتَدَى حُدودَه، فتَجاوَزها إلى خلافِها، وهو لهم بالمِرْصادِ .
واخْتَلَفَت القرأةُ فى قراءةِ قوله: ﴿ لَيُضِلُونَ﴾؛ فقرَته عامةُ أهلِ الكوفةِ :
﴿ لَّضِلُونَ﴾ بمعنى: أنهم يُضِلُّون غيرهم.
وقرَأ ذلك بعضُ البصريين والحجازيين: (لَيَضِلُّون ) بمعنى: أنهم هم الذين
يَضِلُّون عن الحقِّ فيَجُورُون عنه(٢) .
وأولى القراءتين بالصوابٍ فى ذلك قراءةُ مَن قرأ: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُونَ
بِأَهْوَابِهِمْ﴾(٢) بمعنى: أنهم يُضِلُّون غيرَهم. وذلك أن اللَّهَ جلَّ ثناؤه أُخْبَر نبيّه ◌َلِّ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤١/٣ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم وأبى الشيخ.
(٢) قرأ عاصم وحمزة والكسائى وخلف بضم الياء، والباقون بالفتح. ينظر النشر ١٩٧/٢.
(٣) القراءتان كلتاهما صواب .

٥١٦
سورة الأنعام : الآيتان ١١٩، ١٢٠
عن إضلالهِم مَن تبعهم، ونهاه عن طاعتِهم واتِباعِهم إلى ما يَدْعُونَه إليه، فقال :
﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الْأَرْضِ يُضِلُّوَكَ عَن سَبِيلِ اللهِ ﴾ [ الأنعام: ١١٦]. ثم
أُخْبَر أصحابَه عنهم بمثلِ الذى أَخْبَره عنهم، ونهاهم مِن قَبولِ قولهم عن مثلٍ
الذى نهاه عنه، فقال لهم: وإن كثيرًا منهم ليُضلّونكم بأهوائِهم بغيرِ علمٍ . نظيرَ
الذى قال النبيِّه عَّهِ: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الْأَرْضِ يُضِلُّوَ عَن سَبِيلِ
اُللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦].
القولُ فى تأويلٍ قوله: ﴿ وَذَرُواْ ظَهِرَ اُلْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ؟﴾ .
يقولُ تعالى ذكرُه: ودَعُوا أيُّها الناسُ عَلانيةَ الإثم، وذلك ظاهرُه، وسرّه،
وذلك باطنُه .
كذلك حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:
﴿ وَذَرُواْ ظَِهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾﴾ أى: قليله وكثيرَه، وسرّه وعلانيتَه.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةَ :
﴿ وَذَرُواْ ظَهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ؟﴾. قال: سرّه وعلانيتَهُ(١) .
١٤/٨
/ حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال : ثنا حَكَامٌ، عن أبى جعفرٍ، عن الربيع بنٍ أنسٍ فى
قوله: ﴿ وَذَرُواْ ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهٌُ﴾. يقولُ: سرّه وعلانيتَه. وقوله: ﴿مَا
ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: ١٥١، الأعراف: ٣٣]. قال: سرَّه وعلانيتَه (١) .
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفر، عن أبيه، عن
الربيع بنٍ أنسٍٍ فى قوله: ﴿ وَذَرُواْ ظَهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ؟﴾. قال: نهَى اللَّهُ عن
(١) تفسير عبد الرزاق ٢١٧/١ - ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٧٧/٤ (٧٨٢٤، ٧٨٢٨) - عن
معمر به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٢/٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٧٧/٤ عقب الأثرين (٧٨٢٤، ٧٨٢٨) من طريق أبى جعفر به.

٥١٧
سورة الأنعام : الآية ١٢٠
ظاهرِ الإثم وباطنِهِ أن يُعْمَلَ به سرًّا أو علانيةٌ، وذلك ظاهره وباطنُه(١).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ،
عن مجاهدٍ : ﴿ وَذَرُواْ ظَهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾: معصيةَ اللَّهِ فى السرِّ
.(٢)
والعلانية(٢) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَذَرُواْ ظَهِرَ آلْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ؟﴾. قال: هو ما يَنْوِى مما هو عاملٌ(٣).
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى المعنىِّ بالظاهرِ مِن الإثمِ والباطنِ منه فى هذا
الموضعِ؛ فقال بعضُهم: الظاهرُ منه ما حرَّم جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿ وَلَا تَنْكِحُواْ مَا نَكَحَ
ءَبَآؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]. وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ
أُمَّهَتُّكُمْ﴾ الآية [النساء: ٢٣]. والباطنُ منه الزنى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا حمادٌ ، عن عطاءِ بنِ السائبِ ، عن
سعيدِ بنِ جبيرٍ فى قوله: ﴿ وَذَرُواْ ظَهِرَ الْإِثْمِ وَبَاِنَهُ؟﴾. قال: الظاهرُ منه :
﴿وَلَا تَنْكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ والأمهاتِ
والبناتِ والأخواتِ، والباطنُ الزنى " .
وقال آخرون : الظاهرُ أَولاتُ الراياتِ مِن الزَّوانى ، والباطنُ ذواتُ الأُخْدانِ .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٧٦/٤ (٧٨٢١) من طريق عبد الله بن أبى جعفر به مختصرا .
(٢) ينظر تفسير ابن كثير ٣١٦/٣.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٤٢، إلى ابن المنذر وأبى الشيخ. وينظر تفسير البغوى ١٨٢/٣.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٧٦/٤، ١٣٧٧ (٧٨٢٣، ٧٨٢٧) من طريق حماد بن سلمة به
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤١/٣ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

٥١٨
سورة الأنعام : الآية ١٢٠
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿ وَذَرُواْ ظَهِرَ آلْإِثْمِ وَبَاطِنَهٌُ﴾: أما ظاهرُه فالزَّوانى فى الحَوانيتِ،
وأما باطئُه فالصديقةُ يَتَّخِذُها الرجلُ فيأْتِيها سرًا(١).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ ، قال: ثنى عبيدُ بنُ
سليمانَ ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ
مِنْهَا وَمَا بَطَنٌ﴾ [الأنعام: ١٥١]: كان أهلُ الجاهليةِ يَشْتَسِرُون بالزنى، ويَرَوْن
ذلك حلالاً ما كان سرًّا، فحرَّم اللَّهُ السرَّ منه والعلانيةَ، ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. يعنى
العلانيةَ ﴿ وَمَا بَطَنَبٌ﴾. يعنى السرّ(٣).
حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال: ثنا أبى، عن أبى مَكِينٍ وأبيه، عن خُصَيْفٍ، عن
مجاهدٍ : ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَرٌ﴾. قال: ﴿مَا
ظَهَرَ مِنْهَا﴾ الجمعُ بينَ الأختين، وتزويجُ الرجلِ امرأةً أبيه مِن بعدِه ﴿وَمَا
بَطَبٌ﴾ الزنى(١).
وقال آخرون : الظاهرُ التَّعَرِّى والتَّجَرُّدُ مِن الثيابِ وما يَسْتُرُ العورةَ فى الطُّوافِ،
والباطنُ الزنى .
ذكرُ مَن قال ذلك
/ حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابن وهب ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَلَا
١٥/٨
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٧٧/٤ (٧٨٢٥، ٧٨٢٩) من طريق أحمد بن مفضل به .
(٢) ينظر التبيان ٤/ ٢٥٥.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤١٦/٥ (٨٠٦٨) من طريق خصيف به مقتصرا على أوله، وذكره
وعلق آخره فى ١٤١٧/٥ عقب الأثر (٨٠٧٢).

٥١٩
سورة الأنعام : الآية ١٢٠
تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنٌَ﴾ قال: ظاهرُه الْعُرْيَةُ التى كانوا
يَعْمَلون بها حينَ يَطُوفون بالبيتِ ، وباطنُه الزنى .
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندَنا أن يُقالَ: إِن اللَّهَ تعالى ذكرُه تقَدَّم إلى خلقِه
بتركٍ ظاهرِ الإثم وباطنِه، وذلك سرُّه وعلانيتُه، والإثمُ كلُّ ما عُصِى اللَّهُ به مِن
مَحارمِه ، وقد يَدْخُلُ فى ذلك سوُ الزنى وعلانيتُه، ومُعاهَرةُ أهلِ الراياتِ وأولاتٍ
الأخدانِ منهن، ونكاحُ حَلائلِ الآباء والأمهاتِ والبناتِ ، والطوافُ بالبيتِ عُزْيانًا ،
وكلُّ معصيةٍ للَّهِ ظهَرَت أو بطَنَت . وإذ كان ذلك كذلك، وكان جميعُ ذلك إثمًا ،
وكان اللَّهُ عمَّ بقوله: ﴿وَذَرُواْ ظَاهِرَ اُلْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾﴾ جميعَ ما ظهَر مِن الإثمِ
وجميعَ ما بطَن، لم يَكُنْ لأحدٍ أن يَخُصَّ مِن ذلك شيئًا دونَ شىءٍ إلا بحجةٍ للعذرِ
قاطعة .
غير أنه لو جاز أن يُوجّه ذلك إلى الخصوص بغيرِ بُرهانٍ، كان توجیھُه إلى
أنه ◌ُنِى بظاهرِ الإثم وباطنِه فى هذا الموضعِ ما حرَّم اللَّهُ مِن المطاعمِ والمآكلِ، مِن
الميتة والدمٍ، وما بينَّ اللَّهُ تحريمَه فى قوله: ﴿حُرِمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ ﴾ إلى آخرٍ
الآيةِ [ المائدة: ٣] - أولى، إذ كان ابتداءُ الآياتِ قبلَها بذكرٍ تحريم ذلك جَرَى، وهذه
فى سياقها ، ولكنه غير مُشْتَنگٍ أن یکون ◌ُنِى بها ذلك ، وأُدخِل فيها الأمرُ باجتنابٍ
كلِّ ما جانَسَه مِن معاصى اللَّهِ ، فخرَج الأمرُ عامًا بالنهي عن كلِّ ما ظهَر أو بطَن مِن
الإثمِ .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ
١٢٠
يَقْتِفُونَ
يقولُ تعالى ذكره : إن الذين يَعْمَلون بما نهاهم اللَّهُ عنه، ويَرْكَبون معاصيَ اللَّهِ
(١) ينظر التبيان ٢٥٥/٤، وتفسير البغوى ١٨٣/٣، والبحر المحيط ٢١٢/٤.

٥٢٠
سورة الأنعام : الآيتان ١٢٠، ١٢١
ويَأْتُون ما حرَّمِ اللَّهُ، ﴿سَيُجْزَوْنَ﴾. يقولُ : سيُثِيئُهم اللَّهُ يومَ القيامةِ بما كانوا فى
الدنيا يَعْمَلون مِن مَعاصِيه .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ
وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلَِآَبِهِمْ لِيُجَدِلُوكُمَّ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمْرِكُونَ(
١٢١
يعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: [٧٩٠/١ظ] ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَ يُذْكَرِ أَسْمُ اللَّهِ
عَلَيْهِ ﴾: لا تَأْكُلوا أيُّها المؤمنون مما مات فلم تَذْبَحوه أنتم، أو يَذْبَحْه مُوَحِّدٌ يَدِينُ للَّهِ
بشرائعَ شرَعها له فى كتابٍ مُنَزَّلٍ ، فإنه حرام عليكم ، ولا ما أُهِلَّ به لغيرِ اللَّهِ مما ذبحه
المشركون لأوثانِهم، فإن أكْلَ ذلك فسقٌ ، يعنى : معصيةُ كفرٍ .
فكنَى بقولِه: ﴿وَإِنَّهُ﴾ عن الأكلِ، وإنما ذكَر الفعلَ، كما قال: ﴿ الَّذِينَ قَالَ
لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: ١٧٣].
يُرادُ به : فزاد قولُهم ذلك إيمانًا. فكنَى عن القولِ، وإنما جرَى ذكرُه بفعلٍ .
﴿ وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُؤْحُونَ إِلَىْ أَوْلِيَآَبِهِمْ﴾ اخْتَلَف أهلُ التأويل فى المعنىِّ
بقوله: ﴿ وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآَبِهِمْ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك
شياطينُ فارسَ ومَن على دينهم مِن المجوسِ ﴿إِلَى / أَوْلَآئِهِمْ﴾ من مَرّدةِ مشرکی
قريشٍ، يُوحُون إليهم زُخْرِفَ القولِ بجدالٍ (١) نبىٌّ اللَّهِ وأصحابِه فى أكلِ الميتةِ.
١٦/٨
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى عبدُ الرحمنِ بنُ بشرِ بنِ الحكمِ النيسابورىُّ، قال : ثنا موسى بنُ عبدِ
العزيزِ القِنْبارىُّ، قال: ثنا الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ: لما نزَلَت هذه الآيةُ، تحريمَ
الميتةِ ، قال: أوْحَت فارسُ إلى أوليائِها مِن قريشٍ أن خاصِموا محمدًا - وكانت
(١) فى م: ((ليصل إلى)).