Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١
سورة الأنعام : الآيتان ٩١، ٩٢
كما حدَّثنى المثنى، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنى معاويةُ ، عن عليّ بنِ أبی
طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿قُلٌّ مَنْ أَنَزَلَ الْكِتَبَ الَّذِى جَآءَ بِهِ، مُوسَى نُورًا وَهُدَّى
لِلنَّاسِ﴾. قال: اللَّهُ أَنْزَلَهُ(١).
ولو قيل: معناه: قلْ: هو اللَّهُ. على وجهِ الأمرِ مِن اللَّهِ له بالخبرِ عن ذلك ، لا
على وجهِ الجوابِ - إذا لم يَكُنْ قولُه: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ اُلْكِتَبَ﴾ مسألةً مِن المشركين
لمحمدٍ عَّهِ، فيَكونَ قولُه: ﴿قُلِ اللَّهُ ﴾ جوابًا لهم عن مسألتِهم، وإنما هو أمرٌ مِن اللَّهِ
لمحمدٍ بمسألةِ القوم: ﴿ مَنْ أَنْزَلَ اُلْكِتَبَ﴾، فيَجِبُ أن يكونَ الجوابُ منهم غيرَ
الذى قاله ابنُ عباسٍ مِن تأويله - كان جائزًا؛ مِن أجلِ أنه استفهامٌ، ولا يَكونُ
للاستفهامِ جوابٌ، وهو الذى اخْتَوْنا مِن القولِ فى ذلك؛ لِمَا بيَّنَا .
وأما قولُه: ﴿ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾. فإنه يقولُ لنبيُّه محمدٍ عَ له: ثم
ذَرْ هؤلاء المشركين العادِلِين بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ - بعدَ احتجاجِك علیھم فی
قيلِهم: ﴿ مَآ أَنَزَلَ اَللَّهُ عَلَى / بَشَرِ مِّنْ شَىْءٍ﴾. بقولِك: ﴿ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَبَ الَّذِى جَآءَ
بِهِ، مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾. وإجابتك ذلك بأن الذى أَنْزَله اللَّهُ الذى أنْزَل عليك
كتابَه - ﴿فِ خَوْضِهِمْ﴾. يعنى: فيما يَخُوضُون فيه مِن باطلِهم وكفرِهم باللّهِ
وآياتِه ، ﴿ يَلْعَبُونَ﴾. يقولُ: يَشْتَهْزِئون ويَسْخَرون .
٢٧١/٧
وهذا مِن اللّهِ وَعيدٌ لهؤلاء المشركين وتهدّةٌ (٢) لهم، يقولُ اللَّهُ جلَّ ثناؤه: ثم
دَعْهم لاعِین یا محمدُ ، فإِنی مِن وراءِ ما هم فيه مِن استهزائِهم بآیاتی بالمِرْصادِ ،
وأُذِيقُهم بأسى ، وأُحِلُّ بهم إِن تَمَادَوْا فى غَيِّهم سَخَطى .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَهَذَا كِتَبُّ أَنزَلْنَهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٤٤/٤ (٧٦٠٨) من طريق أبى صالح به .
(٢) فى م: ((تهديد)).
( تفسير الطبرى ٢٦/٩ )
٤٠٢
سورة الأنعام : الآية ٩٢
وَلِتُنْذِرَ أُمَّ اَلْقُرَى وَمَنْ حَوْلَاً﴾.
يقولُ تعالى ذكره : وهذا القرآنُ يا محمدُ ﴿ كِتَبُ﴾. وهو اسمٌ مِن أسماءِ
القرآنِ، قد بيَّنْتُه وبيَّنْتُ معناه فيما مضى قبلُ، بما أَغْنَى عن إعادتِهُ(١) . ومعناه:
مكتوبٌ، فوُضِع ((الكتابُ)) مكانَ ((المكتوبِ)).
﴿ أَنْزَلْنَهُ﴾. يقولُ: أَوْ حَيْناه إليك، ﴿مُبَارَكٌ﴾ وهو مُفَاعَلٌ مِن البركةِ،
◌ْ تُصَدِّقُ اَلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ﴾. يقولُ: صدَّق هذا الكتابُ ما قبلَه مِن كتبِ اللَّهِ التى
أَنْزَلها على أنبيائِه قبلَك، لم يُخالِفْها "دلالةً ومعنّى)، نورًا وهدّى للناسِ. يقولُ:
هو الذى أنْزَل إلیك یا محمدُ هذا الكتاب مُبارَ كًا مُصَدِّقًا کتابَ موسی وعیسی وغیرَ
ذلك مِن كتبِ اللَّهِ. ولكنه جلَّ ثناؤه ابْتَدَأُ الخبرَ عنه، إذ كان قد تقَدَّم الخبرُ عن ذلك
ما يَدُلُّ على أنه ("به مُتَّصِل٣ٌ)، فقال: ﴿ وَهَذَا كِتَكُ أَنزَلْنَهُ ﴾ إليك، ﴿مُبَارَكٌ﴾،
ومعناه : وكذلك أَنْزَلْتُ إليك كتابى هذا مبارَكًا، كالذى أَنْزَلْتُ مِن التوراةِ إلى
موسی هدى ونورًا .
وأما قولُه: ﴿ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ أَلْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. فإنه يقولُ: أَنْزَلْنا إليك
يا محمدُ هذا الكتابَ مُصَدِّقًا ما قبلَه مِن الکتبِ ، ولتُنْذِرَ به عذابَ اللَّهِ وبأسَه مَن فی
أمّ القرى، وهى مكةُ، ﴿وَمَنْ حَوْلَهَاً﴾ شرقًا وغربًا، مِن العادِلِين بربِّهم غيرَه مِن
الآلهةِ والأندادِ ، والجاحِدِين برسلِه، وغيرهم من أصنافِ الكفارِ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
(١) ينظر ما تقدم فى ١/ ٩٥.
(٢ - ٢) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((ولا سا ومعنى))، وفى م: ((ولا بنباً وهو معنى)).
والمثبت مستفاد من تحقيق الشيخ شاكر.
(٣ - ٣) فى ص، ف: (( من أصل )).
٤٠٣
سورة الأنعام : الآية ٩٢
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال : ثنى مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن
علىِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿وَلِنُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ
حَوْلَهَا﴾: يعنى بـ ﴿أُمَّ الْقُرَى﴾ مكةَ، ﴿ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ مِن القرى، إلى المشرقِ
(١)
والمغرب(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى، قال : ثنى عمى ، قال: ثنى أبى ، عن
أبيه، [٧٧٥/١ظ] عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَلِنُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾: وأمّ
القُرَى : مكةُ ، ومن حولَها : الأرضُ كلُّها .
/ حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، قال: ثنا معمرٌ، عن ٢٧٢/٧
قتادةَ: ﴿ وَلِنُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾. قال: هى مكةُ(٢).
وبه عن مَعْمٍ، عن قتادةَ ، قال: بلَغَنى أن الأرضَ دُحِيَت مِن مكةً(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَلِنُنْذِرَ أُمّ
اَلْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾: كنا نُحَدَّثُ أن أمَّ القرى مكةُ ، وكنا نُحَدَّثُ أن منها دُحِيَت
الأرضُ .
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾: أما أمُّ القرى فهى مكةُ ، وإنما سُمِّيَت أمَّ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٤٥/٤ (٧٦١٤، ٧٦١٨)، والبيهقى فى الأسماء والصفات (٥٩٤)
من طريق أبى صالح به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩/٣ إلى ابن المنذر.
(٢) تفسير عبد الرزاق ٢١٣/١. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩/٣ إلى عبد بن حميد وابن
المنذر.
٤٠٤
سورة الأنعام : الآيتان ٩٢، ٩٣
القرى لأنها أولُ بيتٍ وُضِع بها (١) .
وقد بيّنا فيما مضى العلةَ التى مِن أجلِها سُمِّيَت مكةُ أَمَّ القرى، بما أُغْنَى عن
إعادته فى هذا الموضعِ (٢) .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَاُلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِلْآَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ، وَهُمْ عَلَى صَلَائِهِمْ
يُحَافِقُونَ
٩٢
يقولُ تعالى ذكره: ومَن كان يُؤْمِنُ بقيامِ الساعةِ والمَعَادِ فى الآخرةِ إلى اللَّهِ ،
ويُصَدِّقُ بالثواب والعقابِ ، فإنه يُؤْمِنُ بهذا الكتابِ الذى أُنْزَلْناہ إلیك یا محمدُ ،
ويُصَدِّقُ به، ويُقِرُّ بأن اللَّهَ أَنْزَلَه، ويُحافِظُ على الصلواتِ المكتوباتِ التى أَمَرَه اللَّهُ
بإِقامتِها؛ لأنه مُنْذِرُ مَن بَلَغه وعيدُ اللَّهِ على الكفرِ به، وعلى مَعاصِيه ، وإنما يَجْحَدُ به
وبما فيه ويُكَذِّبُ ، أَهلُ التكذيبِ بالمعادِ ، والجُحودِ لقيام الساعة؛ لأنه لا يَرْجُو مِن
اللَّهِ إِن عمِل بما فيه ثوابًا، ولا يَخافُ إن لم يَجْتَنِبْ ما يَأْمُرُه باجتنابِهِ عقابًا .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ أَقْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِىَ إِلَّ
وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ .
يعنى جلَّ ذكرُه بقولِه: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ أَقْتَرَى عَلَى الَّهِ كَذِبًا﴾: ومَن أخطأً
قولًا، وأجْهَلُ فعلًا ﴿مِمَّنِ اُفْتَرَى عَلَى الَّهِ كَذِبًا ﴾ يعنى: ثَمَّن اخْتَلَقَ على اللَّهِ كَذِبًا ،
فادَّعَى عليه أنه بعَثه نبيًّا ، وأَرْسَله نَذيرًا، وهو فى دَعْواه مُبْطِلٌ، وفى قيلِه كاذبٌ .
وهذا تَشْفيةٌ مِن اللَّهِ لمشركي العربِ، وتجهيلٌ منه لهم فى معارضةِ عبدِ اللهِ بنِ
سعدِ ابنِ أبِى سَرْحٍ، والحنفىِّ مُسَهْلِمةً، لنبيِّ اللَّهِ يَّهِ، بدعوى أحدِهما النبوةَ،
ودعوى الآخَرِ أنه قد جاء بمثل ما جاء به رسولُ اللَّهِ عَ لَّهِ، ونفْىٌ منه عن نبيّه
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٤٥/٤ (٧٦١٦) من طريق أحمد بن المفضل به .
/٠١٠٦
(٢) ينظ ما تقدم فى
لنفـ
٤٠٥
سورة الأنعام : الآية ٩٣
محمدٍ عَ لَِّ اختلاقَ الكذبِ عليه، ودعوى الباطلِ .
وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى ذلك ؛ فقال بعضُهم فيه نحوَ الذى قلنا فيه .
ذكرُ مَن قال ذلك
/حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُرَيْج، عن ٢٧٣/٧
عكرمةَ قولَه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ أَفْتَرَى عَلَى اَللَّهِ كَذِبًا أَوَ قَالَ أُوْجِىَ إِلَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ
شَىْءٌ﴾. قال: نزَلَت فى مُسَيْلِمةَ أَخى بنى عَدِىٌّ بنِ حَنِيفةً، فيما كان يَسْجَعُ
وَيَتَكَهَّنُ به، ﴿ وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزَّلَ اللَّهُ ﴾ نزَلَت فى عبدِ اللهِبنِ سعدِ بنِ أبی
سَرْحٍ، أخى بنى عامرٍ بِنٍ لُؤَىٍّ، كان كتَب(١) للنبيِّ ◌ٍَّ، وكان فيما يُمْلِى: عزيزٌ
حكيم. فيَكْتُبُ: غفورٌ رحيمٌ . فَيُغَيُِّه، ثم يَقْرَأُ عليه كذا وكذا لِمَا حوَّل ، فيقولُ :
((نعم سَواءٌ)). فرجَع عن الإسلامِ، ولحِقٍ بقريشٍ، وقال لهم : لقد كان يَنْزِلُ عليه:
عزيزٌ حكيمٌ، فَأَحَوَّلُه، ثم أَقُولُ لِمَا(٢) أَكْتُبُ، فيقولُ: ((نعم سَواءٌ)). ثم رجَع إلى
الإسلامِ قبلَ فتح مكةَ، إذ نزَل النبىُّ عِلَّه بَرّ(١).
وقال بعضُهم : بل نزَل ذلك فى عبدِ اللَّهِ بنِ سعدٍ خاصةً .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال : ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْحِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ﴾
(١) فى م: (( يكتب)).
(٢) سقط من: ص، ت١، ت٣، ف .
(٣) مر: هى مر الظهران. والظهران واد قرب مكة وعنده قرية يقال لها : مر ، تضاف إلى هذا الوادى فيقال:
مر الظهران . معجم البلدان ٣/ ٥٨١.
والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠/٣ إلى المصنف وأبى الشيخ.
٤٠٦
سورة الأنعام : الآية ٩٣
إلى قوله: ﴿ تُجْزَوْنَ عَذَابَ أَلْهُونِ﴾. قال: نزَلَت فى عبدِ اللهِ بنِ سعدِ بنِ أبی
سَرْحٍ، أَسْلَم وكان يَكْتُبُ للنبىِّ عَلَّهِ، فكان إذا أَمْلَى عليه: سميعًا عليمًا. كتَب هو
: عليمًا حكيمًا. وإذا قال: عليمًا حكيمًا. كتَب: سميعًا عليمًا. فشكَّ وكفَر،
وقال: إن كان محمدٌ يُوحَى إليه، فقد أُوحِى إِلىَّ، وإن كان اللَّهُ يُنْزِلُه، فقد أَنْزَلْتُ
مثلَ ما أَنْزَل اللَّهُ، قال محمدٌ: ((سميعًا عليمًا)). فقلتُ أنا: عليمًا حكيمًا. فَلَحِق
بالمشركين، ووشَى بعمارٍ وجُبَيْرٍ عندَ ابنِ الحَضْرمِيِّ، أو لبنى عبدِ الدارِ، فأَخَذُوهم
فعُذِّبوا حتى كفَروا، وجدِعٍ أذنُ عمارٍ يومَئذٍ، فَانْطَلَق عمارٌ إلى النبيِّ عَلَّهِ، فَأُخْبَره
بما لقِى، والذى أعطاهم مِن الكفرِ، فَأَتَى النبىُّ عَ ◌ّهِ أَن يَتَوَلَّاه، فَأَنْزَل اللَّهُ فى شأنٍ
ابنِ أبى سَرْحٍ وعمارٍ وأصحابِهِ: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِبِمَنِ إِلَّا مَنْ
أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُظْمَبِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]. فالذى أكْرِهِ عمارٌ وأصحابُه،
والذى شرَح بالكفرِ صدرًا فهو ابنُ أبى سَوْحٍ(١).
وقال آخرون: بل القائلُ: ﴿أُوْحِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ﴾ مُسَيْلِمةُ الكذَّابُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْع، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:
﴿ أَوْ قَالَ أُوْحِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ وَمَن قَالَ سَأُلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾: ذُكِر لنا أن
هذه الآيةَ نزَلَت فى مُسَيْلِمةَ ، ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ يَِّ قال: ((رأَيْتُ فيما يَرَى النائمُ
كأنَّ فى يدىَّ سِوارَيْن مِن ذهبٍ، فَكَبُرا علىَّ وأهَمَّانى(٢)، فأُوحِى إِلىَّ أنِ انْفُخُهما ،
فنفَخْتُهما فطارا، فأؤَلْتُهما فى مَنامى الكذَّابَيْن [٧٧٦/١و] اللذين أنا بينَهما؛ كذَّابَ
اليَمامةِ مُسَيْلِمةً، وكذابَ صَنَعَاءَ العَنْسيِّ)). وكان يقالُ له: الأسودُ .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٤٦/٤ (٧٦٢٦)، من طريق أحمد به مختصرا.
(٢) فى ص، ت١، س، ف: ((أهمنى)).
٤٠٧
سورة الأنعام : الآية ٩٣
٢٧٤/٧
/حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةَ،
قال: ﴿أُوْجِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوَ إِلَيْهِ شَىْءٌ﴾. قال: نزَلَت فى مُسَيْلِمةَ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا معمرٌ، عن
قتادةَ، وزاد فيه: وأخْبَرَنى الزهرىُّ أن النبيَّ ◌َّ ◌َه قال: (( بينا أنا نائمٌ رأيْتُ فى يدىَّ
سِوارَيْن مِن ذهبٍ، فَكَثُر ذلك علىَّ، فأُوحِىَ إلىَّ أنِ انْفُخْهما، فنفَخْتُهما فطارا،
فأوَّلْتُ ذلك كذَّابَ التَمامةِ وكذَّبَ صَنْعَاءَ العَنْسىَّ)) (١).
وأولى الأقوالِ فى ذلك عندى بالصوابِ أن يقال: إن اللَّهَ قال: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ
مِمَنِ أَفْتَرَى عَلَى اَللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْجِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ﴾ . ولا تَمَانُعَ بينَ علماءِ
الأمةِ أن ابنَ أبى سَرْح كان ثَمَّن قال : إنى قد قلتُ مثلَ ما قال محمدٌ . وأنه ارْتَدَّ عن
إسلامِه، ولحِقٍ بالمشركين، فكان لا شكَّ بذلك مِن قيلِه مُفْتريًا كذبًا . وكذلك لا
خلافَ بينَ الجميع أن مُسَيْلِمةَ والعَنْسيِّ الكذَّابَيْن ادَّعَيا على اللَّهِ كذبًا أنه بعثهما
نبيَّيْن، وقال كلُّ واحدٍ منهما: إن اللَّهَ أَوْحَى إليه . وهو كاذبٌ فى قيلِه .
فإذا كان ذلك كذلك، فقد دخَل فى هذه الآيةِ كلُّ مَن كان مُخْتَلِقًا على اللَّهِ
کذبًا ، وقائلًا فى ذلك الزمان وفی غیرِه: أوْحَى اللهُ إلىّ. وهو فی قیلہ کاذب ، لم
يُوحِ اللَّهُ إليه شيئًا . فأما التنزيلُ فإنه جائزٌ أَن يَكونَ نزَل بسببٍ بعضِهم، وجائزٌ أن
يَكونَ نزَل بسببٍ جميعِهم، وجائزٌ أن يَكونَ عُنِى به جميعُ المشركين مِن العرب ، إذ
كان قائلو ذلك منهم، فلم يُغَيِّروه، فعيَّرهم اللَّهُ بذلك، وتوعَّدهم بالعقوبةِ على
(١) تفسير عبد الرزاق ٢١٣/١، ٢١٤، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٤٦/٤ (٧٦٢٥) عن
الحسن بن يحيى به ولم يذكر المرفوع، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠/٣ إلى عبد بن حميد وأبى
الشيخ .
والحديث أصله فى البخارى (٤٣٧٥، ٧٠٣٧)، ومسلم (٢٢/٢٢٧٤) من حديث أبى هريرة .
٤٠٨
سورة الأنعام : الآية ٩٣
تركِهم نَكيرَ ذلك، ومع تركِهم نكيرَه هم بنبيّه محمدٍ ◌ِّهِ مكذِّبون، ولنُبُوَّتِه
جاحِدون، ولآياتِ كتابِ اللَّهِ وتنزيلِه دافِعون، فقال لهم جلَّ ثناؤه: ومَن
أَظْلَمُ مَمَّن اذَّعَى علىَّ النبوةَ كاذبًا، وقال: أُوحِىَ إليه. ولم يُوحَ إليه شىءٌ، ومع
ذلك يقولُ: ما أنزل اللهُ على بشرٍ من شىءٍ. فَيَنْقُضُ قولَه بقولِهِ، ويُكَذِّبُ
بالذى تَحَقَّقَه، ويَنْفِى ما يُثْبِتُه، وذلك إذا تدَبَّره العاقلُ الأَرِيبُ، عِلِم أن فاعلَه
مِن عقلِه عَديمٌ .
وقد رُوِى عن ابنِ عباس أنه كان يقولُ فى قوله: ﴿ وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنْزَلَ
اللَّهُ ﴾ ما حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ،
عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللهُ﴾. قال: زعم أنه لو
شاء قال مثلَه . يعنى الشعرَ(١).
فكأنَّ ابنَ عباسٍ فى تأويلِه هذا على ما تأَوَّله، يُوَجّهُ معنى قولِ قائلِ: ﴿ سَأَزِلُ
مِثْلَ مَا أَنْزَلَ الله﴾. إلى: سأُنْزِلُ مثلَ ما قال اللَّهُ مِن الشعرِ. وكذلك تأوّله السدىُّ،
وقد ذكَرْنا الروايةَ عنه قبلُ فيما مضَى .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَلَوْ تَرَىَ إِذِ الظَّالِمُونَ فِىِ غَمَرَتِ أَلْوَّتِ وَالْمَلَتِكَةُ
بَاسِطُوْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَِكُمْ﴾ .
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ مَ ◌ّه: ولو تَرَى يا محمدُ حينَ يَغْمُرُ الموتُ
بسَكَراتِه هؤلاء الظالمين العادِلين بربِّهم الآلهةَ والأندادَ، والقائلين: ﴿مَا أَنْزَّلَ
اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَىْءٌ﴾ [الأنعام: ٩١]، والمُفْتَرِين على اللَّهِ كذبًا ، الزاعمين أن اللَّهَ
أُوْحَى إليه، ولم يُوحَ إليه شىءٌ، والقائلين: ﴿سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنزَلَ الَهُ﴾. فتُعائِنُهم
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٤٧/٤ (٧٦٢٧) عن محمد بن سعد به .
٤٠٩
سورة الأنعام : الآية ٩٣
٢٧٥/٧
وقد غَشِيَتْهم /سَكَرَاتُ الموتِ ، ونزَل بهم أمرُ اللَّهِ ، وحان فَناءُ آجالِهم، والملائكةُ
باسِطو أيديهم، يَضْرِبون وجوههم وأدبارَهم، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا
نَوَقَّتْهُمُ الْمَلََّبِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ ® ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ أَتَّبَعُواْمَآ أَسْخَطَ
اُللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَنَهُ﴾ [محمد: ٢٧، ٢٨]. يقولون لهم: أخْرِجوا أنفسكم .
والغَمَراتُ جمعُ غَمْرةٍ، وغمرةُ كلِّ شيءٍ كثرتُه ومعظمُه، وأصلُه الشىءُ
الذى يَغْمُرُ الأشياءَ فَيُغَطِّيها، ومنه قولُ الشاعرِ(١) :
وهل يُنْجِى مِنِ الغَمَراتِ إلا بِرَاكَاءُ(٢) القِتالِ أو الفِرَارُ
ورُوِى عن ابنِ عباسٍ فى ذلك ما حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ ، قال : ثنى
حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذِ اُلَِّلِمُونَ فِى
غَمَرَتِ الْوَّتِ﴾. قال : سَكَراتِ الموتِ (٣).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ ، قال: ثنا عُبيدُ بنُّ
سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِهِ: ﴿فِى غَمَرَتِ المَوْتِ﴾: يعنى :
سَكَراتِ الموتِ (٤).
وأما ((بسطُ الملائكةِ أيديَها(*))، فإنه مدُّها .
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى سببٍ بسطِها أيديَها عندَ ذلك ؛ فقال بعضُهم بنحوٍ
الذى قلنا فى ذلك .
(١) هو بشر بن أبى خازم الأسدى ، والبيت فى ديوانه ص ٧٩.
(٢) البراكاء، بفتح الباء وضمها: الثبات فى الحرب والجد، وأصله من البروك. تاج العروس (ب رك).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢/٣ إلى المصنف وابن المنذر وأبى الشيخ.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٤٧/٤ (٧٦٣١) من طريق أبى معاذ به .
(٥) فى م، ت٢، ت ٣: ((أيديهم)).
٤١٠
سورة الأنعام : الآية ٩٣
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
علىِّ بن أبى طلحةً، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذِ الظَّالِمُونَ فِ غَمَرَتِ الْوْتِ
وَالْمَلَئِكَةُ بَاسِطُوْاْ أَيَدِيهِمْ﴾. قال: هذا عندَ الموتِ ، والبَسْطُ الضربُ، يَضْرِبون
وجوههم وأدبارَهم (١).
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی ابی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذِ الظَّالِمُونَ فِ غَمَرَتِ المَوْتِ وَالْمَلَئِكَةُ
بَاسِطُواْ أَيَدِيِهِمْ﴾. يقولُ: الملائكةُ باسطو أيديهم يَضْرِبون وجوههم وأدبارَهم،
والظالمون فى غمراتِ الموتِ، وملكُ الموتِ يَتَوفَّاهم .
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿وَالْمَلَئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ﴾ : يَضْرِبونهم .
وقال آخرون : بل بسطُها أيديَها بالعذابِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبو خالدِ الأحمر، عن جُوَيِيرٍ، عن الضحاكِ:
﴿ وَالْمَلَئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ﴾. قال: [٧٧٦/١ظ] بالعذابِ(٣) .
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الزبيرِ، عن ابنِ عُيَيْنَةَ،
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٤٧/٤، ١٣٤٨ (٧٦٣٠، ٧٦٣٥) من طريق أبى صالح به ، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٣٢/٣ إلى ابن المنذر.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٤٨/٤ (٧٦٣٦) من طريق أبى خالد الأحمر به . وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٣٢/٣ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر.
٤١١
سورة الأنعام : الآية ٩٣
عن إسماعيلَ بنِ / أبى خالدٍ، عن أبى صالح: ﴿وَاُلْمَلَئِكَةُ بَاسِطُوْاْ أَيْدِيهِمْ ﴾: ٢٧٦/٧
بالعذابِ(١) .
وكان بعضُ نحوبى الكوفيين(٢) يَتَأَوَّلُ ذلك بمعنى: باسطو أيديهم بإخراجٍ
أنفسِھم .
فإن قال قائلٌ: ما وجهُ قولِه: ﴿أَخْرِجُوَاْ أَنْفُسَككُمْ﴾ . ونفوسُ بنى آدمَ إنما
يُخْرِجُها مِن أبدانِ أهلِها ربُّ العالمين ؟ فكيف خُوطِب هؤلاء الكفارُ وأُمِروا فى حالٍ
الموتِ بإخراج أنفسِهم ؟ فإن كان ذلك كذلك فقد وجَب أن يكونَ بنو آدمَ هم
يَقْبِضون أنفسَ أجسامِهم !
قيل : إن معنى ذلك بخلافٍ الذى ذهَبْتَ ، وإنما ذلك أمرٌ مِن اللَّهِ على ألسنٍ
رسلِه الذين يَقْبِضون أرواحَ هؤلاء القومِ مِن أجسامِهم، بأداءِ ما أسْكَنها ربُّها مِن
الأرواحِ إِليه، وتسليمِها إلى رسلِهِ الذين يَتَوَفَّونها .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ اَلْيَوْمَ تُّجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ
٩٣
غَيّرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ ءَايَتِهِ، تَسْتَكْبِرُونَ
وهذا خبرٌ مِن اللَّه جلَّ ثناؤه عما تقولُ رسلُ اللَّهِ التى تَقْبِضُ أرواحَ هؤلاء الكفارِ
لها، يُخْبِرُ عنها أنها تقولُ لأَجْسامِها ولأصحابِها: أخْرِجوا أنفسَكم إلى سَخَطِ اللَّهِ
ولعنتِه ، فإنكم اليومَ تُثابون على كفرِكم باللَّهِ، وقيلِكم عليه الباطلَ، وزعمِكم أن
اللَّهَ أَوْحَى إليكم، ولم يُوح إليكم شيئًا، وإنكارِكم" أن يَكونَ اللَّهُ أَنْزَل على بشرٍ
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٤٨/٤ عقب الأثر (٧٦٣٦) معلقا .
(٢) هو الفراء فى معانى القرآن ٣٤٥/١.
(٣ - ٣) سقط من: ت٢، وفى ص،م، ت١، س، ف: ((وإنذاركم)).
٤١٢
سورة الأنعام : الآية ٩٣
شيئًا ، واستكبارِ كم عن الخضوع لأمرِ اللَّهِ وأمرِ رسولِه، والانقيادِ لطاعتِه - ﴿عَذَابَ
اُلْهُونِ﴾ وهو عذابُ جهنمَ الذى يُهِيئُهم فيُذِلُّهم، حتى يَغْرِفوا صَغَارَ أنفسِهم
وذِلَّتُها .
كما حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضل، قال: ثنا أسباطُ ،
عن السدىِّ: أمَّا ﴿ عَذَابَ اُلْهُونِ﴾ فالذى يُهِينُهم(١) .
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ نجريج: ﴿أَلْيَوْمَ
تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾. قال: عذابُ الهُونِ فى الآخرةِ بما كنتم تعملون.
والعربُ إذا أرادَت بالهُونِ معنى الهَوانِ ضَّت الهاءَ(١) ، وإذا أرادت به الرفقَ
والدَّعةَ وخفةَ المَثُونِة فَتَحَت الهاءَ، فقالوا: هو قليلُ هَوْنِ المئونةِ . ومنه قولُ اللَّهِ :
﴿ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنَا﴾ [الفرقان: ٦٣]. يعنى: بالرفقِ والسكينةِ
والوَقارِ . ومنه قولُ "المثنَّى بنٍ جندَلٍ» الطُّهَوىِّ:
ونَقْضَ أيامٍ نقَضْنَ أَسْرَه
هَوْنًا وَأَلْقَى كلُّ شيخٍ فَخْرَه
ومنه قولُ الآخَرِ(٤) :
هَوْنَكما لا يَرُدُّ الدهرُ ما فاتا لا تَهْلِكا أَسَفًا فى إِثْرِ مَن ماتا
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٤٨/٤ (٧٦٣٧) من طريق أحمد بن المفضل به .
(٢) فى ص، ت١، ف: ((الهون)).
(٣ - ٣) كذا فى النسخ فى هذا الموضع، وكذا سيأتى فى ٢٩/١٤، وفى تفسير الآية ٢٣ من سورة الزخرف،
وصوابه : جندل بن المثنى. ينظر سمط اللآلئ ٦٤٤/٢، والأعلام ١٣٧/٢.
(٤) هو ذو جدن الحميرى، والبيت فى سيرة ابن هشام ٣٨/١، وتاريخ المصنف ١٢٥/٢، والأغانى ٣٠٥/١٧
بنحو ما هنا .
٤١٣
سورة الأنعام : الآيتان ٩٣ ، ٩٤
يريدُ: أزْوِداً(١) . وقد حُكِى فتحُ الهاءِ فى ذلك بمعنى الهَوانِ ، واسْتَشْهَدوا على
ذلك ببيتٍ عامٍ بنِ جُوَيْنٍ (٢) :
عندَ الكَرِيهةِ أَعْلَى لها ٢٧٧/٧
انُهِينُ النفوسَ وهَوْنُ النفوسِ
والمعروفُ مِن کلامِهم ضمُّ الهاءِ منه إذا كان بمعنی الھَوانِ والذلِ ، كما قال ذو
الإِصْبَعِ العَدْوانىُّ(٣):
اذْهَبْ إليك فما أُمِّى براعيةٍ(٤)
تَرْعَى المَخَاضَ ولا أَغْضِى على الهُونِ ()
يعنى : على الهَوانِ . وإذا كان بمعنى الرفقِ ففتحُها .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَدَى كَمَا خَلَقْتَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَكَّتُمُ مَّا
خَوَّلْنَكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكٌ﴾ .
وهذا خبرٌ مِنِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه عما هو قائلٌ يومَ القيامةِ لهؤلاء العادِلين به
الآلهةَ والأندادَ، يُخْبِرُ عبادَه أنه يقولُ لهم عندَ ؤُرودِهم عليه: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا
فُرَدَى﴾ .
ويعنى بقولِه: ﴿فُرَادَى﴾: وُحدانًا لا مالَ معهم ولا (" إِناثَ ولا رقيقَ)، ولا
شىءَ مما كان اللَّهُ خوَّلَهم فى الدنيا، ﴿ كَمَا خَلَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ عُراةً غُلْفًا غُوْلًا محفاةً
(١) فى م: ((رودا)). وأرودا: ارفقا وتمهلا. اللسان (ر ود).
(٢) البيت للخنساء، كما فى أنيس الجلساء فى ملخص شرح ديوان الخنساء ص ١١٥ .
(٣) البيت فى اللسان (هـ ون)، وينظر المفضليات ص ١٦٠، وأمالى المرتضى ٢٥٢/١.
(٤) يعنى : لست ابن أمة. ينظر المفضليات الموضع السابق .
(٥) المخاض : اسم النوق الحوامل . المصدر السابق .
(٦ - ٦) فى م، ت١، ت٢، ت ٣: ((أثاث ولا رفيق))، وفى ف: ((إناث ولا رفق)). وينظر تفسير
البغوى ١٦٩/٣.
٤١٤
سورة الأنعام : الآية ٩٤
كما ولدَتْهم أمهاتُهم، وكما خلَقَهم جلَّ ثناؤه فى بُطونِ أمهاتِهم، لا شىءَ عليهم
ولا معهم مما كانوا يتباهون به فی الدنيا .
و ((فُرَادَى)) جمعٌ، يقالُ لواحدِها: فَرِدٌّ. كما قال نابغةُ بنى ذُيْيانَ(١):
طاوِى الْمَصِيرِ كَسَيْفِ الصَّيْقَلِ الفَرِدِ (٣)
مِن وَحْشِ وَجْرةَ مَوْشىٍّ أُكَارِعُه
وفَرَّدٌ وفَرِيدٌ ، كما يقالُ: وحَدٌ ووَحِدٌ ووَحِيدٌ . فى واحدِ الأوحادِ ، وقد يُجْمَعُ
الفَرَدُ الفُرَادَ، كما يُجْمَعُ الوَحَدُ الوُحادَ، ومنه قولُ الشاعرِ(١) :
تَرَى النُّعَراتِ الزُّرْقَ فوقَ لَبانِه
فُرادَ ومَثْنَى أَصْعَقَتْها صَواهِلُهْ
وكان يؤنُسُ الجَزّميُ(٤) فيما ذُكِر عنه يقولُ: فُرادٌ جمعُ فَزْدٍ. كما قيل:
٢٧٨/٧ تُؤْمٌ وتُؤَامٌّ. للجميع، ومنه الفُرَادى / والُّدَافِى والقُرَانى(٥) ، ويقالُ: رجلٌ فردٌ.
وامرأةٌ فردٌ. إذا لم يَكُنْ لها أخْ، وقد فرَد الرجلُ فهو يَفْرُدُ فُرُودًا، يُرادُ به
تفرّد، فهو فاردٌ .
(١) ديوانه ص ٧.
(٢) قال الأصمعى: وجرة: فلاة بين مران وذات عرق وهى مجمع الوحش، وهى قليلة الشرب للماء هناك.
وموشى أكارعه: بيض وفى قوائمه نقط سود. وطاوى المصير: يريد ضامرا، والمصير: المِعِى وجمعه المصران .
وقوله : كسيف الصيقل الفرد . يريد : أنه يلوح كأنه سيف صقيل، ويقال: فرد وفرّد. قال : ولم أسمع فرِدا
إلافى هذا البيت . ديوان النابغة .
(٣) هو تميم بن أبى بن مقبل. وتقدم فى ٣٧١/٦، ٣٧٢ .
(٤) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((الحرمى)). وينظر ما تقدم فى ٢٤٥/٨.
(٥) فى ص: ((العوانى)) بدون نقط، وفى م، ت١، ت٢، ت ٣: (الغوانى))، وفى س: ((العوافى)) وفى ف:
(( العوامى)).
والقرانى يعنى المقترنين ، يقال : جاءوا قرانى. أى: مقترنين. والقرانى تثنية الفرادى يقال: جاءوا قرانى
وجاءوا فرادى. ينظر اللسان (ق ر ن).
٤١٥
سورة الأنعام : الآية ٩٤
حدَّثنى يونُسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ : قال : أخبرنى
عمرٌو، أن ابنَ أبى هلالٍ حدَّثه، أنه سمِع القرظىّ(١) يقولُ: قَرَأَت عائشةُ زوج
النبيِّ ◌َّهِ قولَ اللَّهِ: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُوْنَا فُرَدَىُ كَمَا خَلَقْنَكُمْ [٧٧٧/١ و] أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾.
فقالت : واسَوْءَتاه، إن الرجالَ والنساءَ يُحْشَرون جميعًا يَنْظُرُ بعضُهم إلى سَوْءةِ
بعضٍ! فقال رسولُ اللَّهِ عَلَّهِ: ((لكلِّ امرٌّ منهم يومَئذٍ شأنٌ يُغْنِيه، لا يَنْظُرُ الرجالُ
إلى النساءِ، ولا النساءُ إلى الرجالِ، شُغِل بعضُهم عن بعضٍ)) (١).
وأما قولُه: ﴿ وَتَكْتُم مَّا خَوَّلْنَكُمْ وَرَآَ ظُهُورِكُمْ﴾ . فإنه يقولُ: خلَفْتُم أيُّها
القومُ ما مَلَّكناكم (١) فى الدنيا، مما كنتم تَتَباهَوْن به فيها ، خلفكم فى الدنيا، فلم
تَحْمِلوه معكم. وهذا تَغييرٌ مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤُه لهؤلاء المشركين بمباهاتِهم التى كانوا
يتباهَوْن بها فى الدنيا بأموالهم .
وكلُّ من ملَّكْتَه غيرَك وأعْطَيْتَه، فقد خوَّلْتَه ، يقالُ منه: خال الرجلُ يَخالُ
أشدَّ الخِيالِ. بكسرِ الخاءِ، وهو خائلٌ، ومنه قولُ أبى النَّجْمِ(4) :
أَعْطَى فلم يَبِخَلْ ولم يُبَخَّلِ
كُومَ الدُّر(٥) مِن خَوَلِ المُخَوَّلِ
وقد ذُكِر أن أبا عمرو بنَ العلاءِ كان يُنْشِدُ بيتَ زُهَيْرِ (١) :
(١) فى ص، م: ((القرطبى))، والمثبت موافق لما فى مصادر التخريج الآتية .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٤٩/٤ (٧٦٣٩) عن يونس عن ابن وهب عن عمرو به ، وأخرجه
الحاكم ٥٦٥/٤ من طريق ابن وهب عن عمرو بن الحارث به .
(٣) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((مكناكم)).
(٤) ديوانه ( مجموع ) ص١٧٥ .
(٥) كوم جمع كوماء: وهى الناقة العظيمة السنام طويلته. والذرا جمع ذروة : وهى أعلى كل شيء، وأراد
السنام . ينظر اللسان (ك وم ، ذر و).
(٦) ينظر شرح ديوان زهير ص ١١٢. وينظر ما سيأتى فى تفسير الآية (٨) من سورة ((الزمر)).
٤١٦
سورة الأنعام : الآية ٩٤
وإِن يُسْأَلُوا يُعْطُوا وإن يَيْسِروا يُغْلُوا(١)
هنالك إن يُسْتَخْوَلوا المالَ يُخْوِلُوا
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال : ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَكُمْ﴾: مِن المالِ والخَدَمِ. ﴿ وَرَآءُ ظُهُورِكُمْ﴾ فى
(٢)
الدنيا (٢).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَهُمْ فِكُمْ
شُركَواْ ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لهؤلاء العادِلين بربِّهم الأندادَ يومَ القيامةِ: ما نَرَى معكم
شفعاءَ كم الذين كنتم فى الدنيا تَزْعُمون أنهم يَشْفَعون لكم عندَ ربِّكم يومَ
القيامة .
وقد ذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلَت فى النَّضْرِ بنِ الحارثِ ، لقيلِه إن اللاتَ والعُزَّى
يَشْفَعان له عندَ اللَّهِ يومَ القيامةِ .
وقيل : إن ذلك كان قولَ كافةٍ عَبَدةِ الأوثانِ .
(١) ورواية الديوان :
هنالك إِن يُسْتَخْبَلُوا المالَ يُخْبِلُوا ...
وييسروا : من الميسر، يغلوا: يأخذون سمان الجزر لا ينحرون إلا غالية . ينظر شرح ديوان زهير ص ١١٢
وحاشيته .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٥٠/٤ (٧٦٤٢، ٧٦٤٣) من طريق أحمد بن المفضل به، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٣٢/٣ إلى أبى الشيخ .
٤١٧
سورة الأنعام : الآية ٩٤
ذكرُ مَن قال ذلك
٢٧٩/٧
/حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال : ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: أما قولُه: ﴿ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَآءَّكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَهُمْ فِيَكُمْ شُرَكَوْأَ ﴾ .
فإن المشركين كانوا يَزْعُمون أنهم كانوا يَعْبُدون الآلهةَ لأنهم شُفعاءُ، يَشْفَعون لهم
عندَ اللَّهِ، وأن هذه الآلهةَ شركاءُ للَّهِ(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاج، قال : قال ابنُ مجرَيْجٍ:
أَخْبَرنى الحكمُ بنُ أبانٍ ، عن عكرمةً، قال: قال النَّضْرُ بنُ الحارثِ: سوف تَشْفَعُ لىَ
اللاتُ والعُزَّى . فنزَلَت هذه الآيَةُ: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَدَىُ كَمَا خَقْتَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾
إلى قوله: ﴿شُرَكَوْأَ﴾(٢).
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَ عَنكُم مَّا كُنتُمْ
تَزْعُمُونَ ﴾ .
يقولُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن قيلِه يومَ القيامةِ لهؤلاء المشركين به الأنداد :
﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ﴾ . يعنى تَواصُلَهم الذى كان بينَهم فى الدنيا ، ذهَب ذلك
اليومَ، فلا تَواصُلَ بينَهم ولا تَوَادَّ ولا تَناصُرَ، وقد كانوا فى الدنيا يَتَوَاصَلون
ويَتَنَاصَرون، فاضْمَحَلَّ ذلك كلُّه فى الآخرةِ، فلا أحدَ منهم يَنْصُرُ صاحبَه، ولا
يُواصِلُه .
وبنحوِ ما قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٥٠/٤ (٧٦٤٥) من طريق أحمد بن المفضل به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٥٠/٤ (٧٦٤٤) من طريق حجاج به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٣٢/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ .
( تفسير الطبرى ٢٧/٩ )
٤١٨
سورة الأنعام : الآية ٩٤
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى، عن ابنٍ أبى
تَجِيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ﴾: البَيْنُ تَواصُلُهم(١).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن
مجاهدٍ: ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾. قال: تَواصُلُهم فى الدنيا(٢) .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُّ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةَ :
﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ﴾. قال: وَضْلُكم .
وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ فى قوله: ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ﴾. قال: ما كان بينكم مِن الوَصْلِ(٣) .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال : ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
علىٍّ بنِ أبي طلحةً، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُمْ
تَزْعُمُونَ﴾ يعنى: الأرحامُ والمنازلُ (٤).
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسين، قال : ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾. يقولُ: تقَطَّع ما بينكم(٥).
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال: قال أبو بكرٍ بنُ عَيَّاشِ: (لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنُكم) : التواصُلُ
(١) تفسیر مجاهد ص٣٢٥.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٥٠/٤ (٧٦٤٧) من طريق أبي حذيفة به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٣٣/٣ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.
(٣) تفسير عبد الرزاق ٢١٤/٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢/٣ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٥٠/٤ (٧٦٤٦) من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٣٣/٣ إلى ابن المنذر.
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٥٠/٤ (٧٦٤٨) من طريق أحمد بن المفضل به .
٤١٩
سورة الأنعام : الآية ٩٤
فى الدنيا .
واخْتَلَفَت القرأةُ فى قولِه: ﴿ بَيْنَكُمْ﴾؛ فقرَأَتْه عامةُ قرأةِ أهل المدينةِ نصبًا ،
بمعنى : لقد تقَطَّع ما بينَكم .
وقرَأْ ذلك عامةُ قرأةٍ مكةَ والعراقَيْن(٢): (لقد تَّقَطَّع بينكم) رفعًا(٣) ، بمعنى:
لقد تقَطَّع وصلُكم .
٢٨٠/٧
والصوابُ مِن القولِ عندى فى ذلك أن يُقالَ: إنهما قراءتان مَشْهورتان باتفاقٍ
المعنى ، فبأيِتِهما قرَأ / القارئُ فمُصيبٌ الصوابَ ، وذلك أن العربَ قد تَنْصِبُ (( بینَ))
فى موضعِ الاسم، ذُكِر سماعًا منها: أتانى(٤) نحوَك ودونَك وسَواءَك. نصبًا فى
موضعِ الرفعِ، وقد ذُكِر عنها سماعًا الرفعُ فى ((بينَ)) إذا كان [٧٧٧/١ظ] الفعلُ لها ،
وُجُعِلَت اسمًا، ويُنْشَدُ بيتُ مُهَلْهِلٍ(٥) :
(٧)
بعيدٍ بينُ جالَيْها جَزُورٍ
كأنَّ رِماحَهم أَشْطانُ بترٍ
برفعٍ (( بين)) إذ كانت اسمًا ، غيرَ أن الأغلبَ عليهم فى كلامِهم النصبُ فيها
فى حالٍ كونِها صفةً، وفى حالٍ كونها اسمًا .
(١) هى قراءة نافع وأبو جعفر المدنيان والكسائى وحفص. النشر ١٩٥/٢.
(٢) فى ف، م: ((العراقيين)).
(٣) هى قراءة ابن كثير وأبى عمرو وابن عامر وحمزة وأبى بكر ويعقوب وخلف العاشر. ينظر النشر ١٩٥/٢.
(٤) فى م: ((إيابى)). وينظر معانى القرآن للفراء ٣٤٥/١.
(٥) هو مهلهل بن ربيعة، والبيت فى أمالى القالى ٢/ ١٣٢، والمحتسب لابن جنى ١٩٠/٢.
(٦) الأشطان : الحبال ، واحدها شطن، والبئر هلهنا: الهواء الذى من الجال إلى الجال . وجال البئر وجولها:
ناحيتها وما يحبس الماء منها. الأمالى ١٣٢/٢، ١٣٣.
(٧) الجرور من الآبار: البعيدة القعر. وقال الأصمعى: بئر جرور، وهى التى يستقى منها على بعير، وإنما قيل
لها ذلك لأن دلوها تجر علی شفیرها لبعد قعرها . اللسان (ج ر ر).
٤٢٠
سورة الأنعام : الآيتان ٩٤، ٩٥
وأما قولُه: ﴿وَضَلَ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ . فإنه يقولُ : وحاد عن
طريقكم ومِنْهاجِكم ما كُنتم مِن آلهتكم تَزْعُمون أنه شَريكُ ربِّكم ، وأنه لكم شَفيعٌ
عندَ ربّكم، فلا يَشْفَعُ لكم اليومَ .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَدّ﴾ .
وهذا تنبيةٌ مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤه، هؤلاء العادِلين به الآلهةَ والأوثانَ ، على موضعٍ
حجَّتِه عليهم، وتعريفٌ منه لهم خطأ ما هم عليه مُقِيمون ، مِن إشراكِ الأصنامِ فى
عبادتِهم إياه ، يقولُ تعالى ذكرُه : إن الذى له العبادةُ أيّها الناسُ دونَ كلِّ ما تَعْبُدون
مِن الآلهةِ والأوثانِ ، هو اللَّهُ الذى فَلَق الحبَّ ، يعنى: شقَّ الحبُّ مِن كلِّ ما يَنْبُتُ مِن
النباتِ ، فأخْرَج منه الزرعَ، والنَّوَى مِن كلِّ ما يُغْرَسُ مماله نَواةٌ ، فَأَخْرَج منه الشجرَ .
و ((الحبُّ)) جمعُ الحَّةِ، و ((النَّوَى)) جمعُ النَّواةِ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿ إِنَّ اللّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنََّىَّ﴾: أما ﴿ فَالِقُ الْحَبِّ وَالتَّوَّ﴾ ففالقُ
الحبِّ عن السُّنْئُلةِ ، وفالقُ النَّواةِ عن النخلةِ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً:
فَالِقُ الْحَبِّ وَاُلنَّوَّ﴾. قال: يَفْلِقُ الحبَّ والنَّوَى عن النباتِ(٢).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٥١/٤ (٧٦٥٤) من طريق أحمد بن المفضل به .
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢١٤/١، - ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٥١/٤ (٧٦٥١) -
عن معمر به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.