Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١
سورة الأنعام : الآيتان ٨٣، ٨٤
ثَباتِ الأمم على تكذييهم إياهم، وهلاكِهم على ذلك، أو إنابتهم وتوبتهم منه
بتوحيدِ اللّه تعالى، وتصديقٍ رسلِه، والرجوع إلى طاعتِه .
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عٍَّ: فَأَتَسِ يا محمدُ فى نفسِك وقومِك
المُكَذِّبيك والمشركين، بأبيك خليلى إبراهيمَ عَه، واصْبِرْ على ما يَنوبُك
منهم صبرَه، فإنى بالذى يَقُولُ إليه أمؤُك وأمرُهم عالمٌ بالتدبيرِ فيك وفيهم
حکیم .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبٌ كُلَا هَدَيْنَا
وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلٌ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ وَأَيُوُبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى
٨٤
وَهَرُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِى اُلْمُحْسِنِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه: فجَزَيْنا إبراهيمَ عَلِ على طاعتِهِ إِيانا وإخلاصِه توحيدَ
ربِّه، ومُفارقتِهِ دينَ قومِه المشركين باللّهِ ، بأن رفَعْنا درجته فى عِلِّئِين، وآتَيْناه أجرَه
فى الدنيا، ووهَبنا له أولادًا اخْتَصَصْناهم(١) بالنبوةِ، وذريةً شفناهم منا بالكرامةِ ،
وفضَّلْناهم على العالمين؛ منهم ابنُه إسحاقُ، وابنُ ابنِه يعقوبُ، ﴿كُلَّ
هَدَيْنَا﴾. يقولُ: هدَيْنا جميعَهم لسبيلِ الرشادِ ، فوفَّقْناهم للحقِّ والصوابِ مِن
الأديانِ، ﴿ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ﴾. يقولُ: وهدَيْنا لمثلِ الذى هدَيْنا إبراهيمَ
وإسحاقَ ويعقوبَ مِن الحقِّ والصوابِ، فوفَّقْناه له، نوححًا مِن قَبْلِ إبراهيمَ وإسحاقَ
ويعقوبَ. ﴿ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُودَ﴾ والهاءُ التى فى قولِه: ﴿ وَمِنْ ذُرِيَّتِهِ﴾ مِن
ذكرِ ((نوحٍ)). وذلك أن اللَّه تعالى ذكرُه ذكَر فى سياقِ الآياتِ التى تَتْلُو هذه الآيةَ
[٧٧٢/١ظ] لوطًا، فقال: ﴿وَإِسْمَعِيلَ وَأَلْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَ
اٌلْعَلَمِينَ﴾. ومعلومٌ أن لوطًا لم يَكُنْ مِن ذرية إبراهيمَ صلَّى اللَّهُ عليهم أجمعين. فإذا
(١) فى م: (( خصصناهم)).
٣٨٢
سورة الأنعام : الآيتان ٨٤ ، ٨٥
كان ذلك كذلك، وكان معطوفًا على أسماءٍ من سمَّيْنا مِن ذريته، كان لا
شكَّ أنه لو أُرِيد بالذريةِ ذريةُ إبراهيمَ ، لَمَّ دَخَل يونُسُ ولوطٌّ فيهم ، ولا شكَّ أن
لوطًا ليس مِن ذريةِ إبراهيمَ، ولكنه مِن ذرية نوحٍ، فلذلك وجَب أَن تَكونَ
الهاءُ فى الذريةِ مِن ذکرٍ نوحٍ .
فتأويلُ الكلام: ونوحًا وفَّقْنا للحقِّ والصوابِ مِن قبلِ إبراهيمَ وإسحاقَ
ويعقوبَ، وهدَيْنا أيضًا مِن ذريةِ نوحٍ داود وسليمانَ.
٢٦١/٧
و﴿ دَاوُودَ﴾ هو داودُ بنُ إِيشى. و﴿ سُلَيْمَنَ﴾ هو ابنُه سليمانُ بنُ داودَ ،
﴿ وَأَيُّوبَ﴾ هو أيوبُ / بنُ مُوصٍ بنِ رازعَ بنِ عِيصٍ بنِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ .
و﴿ يُوسُفَ﴾ هو يوسُفُ بنُ يعقوبَ بنِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ. و﴿ مُوسَى﴾ هو
موسى بنُ عِمْرانَ بنِ يصهرَ بنِ قاهثَ بنِ لَاوِى بنِ يعقوبَ. و﴿ هَرُونَ﴾ هو (١)
أخو موسی .
وَكَذَلِكَ نَجْزِى اُلْمُحْسِنِينَ﴾ . يقول تعالى ذكره : جزَيْنا نوحًا بصبره على ما
امْتُحِن به فينا ، بأن هدَيْناه فوقَّقْناه لإصابةِ الحقِّ الذى خذَلْنا عنه من عصانا فخالَف
أمرنا ونھینا مِن قومه ، وهدئنا من ذريته من بعده من ذکر تعالی ذ کرُه مِن أنبيائه مثلٍ
الذى هدَيْناه له ، وكما جزَيْنا هؤلاء بحسنٍ طاعتِهم إيانا ، وصبرِهم على المِحَنِ
فينا ، كذلك تَجْزِى بالإحسانِ كلِّ مُحِنٍ.
القولُ فى تأويلٍ قوله: ﴿وَزَّكَرِيَا وَيَحْبَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَّ كُلُّ ◌ِنَ
الصَّلِحِينَ
٨٥
(١) فى النسخ: ((روح))، والمثبت من تاريخ المصنف ٣٢٢/١.
(٢) سقط من: م.
٣٨٣
سورة الأنعام : الآية ٨٥
يقولُ تعالى ذكره: وهدَيْنا أيضًا لمثلِ الذى هدَيْنا له نوحًا مِن الهُدَى والرَّشادِ
مِن ذريته زكريا بنَ إِدُّو ١ بنِ بركيا، ويحتَى بنَ زكريا، وعيسى ابن مريمَ ابنةٍ عِمْرانَ
ابن ياشهمَ ١١ بنِ أمونَ بنِ حزقيا ﴿ وَإِلْيَاسِّ﴾ واخْتَلَفوا فى «إلیاسَ»، فكان ابنُ
إسحاقَ يقولُ: هو إِلْياسُ بنُ تسبى (١) بنِ فِنحاصَ بنِ العيزارِ بنِ هارونَ بنِ عمرانَ ابنٍ
أخى موسى نبيِّ اللَّهِ عَّهِ .
وكان غيرُه يقولُ: هو إدريسُ. وممن ذُكِر ذلك عنه عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ .
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبى(٤)
إسحاقَ ، عن عَبِیدةً بن ربيعةً، عن عبد الله بن مسعودٍ، قال : إدريسُ هو إلياسُ،
وإسرائيلُ هو يعقوبُ(٥).
وأما أهلُ الأنسابِ فإنهم يقولون: إدريسُ جدُّ نوحِ بنِ لَمْكِ() بنِ متُوشلخَ بنِ
أخَنُوخَ. وأخنوخُ هو إدريسُ بنُ يَرْدَ بنِ مهلائيلَ. وكذلك ژُوِی عن وهبِ بنِ
(٧)
مُنَبَّهُ .
والذى يقولُ أهلُ الأنسابِ أشبهُ بالصوابِ ، وذلك أن اللَّهَ تعالى نسَب إلياسَ
فى هذه الآية إلى نوحٍ، وجعَله مِن ذريته، ونوحٌ هو ابنُ إدريسَ عندَ أهلِ العلمِ،
(١) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((ادر))، وفى م: ((أزن))، وفى تاريخ المصنف ٥٩٠/١: ((أدى))،
وفى سفر زكريا، الأصحاح الأول ص ١٣٤٠: ((عِدَّو)) ولعل المثبت هو الصواب.
(٢) فى م: (( أشيم)).
(٣) فى م: ((يسى))، وفى ف: ((شى))، وفى تاريخ المصنف ٤٦١/١: ((ياسين)). قال ابن كثير: قال علماء
النسب: هو إلياس بن تسبى. ويقال: ابن ياسين. البداية والنهاية ٢٧٢/٢. وينظر طبقات ابن سعد ٥٥/١ ،
ومختصر تاريخ دمشق ٢٣/٥.
(٤) فى النسخ: ((ابن)).
(٥) أخرجه عبد بن حميد فى تفسيره - كما فى التغليق ٩/٤ - وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٣٦/٤
(٧٥٥٦)، وابن حبان فى الثقات ٢٠٠/٩، وابن عساكر فى تاريخه ٢٠٧/٩ من طريق إسرائيل به.
(٦) ينظر أنساب الأشراف ٧/١ .
(٧) أخرجه الحاكم ٥٤٩/٢ .
٣٨٤
سورة الأنعام : الآيتان ٨٥، ٨٦
فمُحالٌ أن يَكونَ جَدُّ أبيه منسوبًا إلى أنه مِن ذريته .
وقولُه: ﴿كُلٌّ مِّنَ الصَّلِحِينَ﴾. يقولُ: مَن ذكَوْنا مِن هؤلاء الذين سمَّيْنا
مِن الصالحين. يعنى زكريا ويحيى وعيسى وإلياسَ صلّى اللهُ عليهم .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَإِسْمَعِيلَ وَاَلْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلَّا فَضَّلْنَا عَلَ
اُلْعَلَمِينَ
٨٦
يقولُ تعالى ذكرُه: وهدَيْنا أيضًا مِن ذريةِ نوحِ إسماعيلَ، وهو إسماعيلُ بنُ
إبراهيمَ، ﴿ وَاَلْيَسَعَ﴾ هو الْتَسَعُ بنُ أَخْطُوبَ بنِ العجوزِ .
واخْتَلَفت القرأةُ فى قراءةِ اسمِه؛ فقرَأَتْه عامةُ قرأةِ الحجازِ والعراقِ :
وَالْيَسَعَ﴾ بلامٍ واحدةٍ مُخَفَّفةٍ (١).
٢٦٢/٧
وقد زعم قوم أنه ((يَفْعَل))، مِن قولِ القائلِ: وسِع يَسَعُ. ولا تَكادُ العربُ
تُدْخِلُ الألف واللامَ على اسم يَكونُ / على هذه الصورةِ - أَعْنِى: على ((يَفْعَل)) ، لا
يقولون : رأيتُ اليزيدَ ، ولا أَتانى اليحيى(٢)، ولا مرَرْتُ بالْيَشْكُرِ - إلا فى ضرورةٍ
شعرٍ، وذلك أيضًا إذا تُحُرِّى به المدخُ، كما قال بعضُهم (١) :
وجَدْنا الوليدَ بنَ اليزيدِ مُبارَكًا شديدًا بأحناءٍ (٤) الخلافةِ كاهِلُه
فأدْخَل فى ((اليزيدِ)) الألفَ واللامَ؛ وذلك لإدخالِهِ إياهما فى ((الوليدِ)) ، فأتْبَعه
((اليزيدَ)) بمثلٍ لفظِه .
وقرَأ ذلك جماعةٌ مِن قرأةِ الكوفيين: (واللَّسَعَ) بلامَيْن وبالتشديدِ(*).
(١) هى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو وابن عامر وعاصم وأبى جعفر ويعقوب. النشر ١٩٥/٢ .
(٢) فى م: ((التجيب ).
(٣) هو ابن ميادة الرماح بن أبرد، والبيت فى معانى القرآن للفراء ٣٤٢/١، وأمالى ابن الشجرى ٢٥٢/٢ .
(٤) فى م: ((بأعباء)). قال البغدادى: والأحناء جمع حنو بالكسر، وهو الجانب والجهة ، وقيل: هو هنا بمعنى
الشّرج والقتَب، كنى به عن أمور الخلافة الشاقة . خزانة الأدب ٢٢٧/٢.
(٥) هى قراءة حمزة والكسائى وخلف. النشر ١٩٥/٢.
٣٨٥
سورة الأنعام : الآيتان ٨٦ ، ٨٧
وقالوا : إذا قُرِئ كذلك كان أشبهَ بأسماءِ العجم. وأنْكَروا التخفيفَ وقالوا: لا
نَعْرِفُ فى كلامِ العربِ اسمًا على ((يَفْعَل)) فيه ألفٌ ولام.
والصوابُ مِن القراءةِ فى ذلك عندى قراءةُ مَن قرَأه بلامٍ واحدةٍ مخففةٍ ؛
لإجماع أهلِ الأخبارِ على أن ذلك هو المعروفُ مِن اسمِه، دون التشديدِ، مع أنه
اسمُ أعْجَمِىٌّ، فيُنْطَقُ به على ما هو به. وإنما نُقِيمُ (١) دخولَ الألفِ واللامٍ فيما
جاء مِن أسماءِ العربِ على ((يَفْعَل)). وأما الاسمُ الذى يَكونُ أعْجَمِيًّا، فإنما يُنْطَقُ
به على ما سَمَّوْا به، فإن غُيِّر منه شىءٌ إذا تكَلَّمَت العربُ به، فإنما يُغَيَّرُ بتقويمِ
حرفٍ منه، مِن غيرٍ حذفٍ ولا زيادةٍ فيه ولا نُقْصانٍ، و ((اللَّيْسَعُ)) إذا شُدِّد لَحِقَتْه
زيادةٌ لم تَكُنْ فيه قبلَ التشديدِ. وأُخرى، أنه لم يُحْفَظْ عن أحدٍ مِن أهلِ العلمِ
عِلِمْنا أنه قال: اسمُه لَيْسَعُ. فيَكونَ مُشَددًا عندَ دخولِ الألفِ [٧٧٣/١ و] واللام
اللتين تَدْخُلان للتعريفِ(١).
و﴿ يُونُسَ﴾ هو يونُسُ بنُ مَتَّى، ﴿ وَلُوطًا وَكُلًا فَضَّلْنَا﴾ مِن ذريةِ نوحٍ
ونوحًا، لهم بيَّنا الحقَّ، ووقَّقْناهم له، وفضَّلْنا جميعَهم ﴿عَلَ اُلْعَلَمِينَ﴾ يعنى:
على عالَمِ أزمانِهم .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَمِنْ ءَابَآبِهِمْ وَذُرِّيَّنِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَهُمْ وَهَدَيْنَهُمْ
إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
٨٧
يقولُ تعالى ذكره : وهدَيْنا أيضًا مِن آباءِ هؤلاء الذين سمَّاهم تعالى ذكرُه،
ومِن ذرياتِهم وإخوانِهم آخرين سواهم لم يُسَمِّهم، للحقِّ والدينِ الخالصِ الذى لا
(١) فى ص: ((يقيم))، وفى م: ((لا يستقيم)).
(٢) القراءتان كلتاهما صواب ؛ لأنهما متواترتان .
( تفسير الطبرى ٢٥/٩ )
٣٨٦
سورة الأنعام : الآيتان ٨٧، ٨٨
شركَ فيه، فوفَّقْناهم له، ﴿ وَأَجْنَبَيْتَهُ﴾. يقولُ: واخْتَزْناهم لديننا وبلاغ رسالتنا إلى
مَن أرسلْناهم إليه، كالذى اخْتَرْنا مَّن سمَّيْنا. يقالُ منه: اجْتَبَى فلانٌ لنفسِه كذا ،
إذا اختاره واصْطَفاه ، يَجْتَبِيه اجْتِباءً .
وكان مجاهدٌ يقولُ فى ذلك ما حدَّثنى به محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو
عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابنِ أبى نَجيح، عن مُجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه:
وَاجْتَبَيْنَهُمْ﴾. قال: أخْلَصْناهم (١).
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا أبو حُذيفةً، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن
مُجاهدٍ مثلَه .
﴿ وَهَدَيْنَهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. يقولُ: وسدّدْناهم فأرشَدْناهم إلى
طريقٍ غيرٍ مُعْوَبٌ ، وذلك دينُ اللَّهِ الذى لا يِوَجَ فيه، وهو الإِسلامُ الذى ارْتَضاه اللَّهُ
ربنا لأنبيائِه ، وأمر به عباده .
٢٦٣/٧
/القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِى بِهِ، مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَلَوْ
﴾
٨٨
أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ﴾: هو الهدى الذى هدَیْتُ به مَن
سمَّيْتُ مِن الأنبياءِ والرسلِ ، فوقَّقْتُهم به لإصابةِ الدينِ الحقِّ الذى نالوا بإصابتهم إياه
رضا ربِّهم، وشرفَ الدنيا، وكرامةَ الآخرةِ، هو ﴿ هُدَى اللَّهِ﴾﴾. يقولُ: هو توفيقُ
اللَّهِ ولُطْفُه الذى يُوَفِّقُ بِهِ مَن يَشاءُ، وَيَلْطُفُ به لمن أَحَبَّ مِن خلقِه، حتى ◌ُنِيبَ إلى
طاعةِ اللهِ، وإخلاصِ العملِ له، وإقرارِه بالتوحيدِ، ورفضِ الأوثانِ والأصنام،
(١) تفسير مجاهد ص٣٢٥، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٣٦/٤ (٧٥٥٨).
٣٨٧
سورة الأنعام : الآيتان ٨٨، ٨٩
﴿ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم ◌َّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: (ولو أشْرَك هؤلاء الأنبياءُ
الذين سمَّيْناهم ، بربِّهم تعالى ذكرُه، فعبَدوا معَه غيرَه ﴿لَحَبِطَ عَنْهُمْ﴾ .
يقولُ(١): لبطَل فذهَب عنهم أجرُ أعمالِهم التى كانوا يَعْمَلون؛ لأن اللَّهَ لا يَقْبَلُ مع
الشركِ به عملاً .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ أُوْلَئِكَ اُلَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَةَ
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿أُوْلَتِكَ﴾ : هؤلاء الذين سمَّيْناهم مِن أنبيائِه
ورسلِه ؛ نوحًا وذريتَه الذين هداهم لدين الإسلام، واجْتَباهم ١ لرسالته إلى خلقِه،
هُم ﴿ الَّذِينَ ءَاتَّيْنَهُمُ الْكِنَبَ ﴾ . يعنى بذلك: صحفَ إِبراهيمَ وموسى ، وزَبورَ
داودَ، وإنجيلَ عيسى، صلواتُ اللهِ عليهم أجمعين، ﴿ وَلْحُكْمَ﴾ يعنى الفهمَ
بالكتابِ ومعرفةً ما فيه مِن الأحكامِ .
ورُوِى عن مجاهدٍ فى ذلك ما حدَّثنى المثنَّى ، قال : ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ ،
قال: ثنا أبانٌ، قال: ثنا مالكُ بنُ شدَّادٍ (٢)، عن مجاهدٍ: ﴿وَاَلْكْرَ وَالنُّبُوَةَ﴾. قال :
ج
الحكمُ هو اللُّكُ (٤) .
وعنَى بذلك مجاهدٌ إن شاء اللَّهُ ما قلتُ؛ لأن اللُّبَّ هو العقلُ، فكأنه أراد أن
اللَّهَ آتاهم العقلَ بالكتابِ، وهو بمعنى ما قلنا مِن أنه الفهمُ به(٥).
وقد بيَّنا معنى ((النبوةٍ)) و ((الحكم)) فيما مضى بشَواهدِهما، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه(١) .
(١ - ١) سقط من: ت٢، س ، ف .
(٢) فى م: ((اختارهم)).
(٣) لم نجد له ترجمة ، وأبان هو ابن يزيد العطار يروى عن مالك بن دينار، فلعله تحرف عنه .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨/٣ إلى أبى الشيخ.
(٥) بعده فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((والنبوة)).
(٦) تقدم تفسير النبوة فى ٣٠/٢، ٣١، ٢٨٩/٥، وتفسير الحكم فى ٥٧٧/٢، ٥٢٤/٥.
٣٨٨
سورة الأنعام : الآية ٨٩
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءٍ فَقَدْ وَكَلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا
بِكَفِینَ
٨٩
يقولُ تعالى ذكرُه: فإن يَكْفُرْ يا محمدُ بآياتٍ كتابى الذى أَنْزَلْتُه إليك،
فيجحد هؤلاء الشر کون العادِلون بربِّهم، کالذی حدَّثنی علیُ بنُ داودَ ، قال : ثنا
أبو صالحٍ، قال : ثنى معاويةُ بنُ صالح، عن عليّ بنِ أبى طلحةً، عن ابنِ عباسٍ :
﴿فَإِنِ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءٍ﴾. يقولُ: إِن يَكْفُرُوا بالقرآنِ (١).
/ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى المعنىِّ بـ ﴿هَؤُلَاءٍ﴾ ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بهم
٢٦٤/٧
كفار قريشٍ، وعُنِى بقولِه: ﴿فَقَدْ وَكَلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَفِرِينَ﴾. الأنصارُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال : ثنا سليمانُ ، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن قتادةً فى
قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءٍ﴾. قال: أهلُ مكةَ، ﴿فَقَدْ وَّكَّلْنَا بِهَا﴾ أهلَ
.(٢)
المدينةٍ(٢).
حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال : ثنا عَبْدةُ بنُ سليمانَ ، عن مجُوَثِيرٍ، عن الضحاكِ :
﴿فَقَدْ وَكَلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَفِينَ﴾. قال: الأنصارُ(٣) .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَغْراءَ، عن جوبيٍ ،
عن الضحاكِ: ﴿فَإِنِ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءٍ﴾. قال: إن يَكْفُرْ بها أهلُ مكةً، ﴿فَقَدْ وَكَلْنَا
(٤)
بِهَا﴾ أهلَ المدينةِ الأنصارَ، ﴿لَّيْسُواْ بِهَا بِكَفِينَ﴾
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٣٨/٤ (٧٥٧٠) من طريق أبى صالح به.
(٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٣٨/٤ عقب الأثر (٧٥٧١) معلقًا .
(٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٣٩/٤ عقب الأثر (٧٥٧٤) معلقًا .
(٤) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٣٨/٤، ١٣٣٩ عقب الأثر (٧٥٧١، ٧٥٧٤) معلقًا .
:
٣٨٩
سورة الأنعام : الآية ٨٩
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءٍ﴾. يقولُ: إن يَكْفُرْ بها قريشٌ، ﴿فَقَدْ وَّكْنَا بِهَا﴾
(١)
الأنصارَ(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ مجرَيْج: ﴿فَإِن يَكْفُرْ
بِهَا هَؤُلَاءٍ ﴾ أهلُ مَكَةَ، ﴿ فَقَدْ وَلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَفِينَ﴾ أهلَ المدينةِ .
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال: ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍٍ قولَه: ﴿فَإِنِ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءٍ فَقَدْ وَكَلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا
بِكَفِرِينَ﴾. [٧٧٣/١ظ] قال: كان أهلُ المدينةِ قد تبَوَّءُوا الدارَ والإيمانَ قبلَ أن يَقْدَمَ
عليهم رسولُ اللَّهِ وَِّ، فلمَّا أَنْزَل اللَّهُ عليهم الآياتِ جحَد بها أهلُ مكةَ، فقال اللَّهُ
تعالى ذكرُه: ﴿فَإِنِ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءٍ فَقَدْ وَكَّنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَفِينَ﴾. قال
عطيةُ: ولم أَسْمَعْ هذا مِن ابنِ عباسٍ ، ولكن سمِعْتُه مِن غيرِه .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ بنِ أبى طلحةَ،
عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَإِنِ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءٍ﴾. يعنى: أهلُ مكةَ، يقولُ: إِن يَكْفُروا
بالقرآنِ ﴿ فَقَدْ وَكَلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَفِينَ﴾. يعنى: أهلَ المدينةِ والأنصارَ(٢) .
وقال آخرون: معنى ذلك: فإن يَكْفُرْ بها أهلُ مكةَ فقد وَّلْنا بها الملائكةَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن عوفٍ، عن أبى رَجاءٍ: ﴿فَإِن يَكْفُرْ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٣٨/٤، ١٣٣٩ عقب الأثرين (٧٥٧١، ٧٥٧٤) من طريق عمرو بن
حماد ، عن أسباط به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٣٨/٤، ١٣٣٩ (٧٥٧١، ٧٥٧٤) من طريق أبى صالح به .
٣٩٠
سورة الأنعام : الآية ٨٩
◌ِهَا هَؤُلَاءٍ فَقَدْ وَكَلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَفِرِينَ﴾. قال: هم الملائكةُ().
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ وابنُ أبی عَدِیٍّ وعبدُ الوهّابِ ، عن
عوفٍ ، عن أبى رَجاءٍ مثلَه .
وقال آخرون: عُنِى بقولِه: ﴿فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءٍ﴾. يعنى: قريشٌ . وبقوله:
٢٦٥/٧ ﴿ فَقَدْ وَكَّنَا بِهَا / قَوْمًا﴾ الأنبياءَ الذين سمَّاهم فى الآياتِ التى مضَت قبلَ هذه الآيةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال : ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْع، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ قولَه :
﴿فَإِنِ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءٍ﴾. يعنى: أهلُ مكةَ، ﴿فَقَدْ وَكْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا
بِكَفِرِينَ﴾ وهم الأنبياءُ الثمانيةَ عشَرَ الذين قال اللّهُ: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ
فَبِهُدَهُمْ أَقْتَدِأُ﴾(٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً :
﴿فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءٍ﴾. قال: يعنى: قومُ محمدٍ . ثم قال: ﴿فَقَدْ وَكَلْنَا بِهَا قَوْمًا
لَيْسُواْ بِهَا بِكَفِرِينَ﴾. يعنى : النبيين الذين قصَّ قبلَ هذه الآيةِ قَصصَهم . ثم قال:
أُوْلَكَ اُلَّذِينَ هَدَى اَللَّهُ فَبِهُدَهُمُ أَقْتَدِةٌ﴾(٣).
وأولى هذه الأقوالِ فى تأويلِ ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِى بقولِه: ﴿فَإِن
يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءٍ﴾. كفار قريشِ، ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَفِينَ﴾. يعنى
به الأنبياءَ الثمانيةَ عشرَ الذين سمَّاهم اللَّهُ تعالى ذكرُه فى الآياتِ قبلَ هذه الآيةِ ،
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٣٩/٤ (٧٥٧٧) من طريق عوف به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٤٠/٤ (٧٥٨١) من طريق شيبان ، عن قتادة بنحوه.
(٣) تفسيره عبد الرزاق ٢١٣/١، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٣٨/٤، ١٣٣٩ (٧٥٧٢،
٧٥٧٦) .
٣٩١
سورة الأنعام : الآيتان ٨٩، ٩٠
وذلك أن الخبرَ فى الآياتِ قبلَها عنهم مضَى، وفى التى بعدَها عنهم ذُكِر، فما
بينَها) بأن يَكونَ خبرًا عنهم أولى وأحقُّ مِن أن يكونَ خبرًا عن غيرِهم .
فتأويلُ الكلام إذ كان ذلك كذلك : فإن يَكْفُرُ(٢) قومُك مِن قریش یا محمدُ
بآياتِنا ، وكذَّبوا وجحَدوا حقيقتها، فقد اسْتَحْفَظْناها واسْتَرْعَيْنا القيام بها رسلَنا
وأنبياءَنا مِن قبلِك، الذين لا يَجْحَدون حقيقتَها، ولا يُكَذُّبون بها، ولكنهم
يُصَدِّقون بها ويُؤْمِنون بصحتِها .
وقد قال بعضُهم: معنى قوله: ﴿ فَقَدْ وَكَلْنَا بِهَا قَوْمًا﴾ . رزَقْناها قومًا .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُّ فَبِهُدَهُمُ أَقْتَدِةُ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿أُوْلَئِكَ ﴾ : هؤلاء القومُ الذين وكُلْنا بآياتِنا وليسوا بها
بكافرين، هم الذين هداهم اللَّهُ لدينِه الحقِّ، وحفظِ ما ؤُكِّلوا بحفظِهِ مِن آياتٍ
كتابِهِ ، والقيامٍ بحدودِه، واتباعٍ حلالِه وحرامِه، والعملِ بما فيه مِن أمرِ اللَّهِ ،
والانتهاءِ عما فيه مِن نهيِهِ، فوفَّقَهم جلَّ ثناؤُه لذلك، ﴿ فَبِهُدَهُمُ أُقْتَدِةٌ﴾ .
يقولُ تعالى ذكرُه : فبالعملِ الذى عمِلوا، والمنهاج الذى سلكوا، وبالهدى الذى
هدَيْناهم، والتوفيقِ الذى وفَّقْناهم، ﴿اقْتَدِةٌ﴾ يا محمدُ ، أى: فاعْمَلْ وخُذْ به
واسْلُكْه، فإنه عملٌ للَّهِ فيه رضًا، ومِنْهاجٌ مَن سلَكَه اهْتَدَى.
وهذا التأويلُ على مذهبٍ مَن تَأَوَّل قولَه: ﴿فَقَدْ وَكَلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا
بِكَفِرِينَ﴾ أنهم الأنبياءُ المُسَمَّوْن فى الآياتِ المتقدمةِ ، وهو القولُ الذى اخترناه فى
تأويلِ ذلك .
(١ - ١) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((فيما بينهم))، وفى م: ((ففيما بينها)). والصواب ما أثبتناه .
(٢) بعده فى ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((بها)).
٣٩٢
سورة الأنعام : الآية ٩٠
وأما على تأويل مَن تأوَّل ذلك أن القومَ الذين ؤُكِّلوا بها هم أهلُ المدينةِ ، أو أنهم
هم الملائكةُ ، فإنهم جعَلوا قولَه: ﴿فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءٍ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ ◌ِهَا
بِكَفِينَ﴾. اعتراضًا بينَ الكلامين، ثم ردُّوا قولَه: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ / هَدَى اللَّهُ
٢٦٦/٧
ج
فَبِهُدَهُمُ أَقْتَدِّةُ﴾ على قولِهِ: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ وَاْحَكَُّ وَالنُّبُوَةَ
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثُنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ تُجرَيْج قولَه:
﴿ وَوَهَبْنَا لَهُؤْ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبٌ﴾ إلى قولِه: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَنهُمُ
أُقْتَدِةٌ﴾ یا محمدُ .
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿أُوْلَكَ
الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ﴾ يا محمدُ، ﴿فَبِهُدَهُمُ أَقْتَدِةٌ﴾ ولا تَقْتَدِ بهؤلاءِ(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنى أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ،
عن السدىِّ، قال: ثم رجَع إلى النبيِّ عَّهِ فقال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ
فَبِهُدَهُمُ أَقْتَدِةُ﴾ .
حدَّثنى علىُّ بنُ داودَ ، قال : ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ،
عن علىّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ، [٧٧٤/١و] قال: ثم قال فى الأنبياءِ الذين
سمَّاهم فى هذه الآيةِ: ﴿فَبِهُدَهُمُ أُقْتَدِّةٌ﴾(١).
ومعنى الاقْتِداءِ فى كلامِ العربِ ، بالرجلِ ، اتباعُ أثَرِهِ ، والأخذُ بهدِهِ ، يقالُ:
فلانٌ يَقْدُو فلانًا. إذا نحا نحوَه، واتَّبَع أَثْرَه، قِدَةً وقُدْوةً وقِدْوةً (" وقِديةً(٣) .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٤٠/٤ (٧٥٨٠) من طريق أصبغ ، عن ابن زيد .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٣٦/٤ (٧٥٥٧) من طريق أبى صالح به .
(٣ - ٣) سقط من: م، س، ف. وينظر اللسان (ق د و).
٣٩٣
سورة الأنعام : الآيتان ٩٠، ٩١
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿قُل لَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى
لِلْعَلَمِينَ
٩٠
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَّهِ: قلْ لهؤلاء الذين أمَوْتُك أن تُذَكِّرَهم
بآياتى أن تُبْسَلَ نفسٌ بما كسَبَت مِن مشركى قومِك يا محمدُ : لا أسألُكم على
تذكيرى إياكم، والهدى الذى أُدْعُوكم إليه ، والقرآنِ الذى جئتُكم به ، عِوَضًا
أَعْتاضُه منكم عليه، وأجْرًا آخُذُه منكم، وما ذلك منى إلا تذكيرٌ لكم، ولكلِّ مَن
كان مثلَكم، ثمَّن هو مقيمٌ على باطلِ - بأسَ اللَّهِ أن يَخُلَّ بكم، وسَخَطَهِ أن يَنْزِلَ
بکم، علی شرککم به و کفرٍ کم، وإنذائ لجمیعِکم، بین یدی عذابٍ شدیدِ ؛
لتَذَّكَّرُوا وَتَنْزَجِروا .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِةٍ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ اَللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن
شَىْءٌ﴾ .
يقولُ تعالى ذكره: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِةٍ﴾: وما أجَلُّوا اللَّهَ حقَّ إِجْلالِه،
ولا عظّمُوه حقَّ تعظيمِه، ﴿إِذْ قَالُواْ مَآ أَنْزَلَ اَللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّنِ شَىٌْ﴾. يقولُ: حينَ
قالوا : لم يُنْزِلِ اللَّهُ على آدمىِّ كتابًا ولا وحيًّا .
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى المعنىِّ بقولِه: ﴿إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اَللَّهُ عَلَى بَشَرٍ
مِّنِ شَىْءٌ﴾. وفى تأويلٍ ذلك؛ فقال بعضُهم: كان قائلُ ذلك رجلاً مِن اليهودِ.
ثم اخْتَلَفوا فى اسم ذلك الرجلِ؛ فقال بعضُهم: / كان اسمُه مالكَ بنَ
الصَّيْفِ . وقال بعضُهم: كان اسمُهُ فِنْحاصَ .
٢٦٧/٧
واخْتَلَفوا أيضًا فى السببِ الذى مِن أجلِه قال ذلك .
ذكرُ مَن قال: كان قائلُ ذلك مالكَ بنَ الصَّيْفِ
حدَّثْنا ابُ حُميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمُِّ، عن جعفر بن أبى المُغيرةِ، عن سعيدٍ
٣٩٤
سورة الأنعام : الآية ٩١
ابنِ جبيرٍ، قال: جاء رجلٌ مِن اليهودِ يقالُ له: مالكُ بنُ الصيفِ. يُخاصِمُ
النبىَّ ◌َهِ، فقال له النبيُّ عَّهِ: ((أَنْشُدُك بالذى أَنْزَل التوراةَ على موسى، أَمَا تَجِدُ
فى التوراةِ أن اللَّهَ يُبْغِضُ الحَبْرَ السَّمينَ؟)). وكان حبرًا سَمينًا، فغضِب ، فقال :
واللَّهِ ما أَنْزَل اللَّهُ على بشرٍ مِن شىءٍ. فقال له أصحابُه الذين معه: ويحَك، ولا
موسى؟ فقال: واللهِ ما أَنْزَل اللَّهُ على بشرٍ مِن شىءٍ. فَأَنْزَل اللّهُ: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ
حَقَّ قَدْرِهِةٍ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّنْ شَىْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَبَ الَّذِى بِجَآءَ بِهِء
مُوسَى﴾ الآية(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ مُرَيْجٍ، عن
عكرمةَ قولَه: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِةٍ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنْزَلَ اَللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّنِ شَىْءٌ﴾.
قال: نزَلَت فى مالكِ بنِ الصيفِ، كان مِن قُرَيْظةَ، مِن أحبارِ يهودَ . ﴿ قُلْ﴾ يا
محمدُ: ﴿ مَنْ أَنَزَلَ الْكِتَبَ الَّذِى جَآءَ بِهِ، مُوسَى نُورًا وَهُدَى لِلنَّاسِ﴾ الآية(١).
ذکرُ مَن قال: نزَلَت فی فِنحاصَ اليهودىِّ
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِةٍ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنْزَلَ اَللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّنْ شَىْءٌ﴾. قال:
قال فِتْحاصُ اليهودىُّ: ما أَنْزَل اللَّهُ على محمدٍ مِن شىءٍ.
وقال آخرون: بل ◌ُنِى بذلك جماعةٌ مِن اليهودِ سأَلُوا النبىّ ◌َّمِ آياتٍ مثلَ آياتٍ موسى.
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٤٢/٤ (٧٥٩٧) من طريق يعقوب به. وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٩/٣ إلى ابن المنذر.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩/٣ إلى المصنف وابن المنذر.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٤٢/٤ (٧٥٩٤) من طريق أحمد بن مفضل، عن أسباط به . وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٢٩/٣ إلى أبى الشيخ.
٣٩٥
سورة الأنعام : الآية ٩١
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا هنادٌ، قال : ثنا يونُسُ ، قال: ثنا أبو مَعْشَرِ المَدَنُ ، عن محمدِ بنِ كعبٍ
القُرَظِىِّ، قال: جاء ناسٌ مِن يهودَ إلى النبيِّ عَلَّه وهو مُخْتَبٍ ، فقالوا: يا أبا القاسم،
أَلَا تَأْتِينا بكتابٍ مِن السماءِ كما جاء به موسى ألواحًا يَحْمِلُها مِن عندِ اللَّهِ؟ فأنْزَل
اللَّهُ: ﴿يَسْتَلُكَ أَهْلُ الْكِنَبِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيَّهِمْ كِثَبًا مِّنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى
أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ الآية [النساء: ١٥٣] فجَثًا رجلٌ مِن يهودَ فقال :
ما أَنْزَل اللَّهُ عليك، ولا على موسى، ولا على عيسى، ولا على أحدٍ شيئًا. فَأَنْزَل اللَّهُ:
﴿ وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهٍِ ﴾. قال محمدُ بنُ كعبٍ: ما علِموا كيف اللَّهُ إِذْ قالوا:
مَآ أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّنِ شَىْءٍ قُلّ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَبَ الَّذِى جَآءَ بِهِ، مُوسَى نُورًا﴾. فحلّ
رسولُ اللَّه ◌َ لِّ حُبْوتَه، وجعَل يقولُ: ((ولا على أحدٍ))(١)!
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ
اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِةٍ / إِذْ قَالُواْ مَآ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرِ مِّنِ شَىْءٌ ﴾ إلى قوله : ﴿فِ خَوْضِهِمْ
يَلْعَبُونَ﴾: هم اليهودُ والنصارى، قومٌ آتاهم اللَّهُ علمًا فلم يَقْتَدوا (٢) به، ولم يَأْخُذوا
به ، ولم يَعْمَلوا به ، فذمَّهم اللَّهُ فى عملِهِم ذلك. ذُكِر لنا أن أبا الدرداءِ رضِى اللَّهُ عنه
كان يقولُ: إن مِن أكثرٍ ما أنا مخاصَمٌ به غدًا ، أن يُقالَ: يا أبا الدرداءِ، قد علِمْتَ،
فماذا عمِلْتَ فيما عِلِمْتَ ؟(٢)
٢٦٨/٧
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩/٣ إلى المصنف.
(٢) فى م، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((يهتدوا)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٤٣/٤ (٧٦٠٥) من طريق يزيد به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٩/٣ إلی عبد بن حميد .
وقول أبى الدرداء أخرجه معمر فى جامعه (٢٠٤٦٧)، وابن أبى شيبة ١٤٢/١٤ من طريق قتادة به ،
وأخرجه ابن المبارك فى الزهد (٣٩)، وابن أبى شيبة ١٣/ ٣١١، وأحمد فى الزهد ص ١٣٦، والدارمى ١/ ٨٢،
وأبو نعيم فى الحلية ٢١٣/١، وابن عساكر فى تاريخه ١٤٨/٤٧ من طرق عن أبى الدرداء بنحوه.
٣٩٦
سورة الأنعام : الآية ٩١
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ ، عن على بن أبى
طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِةٍ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنَزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ
مِّنْ شَىْءٌ﴾. يعنى: مِن بنى إسرائيلَ، قالت اليهودُ: يا محمدُ، أَنْزَل اللَّهُ عليك
كتابًا؟ قال: ((نعم)). قالوا: واللَّهِ ما أَنْزَل اللَّهُ مِن السماءِ كتابًا. فَأَنْزَل اللَّهُ:
( قُلْ﴾ يا محمدُ: ﴿ مَنْ أَنْزَلَ اُلْكِتَبَ الَّذِى جَآءَ ◌ِ، مُوسَى نُورًا وَهُدَّى [٧٧٤/١ظ]
لِلنَّاسِ﴾ إلى قوله: ﴿ وَلَآ ءَآبَاؤُكُمْ﴾. قال: ((اللَّهُ أَنْزَله))(١).
وقال آخرون: هذا خبرٌ مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤه عن مُشْرِكى قريشٍ أنهم قالوا: ﴿مَآ
أَنْزَلَ اَللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّنْ شَىْءٌ﴾ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ :
قال عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ: إنه سمِعِ مُجاهدًا يقولُ: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، إِذْ قَالُواْمَآ
أَنَزَلَ اَللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّنْ شَىْءٌ﴾: قالها مُشْرِكو قريشٍ. قال: وقولُه: (قُلْ مَنْ أَنْزَلَ
الكتابَ الذى جاء به موسى نورًا وهدى للناسِ يَجْعَلُونَه قراطِيسَ يُبْدُونَها وَيُحْفُونَ
كَثِيرًا)(٢). قال: هم يهودُ الذين يُبْدُونها ويُخْفُون كثيرًا. قال: وقولُه: ﴿وَعُلِّمْتُم
مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنْتُمْ وَلَآ ءَبَاؤُكُمْ﴾. قال: هذه للمسلمين(١).
حدَّثْنى المثنى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال : ثنى معاويةُ ، عن عليّ بنِ أبی
طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهٍِ﴾ . قال: هم الكفارُ، لم
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٤٢/٤ (٧٥٩٣، ٧٥٩٥، ٧٥٩٦) من طريق أبى صالح به .
(٢) قراءة ابن كثير وأبى عمرو بالغيب فى الأفعال الثلاثة ، وقراءة الباقين بتاء الخطاب فيهن جميعًا. وينظر
الكشف عن وجوه القراءات السبع ١/ ٤٤٠.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٤١/٤، ١٣٤٣ (٧٥٩٢، ٧٦٠٦) مقتصرا على أوله وآخره من
طريق حجاج به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩/٣ إلى أبى الشيخ .
٣٩٧
سورة الأنعام : الآية ٩١
يُؤْمِنوا بقدرةِ اللَّهِ عليهم، فمَن آمَن أن اللَّهَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، فقد قدَر اللَّهَ حقَّ
قَدْرِهِ، ومَن لم يُؤْمِنْ بذلك فلم يَقْدُرِ اللَّهَ حقَّ قدرِه (١) .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحِ، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ فَدْرِهٍِ﴾. يقولُ: مُشْرِ كو قريشٍ".
وأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ فى تأويلِ ذلك قولُ مَن قال: عُنى بذلك: ﴿ وَمَا
قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهٍِ ﴾. مُشْركو قريشٍ. وذلك أن ذلك فى سياقِ الخبرِ عنهم أولًا ،
فأن يكونَ ذلك أيضًا خبرًا عنهم ، أشبهُ مِن أن يَكونَ خبرًا عن اليهودِ ولمّاً يَجْرِ لهم
ذكرٌ يكونُ هذا به متصلًا، مع ما فى الخبرِ عمَّن أُخْبَر اللَّهُ عنه فى هذه الآيةِ مِن إنكارِه
أن يكونَ اللَّهُ أَنْزَل على بشرٍ شيئًا مِن الكتبِ، وليس ذلك مما تَدِينُ به اليهودُ ، بل
المعروفُ مِن دينِ اليهودِ الإقرارُ بصُحُفِ إبراهيم وموسى وزَبورِ داودَ ، وإذا لم يَكُنْ بما
رُوِى مِن الخبرِ ، بأن قائلَ ذلك كان رجلاً مِن اليهودِ، خبرٌ صحيحٌ متصلُ السندِ ،
ولا كان على أن ذلك كان كذلك مِن أهلِ التأويلِ إجمائٌ، وكان الخبرُ مِن
أول السورةِ ومُبْتَدَئِها إلى هذا الموضع خبرًا عن المشركين مِن عبَدةِ الأوثانِ،
وكان / قولُه: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ موصولاً بذلك غيرَ مفصولٍ منه ، لم
يَجُزْ لنا أن نَدَّعِىَ أن ذلك مصروفٌ عما هو به موصولٌ ، إلا بحجةٍ يَجِبُ التسليمُ لها
مِن خبرٍ أو عقلٍ .
٢٦٩/٧
ولكنى أَظُنُّ أن الذين تأوَّلوا ذلك خبرًا عن اليهودِ، وجَدوا قولَه: (قُلْ مَن أَنْزَل
الكتابَ الذى جاء به موسى نورًا وهدى للناسِ يَجْعَلونه قَراطِيسَ يُنْذُونها ويُخْفُون
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٤١/٤ (٧٥٨٦) من طريق أبى صالح به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٤١/٤ (٧٥٨٧) من طريق أبي حذيفة به .
٣٩٨
سورة الأنعام : الآية ٩١
كثيرًا وعُلِّمْتُم ما لم تَعْلَموا أنتم ولا آباؤكم) فوجّهوا تأويلَ ذلك إلى أنه لأهل
التوراةِ ، فقرَهُوه على وجهِ الخطابِ لهم: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًاً
وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنْتُمْ وَلَ ءَابَاؤُكُمْ﴾ فجعَلوا ابتداءَ الآيةِ خبرًا عنهم، إذ كانت
خاتمتُها خطابًا لهم عندَهم . وغيرُ ذلك مِن التأويلِ والقراءةِ أشبهُ بالتنزيلِ ؛ لِمَاَ وصَفْتُ
قبلُ مِن أن قوله: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهٍِ﴾. فى سياقِ الخبرِ عن مُشْرِكى العربِ
وعَبَدةِ الأوثانِ ، وهو به متصلٌ ، فالأولى أن يَكونَ ذلك خبرًا عنهم .
والأصوبُ مِن القراءةِ فى قوله: (يَجْعَلونه قَراطيسَ يُتْدُونها ويُحْفُون كثيرًا).
أن يَكونَ بالياءِ لا بالتاءِ، على معنى أن اليهودَ يَجْعَلونه قراطيسَ يُبْدُونها ويُخْفُون
كثيرًا، ويَكونَ الخطابُ بقولِه: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ اُلْكِتَبَ﴾ لمُشْركِى قريشٍ، وهذا هو
المعنى الذى قصّده مجاهدٌ إن شاء اللَّهُ فى تأويل ذلك، وكذلك كان يَقْرَأُ .
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن أيوبَ ،
عن مجاهدٍ أنه كان يَقْرَأَ هذا الحرفَ : ( يَجْعَلونه قَراطِيسَ يُئِدُونها ويُخْفُون
كثيرًا) .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ قُلٌ مَنْ أَنزَلَ اُلْكِتَبَ الَّذِى جَآءَ بِهِ، مُوسَى نُورًا وَهُدَّى
لْلِنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ فَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَله: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لُشْرِكی قومِك القائلين
لك: ﴿مَآ أَنَزَلَ اَللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّنْ شَىْرٌ﴾: ﴿ مَنْ أَنَزَلَ اَلْكِتَبَ الَّذِى جَآءَ بِهِ، مُوسَى
نُورًا﴾. يعنى: جَلاءُ وضِياءً مِن ظُلْمةِ الضَّلالةِ، ﴿ وَهُدِّى لِلِنَّاسِ﴾. يقولُ: بيانًا
للناسِ، يُبَيِّنُ لهم به الحقَّ مِن الباطلِ، فيما أشْكَل عليهم مِن أمرٍ دينهم، (يَجْعَلونه
قَرَاطِيسَ يُتْدُونها ) .
فمَن قَرَأْ ذلك: ﴿ تَجْعَلُونَهُ﴾ جعَله خطابًا لليهودِ، على ما بيَّنْتُ مِن تأويل مَن
٣٩٩
سورة الأنعام : الآية ٩١
تَأَوَّل ذلك كذلك. ومَن قرَأَه بالياءِ : (يَجْعَلونه) فتأويلُه فى قراءتِه : يَجْعَلُهُ أهلُه
قَراطیسَ .
وجرَى الكلامُ فى (يُنْدونها) بذكرِ القراطيسِ، والمرادُ منه المكتوبُ فى
القَراطيسِ . يُرادُ: يُتِدون كثيرًا مما يَكْتُبون فى القراطيسِ فيُظْهِرونه للناسِ، ويُخْفُون
كثيرًا مما يُثْبِتونه فى القَراطيسِ فِيُسِرُونه ويَكْتُمونه الناسَ .
ومما كانوا يَكْتُمونه إياهم ما فيها مِن أمرٍ محمدٍ عَلِ ونبوتِه .
كالذى حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةً، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى
تَجيحِ، عن مجاهدٍ: (قَراطيسَ يُئدونها ويُخْفون كثيرًا). اليهودُ(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ ، عن
عكرمةً : قلْ یا محمدُ : ( مَن اثْزَل الكتابَ الذى جاء به موسی نورًا وھدی للناسِ
يَجْعَلونه قَراطيسَ يُبْدُونها). / يعنى يهودَ؛ لِمَا أَظْهَروا مِن التوراة، (ويُخْفُون(٢)
كثيرًا) مما أحْفَوْا مِن ذكرٍ محمدٍ عَّه وما أُنْزِل عليه. قال ابنُ جُرَيْج: وقال عبدُ اللَّهِ
ابنُ كثيرٍ : إنه سمِع مجاهدًا يقولُ: (يَجْعَلونه قَراطيسَ يُبْدُونها ويُخْفون كثيرًا ) .
قال : هم يهودُ الذين يُبْدُونها ويُخْفون كثيرًا .
٢٧٠/٧
[٧٧٥/١و] القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنْتُمْ وَلَآ ءَابَاؤُكُمْ قُّلِ
اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه: وعلَّمَكم اللَّهُ جلَّ ثناؤه بالكتابِ(٢) الذى أَنْزَله إليكم ﴿ مَّا
لَمْ تَعْلَمُواْ أَنْتُمْ﴾ مِن أخبارِ مَن قبلَكم، ومِن أنباءِ مَن بعدَكم، وما هو كائنٌ فى
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٤٣/٤ (٧٦٠٢) من طريق أنى حذيفة به .
(٢) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((يظهرون)).
(٣) فى النسخ: (( الكتاب )).
٤٠٠
سورة الأنعام : الآية ٩١
مَعادِكم يومَ القيامةِ، ﴿ وَلَآَ ءَابَاؤُكُمْ﴾. يقولُ: ولم يَعْلَمْه آباؤكم أيُّها المؤمنون
باللَّهِ مِن العربِ وبرسولِه ◌َلِّ .
كالذى حدَّثنى المثنى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ ، قال: ثنا حمادٌ ، عن
أيوبَ، عن مجاهدٍ: ﴿ وَعُلِّمْتُمْ﴾ معشرَ العربِ ﴿مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنْتُمْ وَلَآَ
ءَابَاؤُكُمْ﴾(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُرَيْج، قال :
قال عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ: إنه سمِع مُجاهدًا يقولُ فى قولِهِ: ﴿ وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنْتُمْ
وَلََّ ءَابَآؤُكُمْ﴾. قال: هذه للمسلمين(١).
وأما قولُه: ﴿ قُلِ اللَّهُ﴾. فإنه أمرٌ مِن اللّهِ جلَّ ثناؤه نبيّه محمدًا عَ لَّهِ أَن يُجِيبَ
استفهامَه هؤلاء المشركين عما أمَرَه باستفهامِهم عنه بقولِه: (قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الكتابَ
الذى جاء به موسى نورًا وهدى للناسِ يَجْعَلُونه قراطيسَ يُبْدُونَها وَيُخْفُونَ كثيرًا ) .
بقيله: ﴿اللّهُ﴾. كأمرِه إياه فى موضعٍ آخَرَ فى هذه السورةِ بقوله: (قُل مَن
يُنَجيكُم مِن ظُلُماتِ البرِ والبحرِ تدعُونَهُ تَضَرُعًا وخفيةً لِئِنْ أَنْجَنَا(٣) من هذهِ لَنْكُونَنَّ
مِنَ الشاكرين) [الأنعام: ٦٣] فأمَرَه باستفهامِ المشركين عن ذلك، كما أمَرَه
باستفامِهم إذا قالوا: ﴿مَآ أَنَزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَىْءٌ ﴾ عمَّن أَنْزَل الكتابَ الذى جاء
به موسى ، نورًا وهدّى للناسِ، ثم أمَرَه بالإجابةِ عنه هنالك بقيلِه: ﴿قُلِ اَللَّهُ يُنَجِّكُمْ
مِنْهَا وَمِن كُلِ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٦٤]. كما أمَرَه بالإجابةِ ههنا عن ذلك
بقيلِه : اللَّهُ أَنْزَلَه على موسى .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩/٣ إلى عبد بن حميد وابن أبى شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.
(٢) تقدم تخريجه فى ص ٣٩٦ .
(٣) فى م: ((أنجانا)). وهما قراءتان . كما تقدم فى ص ٢٩٤.