Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
سورة الأنعام : الآية ١٩
وَبَيْنَكُمْ ﴾
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَ لَّهِ: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لهؤلاء المشركين الذين
يُكَذِّبونك ويَجْحَدون نبؤَّتَك مِن قومِك: أىُّ شىءٍ أعظمُ شهادةً وأكبرُ؟ ثم أُخْبِرْهم
بأن أكبرَ الأشياءِ شهادةً اللَّهُ الذى لا يَجوزُ أن يَقَعَ فى شهادتِهِ ما يَجوزُ أن يقعَ
فى شهادةٍ (١) غيرِهِ مِن خلقِه؛ مِن السهوِ والخطاً والغلطِ والكذبِ . ثم قلْ لهم:
إن / الذى هو أكبرُ الأشياءِ شهادةً ﴿شَهِيدٌ بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ﴾ بالمحقٌّ منا مِن المُبْطِلِ،
والرّشيدِ منا - فى فعلِه وقولِه - مِن السفيهِ، وقد رضِينا به حَكَمًا بينَنا .
١٦٢/٧
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال جماعةُ أهلِ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
تَجِيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿أَُّ شَىْءٍ أَكْبُرُ شَهَدَةٌ﴾. قال: أُمِر محمدٌ أن
يَشْأَلَ قريشًا، ثم أُمِرِ أن يُخْبِرَهم فيقولَ: ﴿اللَّهُ شَهِيدُ بَيِ وَبَيْتَكُمْ﴾(١).
حدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن
مُجاهدٍ نحوَه .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَأُوْحِىَ إِلَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَّكُمْ بِهِ، وَمَنْ بَلَغَ﴾ .
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ ◌َّهِ: قلْ لهؤلاء المشركين الذين يُكَذِّبونك:
(١) سقط من: م.
(٢) تفسير مجاهد ص ٣٢٠. ومن طريقه أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٧١/٤ (٧١٥٩، ٧١٦٠)،
والبيهقى فى الأسماء والصفات (٦١٤)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧/٣ إلى آدم بن أبى إياس وابن أبى
شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ .

١٨٢
سورة الأنعام : الآية ١٩
﴿اللّهُ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ ﴿وَأُوْحِىَ إِلَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَكُم بِهِ﴾ عقابَه، وأُنْذِرَ به مَن
بلَغه مِن سائرِ الناسِ غيرِكم، إن لم يَنْتَهِ إلى العملِ بما فيه، وتحليلٍ حلالِه، وتحريمٍ
حرامِهِ ، والإيمانِ بجميعِه - نزولَ نقمةِ اللَّهِ به .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَىُّ شَىْءٍ أَكْبُرُ
شَكَة ◌ُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوْحِىَ إِلَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأَنْذِرَّكُمْ بِهِ، وَمَنْ بَغْ﴾: ذُكِر لنا
أن نبيَّ اللَّهِ مَ لِ كان يقولُ: ((يا أيُّها الناسُ، بَلِّغوا ولو آيةً مِن كتابِ اللَّهِ، فإِنه مَن
بلَغْه آيةٌ مِن كتابِ اللَّهِ فقد بلغه أمرُ اللَّهِ؛ (١أخَذه أو تركه))(٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ فى قولِه: ﴿ لِأُنْذِرَّكُمْ بِهِ، وَمَنْ بَغُ﴾: أن النبيَّ عَّ الٍَّ قال: ((بَلِّغُوا عن اللَّهِ، فمَن
بلَغَه آيةٌ مِن كتابِ اللَّهِ ، فقد بلَغه أمرُ اللَّهِ))(٣).
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ وكيع، [٧٤٧/١و] قال: ثنا أبى، عن
موسى بنِ عُبيدةَ، عن محمدِ بنِ كعبِ القُّرَظِىِّ: ﴿لِأُنْذِرَّكُمْ بِهِ، وَمَنْ بَلَغَ﴾. قال: مَن
بَلَغه القرآنُ فكأنما رأَى النبىَّ مَّهِ، ثم قرأ: ﴿وَمَنْ بَغَّ أَبِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ﴾(٤).
(١ - ١) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((أخذه أو تاركه))، وفى الدر المنثور: ((أخذها أو تركها)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧/٣ إلى المصنف وأبى الشيخ من طريق قتادة عن الحسن.
(٣) تفسير عبد الرزاق ٢٠٥/١. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسير ١٢٧٢/٤ (٧١٦٦) عن الحسن بن يحيى
به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧/٣ إلى عبد بن حميد.
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٦٨/١٠ (١٠٠٠٧) عن وكيع به بلفظ: من قرأ. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره
١٢٧١/٤ (٧١٦٥)، من طريق وكيع وأبى أسامة وأبى خالد به، بزيادة: وكلمة. فى حديث أبى خالد.
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧/٣ إلى ابن الضريس وابن المنذر وأبى الشيخ.

١٨٣
سورة الأنعام : الآية ١٩
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا حميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ ، عن حسنٍ بنٍ صالحٍ ، قال :
سأَلْتُ ليثًا : هل بقِى أحدٌ لم تَبْلُغْه الدعوةُ؟ قال: كان مجاهدٌ يقولُ : حيثما يَأْتی
القرآنُ فهو داعٍ، وهو نذيرٌ. ثم قرأ: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ، وَمَنْ بَلَغُّ أَبِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ﴾ (١).
ا حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنٍ أبى ١٦٣/٧
نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ وَمَنْ يَغْ﴾: مَن أسلَم ( مِن العجَمِ) وغيرِهم().
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نجيح، عن
مجاهدٍ مثلَه .
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا خالدُ بنُ يَزِيدَ، قال: ثنا أبو مَعْشَرٍ،
عن محمدٍ بنِ كعبٍ فى قوله: ﴿لِأُنْذِرَّكُمْ بِهِ، وَمَنْ بَغُ﴾. قال: مَن بلَغه القرآنُ فقد
أَبْلَغْه محمدٌ عَهٍ(٤).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَأُوْحِىَ إِلَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ،﴾
يعنى أهلَ مكةً، ﴿ وَمَنْ بَلَغْ﴾: يعنى: ومَن بلَغه هذا القرآنُ فهو له نذيرٌ .
حدَّثنا يونُسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: سمِعْتُ سفيانَ الثورىَّ يُحَدِّثُ ،
لا أَعْلَمُه إلا عن مجاهدٍ أنه قال فى قولِه: ﴿ وَأُوْحِىَ إِلَىَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَّكُمْ بِهِ﴾:
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧/٣ إلى المصنف وأبى الشيخ.
(٢ - ٢) فى تفسير ابن أبى حاتم: ((من العرب والعجم)).
(٣) تفسير مجاهد ص ٣٢٠، ومن طريقه أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٧١/٤ (٧١٦٤)، والبيهقى فى
الأسماء والصفات (٥٩٥) .
(٤) تفسير مجاهد ص ٣٢٠، وأخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٨٧٠ تفسير) من طريق أبى معشر به .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٧١/٤ (٧١٦٣)، والبيهقى فى الأسماء والصفات (٥٩٤) من طريق
عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧/٣ إلى ابن المنذر.

١٨٤
سورة الأنعام : الآية ١٩
العربُ، ﴿وَمَنْ بَغُ﴾: العجمُ(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال : ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿لِأُنْذِرَّكُمْ بِهِ، وَمَنْ بَغْ﴾: أما: ﴿ مَنْ بَغْ﴾، فمَن بلَغه القرآنُ فهو له
نذيرٌ.
حدّثنی یونُسُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : قال ابنُ زیدٍ فی
قوله: ﴿وَأُوِْىَ إِلَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ، وَمَنْ بَلَغَ﴾. قال: يقولُ: مَن بلَغه هذا
القرآنُ فأنا نذيرُه. وقرَأ: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِ رَسُولُ الَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾
[الأعراف: ١٥٨]. قال: فمَن بلَغه القرآنُ، فرسولُ اللَّهِ صَ لِّ نَذِيرُه.
فمعنى هذا الكلامِ: لِأُنْذِرَكم بالقرآنِ أيُّها المشركون، وأُنْذِرَ مَن بلَغه القرآنُ
مِن الناسِ كلِّهم.
و﴿ مَنْ﴾ فى موضعِ نصبٍ بوقوعِ ((أُنْذِر)) عليه، و﴿بَلَغُّ ﴾ فى صلتِهِ،
وأُسْقِطَت الهاءُ العائدةُ على ﴿مَنْ﴾ فى قوله: ﴿بَلَغَ ﴾ . لاستعمالِ العربِ ذلك
فى صلاتٍ ((من)) و ((ما)) و ((الذى)).
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ أَبِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَى قُل لَّ أَشْهَدُ
١٩
قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهُ وَحِدٌ وَإِنَِّ بَرِىٌّ مِمَا تُشْرِكُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَّ له: قلْ لهؤلاء المشركين الجاحِدِين نبوتَك،
العادِلين باللّهِ ربًّا غيرَه: ﴿أَبِتَّكُمْ﴾ أيُّها المشركون، ﴿لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ ءَالِهَةِ
أُخْرَى﴾. يقولُ: تَشْهَدون أن معه مَعْبوداتٍ غيرَه، مِن الأوثانِ والأصنامِ .
(١) تفسير سفيان ص ١٠٦. وأخرج أوله ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٧١/٤ (٧١٦٢) عن يونس به . وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٧/٣ إلى آدم بن أبى إياس وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.

١٨٥
سورة الأنعام : الآية ١٩
وقال: ﴿أُخْرَى﴾. ولم يَقُلْ: أُخَرَ. والآلهةُ جمعٌ؛ لأن الجموعَ يَلْحَقُها
التأنيثُ، كما قال تعالى: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ [ طه: ٥١]. ولم يَقُلِ: الأُوَلِ .
ولا : الأوَّلين .
ثم قال لنبيّه محمدٍ مَ له: قل يا محمدُ: ﴿لََّ أَشْهَدُ﴾ بما تَشْهَدون أن مع اللَّهِ
آلهةٌ أخرى، بل أَنْحَدُ ذلك وأَنْكِرُه، ﴿ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَحِدٌ﴾ . يقولُ: إنما هو معبودٌ
واحدٌ ، لا شَريكَ له فيما يَسْتَوْجِبُ على خلقِهِ مِن العبادةِ، ﴿ وَإِنَِّ بَرِىٌّ عِماً
تُشْرِكُونَ﴾. يقولُ: قل: وإننى برىءٌ مِن كلِّ شريكٍ تَدَّعُونه للَّهِ، وتُضِيفونه إلى
شَرِكِتِهِ ، وتَعْبُدونه / معه، لا أَعْبُدُ سوى اللَّهِ شيئًا، ولا أَدْعُو غيرَه إلهًا .
١٦٤/٧
وقد ذُكِر أن هذه الآيةَ نَزَلَت فى قومٍ مِن اليهودِ بأعْيانِهم، مِن وَجْهٍ لم تَثْبُتْ
صحته .
وذلك ما حدَّثنا به هَنَّدُ بنُ السَّرِىِّ وأبو كُرَيبٍ، قالا: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ،
قال : ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ ، قال : ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ ،
قال : ثنى سعيدُ بنُ جبيرٍ ، أو ◌ِكْرمةُ، عن ابنِ عباسٍ ، قال: جاء النَّخَّامُ بنُ زيدٍ ،
وقَرْدَمُ بنُ كعبٍ، وبَخْرِىُّ (١ بنُ عَمْرِو (٢) ، فقالوا: يا محمدُ ، ما تَعْلَمُ مع اللَّهِ إلها
غيرَه؟ فقال رسولُ اللَّهِ بِّهِ: (( لا إلهَ إلا اللَّهُ، بذلك يُعِثْتُ، وإلى ذلك أَدْعُو)).
فأنزل اللَّهُ تعالى فيهم وفى قولهم: ﴿قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبُرُ شَهَدَةٌ قُلِ اللّهُ شَهِيدٌ بَيْنِ
وَبَيْنَكُمْ﴾. إلى قولِه: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾(١).
(١) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: (( يحيى)) ..
(٢) فى النسخ: ((عمير)). والمثبت من مصادر التخريج.
(٣) سيرة ابن هشام ١ / ٥٦٨. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٧٢/٤ (٧١٦٨) من طريق سلمة عن ابن
إسحاق عن محمد بن أبى محمد من قوله. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧/٣ إلى ابن إسحاق وابن المنذر
وأبى الشيخ .

١٨٦
سورة الأنعام : الآية ٢٠
القولُ فى تأويل قولِه: ﴿ الَّذِينَ ءَاتَّيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَ هُمُ
الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (
٠
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ﴾: التوراةَ والإنجيلَ، يَعْرِفون
أنما هو إلهٌ واحدٌ ، لا جماعةُ الآلهةِ، وأن محمدًا نبىٌّ مبعوثٌ، ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ
أَبَءَ هُمُّ ﴾
وقولُه: ﴿ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ﴾. مِن نعتِ ﴿ الَّذِينَ﴾ الأُولى.
ويعنى بقوله: ﴿ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ﴾: أهْلَكُوها وأوْبَقوها(١) فى نارٍ جهنمَ،
بإنكارِهم محمدًا أنه للَّهِ رسولٌ مُرسَلٌ، وهم بحقيقةِ ذلك عارِفون، ﴿فَهُمْ لَا
يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: فهم بخَسارتِهم بذلك أنفسَهم لا يُؤْمِنون .
وقد قيل: إن معنى خَسارتِهم أنفسَهم، أن كلَّ عبدٍ له منزلٌ فى الجنةِ ومنزلٌ فى
النارِ ، فإذا كان يومُ القيامةِ جعَل اللَّهُ لأهلِ الجنةِ منازلَ أهلِ النارِ فى الجنةِ، وجعَل
لأهلِ النارِ مَنازلَ أهلِ الجنةِ فى النارِ ، فذلك خُشْرانُ الخاسرِين منهم ؛ لبَيْعِهم منازلَهم
مِن النارِ بمنازلِ أهلِ الجنةِ مِن النارِ، بما فرَط منهم فى الدنيا؛ مِن معصيتهم اللَّهَ ،
وظلمِهم أنفسَهم، وذلك معنى قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ اُلْفِرْدَوْسَ
هُمْ فِيَهَا خَالِدُونَ﴾(١) [ المؤمنون:
وبنحوِ ما قلنا فى معنى قولِه: ﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ
أَبْنَءَ هُمُ﴾ . قال أهلُ التأويلِ .
(١) فى م: ((ألقوها)).
(٢) ذكر هذا القول الفراء فى معانى القرآن ٣٢٩/١، وما سيذكره المصنف فى تفسير هذه الآية فى موضعه من
التفسير .

١٨٧
سورة الأنعام : الآية ٢٠
ذكرُ مَن قال ذلك
[٧٤٧/١ظ] حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ
قولَه: ﴿الَّذِينَ ءَاتَّيْتَهُمُ اَلْكِتَبَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَ هُمُ ﴾: يَعْرِفون أن
الإسلامَ دينُ اللَّهِ، وأن محمدًا رسولُ اللهِ ، يَجِدُونه مكتوبًا عندَهم فى التوراةِ
(١)
والإنجيلِ(١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبرَنا عبدُ الرزاقٍ ، عن مَعْمَرٍ ، عن قتادةً فى
قولِهِ: ﴿الَّذِينَ ءَاتَّيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْرِفُونَهُ، كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَ هُمُ ﴾ : النصارى واليهودُ ،
يَعْرِفون رسولَ اللَّهِ فى كتابِهم، كما يَعْرِفون أبناءَهم(١).
/حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباط ، عن ١٦٥/٧
السدىِّ: ﴿ الَّذِينَ ءَآتَيْتَهُمُ الْكِتَبَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبَاءَ هُمُّ ﴾(٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُرَيج قولَه :
﴿الَّذِينَ ءَاتَّيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَءَ هُمُ﴾: يعنى النبيَّ عَلِ. قال:
زَعَم أهلُ المدينةِ عن (٤) أهلِ الكتابِ ممن أسلَم أنهم قالوا: واللَّهِ لَنحن أعرفُ به مِن
أبنائنا ، مِن أجلِ الصفةِ والنعتِ الذى تَجِدُه فى الكتابِ ، وأَمَّ أبناؤنا فلا نَذْرِى ما أَحْدَثَ
النساءُ .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسير ١٢٧٣/٤ (٧١٧٢) من طريق يزيد به.
(٢) تفسير عبد الرزاق ٢٠٦/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٧٢/٤ (٧١٦٩، ٧١٧٠) عن الحسن
ابن یحیی به .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨/٣ إلى أبى الشيخ وحده ، وفيه: قال: يعنى يعرفون النبى كما يعرفون
أبناءهم؛ لأن نعته معهم فى التوراة، ﴿الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون﴾ لأنهم كفروا به بعد المعرفة .
(٤) فى ص، ت١، ت٣، س: ((من).

١٨٨
سورة الأنعام : الآيتان ٢٢،٢١
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اُفْتَرَى عَلَى اَللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِثَايَتِهَّ إِنَّهُ
لَا يُفْلِحُ اَلَّلِمُونَ(
٢١
يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن أشدُّ اعتداءً، وأخطأً فعلًا، وأُخْطَلُ قولًا، ﴿مِقَنِ
اُفْتَرَ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾؟ يعنى: ممن اختَلَق (١) على اللَّهِ قيلَ باطلٍ، واختَرَق (١) مِن نفسِه
عليه كذبًا ، فزعَم أن له شريكًا مِن خلقِه ، وإلهًا يُعْبَدُ مِن دونِه - كما قاله المشركون
مِن عَبَدةِ الأوثانِ - أو ادَّعى له ولدًا أو صاحبةً، كما قالته النصارى، ﴿ أَوْ كَذَّبَ
◌َِايَتِيَّهِ﴾. يقولُ: أو كذَّب بحجَجِه وأعلامِه وأدلته التى أعطاها رسلَه على
حقيقةٍ " نبوتِها، كما) كذَّبَت بها اليهودُ، ﴿إِنَُّ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾. يقولُ:
إنه لا يُنْجِعُ(٢) القائلون على اللَّهِ الباطلَ، ولا يُدْرِكون البقاءَ فى الجنانِ، والمُفْتَرون
عليه الكذبَ ، والجاحِدون بنبوةٍ أنبيائه .
القولُ فى تأويلٍ قوله: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَّكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمْ
الَّذِينَ كُمْ تَزْعُمُونَ
٢٢
يقولُ تعالى ذكرُه : إن هؤلاء المُفْتَرِين على اللَّهِ كذبًا، والمُكَذِّبين بآياتِهِ ، لا
يُفْلِحون اليومَ فى الدنيا ، ولا ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾. يعنى: ولا فى الآخرةِ. ففى
الكلامِ محذوفٌ قد استُغْنى بذكرٍ ما ظهَر عما مُذِف .
وتأويلُ الكلامِ : إنه لا يُفْلِحُ الظالمون اليومَ فى الدنيا ويومَ نَحْشُرُهم جميعًا .
فقولُه: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾. مَرْدودٌ على المرادِ فى الكلام؛ لأنه وإن كان
(١) اختلق واخترق: ابتدع الكذب. انظر اللسان (خ ر ق)، (خ ل ق).
1
(٢ - ٢) فى م: (( نبوتهم)).
(٣) فى ص، ت ١: ((يصح))، وفى م، ت٢، ت٣، س: ((يفلح)). والمثبت كما تقدم فى تفسير المصنف
للفلاح، انظر ٢٥٦/١، ٢٨١/٣، ٣٣٧/٦ وغيرها .

١٨٩
سورة الأنعام : الآيتان ٢٢، ٢٣
محذوفًا منه، فكأنه فيه ، لمعرفةِ السامِعِين بمعناه .
ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ﴾. يقولُ: ثم نقولُ إذا حشَرْنا هؤلاء
المُفْتَرِين على اللَّهِ الكذبَ، بادِّعائِهم له فى سلطانِه شريكًا ، والمكذِّبين بآياتِه ورسلِه ،
فجمَعْنا جميعَهم يومَ القيامةِ: ﴿ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ أنهم لكم آلهةٌ
مِن دونِ اللَّهِ؛ افتراءً وكذبًا ، وتَدْعُونهم مِن دونِه أربابًا فَأَتُوا بهم إن كنتم صادقين !
/القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ثُمَّ لَمَّ تَكُنْ فِتْنَئُهُمْ إِلََّ أَنْ قَالُواْ وَلَّهِ رَيْنَا مَا كُنَّ ١٦٦/٧
٢٣
مُشْرِكِينَ(
يقولُ تعالى ذكره: ثم لم يَكُنْ قولُهم إذ قلنا لهم: ﴿ أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ
تَزْعُمُونَ﴾؟ إجابةٌ منهم لنا عن سؤالنا إياهم ذلك إذ فتَنَّهم فاخْتَبَزْناهم، ﴿ إِلََّ أَنْ
قَالُواْ وَاللَّهِ رَيْنَا مَا كُنَا مُشْرِكِينَ﴾. كذبًا منهم فى أَيمانِهم على قيلهم ذلك.
ثم اختَلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه جماعةٌ مِن قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ
الكُوفيين: (ثم لم تَكُنْ فِئَتَهم)(١). بالنصبِ(٢)، بمعنى: لم يَكْنِ اختبارَناهم(٣) إلا
قيلُهم: ﴿ وَاللَّهِ رَيِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، غيرَ أنهم كانوا (*) يَقْرَءون: (تكن). بالتاءِ
على التأنيثِ ، وإن كانت للقولِ لا للفتنةِ؛ لمجاورتها الفتنةَ وهى خبرٌ. وذلك عندَ
أهلِ العربيةِ شاذٍّ غيرُ فَصيح فى الكلام. وقد رُوِى بيتٌ للَبيدِ بنحوِ ذلك، وهو
قولُه(٦) :
(١) بعده فى ص، ت١، ت٢، س: ((بالياء)).
(٢) وهذه قراءة نافع وأبى عمرو، وعاصم فى رواية أبى بكر وفى رواية عن ابن كثير. السبعة لابن مجاهد
ص٢٥٥.
(٣) فى م: ((اختبارنا لهم)).
(٤) سقط من: م .
(٥) فى م: (( لمجاورته )).
(٦) شرح ديوان لبيد ص ٣٠٦.

١٩٠
سورة الأنعام : الآية ٢٣
فمضَى وقدَّمَها وكانت عادةً منه إذا هى عرَّدَتْ(١) إِقْدامُها
" فقال: وكانت. بتأنيثِ " الإقدام؛ لمجاورتِها(١) قولَه: عادةً.
وقرَأ ذلك جماعةٌ مِن قرأةِ الكُوفيين: (ثم لم يَكُنْ). بالياءِ ، (فِتْنَتَهم).
بالنصبِ ﴿ إِلَّ أَنْ قَالُواْ﴾. بنحوِ المعنى الذى قصَده الآخرون الذين ذكَوْنا
قراءتَهم، غيرَ أنهم ذكّروا (يَكونُ) لتذكيرِ (أن)(4) .
وهذه القراءةُ عندَنا أولى القراءتين بالصوابِ ؛ لأَن ((أن)) أثبتُ فى المعرفةِ مِن
الفتنة .
واختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ قولِه: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَهُهُمْ﴾ ؛ فقال بعضُهم:
معناه : ثم لم يكنْ قولُهم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أُخْبرَنا عبدُ الرزاقٍ ، قال: أخبرنا معمرٌ، قال :
قال قتادةُ فى قوله: ﴿ ثُمَّ لَمَّ تَكُنْ فِتْنَهُهُمْ﴾. قال: مقالتُهم . قال معمرٌ: وسمِعْتُ
غيرَ قتادةً يقولُ : معذرتُهم(٥) .
(١) عردت: فرّت. اللسان (ع ر د).
(٢ - ٢) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((وإن كانت وهى)).
(٣) وهذه قراءة حمزة والكسائى ولم يذكر المصنف قراءة من قرأ ﴿ثم لم تكن﴾ بالتاء (فِتْتَتُهم)
بالرفع. وهى قراءة ابن عامر، وعاصم فى رواية حفص، ورواية عن ابن كثير. المصدر السابق. وانظر
ما تقدم فى ١٢٢/٦.
(٤) قال أبو حيان فى البحر المحيط ٩٥/٤ عن توجيه هذه القراءة: لأن ((أن)) مع ما بعدها
أجريت فى التعريف مجرى المضمر. وقال قبل ذلك فى ٨٧/٤: وقد تقدم لنا غير مرة أنا لا نرجح
بين القراءتين المتواترتين .
(٥) تفسير عبد الرزاق ٢٠٦/١.

١٩١
سورة الأنعام : الآية ٢٣
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ ، عن ابنٍ مُرَيْج، عن
عطاءٍ الْخُراسانىٌّ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَهُهُمْ﴾. قال: قولُهم(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى، قال: ثنى عمى ، قال: ثنى أبى ، عن
أبيه ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَئُهُمْ إِلََّ أَنْ قَالُواْ﴾ الآية: فهو كلامُهم،
قالوا: ﴿ وَلَّهِ رَيِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ .
١٦٧/٧
/حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرج ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ يقولُ :
ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ ، قال سمِعْتُ الضحاكَ: ﴿ ثُمَّ لَمَ تَكُنْ فِتْنَهُهُمْ﴾: يعنى
(٢)
کلامهم .
وقال آخرون : معنى ذلك معذرتُهم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارِ وابنُ المثنى، قالا : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال : ثنا شعبةُ، عن
قتادةَ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَُهُمْ﴾. قال: معذرتُهم(١) .
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ
فِتْنَئُهُمْ إِلَّ أَن قَالُواْ [٧٤٨/١ و] وَلَّهِ رَيْنَا مَا كُنَا مُشْرِكِينَ﴾. يقولُ: اعتذارُهم بالباطلِ
(٤)
والكذب(٤).
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن يُقالَ: معناه: ثم لم يَكُنْ قيلُهم عندَ فتنتِنا
إياهم، اعتذارًا مما سلَف منهم مِن الشركِ باللَّهِ، ﴿إِلََّ أَن قَالُواْ وَاللَّهِ وَيِّنَا مَا كُنَّ
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٧٣/٤ (٧١٧٥) عن عطاء عن ابن عباس معلقا .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٧٤/٤ (٧١٧٩) من طريق أبى معاذ به.
(٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٧٣/٤ عقب الأثر (٧١٧٧) معلقا .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨/٣ إلى عبد بن حميد .

١٩٢
سورة الأنعام : الآيتان ٢٣، ٢٤
مُشْرِكِينَ﴾ فوُضِعَت الفتنةُ موضعَ القولِ؛ لمعرفةِ السامعينِ معنى الكلامِ .
وإنما الفتنةُ الاختبارُ والابتلاءُ، ولكن لما كان الجوابُ مِن القومِ غيرَ واقعٍ هنالك
إلا عندَ الاختبارِ، وُضِعَت الفتنةُ التى هى الاختبارُ موضعَ الخبرِ عن جوابِهِم
ومعذرتهم .
واختَلَفَت القرأةُ أيضًا فى قراءةٍ قولِه: ﴿ وَاللَّهِ رَبِنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾؛ فقرَأ ذلك
عامةُ قرأةِ المدينةِ وبعضُ الكوفيين والبصريين: ﴿ وَاللَّهِ رَبِنَا﴾. خفضًا، على أن الربَّ
نعتٌ للَّهِ .
١٠٠
وقرَأ ذلك جماعةٌ مِن التابعين: (واللَّهِ ربَّنَا). بالنصب، بمعنى: واللَّهِ يا ربَّنا .
وهى قراءةُ عامةٍ قَرَأَةِ أهلِ الكُوفِةِ (١) .
وأولى القراءتين عندى بالصوابٍ(١) فى ذلك قراءةُ من قرأ: ( واللَّهِ رَبَّا ).
بنصبِ الرَّب، بمعنى: يا ربَّنا . وذلك أن هذا جوابٌ من المسئولين المَقُولِ لهم:
﴿ أَيَّنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ ؟ وكان من جوابٍ القوم لربِّهم: واللَّهِ يا ربَّنا ما
کنا مشر کین. فنفوا أن یگونوا قالوا ذلك فى الدنيا .
يقولُ اللَّهُ تعالى ذكرُه لمحمدٍ عِلّهِ: ﴿ أَنْظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ
◌َّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ .
ويعنى بقوله: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾: ما كنا نَدْعُولك شريكًا، ولا نَدْعو(٣) سِواك.
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ أَنْظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ
٢٤
يَفْتَرُونَ
(١) بالنصب قرأ حمزة والكسائى، وقرأ الباقون بالكسر. التيسير ص٨٤ .
(٢) القراءتان كلتاهما صواب .
(٣) بعده فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((لك)).

١٩٣
سورة الأنعام : الآية ٢٤
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَلّهِ: انْظُرْ يا محمدُ، فاعْلَمْ كيف كذَب
هؤلاء المشركون العادِلون بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ فى الآخرةِ عندَ لقاءِ اللَّهِ، على
أنفسِهم بقِيلِهم: واللَّهِ يا ربَّنا ما كنا مشركين. واستَعْمَلوا هنالك الأخلاقَ التى كانوا
بها يَتَخَلَّقون (١) فى الدنيا، من الكذبِ والفِرْيَةِ .
ومعنى النظرِ فى هذا الموضعِ النظرُ بالقلبِ ، لا النظرُ بالبصرِ، وإنما معناه: تَبَيَّنْ
فاعْلَمْ كيف كَذَبوا فى الآخرةِ .
وقال: ﴿كَذَبُواْ﴾. ومعناه: يكذبون؛ لأنه لمّا كان الخبرُ قد مضى فى الآيةِ
قبلَها ، صار كالشىءٍ الذى قد كان وؤُجِدَ .
١٦٨/٧
﴿ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. يقولُ: وفارَقَهم الأندادُ والأصنامُ، / وتَبَُّوا
منها، فسلَكوا غيرَ سبيلِها؛ لأنها هلَكت، وأُعِيدَ(٢) الذين كانوا يَعْبُدونها اجتراءً،
ثم أُخِذوا بما كانوا يَفْتَرونه مِن قِيلِهِم فيها على اللَّهِ، وعبادتهم إياها ، وإشراكِهم إياها
فى سلطانِ اللَّهِ، فضلَّت عنهم ، وعوقِب عابدوها يفزْيَتِهم.
وقد بينًا فيما مضى أن معنى ((الضلالِ)) الأخذُ على غيرِ الهدى(٣) .
وقد ذُكِر أن هؤلاء المشركين يَقُولون هذا القولَ عندَ معاينتِهِم سَعَةَ رحمةِ اللَّهِ
يومئذٍ .
ذكرُ الرواية بذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا حَكَامٌ، قال: ثنا عمرٌو، عن مُطَرِّفٍ، عن المنهالِ
(١) فى ص، ت١، ت٢، ت ٣: ((متخلقون))، وفى م: ((متخلقين)).
(٢) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((عبدوا)).
(٣) ينظر ما تقدم فى ٤١٥/٢، ٤١٦.
( تفسير الطبرى ١٣/٩ )

١٩٤
سورة الأنعام : الآية ٢٤
ابنِ عمرٍو، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: أتى رجلٌ ابنَ عباسٍ فقال: قال اللّهُ: ﴿وَاللَّهِ
رَيِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾). وقال فى آيةٍ أُخرى: ﴿ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء:
٤٢]. قال ابنُ عباس: أما قولُه: ﴿ وَاللَّهِ رَيْنَا مَا كُنَا مُشْرِكِينَ﴾. فإنه لما رَأَوْا أنه لا
يَدْخُلُ الجنةَ إلا أهلُ الإِسلام، فقالوا: تعالَوْا لَتْحَدْ. قالُوا: ﴿وَاللَّهِ رَيْنَا مَا كُنََّ
مُشْرِكِينَ﴾. فختَم اللَّهُ على أفواهِهم، وتكلَّمت أيديهم وأرجلُهم، ﴿ وَلَا يَكْثُمُونَ
اَللَّهَ حَدِيثًا﴾(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى، عن ابنٍ أُبی
تَجِيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿ وَاللَّهِ رَيِّنَامَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. قال: قولُ أهلِ
الشركِ حين رَأَوًا الذنوبَ تُغْفَرُ - ولا يَغْفِرُ اللَّهُ لمشركٍ - ﴿أَنْتُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَ
أَنْفُسِهِمْ ﴾ : بتكذيبِ اللَّهِ إِياهم(٣) .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن
مجاهدٍ بنحوه .
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
علىٍّ بنِ أبي طلحةً، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَلَّهِ رَيْنَ مَا كُنََّ مُشْرِكِينَ﴾ . ثم قال:
﴿ وَلَا يَكْثُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ بجوارِحِهم(٤).
حدَّثنا ابنُّ وكيع، قال ثنا أبى، عن حمزةَ الزياتِ، عن رجلٍ يقالُ له :
هاشمٌ)، عن سعيد بن جبيرٍ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْعَدُهُمْ إِلََّ أَنْ قَالُواْ وَاللَّهِ رَِنَا مَا كُنَّ
(١ - ١) سقط من: ص، ت١، ت٢، ت٣، س.
(٢) تقدم تخريجه فى ٧/ ٤٢.
(٣) تفسير مجاهد ص ٣٢٠، ومن طريقه أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٧٤/٤، ١٢٧٥ (٧١٨٢، ٧١٨٤).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨/٣ إلى المصنف وابن المنذر.
(٥) فى م: ((هشام)). وينظر التاريخ الكبير ٢٣٤/٨.

١٩٥
سورة الأنعام : الآية ٢٤
مُشْرِكِينَ﴾ قال: حَلَفوا وَاغْتَذَروا، قالوا: ﴿ وَاللَّهِ رَبِنَ﴾(١).
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا قَبِيصةُ بنُ عقبةَ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن سعیدِ بنِ جبیٍ ،
قال: أقسموا واعتذروا: ﴿ وَأَلَّهِ رَيْنَا﴾.
حدَّثنَا هَنَّدٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن حمزةَ الزياتِ ، عن رجلٍ يُقالُ له: هاشمٌ(٣)،
عن سعيد بن جبيرٍ بنحوِه .
حدَّثنا هنادٌ ، قال : ثنا أبو معاويةً، عن سفيانَ بنِ زيادِ العُصْفُرىِّ، عن سعيدِ بنِ
جبيرٍ فى قوله: ﴿ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَا مُشْرِكِينَ﴾. قال: لما أُمِرِ بإخراج رجالٍ(٣) مِن(٤)
النارِ مِن أهلِ التوحيدِ، قال مَن فيها من المشركين: تعالَوْا نَقُولُ: لا إلهَ إلا اللَّهُ. لعلنا
نَخْرُجُ مع هؤلاء. قال: فلم يُصَدَّقُوا. قال: فحلَفوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ .
قال: فقال اللَّهُ: ﴿ أَنْتُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ .
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَضَلَ عَنْهُمْ
◌َا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾: أى: يُشْرِكون(٥) .
/حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، [٧٤٨/١ظ] قال: ثنا المنهالُ بنُ عمرو، ١٦٩/٧
عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ . قال: لما
رأى المشركون أنه لا يَدْخُلُ الجنةَ إلا مسلمٌ، قالوا: تعالَوْا إذا سُئِلِناً قلنا: ﴿وَاللَّهِ رَيِّنَا
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٧٤/٤ (٧١٨٣) من طريق حمزة الزيات به . وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٨/٣ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ .
(٢) سقط من: س، وفى ص، م، ت١، ت٢، ت ٣: (( هشام)).
(٣) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((رجل)).
(٤) بعده فى ت١، ت٢، ت٣، س: (( أهل)).
(٥) بعده فى م، والدر المنثور ٨/٣: ((به)).
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٧٥/٤ (٧١٨٧) من طريق يزيد به. وهو فى الدر المنثور من تمام
الأثر المتقدم فى ص ١٩١.
(٦) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((سألنا )).

١٩٦
سورة الأنعام : الآيتان ٢٤، ٢٥
مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. فسُئِلوا، فقالوا ذلك، فختَم اللَّهُ على أفواهِهم، وشهِدت عليهم
جوارحُهم بأعمالِهِم، فَوَدَّالذين كفروا حينَ رَأَوْاذلك: ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا
يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ (١).
حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنى عبدُ العزيزِ، قال: ثنا مسلمُ بنُ خالدٍ(١) ، عن ابنٍ أبى
نَجِيحِ، عن مجاهدٍ، قال: يأتى على الناسِ يومَ القيامةِ ساعةٌ ، لما رأوا(١) أهلُ الشركِ أهلَ
التوحيدِ يُغْفُ لهم، فيَقُولون: ﴿وَاللَّهِ رَيْنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. قال: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ
عَلىَ أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَغْتَرُونَ﴾ .
حدَّثنى الحارثُ ، قال : ثنا عبدُ العزيزِ، قال : ثنا سفيانُ ، عن رجلٍ، عن سعيد
ابن جبيرٍ أنه كان يقولُ: ﴿وَاللَّهِ رَيِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. بِخَفْضِها) ، قال: أقسموا
واعتذروا . قال الحارثُ : قال عبدُ العزيزِ: قال سفيانُ مرةً أخرى: ثنى هاشمٌ ، عن
سعیدِ بنِ جبيٍ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿وَمِنْهُم ◌َن يَسْتَمِعُ إِلَيْكٌّ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ
يَفْقَهُوهُ وَفِيّ ءَاذَانِهِمْ وَقْرً﴾.
يقولُ تعالى ذكره : ومِن هؤلاء العادلين بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ مِن قومِك یا
محمدُ ﴿مَنْ يَسْتَمِعُ إلَيْكٌ﴾. يقولُ: مَن يَسْتَمِعُ القرآنَ منك، ويَسْتَمِعُ ما تَدْعُوه إليه
مِن توحيدِ ربِّك وأمرِه ونهيِهِ، ولا يَفْقَهُ ما تقولُ، ولا يُوعِیه قلبَه ، ولا يَتَدَبَُّه ، ولا
يُصْغِى له سمعَه لِيَتَفَقَّهَه فِيَفْهَمَ حججَ اللَّهِ عليه فى تنزيلِه الذى أَنزَله عليك ، إنما يَسْمَغُ
(١) ينظر ما تقدم تخريجه فى ٤٢/٧.
(٢) فى النسخ: ((خلف)). وتقدم على الصواب فى ٥١٣/٢، ٥٣٧.
(٣) فى م: ((رأى )).
(٤) فى م: (( يخفضها )).
(٥) فى النسخ: (( هشام)).

١٩٧
سورة الأنعام : الآية ٢٥
صوتَك وقراءتَك وكلامَك، ولا يَعْقِلُ عنك ما تقولُ؛ لأن اللَّهَ قد جعَل على قلبِه
أَكِتَةً .
وهى جمعُ كِنانٍ، وهو الغطاءُ، مثلُ سِنانٍ وأسنةٍ ، يُقالُ منه: أكتَنْتُ الشىءَ
فى نفسى - بالألفِ - وكَتَنْتُ الشىءَ، إذا غطّيْتَه. ومِن ذلك ﴿بَيْضُ مَّكْنُونٌ﴾
[ الصافات: ٤٩]، وهو الغطاءُ. ومنه قولُ الشاعر (١):
تحتَ عین(٢) کِنائنا
ظلُّ بُزْدٍ مُرَخَلُ(١)
یعنی غطاءهم الذى يُكِنُّهم .
/﴿ وَفِيّ ءَاذَانِهِمْ وَقْرَأَ﴾. يقولُ تعالى ذكره: وجعَل فى آذانهم ثِقَلًا وصَمَمًا ١٧٠/٧
عن فَهمِ ما تَتْلو عليهم، والإصغاءِ لما تَدْعوهم إليه .
والعربُ تَفتَحُ الواوَ مِن الوَقْرِ فِى الأُذُنِ ، وهو الثّقَلُ فيها ، وتَكْسِرُها فى الحِفْلِ،
فتقولُ: هو وِقْرُ الدابةِ. ويقالُ مِن الحِمْلِ: أَوْقَوْتُ الدابةَ. فهى موقورةٌ() ، ومن
السمعِ: وَقَّرْتُ سمعَه. فهو موقَُّ(٥) . ومنه قولُ الشاعرٍ(٦):
* ولى هامةٌ قد وقَّر الضربُ سمْعَها *
وقد ذُكِر سماعًا منهم: وَقِرَت أُذُنُه إذا ثَقُلت ، فهى مَوْقُورةٌ ، وأَوْقَرَتِ النخلةُ
فهى مُوقِرٌ. كما قيل : امرأةٌ طامثٌ وحائضٌ. لأنه لا حظَّ فيه للمذكر، فإذا أُريد أن
اللَّهَ أوْقَرها، قيل: مُوقَرَةٌ .
(١) البيت لعمر بن أبى ربيعة، كما فى مجاز القرآن ٤٦/١، ١٨٨ واللسان (ك ن ن). وليس فى ديوانه.
(٢) العين : السحاب . اللسان (ع ی ن).
(٣) المرحل: ضَرْب من بُرود اليمن، سمى مرحلا لأن عليه تصاوير رحل. اللسان (رح ل).
(٤) فى م: (( موقرة)).
(٥) فى م: ((موقور)).
(٦) التبيان ١٠٣/٤.

١٩٨
سورة الأنعام : الآية ٢٥
وقال تعالى ذكرُه: ﴿ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةٌ أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾. بمعنى: أَلَّ
يَفْقَهوه. كما قال: ﴿ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّواْ﴾ [النساء: ١٧٦]. بمعنى: أَّا
تَضِلُّوا؛ لأن الكِنَّ إنما جُعِل على القلبِ لئلا يَفْقَهَه، لا لِيَفْقَهَه .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أُخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبرَنا معمرٌ، عن
قتادةَ: ﴿ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةُ أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيَ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ . قال: يَسْمَعونه
بآذانِهم، ولا يَعُون منه شيئًا، كمثَلِ البهيمةِ التى تَسْمَعُ النداءَ، ولا تَدْرِى ما يُقالُ
(١)
لها (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُّ المفضلِ، قال: ثنا
أسباطُ، عن السدِّىِّ: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةٌ أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِيِّ مَاذَانِهِمْ
وَقْرَأْ﴾: أما ﴿ أَكِنَّةً﴾: فالغِطاءُ أَكَنّ قلوبَهم، لا يَفْقَهون الحقَّ، ﴿ وَفِي ءَاذَانِهِمْ
وَقْرَا﴾. قال: صَمَمْ " .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن
ابنِ أبِى تَجيحِ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللّهِ: ﴿وَمِنْهُم مَن يَسْتَمِعُ إِلَيْكٌ﴾. قال:
(٣)
قریش(٣).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةً، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنِ أبِى تَجيحٍ، عن
(١) تفسير عبد الرزاق ٢٠٩/١. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٧٦/٤ (٧١٩٢) عن الحسن بن يحيى به.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٧٥/٤، ١٢٧٦ (٧١٩٠، ٧١٩١، ٧١٩٣) من طريق أحمد بن
المفضل به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨/٣ إلى أبى الشيخ .
(٣) تفسير مجاهد ص ٣٢٠. ومن طريقه أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٧٥/٤ (٧١٨٨).

١٩٩
سورة الأنعام : الآية ٢٥
مُجاهدٍ مثله .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿وَإِن يَرَوْ كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُواْ بِهَاْ حََّ إِذَا جَاءُ وَ
٢٥
يُجَدِلُونَكَ يَقُولُ اَلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَآ إِلََّ أَسَطِيرُ الْأَوَِّينَ
١٧١/٧
يقولُ تعالى ذكرُه: وإن يَرَ هؤلاء العادِلون بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ، الذين
جَعَلْتُ على قلوبِهم أَكِتَّةً أن / يَفْقَهوا عنك ما يَسْمَعون منك، ﴿كُلَّ ءَايَةٍ﴾ .
يقولُ: كلُّ حُجةٍ وعلامةٍ تَدُلُّ أهلَ الحِجَا والفهم على توحيدِ اللَّهِ ، وصدقٍ قولِك،
وحقيقةِ نبوَّتِك، ﴿لَّا يُؤْمِنُواْ بِهِأَ﴾. يقولُ: لا يُصَدِّقون بها، ولا يُقِرُّون بأنها دالةٌ
على ما هى عليه دالةٌ ، ﴿ حَّىَ إِذَا جَاءُوَكَ يُجَدِلُونَكَ﴾. يقولُ: حتى إذا صاروا إليك
بعدَ مُعاينتِهم الآياتِ الدالةَ على حقيقةٍ ما جئتَهم به، ﴿ يُحَدِلُونَكَ﴾. يقولُ:
يُخاصِمونك، ﴿ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. يعنى بذلك: الذين جحَدوا آياتِ اللَّهِ
وأَنْكَروا حقيقتَها، يقولون النبيِّ اللّهِ مَّهِ إذا سمِعوا مُجَجَ اللَّهِ التى احتجّ بها عليهم ،
وبيانَه الذى بيَّنه لهم: ﴿ إِنْ هَذَا إِلََّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. أى: ما هذا إلا أساطيرُ
الأولين .
والأساطيرُ جمعُ إِسْطارةٍ وَأُسْطُورةٍ، مثلَ أُفْكُوهةٍ وأُضْحُوكةٍ . وجائزٌ أَن يَكُونَ
الواحدُ أسْطارًا، مثلَ أبياتٍ وَأَبابِيتَ ، وأقوالٍ وأَقَاوِيلَ، مِن قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُّه:
﴿وَكِنَبٍ مَّسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢]. مِن: سطَرَ يَسْطُرُ سَطْرًا .
[٧٤٩/١و] فإن كان مِن هذا، فإن تأويلَه: ما هذا إلا ما كتَبه الأوَّلون.
وقد ذُكِر عن ابنِ عباسٍ وغيرِهِ أنهم كانوا يَتَأوَّلُونه بهذا التأويلِ، ويقولون :
معناه : إن هذا إلا أحاديثُ الأوَّلِين .
حدَّثنى بذلك المثنى بنُ إبراهيمَ ، قال : ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال : ثنى معاويةُ ،

٢٠٠
سورة الأنعام : الآية ٢٥
عن علىّ بنِ أبى طلحةً ، عن ابنِ عباسٍ " .
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ ، قال: ثنا أسْباطُ، عن
السدىِّ: أمَّا ﴿ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: فَأَساجِيعُ الأوَّلِين(٢) .
وكان بعضُ أهلِ العلم - وهو أبو عُبَيدةَ مَعْمَرُ بنُ المثنَّى - بكلامِ العربِ
يقولُ(٢): الإسطارةُ لغةٌ، " ومجازُهاً) التُّهاتُ.
وكان الأخفشُ يقولُ: قال بعضُهم: واحدُه أَسْطورةٌ. وقال بعضُهم:
إِسْطارةٌ. قال: ولا أَراه إلا مِن الجميع(٥) الذى ليس له واحدٌ، نحوَ العَباديدِ(١)
والمَذَاكيرِ والأبابيلِ. قال: وقال بعضُهم: واحدُ الأبابيلِ إِئِيلٌ. وقال بعضُهم:
إِيَّوْلٌ. مثلَ عِجَوْلٍ (٢) ، ولم أَجِدِ العربَ تَغْرِفُ له واحدًا، وإنما هو مثلُ عَبَادِيدَ لا
واحدَ لها. وأما الشَّماطِيطُ (٨)، فإنهم يَزْعُمون أن واحدَه شِمطاطٌ. قال: وكلُّ هذه
لها واحدٌ ، إلا أنه لم يُسْتَعْمَلْ ولم يُتَكَلَّمْ به؛ لأن هذا المثالَ لا يَكونُ إلا جميعًا(٩).
قال: وسمِعْتُ العربَ الفُصَحاءَ تقولُ: أَرْسَل خَيلَه أبابيلَ. تُرِيدُ جَماعاتٍ، فلا
تَتَكَلَّمُ بها بواحدةٍ (١٠).
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨/٣ إلى المصنف.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٧٦/٤ (٧١٩٧) من طريق أحمد بن مفضل به. وهو من تمام الأثر
المتقدم فى ص ١٩٨.
(٣) مجاز القرآن ١٨٩/١.
(٤ - ٤) فى م: ((الخرافات))، وفى مجاز القرآن: ((ومجازها مجاز الترهات)).
(٥) فى م: ((الجمع)).
(٦) فى م: ((العبابيد)) والعباديد والعبابيد: الخيل المتفرقة فى ذهابها ومجيئها. اللسان (ع ب د).
(٧) العجول والعجل: ولد البقرة. اللسان (ع ج ل).
(٨) الشماطيط: القطع المتفرقة. اللسان (ش م ط).
(٩) فى م: (( جمعا)).
(١٠) فى م: ((موحده)).