Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
سورة المائدة : الآية ١٠٧
الحانوتَ لا يَمْشِى، ولكن لما كان معلومًا عندَه أنه لا يَخْفَى على سامعِه ما قصَد إليه
مِن معناه، حذَف الصاحبَ ، واجْتَزَاً بذكرِ الحانوتِ منه . فكذلك قولُه : (مِن الذين
اسْتُحِقَّ عليهم الأوليان). إنما هو: مِن الذين استُحِق فيهم خيانتُهما. فحُذفَت
الخيانةُ، وأَقِيم المختانان مُقَامَهما (١)، فعَمِل فيهما ما كان يَعْمَلُ فى المحذوفِ لو
ظھَر .
وأما قولُه ﴿عَلَيْهِمُ ﴾. فى هذا الموضع، فإن معناها : فيهم. كما قال تعالى:
﴿ وَأَتَّبَعُواْ مَا تَثْلُواْ الشَّيَطِيْنُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ﴾ [ البقرة: ١٠٢]. يعنى: فى ملكِ
سليمانَ. وكما قال: ﴿ وَلَأَصَلِيَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]. فـ((فى)) تُوضَعُ
فى١٢ موضع ((على))، و ((على)) فى موضع ((فى))، وكلَّ واحدةٍ منهما تُعاقِبُ
صاحبتَها فى الكلامِ، ومنه قولُ الشاعرِ(٢) :
متى ما تُنْكِروها تَعْرِفوها على أَقْطارِها عَلَقٌ نَفِيثُ(٤)
١٢١/٧
/ وقد تأَوَّلَت جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ قولَ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَ أَنَّهُمَا
اُسْتَحَقًّا إِثْمًا فَاخَرَنِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ أُسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَنِ﴾. أنهما
رجلان آخران مِن المسلمين، أو رجلان أَعْدَلُ مِن الْمُقْسِمَيْنِ الأوَّلَين .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى ، قال: ثنا عبدُ الأعلى ، قال : ثنا داودُ بنُ أُبی هندٍ ، عن
عامٍ، عن شريح فى هذه الآية: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ
(١) فى م: ((مقامها)).
(٢) سقط من : م.
(٣) هو أبو المثلم الهذلى، ديوان الهذليين ٢/ ٢٢٤. ونسبه الأصمعى - وتبعه ابن قتيبة فى المعانى الكبير
٩٦٩/٢- إلى صخر الغى، ورد ذلك ابن السيد البطليوسى فى الاقتضاب ٣٨١/٣.
(٤) أقطارها: نواحيها، والعلق: الدم، نفيث: منفوث من الفم. شرح أشعار الهذليين ١/ ٢٦٤.

١٠٢
سورة المائدة : الآية ١٠٧
اَلْمَوْتُ حِينَ اُلْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدّلٍ مِّنكُمْ أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ . قال : إذا كان
الرجلُ بأرضٍ غُزْبةٍ ، ولم يَجِدْ مسلمًا يُشْهِدُه على وصيتِهِ، فَأَشْهَد يهوديًّا، أو
نصرانيًّا، أو مجوسيًّا، فشهادتُهم جائزةٌ، فإن جاء رجلان [٧٣٧/١و] مسلمان
فشهِدا بخلافٍ شَهادتِهم، أُجِيزَت شهادةُ المسلمَيْنْ، وأُنْطِلَت شهادةُ الآخَرَيْن(١).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾:
أى : اطٌّلِعٍ منهما على خيانةٍ، على أنهما كذَبا أو كتَما، فشهِد رجلان هما أعدلُ
منهما بخلافٍ ما قالا ، أُجِيزَت شهادةُ الآخَرَيْن، وأُبْطِلت شهادةُ الأوَّلَينَ(١٢).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا جريرٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ، قال: كان ابنُ
عباسٍ يَقْرَأُ: (من الذين استَحَقَّ عليهم الأَوَّلين)(٣) . وقال: كيف يَكُونُ الأَوْلَيان،
أرأَيْتَ لو كان الأوْلَيان صغيرين(٤)؟
حدَّثنا هنادٌ وابنُ وكيع، قالا : ثنا عَبْدةُ ، عن عبدِ الملكِ ، عن عطاءٍ، عن ابنِ
عباسٍ ، قال: كان يَقْرَأَ: (مِن الذين اسْتَحَقَّ عليهم الأوَّلين). قال: وقال: أَرَأَيْتَ
لو كان الأوْلَيان صغيرَيْن، كيف يقومان مَقامَهما(٥)؟
قال الإمامُ أبو جعفرٍ: فذهَب ابنُ عباسٍ فيما أرَى، إلى نحوِ القولِ الذى
حكَيْتُ عن شُريح وقتادةَ، مِن أن ذلك رجلان آخران مِن المسلمين يقومان مقامَ
(١) تقدم تخريجه فى ص ٦٣ ، ٦٤.
(٢) تقدم تخريجه فى ص ٨٤.
(٣) فى معانى القرآن: يجعله نعتا لـ ((الذين)). فظاهره أن قراءته بالجمع: ((الأوَّلين)). وظاهر كلام المصنف
هنا أن قراءته : ((الأوَّلَيْن))، وكذا ضبطه الشيخ شاكر. وهذه القراءة الأخيرة مروية عن ابن سيرين، وهى شاذة
ونقل القرطبى فى تفسيره ٣٥٩/٦ عن النحاس أنها لحن. فالله أعلم .
(٤) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٨٦٠ - تفسير) من طريق عمرو بن دينار عن عطاء به .
(٥) أخرجه الفراء فى معانى القرآن ٣٢٤/١ عن قيس بن الربيع عن عطاء به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٣٤٤/٢ إلى أبى عبيد وعبد بن حميد وأبى الشيخ .

١٠٣
سورة المائدة : الآية ١٠٧
النَّصْرانيَّين، أو عَدْلان مِن المسلمين، هما أعدلُ وأجوزُ شهادةً مِن الشاهدَیْن
الأوَّلَيْن ، أو المُقْسِمَين.
وفی إجماع جمیع أهلِ العلم على ألَّ حکم لله تعالی ذکرُه يَجبُ فیه علی
شاهدٍ يمينٌ فيما قام به مِن الشهادةِ ، دليلٌ واضحٌ على أن غيرَ هذا التأويلِ الذى قاله
الحسنُ، ومَن قال بقولِه فى قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾. أولى
به .
وأما قولُه: ﴿ٌلْأَوْلَيَانِ﴾. فإن معناه عندَنا: الأولى بالميتِ مِن المُقْسِمَيْن
الأوَّلَيْن فالأَزْلَى. وقد يَحْتَمِلُ أن/ يكونَ معناه : الأولى باليمينِ منهما فالأَوْلَی . ثم
محُذف ((منهما)(١) . والعربُ تَفْعَلُ ذلك، فتقولُ: فلانٌ أفضلُ. وهى تُرِيدُ : أفضلُ
ء
منك . وذلك إذا وُضِع (( أفعلُ)) موضعَ الخبرِ ، وإن وقَع موقعَ الاسم ، وأُدْخِلَت فيه
الألفُ واللامُ، فعلوا ذلك أيضًا، إذا كان جوابًا لكلام قد مضى ، فقالوا: هذا
الأفضلُ، وهذا الأشرفُ . يُرِيدون : هو الأشرفُ منك .
١٢٢/٧
وقال ابنُ زيدٍ : معنى ذلك: الأوْلَيان بالميتِ .
حدَّثنی یونُسُ، عن ابنٍ وهبٍ عنه (١) .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ فَيُقْسِمَانِ بِالَّهِ لَشَهَدَنْنَآَ أَحَقٌّ مِن شَهْدَتِهِمَا وَمَا
١٠٧
اُعْتَدَيْنَآَ إِنَّا إِذَا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ(
يقولُ تعالى ذكره : فيُقْسِمُ الآخَران اللذان يَقومان مَقامَ اللذَين عُثِر على أنهما
اسْتَحَقًّا إثمًا بخيانتِهما مالَ الميتِ، الأوْلَيان باليمينِ والميِّتِ مِن الخائنَين،
لَشَهَدَنْنَا أَحَقٌّ مِن شَدَتِهِمَا﴾. يقولُ: لأيمانُنا أحقُّ مِن أيمانِ المقسمَيْن
(١) سقط من: س، وفى م، ت ١، ت ٢، ت٣: ((فيهما)). وهكذا رسمت فى ص إلا أنها غير منقوطة.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٤/٢ إلى المصنف.

١٠٤
سورة المائدة : الآيتان ١٠٧، ١٠٨
المستحقَّين الإثمَ ، وأيمانِهما الكاذبة ، فى أنهما قد خانا فى كذا وكذا مِن مالٍ ميِِّنا،
وكذَبا(١) فى أيمانِهما التى حلَفا بها، ﴿ وَمَا أَعْتَدَيْنَآَ﴾. يقولُ: وما تَجَاوَزْنا الحقَّ فى
أيمانِنا .
وقد بيّنا أن معنى الاعتداءِ المُجاوَرةُ فى الشىءِ حدَّه (٢).
◌ِّآَ إِذَا لَّمِنَ الظِّمِينَ﴾. يقولُ: إنا إن كنا اعْتَدَيْنا فى أيمانِنا، فحلَفْنا
مُبْطِلِين فيها كاذِبِين، ﴿ لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ: (لِن ◌ِدادِ) مَن يَأْخُذُ ما ليس له
أُخْذُه، ويَقْتَطِعُ بأيمانِهِ الفاجرةِ أموالَ الناسِ .
القولُ فى تأويل قوله عز وجل: ﴿ ذَلِكَ أَدْنَ أَنْ يَأْتُواْ بِلشَّهَدَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ
يَخَافُواْ أَنْ تُرَدَّ أَيْهٌَ بَعْدَ أَيْمَنِهِمْ﴾ .
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ ذَلِكَ﴾: هذا الذى قلتُ لكم فى أمرِ الأوصياءِ إذا
ارْتَبْتُم بأمرِهم ، واَّهَمْتُموهم بخيانةٍ لمالٍ مَن أَوْصَى إليهم، مِن حبسِهم بعدَ
الصلاةِ ، واسْتحلافِكم إياهم على ما ادَّعَى قِبَلَهم أولياءُ الميتِ، ﴿أَدْفَ﴾ لهم،
﴿ أَنْ يَأْتُواْ بِالشَّهَدَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾. يقولُ : هذا الفعلُ إذا فعَلْتُم بهم ، أقربُ لهم أن
يَصْدُقوا فى أيمانِهم، ولا يَكْتُموا، ويُقِرُوا بالحقِّ، ولا يَخُونوا، ﴿ أَوْ يَخَافُواْ أَنْ تُرَدَّ
◌َيَُْ بَعْدَ أَيْمَنِهِمَّ﴾. يقولُ: أو يَخافَ هؤلاء الأوصياءُ إن عُثِر عليهم أنهم اسْتَحَقُّوا
إثمًا فى أيمانِهِم باللَّهِ، أن تُرَدَّ أيمانُهم على أولياءِ الميتِ بعدَ أيمانِهم التى عُثِر عليها أنها
كذبٌ، فَيَسْتَحِقُّوا بها ما ادَّعَوْا قِبَلَهم مِن حقوقِهم، فيَصْدُقوا حينئذٍ فى أيمانِهم
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((كذا)).
(٢) ينظر ما تقدم فى ٣٢/٢.
(٣ - ٣) فى م: ((لممن عدا و)).
(٤) فى م، ت ٢: (( فى أمرهم )) .

١٠٥
سورة المائدة : الآية ١٠٨
وشهادتِهم ؛ مخافةَ الفَضيحةِ على أنفسِهم ، وحذَرًا أن يَسْتَحِقَّ عليهم ما خانوا فيه
أولياءَ الميتِ وورثتَه .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويل، وقد تقدَّمَت الروايةُ بذلك عن
بعضِهم، ونحن ذاكرو الروايةِ فى ذلك عن بعضٍ مَن بقى منهم .
١٢٣/٧
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحِ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
عليّ بنِ أبي طلحةً، /عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَ أَنَّهُمَا أُسْتَحَقًّاَ إِثْمًا﴾. يقولُ:
إن اطٌّلِع على أن الكافرَيْن كذَبا، ﴿فَاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾. يقولُ: مِن
الأولياءِ (١) ، فحلَفا باللّهِ: إِن شهادةَ الكافرَيْن باطلةٌ، وإنَّا لم نَعْتَدِ. فَتُرَدُّ شَهادةُ
الكافرَيْن، وتَجوزُ شهادةُ الأولياءِ. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿ذَلِكَ أَدْفَ أَنْ يَأْتُواْ﴾ :
الكافرون)، ﴿ِلشََّدَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُواْ أَنْ تُرَدَّ أَعْمٌَ بَعْدَ أَيْمَنِهِمْ ﴾ . وليس على
شهودِ المسلمين إقْسامٌ، وإنما الإقسامُ إذا كانوا كافرين ).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْع، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ قولَه :
﴿ ذَلِكَ أَدْفَ أَنْ يَأْتُواْ بِلشَّهَدَةِ﴾ الآية. يقولُ: ذلك أُخْرَى أَن يَصْدُقوا فى
شهادتِهم، وأن يَخافوا العَقِبَ(٤).
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله : ﴿ أَوْ
(١) فى س: ((الأوليان))، وينظر ص ٨٣ .
(٢ - ٢) فى ص: ((أن يأتوا الكافرين))، وفى م، ت ٢: ((يأتى الكافرون))، وفى ت ١، ت ٣، س: ((يأتوا)) ،
وفى الناسخ للنحاس: ((يأتوا أى أن يأتى الكافران))، وفى الدر المنثور: (( يأتى الكافران)).
(٣) تقدم تخريجه فى ص ٧٣.
(٤) فى م، وتفسير ابن أبى حاتم: ((العقاب)). والمراد بالعقب العاقبة ، أى عاقبة كذبهما فى اليمين.
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤ / ١٢٣٤، ١٢٣٥، (٦٩٦٢، ٦٩٦٦) من طريق يزيد به . وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٤/٢ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ .

١٠٦
سورة المائدة : الآية ١٠٨
يَخَافُواْ أَنْ تُرَدَّ أَعٌَْ بَعْدَ أَيْمَنِهِمَّ﴾. قال: فتَبْطُلَ أيمانُهم، وتُؤْخَذَ أيمانُ هؤلاء(١).
وقال آخرون : معنى ذلك : تَحْبِسونهما مِن بعدِ الصلاةِ، ذلك أدنى أن يَأْتُوا
بالشهادةِ على وجهِها، (٢وعلى٢) أنهما اسْتَحَقًّا إثمًا، فآخَران يقومان مَقامَهما .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُّ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ [٧٣٧/١ظ] بنُ مُفَضَّلٍ، قال : ثنا
أشْباطُ ، عن السدىِّ، قال: يُوقَفُ الرجلان بعدَ صلاتِهما فى دينهما ، فيَحْلِفان باللّهِ :
لا نَشْتَرِى به ثمنا قليلاً ولو كان ذا قُرْبى، ولا نَكْتُمُ شهادةَ اللَّهِ ، إنا إذن لمن الآثِمِين، إن
صاحبَكم لَيِهذا أوْصَى ، وإن هذه لَتركتُه . فيقولُ لهما الإمامُ قبلَ أن يَخْلِفا : إنكما إن
كنتما كتَمْتُما أو خُنْتُما، فضَحْتُكما فى قومِكما، ولم تَجُزُ) لكما شهادةٌ ،
وعاقَبْتُكما. فإِذا قال لهما ذلك، فإن ذلك أدنى أن يَأْتُوا بالشهادةِ على وجهِها(1).
القولُ فى تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَسْمَعُواْ وَهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ
٣٠٨
اُلْفَسِقِينَ
يقولُ تعالى ذكره: وخافُوا اللَّهَ أيُّها الناسُ، وراقِبوه فى أيمانكم ، أن تَحْلِفُوا بها
كاذبةً ، وأن تُذْهِبوا بها مالَ مَن يَحْرُمُ عليكم مالُه، وأن تَخونوا مَن أَمْتَكم،
وَأَسْمَعُواْ﴾. يقولُ: اسْمَعوا ما يُقالُ لكم، وما تُوعَظون به، فاعْمَلوا به ، وانْتَهُوا
إليه ، ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ اُلْفَسِقِينَ﴾. يقولُ: واللَّهُ لا يُوَفِّقُ مَن فسَق عن أمرِ ربِّه،
فخالَفه وأطاع الشيطانَ وعصَی ربَّه .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٤/٢ إلى المصنف.
(٢ - ٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((على)).
(٣) فى م: ((أجز)).
(٤) تقدم تخريجه فى ص ٧٨.

١٠٧
سورة المائدة : الآية ١٠٨
وكان ابنُ زيدٍ يقولُ : الفاسقُ فى هذا الموضع هو الكاذبُ .
حدَّثنى يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى
الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ ﴾: الكاذِبِين الذينُ يَخْلِفون على الكذبِ(٢).
وليس الذى قال ابنُ زيدٍ مِن ذلك عندى بمدفوع ، إلا أن الله تعالی ذکرُه عمَّ
الخبرَ بأنه لا يَهْدِى جميعَ الفُشَّاقِ ، ولم يُخَصِّصْ منهم بعضًا دونَ بعضٍ ، بخبرٍ ولا
عقلٍ، فذلك على معانى الفسقِ كلِّها، حتى يُخَصِّصَ شيئًا منها ما يَجِبُ التسليمُ
له ، فیُسَلَّمُ له .
ثم اخْتَلَف أهلُ العلم فى حكم هاتين الآيتين، هل هو منسوخٌ أو هو مُحْكَمٌ
ثابتٌ ؟ فقال بعضُهم : هو منسوخٌ .
ذكرُ مَن قال ذلك
/حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن رجلٍ قد سمَّاه، عن حمادٍ، عن ١٢٤/٧
إبراهيمَ، قال : هى منسوخةٌ .
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: هى منسوخةٌ. يعنى هذه الآيةَ: ﴿يَأَيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآية (٣) .
وقال جماعةٌ: هى مُحْكَمَةٌ وليست بمنسوخةٍ . وقد ذكَرْنا قولَ أكثرِهم فيما
مضَى .
(١) سقط من النسخ، والمثبت من تفسير ابن أبى حاتم والدر المنثور.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٣٥/٤ (٦٩٦٨) من طريق أصبغ بن الفرج عن ابن زيد به .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤/ ١٢٣٤، ١٢٣٥ (٦٩٦٥)، والبيهقى ١٦٤/١٠ من طريق محمد بن سعد
به .

١٠٨
سورة المائدة : الآية ١٠٨
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن حكمَ الآيةِ غيرُ منسوخ، وذلك أن مِن حكمٍ
اللَّهِ تعالى ذكره، الذى عليه أهلُ الإسلامِ مِن لَدُنْ بعثَ اللَّهُ تعالى ذكرُه نبيّه
محمدًا عَّهِ إلى يومِنا هذا، أن مَن ادُّعِى عليه دَغْوَى ممّا يَمْلِكُه بنو آدمَ، أن المُدَّعَى
عليه لا يُرِّتُه مما ادُّعِى عليه إلا اليمينُ، إذا لم يَكُنْ للمُدَّعِى بيّةٌ تُصَحِّحُ دَعواه ، وأنه
إِن اعْتَرَف(٢) فى (٢) يَدِ المُدَّعَى عليه (٤) سِلْعَةً له، فادَّعَى أنها له دونَ الذى فى يدِه ، فقال
الذى هى فى يده: بل هى لى، اشْتَرَيْتُها مِن هذا المُدَّعِى. أن القولَ قولُ مَن زعَم الذى
هی فی یده أنه اشتراها منه ، دونَ مَن هی فی یدِه، مع يمينه ، إذا لم یکنْ للدی هی فی
يدِه بينةٌ تُحَقِّقُ به دَغْواه الشراءَ منه .
فإِذا كان ذلك حكمَ اللَّهِ الذى لا خلافَ فيه بينَ أهلِ العلم ، وكانت الآيتان
اللتان ذكَر اللَّهُ تعالى ذكرُه فيهما أمْرَ وصيةِ المُوصِى إلى عدْلَين مِن المسلمين، أو إلى
آخرَيْنِ مِن غيرِهم، إنما أُلْزَم النبىُّ مَِّ فيما ذُكِر عنه الوصيَّين اليمينَ حينَ ادَّعَى
عليهما الورثةُ ما اذَّعَوْا، ثم لم يُلْزِمِ المدَّعَى عليهما شيئًا إِذ حلَفا، حتى اعْتَرَفَت الورثةُ
فى أيديهما ما اعْتَرَفوا مِن الجامِ أَو الإبريقِ أو غيرِ ذلك مِن أموالِهم، فزعَما أنهما
اشْتَرَياه مِن ميتِهم، فحينئذٍ أَلْزَم النبىُّ عَ لَه ورثةَ الميّتِ اليمينَ؛ لأن الوصيَّين تحوَّلا
مُدَّعِيَيْن بدَغْواهما ما وجَدا فى أيديهما مِن مالِ المَيِّتِ، أنه لهما، اشْتَرَيا(٥) ذلك
منه، فصارا مُقِرَّين بالمالِ للميتِ، مدَّعِبَيْن منه الشراءَ، فاحْتاجا حينئذٍ إلى بينةٍ
تُصَحِّحُ دَعْواهما، وصارَتْ(١) وَرَثةُ الميتِ ربِّ السلعةِ أولى باليمينِ منهما، فذلك
(١) سقط من النسخ، ولابد منها، وكلام المصنف دال على ذلك.
(٢) اعترف: عرف . التاج (ع ر ف).
(٣) فى م: ((وفى)).
(٤) زيادة يقتضيها السياق .
(٥) فى ص: ((شراه)).
(٦) سقط من: م.

١٠٩
سورة المائدة : الآيتان ١٠٨، ١٠٩
قولُه تعالى ذكرُه: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَّ أَنَّهُمَا أُسْتَحَقًّا إِثْمًا فَاخَرَنِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ
الَّذِينَ أُسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَدَنْنَا أَحَقٌّ مِن شَهْدَتِهِمَا﴾ الآية .
فإذ كان تأويلُ ذلك كذلك، فلا وجهَ لدغْوَى مُدَّع أن هذه الآيةَ منسوخةٌ ؛
لأنه غيرُ جائزٍ أن يُقْضَى على حكم مِن أحكام اللَّهِ تعالى ذكرُه أنه منسوخٌ ، إلا بخبرٍ
يَقْطَعُ العذرَ؛ إما مِن عندِ اللَّهِ، أَو مِن عندِ رسولِهِ عَهِ، أو بورودِ النقلِ المستفيضِ
بذلك، فأما ولا خبرَ بذلك، ولا يَدْفَعُ صحتَه عقلٌ، فغيرُ جائزٍ أَن يُقْضَى عليه بأنه
منسوخٌ .
يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لَا
القولُ فى تأويلٍ قولِه :
عِلْمَ لَنَّا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ اٌلْغُيُوبِ
يقولُ تعالى ذكره: واتَّقوا اللَّهَ أيُّها الناسُ، واسْمَعُوا وَعْظَه إياكم، وتذكيرَه
لكم، واخْذَروا يومَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرسلَ. ثم حذَف ((واخْذَروا))، واكْتَفى بقولِه:
وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَسْمَعُواْ ﴾ مِن (١) إظهارِه، كما قال الراجزُ(١):
/علَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا حتى شَنَتْ(٢) هَمَّالةً عَيْناها
١٢٥/٧
يُريدُ: وسقَيْتُها ماءً باردًا. فاسْتُغْنِى بقولِه: عَلَفْتُها تِنَّا. مِن إظهارِ ((سقَيْتُها))،
إذ كان السامعُ إذا سمِعه عرَف معناه، فكذلك فى قوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ
الرُّسُلَ﴾. حذَف ((واحْذَرُوا))؛ لعلم السامع معناه، اكْتِفاءٌ بقولِه: ﴿ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ
وَأَسْمَعُواْ ﴾. إذ كان ذلك تَحْذِيرًا مِن أمرِ اللَّهِ تعالى ذكُّه خلقَه عقابَه على مَعاصِيه .
وأما قولُه: ﴿ مَاذَا أُحِبْتُمْ﴾. فإنه يعنى به: ما الذى أجابَتْكم به أهمكم حينَ
(١) فى م: ((عن)).
(٢) تقدم تخريجه فى ١/ ٢٧١.
(٣) فى م: ((غدت)).

١١٠
سورة المائدة : الآية ١٠٩
دعَوْتُموهم إلى توحيدى، والإقرارِ بى، والعملِ بطاعتى ، والانتهاءِ عن معصيتى ؟
قَالُواْ لَا عِلْمَ لَنَا﴾.
فَاخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم - يعنى (١) قولَهم: ﴿لَا عِلْمَ
لَنّآ﴾ -: لم يَكُنْ ذلك مِن الرسلِ إنكارًا أن يكونوا كانوا عالمين بما عمِلَت أممهم،
ولكنهم ذهِلوا عن الجوابٍ مِن هَوْلِ ذلك اليوم ، ثم أجابوا بعدَ أن ثابت إليهم عقولُهم
بالشَّهادةِ على أممهم .
[٧٣٨/١و] ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ اَللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لَا عِلْمَ لَنَا﴾: فذلك(٢)
أنهم لما نزَلوا منزلًا ذهِلَت فيه العقولُ، فلما سُئِلوا قالوا: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾. ثم نزَلوا
منزلًا آخَر، فشهِدوا على قومِهم(١) .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا حكامٌ، عن عَنْبَسةَ، قال: "سمِعتُ شَيخًا يقولُ):
سمِعْتُ الحسنَ يقولُ فى قولِهِ: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ ﴾ الآية . قال : مِن هولٍ ذلك
(٥)
اليوم(°).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أُخْبَرنا الثورىُّ، عن
(١) فى ص، م: ((معنى)).
(٢) فى ص، ت ١: ((بذلك))، وفى م: ((قال: ذلك)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم ١٢٣٦/٤ (٦٩٧٣) من طريق أحمد بن مفضل به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/
٣٤٤ إلى أبى الشيخ .
(٤ - ٤) سقط من النسخ والمثبت من تفسير ابن كثير عن المصنف .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٣٥/٤ (٦٩٧١) من طريق عنبسة به ، وذكره ابن كثير فى تفسيره
٢١٧/٣ عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٤/٢ إلى أبى الشيخ.

١١١
سورة المائدة : الآية ١٠٩
الأعمشِ، عن مُجاهدٍ فى قولِهِ: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجْتُمْ﴾.
فيَفْزَعون، فيقولُ: ماذا أُحِثُم؟ فيقولون: ﴿لَا عِلْمَ لَنَآَ﴾(١).
وقال آخرون: معنى ذلك: لا علم لنا إلا ما علَّمْتَنا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ،
عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اَللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾.
فيقولون: ﴿لَاَ عِلْمَ لَنَا﴾ ("إلا ما علَّمْتَنَا)، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ
٢)(٤)
الْغُيُوبِ﴾
١٢٦/٧
/وقال آخرون: معنى ذلك: قالوا: لا علم لنا ، إلا علمٌ أنت أعلَمُ به منا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالح، عن
عليّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجْهٌ
قَالُواْ لَا عِلْمَ لَنَا﴾: إلا علمٌّ أنت أعلمُ به مناً ) .
وقال آخرون: معنى ذلك: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾: ماذا عمِلوا بعدَ كم؟ وماذا
أحدثوا ؟
(١) تفسير سفيان ص ١٠٥، وتفسير عبد الرزاق ٢٠١/١.
(٢ - ٢) سقط من: ت ١.
(٣ - ٣) سقط من: س.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم ١٢٣٦/٤ (٦٩٧٢) من طريق سفيان به، وفيه زيادة: ((فترد إليهم أفئدتهم فيعلمون)).
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم ١٢٣٦/٤ (٦٩٧٥) من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٣٤٤/٢ إلى ابن المنذر.

١١٢
سورة المائدة : الآيتان ١٠٩، ١١٠
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُرَيْج قولَه :
يَوْمَ يَجْمَعُ اَللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾: ماذا عمِلوا بعدَكم؟ وماذا أحْدَثوا
بعدَ كم؟ ﴿ قَالُواْ لَا عِلْمَ لَنَّا إِنَّكَ أَنَتَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ﴾(١).
وأولى الأقوالِ بالصوابِ قولُ من قال: معناه : لا علم لنا إلا علمٌ أنت أعلمُ به
منا؛ لأنه تعالى ذكرُه أَخْبَر عنهم أنهم قالوا: ﴿لَا عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ
اَلْفُيُوبِ﴾. أىْ: إنك لا يَخْفَى عليك ما عندَنا مِن علم ذلك ولا غيرِهِ، مِن خَفىِّ
العلومِ وجليِّها (١) ، فإنما نفَى القومُ أن يَكونَ لهم بما سُئِلوا عنه مِن ذلك علمٌ لا يَعْلمُهُ هو
تعالَى ذكرُه، لا أنهم نَفَوْا أن يكونوا عَلِموا ما شاهَدوا، كيف يجوزُ أن يكونَ ذلك
كذلك وهو تعالى ذكرُه يُخْبِرُ عنهم أنهم يُخْبِرون بما أجابَتهم به الأممُ، وأنهم
يَستشهدون(١) على تبليغِهم الرسالةَ شُهداءَ، فقال تعالى ذكرُه: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً
وَسَطًا لِّنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [ البقرة: ١٤٣] .
وأما الذى قاله ابنُ جريج مِن أن معناه: ماذا عمِلت الأُمُمُ بعدَكم؟ وماذا
أُحْدَثوا؟ فتأويلٌ لا معنَى له؛ لأن الأنبياء لم يَكُنْ عندَها مِن العلم بما يَحْدُثُ بعدَها إلا
ما أعْلَمَها اللَّهُ مِن ذلك، وإذا سُئِلَت عما عمِلَت الأممُ بعدَها، والأمرُ كذلك ، فإنما
يُقالُ لها : ماذا عرَّفْناك أنه كائنٌ منهم بعذَك؟ وظاهرُ خبرِ اللَّهِ تعالى ذكرُه عن مسألتِه
إياهم ، يَدُلُّ على غيرِ ذلك .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ إِذْ قَالَ اَللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ أَذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلَى
(١) ينظر البحر المحيط ٤٨/٤، وتفسير ابن كثير ٢١٧/٣.
(٢) فى ص، ت ١، س: ((جليله)).
(٣) فى م: (( سيشهدون)).

١١٣
سورة المائدة : الآية ١١٠
وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدَتُكَ بِرُوجِ الْقُدُسِ﴾
/ يقولُ تعالى ذكرُه لعبادِه: احْذَروا يومَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرسلَ فيقولُ لهم: ماذا ١٢٧/٧
أجابَتكم أعمكم فى الدنيا ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَحِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ أَذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلَى
وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدَتُكَ بِرُوجِ الْقُدُسِ﴾.
فـ﴿إِذْ﴾ مِن صلةِ ﴿أُجِبْثٌ﴾. كأن معناها: ماذا أجابَت عيسى الأممُ التى
أُرْسِل إليها عيسى .
فإن قال قائلٌ : وكيف سُئِلَت الرسلُ عن إجابةِ الأمم إياها فى عهدٍ عيسى ، ولم
يَكُنْ فى عهدٍ عيسى مِن الرسلِ إلا أقلَّ ذلك؟
قيل: جائزٌ أن يَكونَ اللَّهُ تعالى ذكرُه عنَى بقولِه: ﴿ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾.
الرسلَ الذين كانوا أَرْسِلوا فى عهدِ عيسى، فخرج الخبرُ مخرجَ الجميعِ، والمرادُ منهم
مَن كان فى عهدٍ عيسى، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ
قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ﴾ [ آل عمران: ١٧٣]. والمرادٌ واحدٌ مِن الناسِ، وإن كان مخرج الكلامِ
على جميعِ الناسٍ .
ومعنى(٢): ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ﴾: حينَ قال اللهُ(١)، ﴿يَعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَذْكُرْ
نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَدْتُكَ بِرُوجِ الْقُدُسِ﴾. يقولُ: يا عيسى، اذْكُوْ
أيادىَّ عندَك وعندَ والدتك، إذ قوَّيْتُك برُوحِ القُدُسِ وأَعَنْتُك به .
وقد اخْتَلَف أهلُ العربيةِ فى ﴿أَيَّدَّتُكَ﴾؛ ما هو مِن الفعلِ؟ فقال
بعضُهم: هو فقَلْتُك، كما(٤) قولُك: قوَّيْتُك. فَقَلْتُ مِن القوّةِ.
(١) بعده فى م، ت ١، ت ٢، س: ((من).
(٢) بعده فى م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((الكلام)).
(٣) سقط من: م، ت ٢.
(٤) بعده فى م: (( فى )).
( تفسير الطبرى ٨/٩)

١١٤
سورة المائدة : الآية ١١٠
وقال آخرون (١): هو ((فاعَلْتُك)) مِن الأَبْدِ .
ورُوِى عن مجاهدٍ أنه قرأ: (إذ آَيَدْتُك).(٢) بمعنى: ((أَفْعَلْتُك))، مِن القوةِ
والأَيِّدِ(٧) .
وقولُه: ﴿بِرُوجِ الْقُدُسِ﴾. يعنى بجبريلَ. يقولُ: إذ أَعَنْتُك بجبريلَ.
وقد بيَنْتُ معنى ذلك، وما معنى ((القُدُسِ)) فيما مضَى بما أغْنَى عن إعادته فى
هذا الموضعِ(٣) .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ تُكَلِمُ النَّاسَ فِى الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ
اُلْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَاُلْتَوْرَةَ وَالْإِنِيلِ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِ
فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِى وَتُبْرِينُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِىْ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْقَ
بِإِذْنِّ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِلْبَيِّنَتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ
١١٠
إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِيرٌ
یقول تعالی ذکرُه مُخبرًا عن قیله لعیسی : اذكر نعمتی عليك وعلى والدتك إذ
أَيَّدْتك بُرُوحِ القُدُس فى حالٍ تكليمِك الناسَ فى المهدِ وكهلًا.
وإنما هذا خبرٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه أنه أَيَّدَه برُوحِ القُدُسِ صغيرًا فى المهدِ،
وكهلًا كبيرًا، فردَّ((الكَهْلَ)) (٤) على قوله: ﴿فِى الْمَهْدِ﴾؛ لأن معنى ذلك: صغيرًا .
كما قال اللَّهُ تعالى ذكره: ﴿ دَعَانَا لِجَنْسِهِ، أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ [يونس: ١٢].
(١) بعده فى م: (( بل)).
(٢) وهى قراءة شاذة ، قال أبو حيان فى البحر المحيط ٥١/٤: وقرأ مجاهد وابن محيصن: (آيدتك)
على ((أفعلتك)). وقال ابن عطية: على وزن ((فاعلتك)). ثم قال أبو حيان: ويظهر أن الأصل فى
القراءتين ((أيدتك)) ثم اختلف الإعلال والمعنى فيهما.
(٣) ينظر ما تقدم فى ٢٢١/٢ وما بعدها .
(٤) فى م: (( القول )).

١١٥
سورة المائدة : الآية ١١٠
وقولُه: ﴿ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَدَةَ وَاُلْإِنجِيلٌ﴾. يقولُ:
واذْكُوْ أيضًا نعمتى عليك إذا علَّمتُك ﴿الْكِتَبَ﴾. وهو الخطُّ،
﴿ وَاَلْحِكْمَةَ﴾. وهى الفهمُ بمعانى الكتابِ الذى أَنْزَلْتُه [٧٣٨/١ظ] إليك، وهو
الإنجيلُ، ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾. يقولُ: كصورةٍ الطيرِ بإذنى.
يعنى بقوله: ﴿تَخْلُقُ﴾: تَعْمَلُ وتُصْلِحُ مِن الطينِ كهيئة الطير ﴿ يِإِذْنِ﴾. يقولُ:
بعونى على ذلك، وعلمٍ منى ، ﴿ فَتَنْفُخُ فِيهَا﴾ . يقولُ : فَتَنْفُخُ فى الهيئةِ ، فتكونُ
الهيئةُ / والصورةُ طيرًا بإذنى، ﴿ وَتُبْرِئُ اُلْأَكْمَةَ﴾. يقولُ: وَتَشْفِى الأَكمَةَ.
وهو الأعمى الذى لا يُصِرُ شيئًا، المطموسُ البصرِ، ﴿ وَالْأَصَ بِإِذْنِ﴾ .
١٢٨/٧
وقد بيَنْتُ معانىَ هذه الحروفِ فيما مضَى مِن كتابِنا هذا مُفَسَّرًا بشواهدِهِ ، بما
أَغْنَى عن إِعادتِه فى هذا الموضعِ(١) .
وقولُه: ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِىَ إِسْرَِّيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَتِ﴾.
يقولُ: واذْكُرْ أيضًا نِعْمتى عليك بكفِّى عنك بنى إسرائيلَ إِذ كفَفْتُهم عنك وقد
همُّوا بقتلِك، ﴿إِذْ جِثْتَهُم بِالْبَهِنَتِ﴾. يقولُ: إذا جئتَهم بالأدلةِ والأعلام
المُعْجِزةِ على نبوتِك، وحقيقةٍ (٢) ما أرْسَلْتُك به إليهم، ﴿فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
مِنْهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكره: فقال الذين جحَدوا نبوتَك، وكذَّبوك مِن بنى إسرائيلَ:
﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾.
واخْتَلَفَت القرأةُ فى قراءةِ ذلك ؛ فقرأته قرأةُ أهلِ المدينةِ وبعضُ أهلِ البصرةِ :
﴿ إِنْ هَذَا إِلَّا سِخْرٌ مُبِيبٌ﴾. يعنى: يُبِينُ عما أتَى به لمن رآه ونظَر إليه أنه سحرٌ
لا حقيقةً له(٣).
(١) ينظر ما تقدم ٥/ ٤١٢، وما بعدها .
(٢) فى م: (( حقية)).
(٣) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وأبى عمرو وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٢٤٩.

١١٦
سورة المائدة : الآيتان ١١٠، ١١١
وقرَأَ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (إِنْ هذا إلا ساحرٌ مُبِينٌ) بمعنى: ما هذا - يعنى
به عيسى - إلا ساحرٌ مبينٌ(١) . يقولُ: يُبِينُ - بأفعالِه، وما يَأْتى به مِن هذه الأمورِ
العجيبةِ - عن نفسِه ، أنه ساحرٌ لا نبىٌّ صادقٌ .
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، مُتَّفِقَتان
غيرُ مختلفتين، وذلك أن كلَّ مَن كان موصوفًا بفعلِ السحرِ ، فهو موصوفٌ بأنه
ساحرٌ، ومَن كان موصوفًا بأنه ساحرٌ ، فإنه موصوفٌ بفعل السّحرِ، فالفعلُ دالٌّ على
فاعلِه، والصفةُ تَدُلُّ على موصوفِها، والموصوفُ يَدُلُّ على صفتِه، والفاعلُ يَدُلُّ
على فعلِه، فبأىِّ ذلك قرَأ القارئُّ فمصيبٌ الصوابَ فى قراءتِه .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِِّنَ أَنْ ءَامِنُواْ بِ وَبِرَسُولِى قَالُواْ
ءَامَنَّا وَأَشْهَدْ بِأَنََّا مُسْلِمُونَ
يقولُ تعالى ذكره : واذْكُوْ أيضًا يا عيسى إِذ ألْقَيْتُ ﴿ إِلَى الْحَوَارِدِّنَ﴾. وهم
وزراءُ عیسی علی دینِه .
وقد بيَّنا معنى ذلك، ولِمَ قيل لهم: الحواريون. فيما مضَى بما أغْنَى عن إعادتِهُ(١).
وقد اخْتَلَفت ألفاظُ أهلِ التأويلِ فى تأويلِ قوله: ﴿ وَإِذْ أَوَحَيْتُ﴾ . وإن كانت
متفقةَ المعانى ؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنى به محمدُ بنُ الحسينِ، قال : ثنا أحمدُ بنُ
مُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدِّىِّ: ﴿ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِ عِنَ﴾. يقولُ:
قذَفْتُ فى قلوبِهم (٢) .
(١) وهى قراءة حمزة والكسائى. السبعة لابن مجاهد ص ٢٤٩ .
(٢) ينظر ما تقدم فى ٤٤٢/٥ - ٤٤٤.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٤٢/٤ (٧٠٠٥) من طريق أحمد بن المفضل به، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٣٤٦/٢ إلى أبى الشيخ .

١١٧
سورة المائدة : الايتان ١١١، ١١٢
وقال آخرون : معنى ذلك : أَلْهَمْتُهم .
فتأويلُ الكلام إذن : وإذ ألْقَيْتُ إلى الحواربين أن صَدِّقوا بى وبرسولی عیسی ،
فقالوا: ﴿ ءَامَنَا﴾. أىْ: صدَّقْنا بما أمَرْتَنَا أَن تُؤْمِنَ (١) يا ربَّنا، ﴿ وَأَشْهَدْ﴾ علينا،
بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾. يقولُ: واشْهَدْ علينا بأننا خاضِعون لك بالذّلَّةِ ، سامِعون
مُطِيعون لأمرِك .
١٢٩/٧
/ القول فى تأويل قوله: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِبُّونَ يَنِعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ هَلْ
يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِلَ عَلَيْنَا مَآيِدَةٌ مِنَ السَّمَاءِ قَالَ أَتَّقُواْ اللَّهَ إِن كُنتُم
مُؤْمِنِينَ
١١٢
يقولُ تعالى ذكرُه: واذْكُرْيا عيسى أيضًا نعمتى عليك إذا أُوْ حَيْتُ إلى الحواريِّين
أن آمنوا بي وبرسولى، إذ قالوا لعيسى ابن مريمَ: هل يَسْتَطِيعُ ربُّك أن يُنَزِّلَ علينا مائدةٌ
مِن السماءِ. فـ﴿إِذْ﴾ الثانيةُ مِن صلةٍ ﴿أَوْحَيْتُ﴾ .
واخْتَلَفَت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ ؛ فقرَأ ذلك جماعةٌ مِن
الصحابة والتابعين : (هل تَسْتَطِيعُ) بالتاءِ ( ربَّك ) بالنصبِ، بمعنى: هل تَسْتَطيعُ
أن تَسْأَلَ ربَّك؟ وهل تَسْتَطِيعُ أن تَدْعُوَ ربَّك؟ أو هل تَسْتَطِيعُ وتَرَى أن تَدْعُوَه؟ وقالوا :
لم يَكُنِ الحواريون شاكِّين أن اللَّهَ تعالى ذكرُه قادرٌ أن يُنَزِّلَ عليهم ذلك، وإنما قالوا
لعيسى : هل تَسْتَطِيعُ أنت ذلك ؟
حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، ("عن نافعٍ بنِ عمر"، عن ابنٍ أبى
(١) بعده فى س: ((بك)).
(٢) وهى قراءة الكسائى من السبعة. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٢٤٩، ونسبه أبو حيان فى البحر
المحيط ٥٤/٤ إلى علىّ ومعاذ وابن عباس وعائشة وسعيد بن جبير.
(٣ - ٣) فى النسخ: ((عن نافع عن ابن عمر)). والصواب ما أثبتناه، وينظر ما تقدم فى ١٢٢/١.

١١٨
سورة المائدة : الآية ١١٢
مُلَيْكَةَ، قال: قالت عائشةُ: كان الحواريُّون لا يَشُكّون أن اللَّهَ قادرٌ أن يُنَزِّلَ عليهم
مائدةً ، ولكن قالوا: يا عيسى هل تَسْتَطِيعُ ربَّك ؟(١)
حدَّثنى أحمدُ بنُ يوسُفَ التَّعْلِىُّ(١) ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سَلَّامِ، قال: ثنا ابنُ
مَهْدىٍّ، عن جابرِ بنِ يزيدَ بنِ رِفاعةً، عن حسانَ (١) بنِ مُخارِقٍ ، عن سعيد بن جبيرٍ أنه
قرَّأَها كذلك: (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ). وقال: تَسْتَطِيعُ أن تَسْألَ ربَّك؟ وقال: ألا تَرَى
أنهم مؤمنون(4) ؟
وقرأْ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والعراقِ: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ﴾ بالياءِ ﴿رَبُّكَ﴾،
بمعنى: أن يُنَزِّلَ علينا ربُّك. كما يقولُ الرجلُ لصاحبِهِ : أَتَسْتَطِيعُ أن تَنْهَضَ معنا
فى كذا؟ وهو يَعْلَمُ أنه يَسْتَطِيعُ، ولكنه إنما يُرِيدُ : أَتَنْهَضُ معنا فيه؟ وقد يَجوزُ
أن يَكونَ مرادُ قارئِه كذلك: هل يَشْتَجِيبُ لك رِبُّك، ويُطِيعُك أن يُنَزِّلَ
علينا ؟
وأولى القراءتين عندى بالصوابِ قراءةُ مَن قَرَأ ذلك ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ﴾
بالياءٍ(١)، ﴿رَبُّكَ﴾ برفع ((الربِّ))، بمعنى: هل يَسْتَجِيبُ لك إن سأَلْتُه ذلك،
ويُطِيعُك فيه ؟
وإنما قلنا : ذلك أولى القراءتين بالصوابٍ ؛ لما بيّنا قبلُ مِن أن قوله: ﴿إِذْ قَالَ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٤٣/٤ (٧٠١٤) من طريق القاسم ، عن عائشة ، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٦/٢ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.
(٢) فى النسخ ((الثعلبى))، والمثبت هو الصواب كما تقدم.
(٣) فى م: ((حيان)). وينظر التاريخ الكبير ٣٣/٣، والجرح والتعديل ٢٣٥/٣.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٦/٢ إلى المصنف وأبى عبيد.
(٥) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وأبى عمرو وابن عامر وحمزة . السبعة لابن مجاهد ص ٢٤٩ .
(٦) القراءتان كلتاهما صواب ، وليست إحداهما أولى من الأخرى .

١١٩
سورة المائدة : الآية ١١٢
اَلْحَوَارِيُونَ﴾ مِن صلةٍ ﴿ إِذْ أَوْحَيْتُ﴾، وأن معنى الكلام: وإذا أُوْحَيْتُ إلى
الحواريِّين أن آمِنوا بى وبرسولى، إذ قَالَ الحَوَارِيُّونَ يا عيسى ابنَ مَريمَ هَل يَستَطِيع
[٧٣٩/١ و] رَبُّكَ. فبَيِّنٌ إذ كان ذلك كذلك، أن اللَّه تعالى ذكرُه قد كرِه منهم ما قالوا
مِن ذلك واسْتَعْظَمه، وأمَرَهم بالتوبةِ ومُراجعةِ الإيمانِ مِن قِيلِهم ذلك، والإقرارِ للَّهِ
بالقدرة على كلِّ شىءٍ، وتصديقِ رسولِه فيما أخْبَرَهم عن ربِّهم مِن الأخبارِ ، وقد
قال عيسى لهم عند قيلهم ذلك له - اسْتعظامًا منه لما قالوا -: ﴿ أَتَّقُواْ اللَّهَ إِن
كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾. ففى استتابةِ اللَّهِ إياهم، ودعائِه لهم إلى / الإيمانِ به، ١٣٠/٧
وبرسولِهِ مَ لِ عندَ قيلِهم ما قالوا مِن ذلك، واسْتِعِظامِ نبيِّ اللّهِ مَ ◌ّ كلمتَهم -
الدلالةُ الكافيةُ مِن غيرِها، على صحةِ القراءةِ فى ذلك بالياءِ، ورفع ((الربِّ))، إذ
كان لا معنى فى قولِهم لعيسى - لو كانوا قالوا له : هل تَسْتَطِيعُ أن تَسْأَلَ ربَّك أن
يُنَزِّلَ علينا مائدةٌ مِن السماءِ؟ - أن يُسْتَكْبَرَ هذا الاستكبارَ .
فإن ظنَّ ظانٌّ أن قولَهم ذلك له إنما استُعْظِم (١) منهم لأن ذلك منهم كان مسألةً
آيةٍ - فإن الآيةَ إنما يَسْأَلُها الأَنْبياءَ مَن كان بها مُكَذِّبًا؛ ليَتَقَرَّرَ عندَه حقيقةُ ثبوتِها
وصحةُ أمرِها(٢)، كما كانت مسألةُ قريشٍ نبيّنا محمدًا عَِّ أن يُحَوِّلَ لهم الصَّفا
ذهبًا، ويُفَجِّرَ فِجاجَ مكةَ أنهارًا، مَن سأله مِن مشركى قومِه، وكما كانت
مسألةُ صالح الناقةَ مِن مُكَذِّبِى قومِه ، ومسألةُ شعيبٍ أن يُشْقِطَ كِسَفًا مِن السماءِ
مِن كفارٍ مَن أَزْسِل إليه(٣) .
" فإن كان الذين" سأَلُوا عيسى أن يَسْأَلَ ربَّه أن يُنَزِّلَ عليهم مائدةٌ مِن
(١) فى م: ((هو استعظام)).
(٢) قوله ((فإن الآية إنما يسألها
.. إلخ)). هو جواب الشرط فى قوله: ((فإن ظن ظان)).
(٣) فى م: ((إليهم)).
(٤ - ٤) فى م: ((وكان الذين))، وفى ت١: ((كان الذى))، وفى س: ((فإن الذى)).

١٢٠
سورة المائدة : الآية ١١٢
السماءِ، على هذا الوجهِ كانت مسألتُهم، فقد أحَلَّهم الذين قرَءوا ذلك بالتّاءِ
ونصبٍ ((الربِّ))، مَحَلَّاً أعظمَ مِن المَحَلِّ الذى ظنُّوا أنهم يَحيدون بهم" عنه . أو
يكونوا سأَلوا ذلك عيسى، وهم مُوقِنون بأنه للَّهِ نبٌّ مبعوثٌ، ورسولٌ مُرْسَلٌ، وأن
اللَّه تعالى على ما سأَلُوا مِن ذلك قادرٌ.
فإن كانوا سأَلوا ذلك وهم كذلك، وإنما كانت مسألتُهم إياه ذلك على نحوٍ ما
يَسْأَلُ أحدُهم نبيّه إن(٢) كان فقيرًا، أن يَسْأَلَ له ربَّه أن يُغْنِيَه، وإن عرَضَت به حاجةٌ
أن يَسْأَّلَ له ربَّه أن يَقْضِيَها، فإنْ(٢) ذلك مِن مسألةِ الآيةِ فى شىءٍ ، بل ذلك سؤالُ
ذی حاجةٍ عرّضَت له إلى ربّه ، فسأل نبيّه مسألةَ ربِّه أن يَقْضِيَها له.
وخبرُ اللَّهِ تعالى عن القوم يُنْبِىُّ بخلاف ذلك، وذلك أنهم قالوا لعيسى -
إذ قال لهم: ﴿أَتَّقُواْ اللَّهَ إِن كُنتُم ◌ُؤْمِنِينَ﴾ -: ﴿فُرِيدُ أَنْ تَأْكُلَ مِنْهَا
وَتَطْمَيِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ [المائدة: ١١٤] فقد أنْبأ هذا من " قيلِهم،
أنهم لم يكونوا يَعْلَمون أن عيسى قد صدَقَهم، ولا اطْمَأَنَّت قلوبُهم إلى حقيقةٍ
نبوته، فلا بيانَ أبينُ مِن هذا الكلامِ، فى أن القومَ كانوا قد خالَط قلوبَهم
مرضّ وشكّ فى دينِهم وتصديقِ رسولِهم، وأنهم سألوا ما سألوا مِن ذلك
(٥)
اختبارًا(٥) .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
(١ - ١) فى م: ((نزهوا ربهم)).
(٢) فى م: ((إذ)).
(٣) فى م: ((فأنى)). و((إن)) هدهنا نافية.
(٤) فى النسخ: ((عن)). وأثبتنا ما يقتضيه السياق.
(٥) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((اختيارا)).