Indexed OCR Text

Pages 1-20

نفسَيُ الطُّى
جَامِعُ البَّيَّانِّ عَنْ تَأْوِيلِ آَ الْقُرآنِ
لِأَبِ جَعَفَر ◌ُحَّد بن جَرِيرِ الطَّبَرِيّ
(٢٢٤هـ - ٣١٠ هـ )
تحقيق
الدكتور عدالنَّك بن عبد الحسن التركي
بالتعاون مع
مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية
بدار هجر
الدكتور عبد السنة حسن يمان
الجزء التاسع
هجر
للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان

حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
القاهرة ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م
مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية
بدار هجر
الدكتور عبد السند حسن يمامة
مكتب : ٤ ش ترعة الزمر - المهندسين - جيزة
ت : ٣٢٥١٠٢٧
مطبعة : ٣٢٥٢٥٧٩ - فاكس : ٣٢٥١٧٥٦

تَفِيُ الظَّرِىّ
٧٥ ٩
جَامِعُ البَنِ عَنْ تَأْوِيلِ آَى الْقُرَآنِ

0
سورة المائدة : الآية ٩٧
القولُ فى تأويل قوله: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ اُلْحَرَامَ قِيَمًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ
ج
أُلْحَرَامَ وَالْهَدَّىَ وَاَلْقَلَبِدَ﴾.
يقولُ تعالى ذكره: صيَّرِ اللَّهُ الكعبةَ البيتَ الحرامَ قِوَامًا للناسِ الذين لا قِوامَ
لهم، من رئيسٍ يَحْجِزُ قويّهم عن ضعيفِهم، ومسيئَهم عن محسنِهم، وظالمَهم عن
مظلومِهم، ﴿ وَالشَّهْرَ أَلْحَرَمَ وَالْهَدَّىَ وَاَلْقَلَبِدُ﴾، فحجَز بكلِّ واحدٍ من ذلك
بعضَهم عن بعضٍ ، إذ لم يكنْ لهم قيامٌ غيرُه، وجعَلها معالمَ لدينهم، ومصالحٍ
أمورهم .
والكعبةُ سُمِّيت - فيما قيل - كعبةً لتربيعِها .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن
مجاهدٍ(١) ، قال: إنما سُمِّيت الكعبةَ لأنها مُرَبَّعةٌ(٢).
(١) بعده فى س: (( مثله)).
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ١١٢/٤ عن وكيع به، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢١٣/٤
(٦٨٥٢) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٣/٢ إلى عبد بن حميد وابن
المنذر وأبى الشيخ .

٦
سورة المائدة : الآية ٩٧
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا هاشمُ بنُ القاسمِ ، عن أبى سعيدِ المؤدِّبِ ، عن النَّضْرِ
ابنِ عَرَبىٍّ، عن عكرمةَ، قال: إنما سُمِّيت الكعبةَ لتربيعِها(١).
وقيل: ﴿قِيَمًا لِلنَّاسِ﴾ . بالياءِ، وهو من ذواتِ الواوِ؛ لكسرةِ القافِ،
وهى فاءُ الفعلِ، فجُعِلت العينُ منه بالكسرةِ ياء ، كما قيل فى مصدرٍ
قمتُ : قيامًا، وصمتُ: صيامًا، فحُوِّلت العينُ من الفعلِ وهى واوٌ ياءً؛
الكسرةِ فائِه، وإنما هو فى الأصل: قمتُ قِوامًا، وصمتُ صِوَامًا، وكذلك
قولُه: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَمًا لِلنَّاسِ﴾. فحُوِّلت واؤها ياءً؛
إذ هى قِوَامٌ. وقد جاء ذلك من كلامِهِم مَقُولًا على أصلِه الذى هو أصلُه ، قال
الراجز (٣) :
,(٣)
قِوَامُ دُنْيَا وقِوَامُ دِينِ
فجاء به بالواوِ على أصلِه .
وجعَل تعالى ذكرُه الكعبةَ والشهرَ الحرامَ والهَدْىَ والقلائدَ قِوامًا لمن
كان يحرّمُ(٤) ذلك من العربِ ويعظِّمُه (٥)، بمنزلةِ الرئيسِ الذى يقومُ به أمرٌ
تَاعِه .
وأما الكعبةُ فالحَرَمُ كلُّه، وسمَاها اللَّهُ تعالى ذكرُه حرامًا؛ لتحريمِهِ إِيَّها أن
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٣/٢ إلى المصنف وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) فى ص، ت ١، س: ((ألفا)).
(٣) هو حميد الأرقط، والرجز فى مجاز القرآن ١٧٧/١.
(٤) فى م: (( يحترم)) .
(٥) فى ص، ت ١، س: ((يعطيه)).

٧
سورة المائدة : الآية ٩٧
يُصادَ صيدُها، أو يُخْتَلى خَلاها(١)، أو يُعْضَدَ(٢) شجرُها .
وقد بيَّنَا ذلك بشواهدِه فيما مضى قبلُ(٢).
وقولُه: ﴿ وَالشَّهْرَ الْحَرَمَ وَالْهَدّىَ وَالْقَلَئِدُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وجعَل
الشهرَ الحرامَ والهَدْىَ والقلائدَ أيضًا قيامًا للناس، كما جعَل الكعبةَ البيت الحرامَ لهم
قيامًا .
و ((الناسُ)) الذين جعَل ذلك لهم قيامًا مختلَفٌ فيهم؛ فقال بعضُهم: جعَل اللّهُ
ذلك فى الجاهلية قيامًا للناسِ كلِّهم.
وقال بعضُهم: بل عنَى به العربَ خاصةً .
/وبمثلِ الذى قلنا فى تأويلِ القِوَامِ قال أهلُ التأويلِ.
٧٧/٧
ذكرُ من قال: عنَى اللَّهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ أُلْبَيْتَ
اُلْحَرَامَ قِيَمًا لِلنَّاسِ﴾. القِوامَ. على نحوِ ما قلنا .
حدَّثنا هنَادٌ ، قال: ثنا ابنُ أبى زائدةً، قال: أخبرنا مَن سمِعِ خُصَيفًا يُحدِّثُ عن
مجاهدٍ فى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَمًا لِلنَّاسِ ﴾. قال: قِوامًا
(٤)
للناسِ(٤).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ، عن إسرائيلَ، عن خُصَيفٍ ، عن سعيدِ
(١) الخلا مقصور: النبات الرطب الرقيق ما دام رطبا، واختلاؤه: قطعه. وأخلت الأرض: كثر خلاها ، فإذا
يبس فهو حشيش. النهاية ٢/ ٧٥.
(٢) أى يقطع. يقال: عضدت الشجر أعضِده عضْدا. النهاية ٣/ ٢٥١.
(٣) ينظر ما تقدم فى ٥٣٧/٢ - ٥٤٣.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٣/٢ إلى المصنف.

٨
سورة المائدة : الآية ٩٧
ابنِ جبيرٍ: ﴿قِيَمًا لِلنَّاسِ﴾. قال: صلاحًا لدينهم(١).
حدَّثنا هنَّدٌ، قال : ثنا ابنُ أبى زائدةَ، قال : أخبرنا داودُ، عن ابن جريجٍ، عن
مجاهدٍ فى: ﴿ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَمًا لِلنَّاسِ﴾. قال: حينَ لا
يرجُون جنةً ، ولا يخافُون نارًا، فشدَّد اللَّهُ ذلك بالإسلامِ.
حدَّثنا هنَّادٌ ، قال : ثنا ابنُ أبى زائدةَ، عن إسرائيلَ، عن أبى الهيثم، عن سعيد
ابنِ جبيرٍ قولَه: ﴿ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَمًا لِلنَّاسِ﴾. قال: شدَّةٌ
لدینهم .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن أبى الهيثم، عن سعيدِ بنِ
- (٢)
جبيرٍ مثلَه(٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَمًا لِلنَّاسِ﴾ .
قال: قيامُها أن يأمَنَ مَن توجّه إليها(٣).
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةٌ ، عن علىٍّ ، عن
ابنِ عباس قوله: ﴿جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ [٧٢٥/١و] الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَمًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ
أُلْحَرَامَ وَالْهَدْىَ وَاَلْقَلَئِدَّ﴾: يعنى قيامًا لدينهم، ومعالِمَ لحجّهم .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٣/٢ إلى المصنف وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى
الشيخ .
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٤/ ١١٢، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢١٤/٤ (٦٨٥٦) من طريق وكيع به ، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٣/٢ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ وابن المنذر.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٣/٢ إلى المصنف.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢١٤/٤ (٦٨٥٤) من طريق عبد الله بن صالح به .

٩
سورة المائدة : الآية ٩٧
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُّدىِّ: ﴿ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَمًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ اُلْحَرَامَ وَالْهَدْىَ
وَالْقَبِدَ﴾: جعَل اللَّهُ هذه الأربعةَ قِيامًا للناسِ، هو قِوامُ أمرِهم(١).
وهذه الأقوالُ وإن اخْتَلفت من قائلِها ألفاظُها ، فإن معانيَها آيلٌ إلى ما قلنا فى
ذلك، من أن(١) القِوامَ للشىءٍ هو الذى به صلاحُه، كما الملِكُ (١) الأعظمُ قِوامُ رعيتِه
ومَن فى سلطانِه؛ لأنه مديِّرُ أمرِهم، وحاجزُ ظالمهم عن مظلومِهم، والدافعُ عنهم
مكروهَ مَن بغاهم وعاداهم ، وكذلك كانت الكعبةُ والشهرُ الحرامُ والهَدْىُ والقلائدُ
قِوامَ أمرِ العربِ الذى كان به صلاحهم فى الجاهليةِ، وهى فى الإسلامِ لأهلِه معالمُ
حجّهم ومناسكِهم، ومتوَجَّهُهم لصلاتِهم، وقبلتُهم التى باسْتَقْبالِها يَتِمُّ فرضُهم .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قالت جماعةُ أهلِ التأويلِ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال : ثنا جامعُ بنُ حمادٍ ، قال : ثنا يزيدُ بنُ زُريع ، قال : ثنا
سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَمَا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ
اُلْحَرَامَ وَالْهَدّىَ وَالْقَلَئِدَ﴾: حواجزَ أبقاها اللَّهُ بينَ الناسِ فى الجاهليةِ ، فكان الرجلُ
لو جرَّ كلَّ جريرةٍ ، ثم لجأ إلى الحرَمِ، لم يُتناوَلْ، / ولم يُقْرَبْ، فكان الرجلُ لو لَقِى
قاتلَ أبيه فى الشهرِ الحرامِ ، لم يعرِضْ له ، ولم يَقْرَبْه ، وكان الرجلُ إذا أراد البيتَ تقلَّد
◌ْدةً من شَعَرٍ، فَأَحْمَته(٤) ومنَعثه من الناسِ، وكان إذا نَفَرَ تقلَّد قِلادةً من
٧٨/٧
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢١٤/٤ (٦٨٥٩) من طريق أحمد بن مفضل به .
(٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) فى م: ((كالملك))، وفى ت ١: ((كمال الملك)).
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((فأحرمته )).

١٠
سورة المائدة : الآية ٩٧
الإذْخِرِ (١)، أو من لحاءِ السَّمُرٍ (١)، فمنعَتْه من الناسِ حتى يأتىَ أُهلَه؛ حواجزُ
أبقاها اللَّهُ بينَ الناسِ فى الجاهليةِ(١) .
حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿جَعَلَ اللَّهُ
اَلْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَمًا لِلنَّاسِ وَالشَّهَرَ الْحَرَمَ وَالْهَدْىَ وَالْقَبِدَ﴾. قال: كان
الناسُ كلُّهم فيهم ملوكٌ تدفَعُ بعضَهم عن بعضٍ. قال: ولم يكنْ فى العربِ ملوكٌ
تدفَعُ بعضَهم عن بعضٍ، فجعَل اللَّهُ تعالى ذكرُه لهم البيتَ الحرامَ قيامًا، يدفَعُ
بعضَهم عن بعضٍ به، والشهرَ الحرامَ كذلك، يدفَعُ اللَّهُ بعضَهم عن بعضٍ
بالأشهرِ الحُرُم والقلائدِ . قال : ويَلْقَى الرجلُ قاتلَ أخيه أو ابنٍ عمِّه فلا يَغْرِضُ له،
وهذا كلُّه قد نُسِخ(٥) .
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَاُلْقَلَئِدَ﴾: كان ناسٌ يتقلَّدون لحاءَ الشجرِ فى الجاهليةِ إذا
أرادوا الحَّ، فيُعْرَفون بذلك .
وقد أتينا على البيانِ عن ذكرِ ((الشهرِ الحرامِ)) و((الهَدْيِ)) و ((القلائدِ)) فيما
مضَى، بما أغْنَى عن إِعادتِه فى هذا الموضعِ() .
(١) الإذخر: حشيش أخضر طيب الريح يسقف به البيوت فوق الخشب ، وهمزته زائدة ، الواحدة: إذخرة.
التاج (ذ خ ر) .
(٢) السمر: ضرب من شجر الطلح، الواحدة سَمُرة. النهاية ٣٩٩/٢.
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٩٧/٣ عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٣/٢، إلى عبد بن
حميد وابن المنذر وأبى الشيخ .
(٤) فى ص، ت ١، س: (به).
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢١٣/٤، ١٢١٥ (٦٨٥٣، ٦٨٦٣) من طريق أصبغ، عن ابن زيد .
(٦) ينظر ما تقدم فى ٢٥/٨ - ٣٠.

١١
سورة المائدة : الآيات ٩٧ - ٩٩
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى
٩٧
اْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيهُ
.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ ذَلِكَ﴾: تصييرَه الكعبةَ البيتَ الحرامَ قيامًا للناسِ
والشهرَ الحرامَ والهَدْىَ والقلائدَ. يقولُ تعالى ذكرُه: صيَّرتُ لكم أيُّها الناسُ ذلك(١)
قيامًا، كى تعلَموا أن مَن أَحدَث لكم لمصالح دنياكم ما أَحْدَث مما به قِوامُكم،
علمًا(٢) منه بمنافعِكم ومضارِّكم، أنه كذلك يعلَمُ جميعَ ما فى السماواتِ وما فى
الأرضِ، مما فيه صلاح عاجلِكم وآجلِكم، ولتعلَموا أنه بكلِّ شىءٍ عليمٌ، لا يَخْفَى
عليه شىءٌ من أمورِكم وأعمالِكم، وهو مُخْصِيها عليكم، حتى يجازىَ المحسنَ
منكم بإحسانِه، والمسىءَ منكم بإساءته .
القولُ فى تأويل قولِه: ﴿ أَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
رَّحِيمٌ ﴾
يقولُ تعالى ذكره : اعْلَموا أيُّها الناسُ أن ربّكم الذى يعلَمُ ما فى السماواتِ وما
فى الأرضِ ، ولا يَخْفَى عليه شيءٌ من سرائرِ أعمالِكم وعلانيتِها ، وهو يُحْصِيها
علیکم لیجازِێکم بها - شديدٌ عقابُه مَن عصاه وتمژّد علیه ، على معصيتِه إياه ، وهو
غفورٌ لذنوبِ مَن أطاعه وأناب إليه ، فساترٌ عليه، وتاركٌ فضيحتَه بها ، رحيمٌ به أن
يعاقبه على ما سلَف من ذنوبِهِ ، بعدَ إنابته وتويتِه منها .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا
ـة
٩٩٦
تَكْتُمُونَ
وهذا من اللَّهِ تعالى ذكرُه تهديدٌ لعبادِه ووعيدٌ ، يقول تعالى ذكرُه: ليس على
(١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((علمنا)).

١٢
سورة المائدة : الآيتان ٩٩، ١٠٠
رسولِنا الذی أُزْسَلناہ إلیکم أيُّها الناسُ بإنذارِ کم عقابنا ، بینَ یَدئْ عذابٍ شديدٍ ،
وإعذارِنا إليكم بما فيه قطعُ محجَجِكم، إلا أن / يؤدِّىَ إليكم رسالتنا ، ثم إلينا الثوابُ
على الطاعةِ، وعلينا العقابُ على المعصيةِ. ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ .
يقولُ: وغيرُ خَفىِّ علينا المطيعُ منكم ، القابلُ رسالتنا، العاملُ بما أمَرتُه بالعملِ به،
من ( العاصى الآبى رسالتنا) ، التاركِ العملَ بما أمرتُه بالعملِ به؛ لأَنا نعلَمُ ما عمِله العاملُ
منكم ، فَأَظْهَره بجوارحِه، ونطَق به بلسانِه، ﴿ وَمَا تَكْتُمُونَ ﴾ . یعنی: ما تُخْفونه فى
أنفسكم ؛ من إيمانٍ و کفرٍ ، أو یقین وشكُ ونفاقٍ . یقولُ تعالی ذ کرُه : فمن کان کذلك لا
يَخْفَى عليه شىءٌ من ضمائرِ الصدورِ ، وظواهرِ أعمالِ النفوسِ، مما فى السماواتِ وما فى
الأرضِ، وبيدِه الثواب والعقابُ، فحقيقٌ أن يُتَّقَى، وأن يُطاعَ فلا يُعْصَى .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿قُل لَّا يَسْتَوِى الْخَبِيثُ وَالَِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ
الْخَبِيثِ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيُّه محمدٍ عَله: قلْ يا محمدُ: لا يَعْتَدِلُ الردىءُ والجيّدُ ،
﴾ .
والصالح والطالح، والمطيعُ والعاصى، ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ [٧٢٥/١ظ] كَثْرَةُ الْخَبِيثِّ
يقولُ: لا يعتدلُ العاصى والمطيعُ للَّهِ عندَ اللَّهِ ، ولو كثُر أهلُ المعاصى، فعجِبتَ من
كثرتِهم؛ لأن أهلَ طاعةِ اللَّهِ هم المفلحون ، الفائزون بثوابِ اللَّهِ يومَ القيامةِ، وإن
قُلُّوا ، دونَ أَهلِ معصيتِه ، وإن أهلَ معاصيه هم الأخسرون الخائبون ، وإن كثُرُوا.
يقولُ تعالى ذكرُه النبيِّه مَ له: فلا تَعْجَبَنَّ من كثرةٍ مَن يَعصِى اللَّهَ، فيُمْهِلُه ولا يُعاجِلُه
بالعقوبةِ ، فإن العُقْبى الصالحةَ لأهلِ طاعةِ اللَّهِ عندَه، دونَهم .
كما حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّل، قال: ثنا أسباطُ ،
عن الشُّدئِّ: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْخَبِيِثُ وَاَلَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾. قال:
(١ - ١) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((المعاصى التى رسالتنا))، وفى م: ((العاصى))، وفى س: ((المعاصى))،
والمثبت هو الصواب .
٧٩/٧

١٣
سورة المائدة : الآيتان ١٠٠، ١٠١
الخبيثُ هم المشركون ، والطيِّبُ هم المؤمنون(١).
وهذا الكلامُ وإن كان مَخْرَجُه مَخْرَجَ الخطابِ لرسولِ اللَّهِ مَّهِ، فالمرادُ به
بعضُ أتباعِه، يدلُّ على ذلك قولُه: ﴿فَتَّقُواْ اللَّهَ يَتَأُوْلِ الْأَلْبَبِ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ﴾ .
القولُ فى تأويل قولِه: ﴿فَأَتَّقُواْ اللَّهَ يَأُوْلِ الْأَلْبَبِ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ
يقولُ تعالى ذكره: واتقوا اللَّهَ بطاعته فيما أمَركم ونهاكم، واحْذَروا أن
يستحوذَ عليكم الشيطانُ بإعجابِكم كثرةَ الخبيثِ، فتصيروا منهم، ﴿يَأُوْلِ
اُلْأَلْبَبِ﴾. يعنى بذلك: أهلَ العقولِ والحِجَا، الذين عقَلوا عن اللَّهِ آياتِه، وعرَفوا
مواقعَ حُجَجِه، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. يقولُ: اتقوا اللَّهَ لِتُفْلحوا. أى: كى
تُنْجِحوا فى طَلِبَتِكم ما عندَه .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ
تَسُؤْكُمْ ﴾
/ذُكِر أن هذه الآيةَ أَنْزِلت على رسولِ اللَّهِ عَلَه بسببٍ مسائلَ كان يسألُها إِيَّاه ٨٠/٧
أقوامٌ امتحانًا له أحيانًا ، واستهزاءً أحيانًا ، فيقولُ له بعضُهم: مَن أبِى؟ ويقولُ له
بعضُهم إذا ضلَّت ناقتُه : أين ناقتى؟ فقال لهم تعالى ذكره: لا تسألوا عن أشياءً من
ذلك، كمسألةِ عبدِ اللهِ بنِ حُذَافَةَ إِيَّه مَن أبوه، ﴿إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. يقولُ:
إِنْ أَبْدَينا لكم حقيقةً ما تسألون عنه ساء كم إبداؤُها وإظهارُها .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك تظاهرتْ الأخبارُ عن أصحابٍ رسولِ اللَّهِ عَتِهِ .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢١٦/٤ (٦٨٧٠) من طريق أحمد بن مفضل به . وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٣٣٤/٢ إلى أبى الشيخ .

١٤
سورة المائدة : الآية ١٠١
ذكر الرواية بذلك
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ، قال: ثنا حفصُ بنُ بُغَيْل٢١ِ، قال: ثنا زُهيرُ بنُ معاويةَ ،
قال : ثنا أبو الجُوَيْرِيةِ ، قال: قال ابنُ عباسٍ لأعرابيّ من بنى سُليم: هل تَدْرِى فيما
أُنْزِلِت هذه الآيةُ: ﴿ يَكَأَيُّهَا اُلَِّينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ
تَسُؤْكُمْ﴾. حتى فرَغ من الآيةِ؟ فقال: كان قوم يسألون رسولَ اللَّهِ عَظِّمِ استهزاءً،
فيقولُ الرجلُ : مَن أبى؟ والرجلُ تَضِلُّ ناقتُه، فيقولُ: أينَ ناقتى؟ فَأَنْزَل اللَّهُ فيهم
.(٢)
هذه الآيةَ(٢) .
حدَّثنى محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا أبو عامرٍ وأبو داودَ، قالا: ثنا هشام، عن
قتادةَ، عن أنسٍ، قال: سأل الناسُ رسولَ اللَّهِ وَهِ حتى أَحْفَوه (٢) بالمسألةِ، فصعِد
المنبرَ ذاتَ يومٍ، فقال: ((لا تَسْأَلُونى عن شىءٍ إلا يئَنتُه لكم)). قال أنس: فجعَلتُ
أَنظُرُ يمينًا وشمالاً، فأَرَى كلَّ إنسانٍ لاَّا ثوبَه يَبْكِى، فَأَنْشَأ رجلٌ كان إذا لاحَى(٤)
يُدْعَى إلى غيرٍ أبيه، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، مَن أيِى؟ فقال: ((أبوك حُذَافةٌ)). قال:
فأنشأ عمرُ، فقال: رضِينا باللّهِ ربًّا، وبالإسلامِ دينًا، وبمحمدٍ عَّه رسولًا، وأعوذُ
باللّهِ من سوءِ الفتنِ. فقال رسولُ اللَّهِ يَّهِ: ((لم أَرَفى الشرّ والخيرِ كاليوم قطّ، إنه
صُوِّرت لىَ الجنةُ والنارُ حتى رأيتُهما وراءَ الحائطِ )). وكان قتادةُ يذكُرُ هذا الحديثَ عندَ
هذه الآية: ﴿لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤَّكُمْ﴾(١).
(١ - ١) سقط من: ت٣، وفى ص، م: ((بعض بنى نفيل))، وفى ت١، ت٢: (( بعض بن نفيل)). وفى
س: (( حفص بن مقبل)). والمثبت من مصادر ترجمته. وينظر تهذيب الكمال ٧/ ٥.
(٢) أخرجه البخارى (٤٦٢٢)، وابن أبى حاتم ١٢١٧/٤ (٦٨٧٧)، والطبرانى (١٢٦٩٥) من طريق زهير به .
(٣) أى استقصوا فى السؤال. النهاية ٤١٠/١ .
(٤) يقال: لاحيت الرجل ملاحاة ولحاء. إذا نازعته. النهاية ٢٤٣/٤.
(٥) ليست فى: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣. والمثبت من م، س موافق لما فى مصادر التخريج.
(٦) أخرجه البخارى (٧٠٨٩)، ومسلم (٢٣٥٩) من طريق هشام به، وأخرجه مسلم (٢٣٥٩)، وابن أبى حاتم
١٢١٨/٤ (٦٨٧٨) من طريق قتادة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٤/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.

١٥
سورة المائدة : الآية ١٠١
حدَّثنى محمدُ بنُّ معمرِ البَحْرانىُ ، قال: ثنا رَوْحُ بنُ عُبادةَ ، قال: ثنا شعبةُ ،
قال : أَخْبَرنى موسى بنُ أنسٍ ، قال: سمِعتُ أنسًا يقولُ: قال رجلٌ: يا رسولَ اللَّهِ،
مَن أبى؟ قال: ((أبوك فلانٌ)). قال: فنزَلتْ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْئَلُواْ عَنْ
أَشْيَاءَ إِن تُبَدَ لَكُمْ تَسُؤَّكُمْ﴾(١).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريع ، قال : ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ فى قولِه :
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. قال: فحدَّثَنا أن
أنسَ بنَ مالكِ حدَّثهم، أنَّ رسولَ اللَّهِ عَ لَّهِ سأَلُوه حتى أَخْفَوه بالمسألةِ، فخرَج
عليهم ذاتَ يومٍ ، فصعد المنبرَ، فقال: ((لا تَسْأَلُونى اليومَ عن شىءٍ إِلا بيَّنتُه لكم)).
فَأَشْفَق أصحابُ رسولِ اللَّهِ مَّهِ أن يكونَ بينَ يديه أمرٌ قد حضَر ، فجعَلتُ لا ألتفتُ
يمينًا ولا(٢) شمالًا إِلا وَجَدتُ كُلَّ لاَقًّا رأسَه فى ثوبِهِ ببكى، فَأَنْشَأ رجلٌ كان يُلاحَى
(٣)
فيُدْعَى إلى غيرٍ أبيه، فقال: يا نبيَّ اللَّهِ، مَن أبى؟ قال: ((أبوك حُذَافةُ)). قال: ثم قام"
عمرُ - أو قال: فأَنْشَأْ عمرُ - فقال: رضِينا باللّهِ رَبًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ عَّه
/رسولاً، عائذًا باللّهِ - أو قال: أعوذُ باللَّهِ - من سوءِ الفتنِ. قال: وقال رسولُ اللَّه ◌َ لٍ: ٨١/٧
( لم أَرَ فى الخيرِ والشرِّ كاليوم قطّ، صُوِّرت لىَ الجنةُ والنارُ حتى رأيتُهما دونَ الحائطِ)) (٤).
حدَّثنا أحمدُ بنُّ هشامٍ وسفيانُ بنُ وكيعٍ، قالا : ثنا معاذُ بنُ معاذٍ ، قال : ثنا ابنُ
عونٍ ، قال: سألتُ عكرمةَ مولى ابنِ عباسٍ عن قوله: [٧٢٦/١ و] ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ
(١) أخرجه مسلم (٢٣٥٩)، والترمذى (٣٠٥٦)، عن محمد بن معمر به ، وأخرجه البخاری (٧٢٩٥) من
طریق روح به .
(٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٣) فى م، ت ٢، ت٣: ((قال)).
(٤) أخرجه البخارى ( ٧٠٩٠، ٧٠٩١)، من طريق يزيد بن زريع به ، ووصله أبو نعيم فى المستخرج - كما
فى الفتح ٤٥/١٣ من طريق رُشْتَة ، عن عباس النرسى، عن يزيد به، وأخرجه مسلم (٢٣٥٩)، والطحاوى
فى شرح المشکل (١٤٧٦) من طريق سعيد به .

١٦
سورة المائدة : الآية ١٠١
ءَامَنُوْ لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. قال: ذاك يوم قام فيهم
النبيُّ عَّهِ، فقال: ((لا تَسْأَلُونى عن شىءٍ إِلَّا أَخْبَرتُكم به)). قال: فقام رجلٌ، فكرِه
المسلمون مَقامَه يومَئذٍ ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، مَن أبى؟ قال: ((أبوك حذافةُ)).
قال: فنزلت هذه الآيةُ (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ ، عن ابنٍ
طاوسٍ، عن أبيه ، قال: نزَلت: ﴿لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. فى
ظ
رجلٍ قال: يا رسولَ اللَّهِ، مَن أبى؟ قال: ((أبوك فلانٌ))(٢).
حدَّثُنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى سفيانُ، عن معمرٍ ، عن قتادةً ،
قال: سألوا النبيَّ مَّ ◌َلَّهِ حتى أَكْثَرُوا عليه، فقام مُغْضَبًا خطيبًا، فقال: ((سَلونى،
فواللَّهِ لا تَسْأَلُونى عن شىءٍ ما دمتُ فى مَقامى إلّا حدَّثتُكم)). فقام رجلٌ، فقال:
مَن أبى؟ قال: ((أبوك حذافةٌ)). واشتد غضبه وقال: ((سَلونى)). فلما رأى الناسُ
ذلك كثُر بكاؤُهم، فجثا عمرُ على ركبتَيْه، فقال: رضِينا باللَّهِ رًّا (٣).
قال معمرٌ: قال الزهرىُّ : قال أنس مثلَ ذلك : فجثا عمرُ على ركبتَيْه ، فقال :
رضِينا باللَّهِ رَبًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ عَ له رسولًا. فقال رسولُ اللَّهِ عَ ل: ((أمَا
والذى نفسِى بيدِه، لقد صُوِّرتْ لىّ الجنةُ والنارُ آنفًا فى عُرْضِ هذا الحائطِ ، فلم أرَ
كاليومٍ فى الخيرِ والشرّ))(6).
قال "الزهرىُّ: فقالت أمّ عبدِ اللَّهِ بنِ حذافةً): ما رأيتُ ولدًا أعقَّ منك قطُّ ،
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٤/٢ إلى المصنف.
(٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٩٦.
(٣) تفسير عبد الرزاق ١٩٥/١ عن معمر به .
(٤) تفسير عبد الرزاق ١٩٦/١ عن معمر به .
(٥ - ٥) كذا فى النسخ، وفى تفسير عبد الرزاق: ((وقال الزهرى: فأخبرنى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن
مسعود قال: فقالت أم عبد الله بن حذافة)). وهو الصواب.

١٧
سورة المائدة : الآية ١٠١
أَتْأُمَنُ أن تكونَ أمُّك قارفت ما قارف أهلُ الجاهليةِ فتفضحها على رءوسٍ الناسِ !
فقال: واللَّهِ لو أَلْقَنى بعيدٍ أسودَ للحِقتُه(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال : ثنا أحمدُ بنُ مفضَّل، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُدىِّ: ﴿ يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. قال :
غضِب رسولُ اللّهِ عَ له يومًا من الأيامِ، فقام خطيبًا، فقال: ((سَلونى فإنكم لا
تَشْأَلونى عن شىءٍ إلَّا أَنْبَتُكم به )). فقام إليه رجلٌ مِن قريشٍ من بنى سَهْمٍ، يقالُ له :
عبدُ اللَّهِ بنُ حُذافةً. وكان يُطْعَنُ فيه، قال: فقال: يا رسولَ اللَّهِ ، مَن أبى؟ قال :
((أبوك فُلانٌ)). فدعاه لأبيه، فقام إليه عمرُ، فقبّل رجلَه، وقال: يا رسولَ اللَّهِ،
رضِينا باللَّهِ ربًّا، وبك نبيًّا، وبالإسلامِ دينًا، وبالقرآنِ إمامًا، فاعفُ عنَّا عفا اللَّهُ
عنك. فلم يَزَلْ به حتى رضِى، فيومَئذٍ قال: ((الولدُ الفِراشِ، وللعاهرِ الحَجَرُ))(٢).
حدَّثنی الحارثُ ، قال : ثنا عبدُ العزيزِ ، قال : ثنا قيس ، عن أبی خصینٍ ، عن أبى
صالحٍ، عن أبى هريرةَ، قال: خرَج رسولُ اللهِ نَّهِ وهو غَضْبانُ محمارٌ وجهُه، ٨٢/٧
حتى جلس على المنبرِ، / فقام إليه رجلٌ، فقال: أين أبى(٢)؟ قال: ((فى النارِ)). فقام
آخر فقال: مَن أبى؟ قال: ((أبوك محذَافةٌ)). فقام عمرُ بنُ الخطابِ، فقال: رضِينا باللّهِ
ربًّا، وبالإسلامِ دينًا، وبمحمدٍ مَّهِ نبيًّا، وبالقرآنِ إمامًا، إنَّا يا رسولَ اللَّهِ حديثُو عهدٍ
بجاهليةٍ وشركٍ، واللَّهُ يعلَمُ مَن آباؤنا. قال: فسكَن غضبُه، ونزَلتْ: ﴿يََّأَيُّهَا
اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾(٤).
(١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٩٦، عن معمر، عن الزهرى، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أم عبد الله.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢١٩/٤ (٦٨٨٢) من طريق أحمد بن مفضل به .
(٣) فى ص، ت ١، س: ((أنا)) وانظر مصادر التخريج الآتية بعد .
(٤) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (١٤٧٥) من طريق الفريانى ، عن قيس به ، وذكره ابن كثير فى
تفسيره ١٩٩/٣ عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٥/٢ إلى الفريابى وابن مردويه.
( تفسير الطبرى ٢/٩ )

١٨
سورة المائدة : الآية ١٠١
وقال آخرون : نزَلتْ هذه الآيةُ على رسولِ اللَّهِ عَطِّ من أجل مسألةٍ سائل سأله
عن شىءٍ فى أمرِ الحجّ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ ، قال: ثنا منصورُ بنُ وَرْدانَ الأسدىُّ، قال : ثنا علىُ بنُ
عبدِ الأعلى، قال: لما نزَلتْ هذه الآيةُ: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُّ الْبَيْتِ مَنِ أُسْتَطَاعَ
ج
إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧]. قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، أفى كلِّ عام؟ فسكت، ثم
قالوا: أفى كلٌّ عامٍ؟ فسكت، ثم قال: ((لا، ولو قلتُ: نعم. لَوَجَبَتْ)) . فَأَنْزَل
اللَّهُ تعالى ذكرُه هذه الآيةَ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ
تَسُؤْكُمْ ﴾(١).
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحيم" بنُ سليمانَ، عن إبراهيم بنِ مسلم
الهَجَرىِّ، عن أبى (١) عِياضٍ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ مَِّهِ: ((إن اللَّهَ
كتَب عليكم الحيّ)) . فقال رجلٌ: أفى كلِّ عامٍ يا رسولَ اللَّهِ؟ فَأَغْرَض عنه، حتى
عاد مرتين أو ثلاثًا، فقال: ((مَن السائلُ؟)). فقال: فلانٌ. فقال: ((والذى نفسى
بيدِه، لو قلتُ : نَعَمْ. لوجبَتْ، ولو وجبَتْ عليكم ما أَطَقْتُموه، ولو ترَ كتُموه
لكفَرْتُم )). فَأَنْزَل اللّهُ هذه الآيةَ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ
لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ﴾ ، حتى ختَم الآيةَ() .
(١) أخرجه أحمد ٢٣٦/٢ (٩٠٥)، والترمذى (٨١٤، ٣٠٥٥)، وابن ماجه (٢٨٨٤)، والبزار (٩١٣)،
وابن أبى حاتم فى تفسيره ٧١٣/٣ (٣٨٥٧) من طريق منصور، عن على، عن أبيه، عن أبى البخترى ، عن
على .
(٢ - ٢) فى النسخ: ((عبد الرحمن)). وتقدم على الصواب فى ٥٤١/٢، ٦٦٤، ٧٠٢، ٥٦٩/٣.
(٣) فى م: ((ابن)). وينظر تهذيب الكمال ٥٤٣/٢١.
(٤) أخرجه الدارقطنى ٢/ ٢٨٢، والطحاوى فى شرح المشكل (١٤٧٣) من طريق الهجرى به.

١٩
سورة المائدة : الآية ١٠١
حدَّثنى محمدُ بنُ علىِّ بنِ الحسنِ بنِ شَقيقٍ، قال: سمِعتُ أبى، قال:
أخبرنا الحسينُ بنُ واقدٍ ، عن محمدِ بنِ زيادٍ ، قال: سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: خطَبنا
رسولُ اللَّهِ مَحِ، فقال: ((يا أيُّها الناسُ، كتَب اللَّهُ عليكم الحَجَّ)). فقام مِحْصنّ
الأسدىُّ(٢)، فقال: أفى كلِّ عامٍ يا رسولَ اللَّهِ؟ فقال: ((أمَا إِنِّى لو قلتُ: نعم.
لوجَبتْ، ولو وجَبتْ ثم ترَكتُم لضلَلتم، اسْكُتُوا عنى(٢) ما سكتُّ عنكم، فإِنما
هلَك مَن كان قبلَكم بسؤالِهم واختلافِهم على أنبيائهم)). فأَنزَل اللَّهُ تعالى
ذكرُه: ﴿ يَأَيُّهَا أُلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسَّشَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ إِلى
آخرِ الآيةِ (٤).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا يحيى بنُ واضح، قال : ثنا الحسینُ بنُ واقدٍ ، عن
محمدِ بنِ زيادٍ ، قال: سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: خطَبنا رسولُ اللَّهِ ◌ِِّهِ. فذكَر مثلَه،
إلا أنه قال: فقام عُكَّاشةُ بنُ مِخصنٍ الأسدىُّ(٥).
حدَّثنا زكريا بنُ يحيى بنِ أبانٍ المصرىُّ ، قال : ثنا أبو زيدٍ عبدُ الرحمنِ بنُ أبی
الغَمْرِ(١) ، قال: ثنا أبو مُطيع معاويةُ بنُ يحيى ، عن صفوانَ بنِ عمرو، قال : ثنى
سُليمُ بنُ عامٍ ، قال: سمِعتُ [٧٢٦/١ظ] أبا أمامةَ الباهلىَّ يقولُ: قام رسولُ اللَّهِ عَهِ
٨٣/٧
فى الناسِ فقال: ((كُتِب عليكم الحجُ)). فقام رجلٌ من / الأعرابِ، فقال: أفى كلٌ.
(١) فى النسخ: ((الحسين))، وتقدم على الصواب فى ٢٧٨/٢، ١٠٥/٣، ١١٢، ٢٥٩.
(٢) فى ص: (( الأسيدى)).
(٣) فى ص، ت١: (( على)).
(٤) أخرجه أحمد ٣٥٥/١٦ (١٠٦٠٧)، ومسلم (١٣٣٧)، والنسائى (٢٦١٨)، والدار قطنى ٢٨١/٢ ،
وابن حبان (٣٧٠٤، ٣٧٠٥) من طريق محمد بن زياد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٥/٢ إلى أبى
الشيخ وابن مردويه .
(٥) قال ابن كثير فى تفسيره ٢٠٠/٣ : وهو أشبه .
(٦) فى النسخ: ((العمر)) بالعين المهملة، والمثبت من مصدر التخريج، وينظر تبصير المنتبه ٣ / ٩٧١.

٢٠
سورة المائدة : الآية ١٠١
عامٍ؟ قال: فَغَلِقَ(١) كلامُ رسولِ اللَّهِ ◌ٍِّ، وَأَشْكَتَ(٢)، واسْتَغْضَب(٣)، فمكَث
طويلاً، ثم تكلّم، فقال: ((مَن السائلُ؟)). فقال الأعرابي: أنا ذا. فقال: (( وَيْحَك
ماذا يُؤْمِنُك أن أقولَ : نَعَمْ . ولو قلتُ: نَعَمْ. لوجَبتْ، ولو وجَبتْ لكفَرْتُم ، ألَا إنه
إنما أَهْلَك الذين قبلَكم أئمةُ الحَرَج، واللَّهِ لو أنى أحلَلْتُ لكم جميعَ ما فى الأرضِ،
وحَرَّمتُ عليكم منها موضِعَ خُفٍّ لوقَعتم فيه )). قال: فَأَنْزَل اللَّهُ تعالى ذكرُه عندَ
ذلك: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ ﴾ إلى آخرِ الآيةِ().
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی أیی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أیی، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ
تَسُؤْكُمْ﴾: وذلك أن رسولَ اللَّهِ عَ لِ أَذَّن فى الناسِ، فقال: ((يا قوم ، كُتِب عليكم
الحجّ)). فقام رجلٌ من بنى أسدٍ فقال: يا رسولَ اللَّهِ، أفى كلِّ عامِ؟ فَأُغْضِب رسولُ
اللَّهِ عَمِ غضبًا شديدًا، فقال: ((والذى نفسُ محمدٍ بيدِه لو قلتُ : نعم. لوجبتْ ،
ولو وجبَتْ ما استطعتُم، وإِذَنْ لكفَرتم ، فاتركُونى ما ترَكتُكم، فإذا أمَرتُكم بشىءٍ
فافعلوا، وإذا نهيتُكم عن شىءٍ فانتهُوا عنه)). فَأَنْزَل اللَّهُ تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُوْ لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ . نهاهم أن يَسْأَلوا عن مثلِ الذى
(١) فى م: ((فعلا)). وفى باقى النسخ: ((فعلى)) غير منقوطة. والمثبت موافق لما فى مصادر التخريج وفى الدر
المنثور ((فسكت طويلا)) قال شمر: يقال لكل شىء نشب فى شىء فلزمه: قد غلق ، غلق فى الباطل ، وغلق فى
البيع فاستغلق. واستغلق الرجل إذا أرتج عليه فلم يتكلم. لسان العرب (غ ل ق).
(٢) بعده فى م: ((وأغضب)). وقوله: أسكت . يقال: تكلم الرجل ثم سكت بغير ألف ، فإذا انقطع كلامه فلم
يتكلم قيل: أسكت . النهاية ٣٨٣/٢.
(٣) كذا ضبطت فى ((ص))، والنهاية ٣٨٣/٢، واللسان (س ك ت)، وذكر الشيخ شاكر أن أصحاب اللغة
لم يذكروه، وتضبط أيضا: ((استُغضب)).
(٤) أخرجه الطبرانى (٧٦٧١) من طريق أبى زيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٥/٢ إلى ابن
مردويه .