Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
سورة المائدة : الآية ٤٩
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَأَنِ أَعْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآ أَنَزَلَ اللَّهُ وَلَا تَذَّبِعْ أَهْوَآءَ هُمْ
وَأَحْذَرُهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَآ أَنْزَلَ اَللَّهُ إِلَيْكٌ فَإِن تَوَلَّوْ فَأَعْلَمْ أَنََّا يُرِدُ اللَّهُ أَنْ
يُصِيَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَسِقُونَ
٤٩
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآ أَنَزَلَ اللَّهُ﴾: وأَنْزَلْنا إليك يا
محمدُ الكتابَ مُصَدِّقًا لما بين يديه من الكتابِ، وأن احكم بينَهم فـ((أن)) فى موضعِ
ـر
نصبٍ بـ((التنزيلٍ)).
ويعنى بقوله: ﴿بِمَآ أَنَزَلَ اللَّهُ﴾: بحكم اللَّهِ الذى أَنْزَله إليك فى كتابِهِ .
وأما قوله: ﴿ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ هُمْ﴾. فإنه نهىٌ مِن اللَّهِ نبيَّه محمدًا عَلِ أَن يَتَّبِعَ
أهْواءَ اليهودِ الذين احْتَكموا إليه فى قتيلِهم وفاجِرَيْهم ، وأمْرٌ منه له بلزومِ العملِ بكتابِه
الذى أنْزَله إليه .
وقولُه: ﴿ وَأَحْذَرُهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَـ عَنْ بَعْضِ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾. يقولُ تعالى
ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَ لَّهِ: واحْذَرْ يا محمدُ هؤلاء اليهودَ الذين جاءُوك مُحْتَكِمين
إليك ، أن يَفْتِنوك فيَصُدُّوك عن بعضٍ ما أَنْزَل اللَّهُ إليك مِن حكم كتابِهِ ، فيَحْمِلوك
على تركِ العملِ به واتِباعِ أهْوائِهم .
وقولُه: ﴿فَإِن تَوَلَّوْ فَاعْلَمْ أَنَّا يُرِدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمُمْ﴾ . يقولُ تعالى
ذكره: فإن توَلَّى هؤلاء اليهودُ الذين اختَصَموا إليك عنك، فترَكوا العملَ بما
حكَمْتَ به عليهم وقضَيْتَ فيهم ، ﴿ فَأَعْلَمْ أَنََّا يُرِيِدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمٌ﴾ .
يقولُ : فاعْلَمْ أنهم لم يَتَوَلَّوْا عن الرضا بحكمِك وقد قضَيْتَ بالحقِّ ، إلا مِن أجلِ أن
اللَّهَ يُريدُ أن يَتَعَجَّلَ عقوبتهم فى عاجلِ الدنيا ببعضٍ ما قد سلف مِن ذنوبِهم، ﴿وَإِنَّ
كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَسِقُونَ﴾. يقولُ: وإن كثيرًا مِن اليهودِ ﴿لَفَسِقُونَ﴾. يقولُ:
لتارِ كُو العملِ بكتابِ اللَّهِ ، ولخارجون عن طاعته إلى معصيتِه .

٥٠٢
سورة المائدة : الآية ٤٩
وبنحوِ الذى قُلْنا فى ذلك جاءَت الروايةُ عن أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ، قال: ثنا يونُسُ بنُ بُكَيْرٍ ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ ، قال : ثنى
محمدُ بنُّ أبى محمدٍ مولی زیدِ بنِ ثابتٍ ، قال : ثنی سعیدُ بنُ جبیٍ، أو عکرمةُ ، عن
ابنِ عباسٍ، قال : قال كعبُ بنُ أسدٍ وابنُ صُورِيًا وشأسُ بنُ قيسٍ بعضُهم لبعضٍ :
٢٧٤/٦ اذْهَبوا بنا إلى محمدٍ لعلنا نَفْتِنُه عن دينِه. فأَتَوْه فقالوا: / يا محمدُ، إنك قد عرَفْتَ أَنَّا
أخبارُ يهودَ وأَشْرافُهم وساداتُهم ، وإنّا إن اتَّبَعْناك اتَبَعَنا يهودُ ولم يُخالِفونا، وإن بيننا
وبينَ قومِنا خُصومةً ، فتُحاكمُهم إليك، فتَقْضِى لنا عليهم ونُؤْمِنُ لك ونُصَدِّقُك .
فَأَتِى رسولُ اللَّهِ مََّمِ، فَأَنْزَل اللَّهُ فيهم: ﴿ وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَّ أَنَزَلَ اللَّهُ وَلَا تَّبِعْ
أَهْوَآءَهُمْ وَأَحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُ﴾ إلى قولِه: ﴿لِّقَوْمِ
يُوقِنُونَ﴾(١).
حدَّثْنى يونُسُ، قال: أُخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
﴿ وَأَحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُ﴾. قال: أن يقولوا:
فى التوراةِ كذا. وقد بيَّنالك ما فى التوراةِ. وقرّأ: ﴿ وَكَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ
بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِلْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسّنّ
وَالْجُرُوحَ قِصَاصُ ﴾ [المائدة: ٤٥] بعضُها ببعضٍ (١).
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن مُغيرةَ، عن الشعبىِّ، قال: دخَل المَجَوسُ
مع أهلِ الكتابِ فى هذه الآيةِ: ﴿ وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْتَهُم بِمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ
(١) سيرة ابن هشام ٥٦٧/١، وأخرجه البيهقى فى الدلائل ٢/ ٥٣٣، ٥٣٤ من طریق یونس به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم ٤/ ١١٤٥، ١١٥٤ (٦٤٤٦، ٦٤٩٩) من طريق أصبغ عن ابن زيد به .

٥٠٣
سورة المائدة : الآية ٥٠
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَهِيَّةِ يَبْغُونَّ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ
يُوقِنُونَ
٥٠
يقولُ تعالى ذكرُه: أيَثْغِى هؤلاء اليهودُ الذين احتَكَموا إليك فلم يَرْضَوْا
بحكمِك ، إذ حكَمْتَ فيهم بالقِسْطِ - حكمَ الجاهليةِ ؟ يعنى أحكامَ عَبَدةِ الأوثانِ
مِن أهلِ الشركِ، وعندَهم كتابُ اللَّهِ فيه بَيَانُ حَقيقةِ الحكم الذى حكَمْتَ به فيهم،
وأنه الحقُّ الذى لا يَجوزُ خِلافُه .
ثم قال تعالى ذكرُه مُوَبِّخًا لهؤلاء الذين أَبَوْا قَبولَ حكم رسولِ اللهِ عَلّم عليهم
ولهم مِن اليهودِ، ومُشْتَجْهِلًا فعلَهم ذلك منهم: ومَن هذا الذى هو أحسنُ حُكْمًا
أيُّها اليهودُ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه عندَ مَن كان يُوقِنُ بوَحْدانيةِ اللَّهِ ويُقِرُّ بربوبيتِهِ؟ يقولُ
تعالى ذكره : أىُّ حكم أحسنُ مِن حكم اللَّهِ إن كنتم مُوقِنِين أن لكم ربًّا، وكنتم أهلَ
توحيد وإقرارٍ به ؟
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال مجاهدٌ .
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عیسی ، عن ابن أبى
تَجيح، عن مُجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَهِيَّةِ يَبْغُونَ﴾. قال: يهودُ(١).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنِ أبى تَجِيحٍ، عن
مُجاهدٍ: ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَهِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ : يهودُ .
حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا شيخٌ، عن مجاهدٍ: ﴿ أَفَحُكْمَ
الْجَهِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ . قال: يهودُ .
(١) تفسير مجاهد ص ٣١٠، ومن طريقه ابن أبى حاتم ١١٥٥/٤ (٦٥٠٣)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٩٠/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

٥٠٤
سورة المائدة : الآية ٥١
القولُ فى تأويل قولِه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَّخِذُواْ أَلْيَهُودَ وَالنَّصَرَى أَوْلِيَاءُ بَعْضُهُمْ
أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾ .
٢٧٥/٦
/ اختلف أهلُ التأويل فى المعنيّ بهذه الآيةِ، وإن كان مأمورًا بذلك جميعُ
المؤمنين ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك عُبادةُ بنُ الصامتِ وعبدُ اللَّهِ بِنُ أَتَىِّ ابنُ سَلُولَ ،
فى براءةِ عُبادةَ مِن حِلْفِ اليهودِ ، وفى تمشُكِ عبدِ اللَّهِ بنِ أُتَىِّ ابنٍ سَلُولَ بحِلْفٍ
اليهودِ، بعدَ ما ظهَرَت عداوتُهم للَّهِ ولرسولِه عَّهِ، وأخْبَرَه اللَّهُ أنه إذا تولَّاهم
وتمَسَّك بحلْفِهم أنه منهم فى براءتِهِ مِن اللَّهِ ورسولِه كَبراءتهم منهما .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعْتُ أبى، عن عطيةً بنِ
سعدٍ، قال: جاء عُبادةُ بنُ الصامتِ مِن بنى الحارثِ بنِ الخزرجِ إلى رسولِ اللهِ عَلَه،
فقال: يا رسولَ اللَّهِ ، إن لى مَوالىَ مِن يهودَ كثيرٌ عددُهم، وإنى أَبْرَأَ إلى اللَّهِ ورسولِه
مِن وَلايةِ يهودَ ، وأَتَوَلَّى اللَّهَ ورسولَه. فقال عبدُ اللَّهِ بِنُ أُتَىِّ: إنى رجلٌ أَخافُ
الدَّوائرَ، لا أَثْرَأُ مِن وَلايةِ مَوالَّ. فقال رسولُ اللَّهِ وَظَهِ لعبدِ اللَّهِ بن ◌ُتى: ((يا أبا
الحُبَابِ، ما بِخِلْتَ به مِن وَلايةِ يَهودَ على عُبادةَ بنِ الصامتِ فهو إليك دونَه)) . قال :
قد قبلْتُ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَّخِذُواْ أَلْيُهُودَ وَالنَّصَرَّ أَوْلِيَةً بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ
بَعْضَِّ﴾ إلى قولِه: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضُ ﴾
حِدَّثْنَا هَنَّادٌ ، قال : ثنا يونُسُ بنُ بُكيرٍ ، قال : ثنى عثمانُ بنُ عبدِ الرحمنِ ، عن
الزُّهرىِّ، قال: لما انْهَزَم أهلُ بدرٍ قال المسلمون لأوليائِهم مِن يهودَ : آمِنوا قبلَ أن
يُصِيبَكم اللَّهُ بيومٍ مثلٍ يومٍ بدرٍ. فقال مالكُ بنُ صَيْفٍ: غرَّكم أن أصَبْتُم رهْطًا مِن
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ١٣٧/١٢ عن ابن إدريس به .

٥٠٥
سورة المائدة : الآية ٥١
قريشٍ لا عِلْمَ لهم بالقتالِ ، أَمَا لو أمْرَرْنا (١) العزيمةَ أن نَسْتَجْمِعَ علیکم لم يَكُنْ لکم یدٌ
أن تُقاتِلونا. فقال عُبادةُ: يا رسولَ اللَّهِ ، إن أوليائى مِن اليهودِ كانت شديدةٌ أنفسُهم،
كثيرًا سلاحُهم، شديدةٌ شَوْكتُهم، وإنى أَبْرَأُ إلى اللَّهِ وإلى رسولِه مِن وَلايتِهم، ولا
مَوْلَى لى إلا اللَّهُ ورسولُه. فقال عبدُ اللَّهِ بنُ أَبَيِّ: لكنى لا أَبْرَأُ مِن وَلاءِ يَهودَ ، إنى رجلٌ
لا بدَّلى منهم. فقال رسولُ اللَّهِ عَّهِ: «يا أبا محبابٍ، أرأَنْتَ الذى نَفِسْتَ به مِن وَلاءِ
يَهودَ على عُبادةَ فهو لك دونَه )). قال: إذن أَقْبَلُ. فَأَنْزَل اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿ يَأَيُّهَ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ أَلْيَهُودَ وَالنَّصَرَىِ أَوْلِيَةٌ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍَّ﴾ إلى أن بلَغ إلى قولِه:
(٢)
﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِّ
حدَّثنَا هَنَّادٌ ، قال: ثنا يونُسُ ، قال : ثنا ابنُ إسحاقَ ، قال: ثنى والدى إسحاقُ
ابنُ يَسارٍ ، عن عُبادةَ بنِ الوليدِ بنِ عُبادةَ بنِ الصامتِ ، قال: لمّ حارَبَت بنو قَيْثُقَاعَ
رسولَ اللّهِ عَهِ، تشَبَّث بأمرِهم عبدُ اللَّهِ بنُ أَتَىِّ، وقام دونَهم، ومشَى عُبادةُ بنُ
الصامتِ إلى رسولِ اللَّهِ مَ ◌ّه، وكان أحدَ بنى عوفٍ بنِ الخزرج، له من حِلْفِهم مثلُ
الذى لهم مِن عبدِ اللهِ بنِ أَتَىّ، فخلَعهم إلى رسولِ اللَّهِ مَهِ، وتَبَرَّأَ إلى اللَّهِ وإلى
رسولِه مِن حِلفِهم، وقال: يا رسولَ اللَّهِ، أَتَبْوَأُ إلى اللَّهِ وإلى رسولِه مِن حِلِفِهم،
وَأَتَوَّلَّى اللَّهَ ورسوله والمؤمنين، وأَبْرَأُ مِن حِلفِ الكفارِ ووَلايتهم. ففيه وفى عبدِ اللَّهِ
ابنِ أَتَبِّ نزَلَت الآياتُ فى ((المائدةِ)): ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَّخِذُواْ أَلْهُودَ وَالنَّصَرَىّ
أَوْلِيَّةُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِّ﴾ الآية(٢) .
(١) فى م: ((أسررنا)). وأمَرَّ الحبلَ: فتله. وأمَرَّ الأمر: أحكمه. الوسيط (م ر ر).
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٢٥/٣.
(٣) سيرة ابن إسحاق ص ٢٩٥، ٢٩٦، وسيرة ابن هشام ٤٩/٢، وأخرجه البيهقى فى الدلائل ٣/ ١٧٤، ١٧٥
- ومن طريقه ابن عساكر فى تاريخه ٢٦ / ١٩١، ١٩٢ - من طريق يونس بن بكير به. وأخرجه ابن أبى حاتم ٤/
١١٥٥، ١١٥٧، ١١٥٨، ١١٦٣ (٦٥٠٦، ٦٥١٦، ٦٥٢١، ٦٥٥٣) من طريق ابن إسحاق به . وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٠/٢ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه، وستأتى بقيته فى ص ٥١١، ٥٢٩ .

٥٠٦
سورة المائدة : الآية ٥١
٢٧٦/٦
/ وقال آخرون: بل ◌ُنِى بذلك قومٌ مِن المؤمنين، كانوا همُّوا حينَ نالَهم بأحدٍ
مِن أعدائِهم مِن المشركين ما نالَهم أن يَأْخُذوا مِن اليهودِ عِصَمًا، فنهاهم اللَّهُ عن
ذلك، وأَعْلَمَهم أن مَن فعَل ذلك منهم فهو منهم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُّ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ أَلْهُودَ وَالنَّصَرَّ أَوْلِيَةً بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍّ وَمَنْ
يَتَوَُّ مِّنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمّ﴾ قال: لما كانت وقْعَةُ أَحَدٍ ، اشتَدَّ على طائفةٍ مِن الناسِ،
وتخَوَّفوا أن يُدَالَ عليهم الكفارُ، فقال رجلٌ لصاحبِهِ: أما أنا فأَلْحَقُ بدهلك(١)
اليهودىِّ، فآخُذُ منه أمانًا وأَتَهَوَّدُ معه، فإنى أَخَافُ أَن تُدَالَ علينا اليهودُ. وقال الآخَرُ:
أما أنا فَأَلْقُ بفلانِ النَّصْرانيِّ ببعضِ أرضِ الشامِ ، فَآخُذُ منه أمانًا وأَتَنَصَّرُ معه . فأَنْزَل اللَّهُ
تعالى ذكرُه يَنْهاهما: ﴿ يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَّخِذُواْ الْهُودَ وَالنَّصَرَ أَوِْيَةُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ
بَعْضٍّ وَمَن يَتَوَلَُّم ◌ِّنَكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ اُلَِّمِينَ﴾(١).
وقال آخرون: بل ◌ُنِى بذلك أبو لُبابةً بنُ عبدِ المنذرِ فى إعلامِه بنى قُرَيظةً إذ
رَضُوا بحکمٍ سعدٍ ، أنه الذبح .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن
عكرمةَ قولَه: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَّخِذُواْ أَلْيُهُودَ وَالنَّصَرَىَ أَوْلِيَّةَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِّ وَمَن
◌َتَوَُّ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمَّ﴾. قال: بعَث رسولُ اللَّهِ عِ لْمِ أبا لُبابةَ بنَ عبدِ المنذرِ مِن
(١) فى ت ١: ((بذلك)). ولم نهتد إلى اسمه.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤/ ١١٥٥، ١١٥٦ (٦٥٠٧) من طريق أحمد بن المفضل به . وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٢٩١/٢ إلى ابن المنذر.

٥٠٧
سورة المائدة : الآية ٥١
الأُؤْسِ، وهو مِن بنى عمرو بنِ عوفٍ، فبعَثَه إلى قُرَيْظةَ حينَ نقَضَت العهدَ ، فلمَّا
أطاعوا له بالنزولٍ، أشار إلى حلقِه: الذَّبْعَ الذَّبْحَ(١).
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندَنا أن يُقالَ: إن الله تعالى ذكره نھَى المؤمنين
جميعًا أن يَتَّخِذوا اليهود والنصارى أنصارًا وحلفاءَ على أهل الإيمانِ باللّهِ ورسولِه(٢)،
وأخْبَر أنه مَنِ اتَّخَذَهم نَصِيرًا وحَليفًا وولِيًّا مِن دونِ اللَّهِ ورسوله والمؤمنين فإنه منهم فى
التَّحَزُّبِ على اللَّهِ وعلى رسوله والمؤمنين، وأن اللَّهَ ورسولَه منه بَرِيئان .
وقد يَجوزُ أَن تَكونَ الآيةُ نزَلَت فى شأنٍ عُبادةَ بنِ الصامتِ وعبدِ اللهِبنِ أُتئ ابنٍ
سَلُولَ وحلفائهما مِن اليهود ، ويجوزُ أن تَكونَ نزَلَت فی ابی لُبابةً بسببٍ فعله فی بنی
قُريظةَ ، ويَجوزُ أن تَكونَ نزَلَت فى شأنِ الرجلَيْ اللذين ذكَر السُّدِّىُّ أن أحدَهما همّ
باللِّحاقِ بدهلك اليهودىِّ، والآخَرَ بنَصْرانيِّ بالشامِ، ولم يَصِحَّ بواحدٍ مِن هذه
الأقوالِ الثلاثةِ خبرٌ يَثْبُتُ بمثلِه حُجَّةٌ فِيُسَلَّمَ لصحتِه القولُ بأنه كما قيل .
فإِذا كان ذلك كذلك ، فالصوابُ أن يُحْكَمَ لظاهرِ التنزيلِ بالعمومِ على ما عمَّ ،
ويَجوزُ ما قاله أهلُ التأويلِ فيه مِن القولِ الذى لا علمَ عندَنا بخلافِه، غيرَ أنه لاشَكَّ أن
الآيَةَ نزَلَت فى مُنافِقٍ كان يُوالِى يهودَ أو نصارى، خوفًا(١) على نفسِه مِن دَوائِرٍ
الدهرِ؛ لأن الآيةَ التى بعدَ هذه تَدُلُّ على ذلك، وذلك قولُه: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم
◌َّرَضُ يُسَرِعُونَ فِهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَابِرَةٌ ﴾ الآية.
وأما قولُه: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍّ﴾. فإنه عنَى تعالى ذكرُه بذلك أن بعضَ
اليهودِ أنصارُ بعضِهم على المؤمنين، / ويدٌ واحدةٌ على جميعِهم، وأن النصارى ٢٧٧/٦
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩١/٢ إلى المصنف وابن المنذر.
(٢) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((وغيرهم)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (( جزءا)).

٥٠٨
سورة المائدة : الآية ٥١
كذلك بعضُهم أنصارُ بعضٍ على مَن خالَف دينَهم وملتَهم، مُعَرِّفًا بذلك عبادَه
المؤمنين أن مَن كان لهم أو لبعضِهم وليًّا، فإنما هو وليُّهم على مَن خالَف ملتَهم
ودينَهُم مِن المؤمنين، كما اليهودُ والنصارى لهم حَرْبٌ، فقال تعالى ذكرُه
للمؤمنين: فكونوا أنتم أيضًا بعضُكم أولياء بعضٍ، ولليهودىِّ والنصرانيّ حربًا كما
هم لكم حربٌ، وبعضُهم لبعضٍ أولياءُ؛ لأن مَن والاهم فقد أَظْهَر لأهلِ الإيمانِ
الحربَ ، ومنهم البراءةَ ، وأبان قطعَ وَلايتهم .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَمَنْ يَتَوَُّ مِّنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمّ
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَمَن يَتَوَلَُّ مِنَكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمّ﴾: ومَن يَتَوَلَّ اليهودَ
والنصارى دونَ المؤمنين ﴿ فَإِنَّهُ مِنْهُمَّ﴾. يقولُ: فإن مَن توَلَّاهم ونصرهم على
المؤمنين ، فهو مِن أهلِ دينهم وملتِهم ، فإنه لا يَتَوَلَّى مُتَوَل أحدًا إلا وهو به وبدينه وما
هو عليه راضٍ ، وإذا رضِيه ورضِى دينَه فقد عادَى ما خالَفه وسخِطَه، وصار حكمُه
حكمه، ولذلك حكَم مَن حكم مِن أهلِ العلمِ لنصارى بنى تَغْلِبَ فى ذَبائحِهم
ونكاحٍ نسائهم وغيرِ ذلك مِن أمورِهم، بأحكامٍ نصارَى بنى إسرائيلَ؛ لموالاتِهم
إياهم، ورضاهم بملتِهم، ونُصْرتِهم لهم عليها، وإن كانت أنسابُهم لأنسابهم
مُخالِفةٌ، وأصلُ دينهم لأصلِ دِينِهِم مُغارِقًا .
وفى ذلك الدلالةُ الواضحةُ على صحةٍ ما نقولُ، مِن أن كلَّ مَن كان يَدِينُ
بدينٍ ، فله حكمُ أهلِ ذلك الدينِ ؛ كانت دَيْنُونُه به قبلَ مَجىءِ الإسلامِ أو بعده ، إلا
أن يَكونَ مُسلمًا مِن أهلِ ديننا ، انتَقَل إلى ملةٍ غيرِها ، فإنه لا يُقَرّ على ما دان به فانتَقَل
إليه ، ولكن يُقْتَلُ لِدَّتِه عن الإسلامِ، ومُفارقتِهِ دينَ الحقِّ ، إلا أن يَرْجِعَ قبلَ القتلِ إلى
الدينِ الحقِّ - وفسادِ ما خالَفه مِن قولٍ مَن زعم أنه لا يُحْكَمُ بحكم أهلِ الكتابين لمن
دان بدينِهم، إلا أن يكونَ إسرائيليًّا، أو مُنْتَقِلًا إلى دينهم مِن غيرِهم قبلَ نُزولٍ

٥٠٩
سورة المائدة : الآية ٥١
الفُرقانِ ، فأما مَن دان بدينِهم بعدَ نزولِ الفرقانِ ، ممّن لم يَكُنْ منهم، ثمَّن خالَف نسُه
نسبَهم، وجنسُه جنسَهم، فإن حكمَه لحكمِهم مخالفٌ .
ذكرُ مَن قال بما قلْنا مِن التأويلِ
حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال : ثنا حُميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ الرُّؤَاسىُّ ، عن ابنٍ أبى ليلى،
عن الحكم، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: سُئِل ابنُ عباسٍ عن ذَبائح نصارَى العربِ ،
فقرأ: ﴿وَمَنْ يَتَوَُّ مِنَّكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمَّ﴾(١).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال : ثنى مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن
عليّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ فى هذه الآيةِ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَّخِذُواْ أَلْيَهُودَ
وَالنَّصَرَ أَوْلِيَةُ بَعْضُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍّ وَمَن يَتَوَلَُّ قِّنَكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ أنها فى الذبائحِ، مَن
دخل فی دینٍ قومٍ فهو منهم .
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا حَجَّاجٌ ، قال : ثنا حمادٌ ، عن عطاءِ بنِ السائبِ ، عن
عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ ، قال: كُلُوا مِن ذَبائحِ بنى تَغْلِبَ ، وتزَوَّجوا مِن نسائِهم،
فإن اللَّهَ يقولُ فى كتابِهِ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ / ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ أَلْيَهُودَ وَالنَّصَرَىَّ أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ ٢٧٨/٦
أَوْلِيَاءُ بَعْضِّ وَمَن يَتَوَُّم ◌ِّنَكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾. ولو لم يكونوا منهم إلا بالولايةِ لَكانوا
(٣)
منهم (١).
حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال: ثنا حسينُ بنُ علىٍّ، عن زائدةَ، عن هشامٍ، قال :
(١) أخرجه مالك ٤٨٩/٢، والشافعى فى الأم ٢٣٢/٢، ٢٨١/٤، والبيهقى ٢١٧/٩ من طريق آخر عن ابن عباس.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٥٦/٤ (٦٥٠٨) من طريق عبد الله بن صالح به .
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٤/ ١٦١، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٥٧/٤ (٦٥١٣) من طريق حماد به . وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٢٩١/٢ إلى ابن المنذر.
(٤) فى النسخ: ((حسن))، وتقدم على الصواب فى ٥٧٠/٧، وينظر تهذيب الكمال ٤٤٩/٦.

٥١٠
سورة المائدة : الآيتان ٥٢،٥١
كان الحسنُ لا يَرَى بِذَبائح نَصارَى العربِ ، ولا نِكاح نسائهم بأسًا ، وكان يَتْلُو هذه
الآيةَ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَّخِذُواْ أَلْهُودَ وَالنَّصَرَّ أَوْلِيَةً بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضَِّ وَمَن يَتَوَلَُّم
مِّنَكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمّ﴾ .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ ، قال: أَخْبِرَنا ابنُ المبارَكِ ، عن هارونَ بنِ
إبراهيمَ، قال : سُئِل ابنُ سِيرينَ عن رجلٍ يَبِيعُ دارَه مِن نصارى يَتَّخِذونها بِيعةٌ .
قال: فتلا هذه الآية: ﴿لَا تَتَّخِذُواْ أَلْيَهُودَ وَاُلْنَصَرَفَّ أَوْلِيَّةً﴾ .
القولُ فى تأويلِ قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ اُلَِّينَ
يعنى تعالى ذكرُه بذلك: إن اللَّهَ لا يُوَفِّقُ مَن وضَع الولايةَ فى غيرِ
موضعِها، فوالَى اليهودَ والنصارَى مع عَداوتِهم اللَّهَ ورسوله والمؤمنين، على
المؤمنين، وكان لهم ظَهيرًا ونَصيرًا؛ لأن مَن توَلَّاهم فهو للَّهِ ولرسوله وللمؤمنين
حربٌ .
وقد بيَّنا معنى ((الظلمِ)) فى غيرِ هذا الموضعِ، وأنه وضْعُ الشىءٍ فى غيرِ موضعِه
بما أغْنَى عن إعادته(١) .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ فَتَرَىَ الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَرِعُونَ فِهِمْ يَقُولُونَ
تَخْشَ أَن تُصِيبَنَا دَآبِرَةٌ﴾ .
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى مَن عُنِى بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بها عبدُ اللهِ بنُ
أُتّ ابْنُ سَلُولَ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعْتُ أبى، عن عَطيةً بنِ
سعدٍ: ﴿ فَتَرَى الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾: عبدُ اللَّهِ بنُ أَتَىِّ، ﴿ يُسَرِعُونَ فِهِمْ﴾:
(١) ينظر ما تقدم فى ٥٥٩/١، ٥٦٠ .

٥١١
سورة المائدة : الآية ٥٢
فى وَلايتِهِم، ﴿ يَقُولُونَ نَخْشَىَ أَنْ تُصِيبَنَا دَابِرَةٌ﴾ إلى آخرِ الآيةِ ﴿فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَآ
أَسَرُواْ فِىّ أَنْفُسِهِمْ نَدِمِينَ﴾(١).
حدَّثَنَا هَنَّادٌ ، قال: ثنا يونُسُ بنُ بُكَيْرٍ، قال: ثنا ابنُ إسحاقَ ، قال: ثنى والدى
إسحاقُ بنُ يَسارٍ، عن عُبادةَ بنِ الوليدِ بنِ عُبادةَ بنِ الصامتِ: ﴿فَرَى الَّذِينَ فِى
قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾: يعنى عبدَ اللهِ بنَ أَبِىِّ، ﴿يُسَرِعُونَ فِهِمْ يَقُولُونَ تَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا
دَابِرَةٌ﴾؛ لقوله: إنى أَخْشَى دائرةً تُصِيبُنى(١).
وقال آخرون: بل عُنِى بذلك قومٌ مِن المنافقين كانوا يُناصِحون اليهودَ ويَغُشُّون
المؤمنين ويقولون : نَخْشَى أن تكونَ الدائرةُ(١) لليهودِ على المؤمنين .
/ ذكرُ مَن قال ذلك
٢٧٩/٦
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبى
تَجيح، عن مُجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿فَرَىَ الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَرِعُونَ
فِهِمْ﴾. قال: المنافقون فى مُصانَعةٍ يهودَ ومُناجاتِهم، واسْتِرْضاعِهم أولادَهم
إياهم. وقولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿فَخْشَفَ أَنْ تُصِيبَنَا دَابِرَةٌ﴾. قال: يقولُ: نَخْشَى
أن تَكونَ الدائرةُ لليهودِ (٥) .
1
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٥٨/٤ (٦٥٢٠) من طريق ابن إدريس به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٩١/٢ إلى ابن المنذر.
(٢) تقدم تخريجه فى ص ٥٠٥ .
(٣) فى م: ((دائرة)).
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((فى)).
(٥) تفسير مجاهد ص ٣١٠، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٥٧/٤، ١١٥٨ (٦٥١٨،
٦٥١٩، ٦٥٢٢)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٢٩١، ٢٩٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى
الشيخ .

٥١٢
سورة المائدة : الآية ٥٢
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا أبو حذيفةً، قال : ثنا شِبْلٌ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن
مُجاهدٍ مثلَه .
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْع، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه :
فَتَرَى الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ إلى قوله: ﴿نَدِمِينَ﴾: أناسٌ مِن المنافِقِين كانوا
يُؤَادُّون اليهودَ ويُناصِحونهم دونَ المؤمنين(١) .
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿فَتَىَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾. قال: شكِّ، ﴿ يُسَرِعُونَ فِهِمْ يَقُولُونَ
تَخْشَ أَن تُصِيبَنَا دَابِرَةٌ﴾. والدائرةُ ظهورُ المشركين عليهم(١).
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندَنا أن يُقالَ : إن ذلك من الله تعالی ذ کرُه خبرٌ
عن ناسٍ مِن المنافقين كانوا يُوالُون اليهود والنصارى، ويَغُشُّون المؤمنين، ويقولون:
نَخْشَى أن تَدورَ دَوائرُ - إما لليهودِ والنصارى، وإما لأُهلِ الشركِ مِن عَبَدةِ الأوثانِ أو
غيرِهم - على أهلِ الإسلامِ، أو تَنْزِلَ بهؤلاء المنافقين نازلةٌ ، فيكونَ بنا إليهم حاجةٌ .
وقد يَجوزُ أن يَكونَ ذلك كان [٦٩٣/١ظ] مِن قولِ عبدِ اللهِ بنِ أَتىٍّ، ويَجوزُ أن يَكُونَ
كان مِن قولٍ غيرِهِ ، غيرَ أنه لا شَكَّ أنه مِن قولِ المنافقين .
فتأويلُ الكلام إذن : فَتَرَى يا محمدُ الذين فى قلوبِهم شكٌّ ومرضُ إيمانٍ
بنبوتك ، وتصديقٍ ما جئتهم به مِن عند ربِّك، ﴿ يُسِعُونَ فِهِمْ ﴾ . یعنی : فى
اليهودِ والنصارى . ويعنى بُسارعتِهم فيهم ، مُسارعَتَهم فى مُوالاتِهم ومُصانَعتهم ،
يَقُولُونَ تَخْشَ أَنْ تُصِيبَنَا دَابِرَةٌ﴾. يقولُ هؤلاء المنافقون: إنما نُسارِعُ فى مُوالَاةِ
(١) عزاه السيوطى فى فى الدر المنثور ٢٩٢/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤/ ١١٥٧، ١١٥٨ (٦٥١٧، ٦٥٢٣) من طريق أحمد بن مفضل به ،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٢/٢ إلى أبى الشيخ.

٥١٣
سورة المائدة : الآية ٥٢
هؤلاء اليهودِ والنصارى خوفًا مِن دائرةٍ تَدورُ علينا مِن عدوِّنا. ويعنى بالدائرةِ الدَّوْلَةَ.
كما قال الراجزُ(١):
يَرُدُّ عنك القَدَرَ المَقْدُورَا
ودائراتٍ (١) الدَّهْرِ أن تَدُورًا
يعنى : أَن تَدولَ للدهرِ دؤْلةٌ، فتَحْتَاجَ إلى نُصْرتِهم إيانا، فنحن نُوالِيهم
لذلك. فقال اللَّهُ تعالى ذكرُه لهم: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِىَ بِلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِندِهِ،
فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَآ أَسَرُواْ فِىّ أَنْفُسِهِمْ نَدِمِينَ ﴾
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِلْفَتْجِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ، فَيُصْبِحُواْ عَلَى
مَا أَسَرُواْ فِىّ أَنْفُسِهِمْ نَدِمِينَ﴾ .
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ،﴾: فلعلَّ
اللَّهَ أن يَأْتِىَ بالفتحِ .
ثم اخْتَلَفوا فى تأويلِ ((الفتحِ)) فى هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: ◌ُنِى به هلهنا
القَضاءُ .
/ ذكرُ مَن قال ذلك
٢٨٠/٦
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ فَعَسَى اَللَّهُ أَن
يَأْتِىَ بِالْفَتْحِ﴾. قال: بالقَضاءِ(١) .
وقال آخرون : عُنِى به فتح مكةً .
(١) نسبه أبو عبيدة فى مجاز القرآن ١٦٩/١ إلى حميد الأرقط .
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((دائرة)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٥٨/٤ (٦٥٢٥) من طريق يزيد به .
( تفسير الطبرى ٣٣/٨ )

٥١٤
سورة المائدة : الآية ٥٢
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّل، قال: ثنا أسْباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِلْفَتْحِ﴾. قال: فتحُ مكةً(١).
والفتحُ فى كلامِ العربِ هو القضاءُ كما قال قتادةُ، ومنه قولُ اللَّهِ تعالى:
﴿ رَبَّنَا اُفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِأَلْحَقِّ ﴾ [الأعراف: ٨٩]. وقد يَجوزُ أن يَكونَ ذلك
القضاءُ الذى وعَد اللَّهُ نبيَّه محمدًا عَ ◌ّهِ بقوله: ﴿ فَعَسَى اَللَّهُ أَنْ يَأْتِىَ بِالْفَتْحِ﴾. فتحَ
مكةً؛ لأن ذلك كان مِن عظيم قَضاءِ اللَّهِ وفَضْلٍ محُكْمِه بينَ أهلِ الإيمانِ والكفرِ ،
ويُقَرِّرُ عندَ أهلِ الكفرِ والنِّفاقِ أن اللَّهَ مُعْلِى كلمتِه، ومُوهِنُ كيدِ الكافرين .
وأما قولُه: ﴿أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ﴾. فإن السدىَّ كان يقولُ فى ذلك ما حدَّثنی
محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ:
﴿ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنِدِهِ﴾. قال: الأمرُ الجِزْيةُ(٢) .
وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ الأمرُ الذی وعَد اللَّهُ نبيه محمدًا پات ان یأتی به هو
الجزيةَ ، ويَحْتَمِلُ أن يَكونَ (٣) غيرَها، غيرَ أنه أىُّ ذلك كان، فهو مما فيه إِدالةُ المؤمنين
على أهلِ الكفرِ باللَّهِ وبرسولِه، ومما يَسُوءُ المنافقين ولا يَسُرُّهم، وذلك أن الله تعالى
ذكرُه قد أَخْبَر عنهم أن ذلك الأمرَ إذا جاء أَصْبَحوا على ما أسَرُّوا فى أنفسِهم نادمين .
وأما قولُه: ﴿فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَآ أَسَرُواْ فِىَ أَنْفُسِهِمْ نَدِمِينَ﴾ . فإنه يعنى هؤلاء
المنافقين الذين كانوا (*) يُوالُون اليهود والنصارى. يقولُ تعالى ذكره: لعلَّ اللَّهَ أن يَأْتِىَ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٥٨/٤ (٦٥٢٤) من طريق أحمد بن مفضل به.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٥٩/٤ (٦٥٢٦) من طريق أحمد بن مفضل به .
(٣) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((إلى)).
(٤) سقط من: م.

٥١٥
سورة المائدة : الآيتان ٥٢، ٥٣
بأمرٍ مِن عندِهِ يُدِيلُ به المؤمنين على الكافرين ؛ اليهودِ والنصارى وغيرهم مِن أهلِ
الكفرِ ، فَيُصْبِحَ هؤلاء المنافقون على ما أَسَرُّوا فى أنفسِهم مِن مُخالَّةِ اليهودِ والنصارى
ومَوَدَّتِهم وبِغْضةِ المؤمنين ومُحادَّتِهم نادمين .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَآ
أَسَرُواْ فِىَّ أَنْفُسِهِمْ نَدِمِينَ﴾: مِن مُواذَّتِهم اليهودَ، ومِن غِشِّهم للإسلامِ وأهلِه(١) .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَيَقُولُ اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ
٥٣
أَيْمَنِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَيِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَسِرِينَ
اخْتَلَفَتِ القَرأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿ وَيَقُولُ اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾؛ فقرَأَتها قَرَأَةُ أهلِ
المدينةِ : ( فيُصْبحُوا على ما أسَرُوا فى أنفسِهم نادمِين يقولُ الذين آمَنُوا أهؤلاء الذين
أقسَمُوا باللَّهِ ). بغيرِ واوٍ (١).
وتأويلُ الكلام على هذه القراءةِ : فيُصْبِحُ المنافقون إذا أُتَّى اللَّهُ بالفتح أو أمْرٍ مِن
عندِه، على ما أسَرُوا / فى أنفسِهم نادمين ، يقولُ المؤمنون تَعَجُبًا منهم ومِن نفاقهم ٢٨١/٦
وكذبهم واخْتِرائهم على اللَّهِ فى أيمانهم الكاذبةِ باللَّهِ: أهؤلاء الذين أَقْسَموا لنا باللّهِ
إنهم لمعنا وهم كاذبون فى أيمانهم لنا .
وهذا المعنى قصَد مجاهدٌ فى تأويلِه ذلك الذى حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا
الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ نجريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ
بِلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ،﴾: حينئذٍ ( يقولُ الذين آمنوا أهؤلاء أقسموا باللهِ جهدَ
أيمانهم إنَّهم لمعكم حبطَت أعمالُهم فأصبحوا خاسرين)(٢).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٥٩/٤ (٦٥٢٨) من طريق يزيد به .
(٢) وهى وهى قراءة نافع وأبى جعفر وابن كثير وابن عامر. النشر ١٩١/٢ ( الخراط).
(٣) تفسير مجاهد ص ٣١٠، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٥٨/٤ (٦٥٢٢).

٥١٦
سورة المائدة : الآية ٥٣
وكذلك ذلك فى مَصاحِفِ أهلِ المدينة بغيرِ واوٍ (١).
وقرَأ ذلك بعضُ البصريين: (وَيَقُولَ الَّذِينَ آمَنُوا) بالواوِ ونصبِ ((يقولَ))(٢)
عطفًا به على ﴿ فَعَسَى اَللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِالْفَتْحِ﴾. وذكَر قارئُ ذلك أنه كان يَقولُ: إِنما
أُرِيدُ بذلك : فعسى اللَّهُ أَن يَأْتِىَ بالفتحِ، وعسى أن يقولَ الذين آمنوا. ومُحالٌ غيرُ
ذلك؛ لأنه لا يَجوزُ أن يُقالَ: [٦٩٤/١ و] وعسى اللَّهُ أَن يَقولَ الذين آمنوا. وكان
يقولُ : ذلك نحوُ قولِهم: أكَلْتُ خبزًا ولبنًا. وكقولِ الشاعرٍ ():
مُتَقَلِّدًا سيفًا ورُمْحا
ورأيتِ زوجَكِ فى الوَغَى
فتأويلُ الكلام على هذه القراءةِ : فعسى اللَّهُ أَن يَأْتِىَ بالفتح المؤمنين، أو أمْرٍ مِن
عندِهِ يُدِيلُهم به على أهلِ الكفرِ مِن أعدائِهم، فيُصْبِحَ المنافقون على ما أسَرُّوا فى
أنفسِهم نادمين، وعسى أن يقولَ الذين آمنوا حينئذٍ : هؤلاء الذين أَقْسَمُوا باللَّهِ كذبًا
جَهْدَ أيمانهم إنهم لمعكم ؟
وهى فى مَصاحِفِ أهلِ العراقِ بالواوِ : (ويقولُ الذين آمنوا ) (٤).
وقرأ ذلك قرَأَةُ الكوفيين: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ بالواوٍ ورفْع ((يقولُ))
بالاسْتِقْبالِ والسَّلامةِ مِن الجَوَازمِ والتَّواصِبِ ().
وتأويلُ مَن قرَأ ذلك كذلك: فيُصْبِحوا على ما أسَرُّوا فى أنفسِهم يَنْدَمُون ،
ويقولُ الذين آمنوا. فيَبْتَدِئُ ((يقولُ)) فِيَرْفَعُها.
وقراءتُنا التى نحن عليها: ﴿وَيَقُولُ﴾ بإثباتِ الواوِ فى ﴿ وَيَقُولُ﴾؛ لأنها كذلك
(١) المصاحف لابن أبى داود ص ٤١ .
(٢) هى قراءة أبى عمرو البصرى ويعقوب. النشر ١٩١/٢.
(٣) تقدم البيت فى ١٤٠/١ .
(٤) المصاحف لابن أبى داود ص ٤٣ .
(٥) وهى قراءة عاصم وحمزة والكسائى وخلف. النشر ١٩١/٢.

٥١٧
سورة المائدة : الآيتان ٥٤،٥٣
هى فى مَصاحفِنا مَصاحِفِ أهلِ المشرقِ ، بالواوٍ ، ويرفع ﴿ يَقُولُ﴾ على الانْتِداءِ.
فتأويلُ الكلام إذ كان القراءةُ عندَنا على ما وصَفْنا: فيُصْبِحوا على ما أسَرُّوا فى
أنفسِهم نادمين، ويقولُ المؤمنون: أهؤلاء الذين حلَفوا لنا باللّهِ جَهْدَ(١) أيمانِهم كَذِبًا
إنهم لمعنا ؟
يقولُ اللَّهُ تعالى ذكرُهُ مُخْبِرًا عن حالِهِم عندَه بنفاقِهم، وخُبْثِ أعمالِهم :
﴿ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ﴾. يقولُ : ذهَبَت أعمالُهم التى عمِلوها فى الدنيا باطلًا لا ثَوابَ
لها ولا أجرَ؛ لأنهم عمِلوها على غيرٍ يَقين منهم بأنها عليهم للَّهِ فرضٌ واجبٌ ، ولا
على صحةٍ إيمانٍ باللَّهِ ورسولِه ، وإنما كانوا يَعْمَلونها لِيَدْفَعوا المؤمنين بها عن أنفسهم
وأموالِهم وذَرارِيِّهم ، فأخْبَط اللَّهُ أَجْرَها، إذ لم تَكُنْ له. ﴿فَأَصْبَحُواْ خَسِرِينَ﴾ .
يقولُ : فأصْبَح هؤلاء المنافقون عندَ مَجِىءٍ أَمْرِ اللَّهِ بإدالةِ المؤمنين على أهلِ الكفرِ قد
وُكِسوا فى شرائِهم الدنيا بالآخرةِ، وخابَت صَفْقتُهم وهلكوا .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَ مِنْكُمْ عَن دِينِ، فَسَوْفَ يَأْتِىِ اللَّهُ
بِقَوْمٍ يُحِبُهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ .
٢٨٢/٦
يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين باللّهِ وبرسوله: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾. أىْ:
صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، وأقَرُوا بما جاءَهم به نبيُّهم محمدٌ عَلَه، ﴿مَن يَرْتَذَ مِنْكُمْ عَن
دِينِهِ،﴾. يقولُ: مَن يَرْجِعْ منكم عن دينه الحقِّ الذى هو عليه اليومَ، فيُبَدِّلْه ويُغَيِّرُه
بدخولِه فى الكفرِ ، إما فى اليهوديةِ أو النصرانيةِ أو غيرِ ذلك مِن صنوفٍ الكفرِ ، فلن
يَضُرَّ اللَّهَ شيئًا، وسيَأْتِى اللَّهُ بقومٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونه. يقولُ: فسوف يَجِىءُ اللَّهُ بدلًا
منهم ، المؤمنين الذين لم يُبَدِّلوا ولم يُغَيِروا ولم يَرْتَدُّوا ، بقومٍ خيرٍ مِن الذين ارْتَدُّوا
(١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.

٥١٨
سورة المائدة : الآية ٥٤
وبدَّلوا دينَهم، يُحِبُّهم اللَّهُ ويُحِبُّون اللَّهَ .
وكان هذا الوعيدُ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه لمن سبق فى علمِه أنه سيرْتَدُّ بعدَ وفاةٍ نبيّه
محمدٍ عَِّ، وكذلك وعْدُه مَن وعَد مِن المؤمنين ما وعَده فى هذه الآية ، لمن سبق له
فى علمِه أنه لا يُبَدِّلُ ولا يُغَيِّرُ دينَه ولا يَوْتَدُّ، فلمَّا قَبَض اللَّهُ نبيَّه عَلَّهِ ارْتَدَّ أَقْوامٌ مِن
أهلِ الوَبَرِ وبعضُ أهلِ المَدَرِ ، فَأَبْدَل اللَّهُ المؤمنين بخيرٍ منهم كما قال تعالى ذكرُه،
ووفَّى للمؤمنين بوعدِه، وأَنْفَذ فى من ارتَدَّ منهم وَعيدَه .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونُسُ ، قال : أُخْبِرَنا ابنُ وهبٍ ، قال: أُخْبرَنى عبدُ اللَّهِ بنُ عَيَّاشٍ ، عن
أبى صَخْرٍ ، عن محمدِ بنِ كعبٍ ، أن عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ أَرْسَل إليه يومًا ، وعمر أمیرُ
المدينةِ يومَئذٍ ، فقال: يا أبا حمزةَ، آيةٌ أَسْهَرَتْنى البارحةَ. قال محمدٌ : وما هى أيُّها
الأميرُ؟ قال: قولُ اللَّهِ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِ﴾ حتى بلغ
﴿ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآيٍ﴾. فقال محمدٌ: أيُّها الأميرُ، إنما عنَى اللَّهُ بالذين آمنوا
الولاةَ مِن قريشِ مَن يَوْتَدُّ عن الحقِّ (١).
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى أعْيانِ القومِ الذين أَتَّى اللَّهُ بهم المؤمنين، وأبدّل
المؤمنين مكانَ مَن ارْتَدَّ منهم؛ فقال بعضُهم: هو أبو بكر الصديقُ وأصحابُه الذین
قاتلوا أهلَ الرِّدَّةِ حتى أدخلوهم مِن البابِ الذى خرجوا منه .
ذکرُ مَن قال ذلك
حدّثنا هَنَّادُ بنُ الشَّرِئِّ، قال : ثنا حفصُ بنُ غِیاثٍ ، عن الفضلِ بنِ دَلْھم ، عن
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٥٩/٤، ١١٦٠ (٦٥٣١، ٦٥٣٢) عن يونس به.

٥١٩
سورة المائدة : الآية ٥٤
الحسنِ فى قولِه: ﴿يَكَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ، فَسَوْفَ بَأْتِ اَللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُهُمْ
وَيُحِبُّونَهُ﴾. قال : هذا واللَّهِ أبو بكرٍ وأصحابُه .
حدَّثنا ابنُ وَكبعٍ، قال: ثنا أبى، عن الفضلِ بنِ ذَلْهَمٍ، عن الحسنِ مثلَه(١).
/ حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا عَبدةُ بنُ سُليمانَ، عن جُوَثِيرٍ، عن سهلٍ، عن ٢٨٣/٦
الحسنِ فى قولِه: ﴿فَسَوْفَ يَأَتِى اَللَّهُ بِقَوْمٍ يُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. قال: أبو بكرٍ وأصحابُه .
حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال : ثنا حسينُ بنُ علىٍّ، عن أبى موسى ، قال : قرَأ الحسنُ:
﴿ فَوْفَ يَأْتِ اللَّهُ بِقَوٍْ يُهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. قال: هى واللَّهِ لأبى بكرٍ وأصحابِه(٢) .
حدَّثنى نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأُؤْدىُّ ، قال : ثنا أحمدُ بنُ بَشِيرٍ، عن هشامٍ ،
عن الحسنِ فى قولِهِ: ﴿ فَوْفَ يَأْتِ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ . قال: نزَلَت فى أبى
بكرٍ وأصحابِه .
حدَّثنى علىُ بنُ سعيدٍ بنِ مَشْروقِ الكِنْدىُّ، قال: [٦٩٤/١ظ] ثنا عبدُ الرحمنِ
ابنُ محمدٍ المحارِيئُّ، عن جُوَثِيرٍ، عن الضَّحَّاكِ فى قولِه: ﴿ فَوْفَ بَأْتِ اللَّهُ بِقَوْرِ يُّهُمْ
وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ يَُّهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةً
لَآيِرٍّ﴾ . قال: هو أبو بكرٍ وأصحابُه؛ لمّا ازْتَدَّ مَن ارْتَدَّ مِن العربِ عن الإسلامِ،
جاهَدَهم أبو بكرٍ (وأصحابُه٣)، حتى ردَّهم إلى الإسلامِ ).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٦٠/٤ (٦٥٣٧)، وابن عساكر فى تاريخه ٣٠٩/٣ من طريق وكيع
به. وأخرجه البيهقى فى الدلائل ٣٦٢/٦ من طريق أبى بشر، عن الحسن به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٩٢/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ وخيثمة الأترابلسى فى فضائل الصحابة .
(٢) أخرجه ابن عساكر فى تاريخه ٣١٠/٣٠ من طريق الحسين بن على به بنحوه .
(٣ - ٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((بأصحابه)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٦١/٤ (٦٥٣٨)، وابن عساكر فى تاريخه ٣١٠/٣٠ من طريق
عبد الرحمن بن محمد المحاربى به .

٥٢٠
سورة المائدة : الآية ٥٤
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْع، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَن يَرْتَدَّ
مِنَكُمْ عَن دِينِهِ، فَسَوْفَ بَأْتِى اَللَّهُ بِقَوْمٍ يُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ إلى قولِه: ﴿ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾:
أَنْزَل اللَّهُ هذه الآيةَ وقد علِم أن سيَرْتَدُّ مُؤْتَدُّون مِن الناسِ، فلما قبض اللَّهُ نبيّه
محمدًا عَ لَّهِ، ارْتَدَّ عامَّةُ العربِ عن الإسلام، إلا ثلاثةَ مَساجدَ ؛ أهلُ المدينةِ ، وأهلُ
مكةَ، وأهلُ البَخْرَيْنِ مِن عبدِ القيسِ. قالوا: نُصَلِّى ولا تُزَكّى، واللَّهِ لا تُغْصَبُ
أموالُنا . فكُلِّم أبو بكرٍ فى ذلك فقيل له: إنهم لو قد فُقِّهوا لهذا، أعْطَوْها - (١ أو
أدَّوها؟ - فقال: لا واللَّهِ ، لا أُفَرَّقُ بينَ شىءٍ جمَعِ اللَّهُ بينَه، ولو منَعوا عِقَالًا مما فرَض
اللَّهُ ورسولُه لقاتَلْناهم عليه. فبعث اللَّهُ عِصابةً مع أبى بكرٍ ، فقاتل على ما قاتَل عليه نبىُّ
اللَّهِ مَه ، حتى سبَى وقتَل وحرَّق بالنيرانِ أَناسًا ارْتَدُّوا عن الإسلامِ ومنَعوا الزكاةَ،
فقاتَلَهم حتى أَقَرُّوا بالماعونِ، وهى الزكاةُ ، صَغَرةً أَقْمِياءً(١) ، فَأَتَتْه وُفودُ العربِ،
فخيّرهم بينَ خُطَّةٍ مُخْزِيَةٍ ، أو حربٍ مُجْلِيَةٍ ، فاخْتَارُوا الْخُطَّةَ المَخْرِيةَ، وكانت أهْونَ
عليهم؛ أَن يَشْهَدوا(١) أن قَتْلاهم فى النارِ ، وأن قَتْلى المؤمنين فى الجنةِ ، وأن ما أصابوا
مِن المسلمين مِن مالٍ رَدُّوه عليهم، وما أصاب المسلمون لهم مِن مالٍ فهو لهم
* (٤)
حَلالٌ (٤) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنٍ جُرَيْج قولَه :
(١ - ١) فى م: ((وزادوها)).
(٢) أقمياء: أذلَّاء، وقمىء تجمع قِماء، وقُماء، أما (أقمياء)) فلعله مجمع قياسًا على ذليل أذلاء، وصديق
أصدقاء. ينظر اللسان ( ق م أ) .
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((يستعدوا))، وفى م: ((يعتدوا)). والمثبت من سنن البيهقى وتاريخ
دمشق .
1
(٤) أخرجه البيهقى ١٧٧/٨، ١٧٨ من طريق سعيد بن أبى عروبة به ، وأخرجه ابن عساكر فى تاريخه
٣١٩/٣٠ من طريق عيسى بن عبد الله التميمى عن قتادة بنحوه، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٢/٢ إلى
عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ .