Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
سورة المائدة : الآية ٣٤
فقال : انْظُروا هل أصاب شيئًا قبلَ خروجِه ؟
وقال آخرون: تضَعُ توبتُه عنه حدَّ اللَّهِ الذى وجَب عليه بِمُحَارَبَتِه، ولا تُسقِطُ
عنه حقوقَ بنى آدمَ .
وممن قال ذلك الشافعى. حدَّثنا بذلك عنه الربيعُ(١) .
وأؤْلَى هذه الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ عندى قولُ مَن قال : توبةُ المحاربِ
الُمْتَنِعِ بنفسِه ، أو بجماعةٍ معه قبلَ القدرةِ عليه ، تضعُ عنه تَبِعاتِ الدنيا التى كانت
لَزِمَتْه فى أيامِ حربِه وحِرابته؛ مِن حدودِ اللَّهِ ، وَغُرمٍ لازمٍ ، وقَوَدٍ ، وقِصاصٍ ، إلا ما
كان قائمًا فى يدِهِ مِن أموالِ المسلمين والمعاهدين بعَيْنِه، فيُرَدُّ على أهلِه؛ لإجماع
الجميع على أن ذلك حكمُ الجماعةِ الممتنعةِ المحاربةِ للَّهِ ولرسولِه ، الساعيةِ فى الأرضِ
فسادًا، على وجهِ الرِّدَّةِ عن الإسلامِ. فكذلك حكمُ كلِّ ممتنعِ سعَى فى الأرضِ
فسادًا، جماعةً كانوا أو واحدًا. فأمَّا المُسْتَخْفِى بسرقتِه والمتلصِّصُ على وجهِ
اغْتِفالٍ (٢) مَن سرَّقه، والشاهرُ السلاحَ فى خَلاءٍ على بعضِ السابِلَةِ، وهو عندَ الطلبِ
غيرُ قادرٍ على الامتناع ، فإن حكمَ اللَّهِ عليه - تاب أو لم يُبْ - ماضٍ، وبحقوقِ مَن
أَخَذ مالَه أو أصاب وليّه بدم أو خَتْلٍ، مَأْخُوذٌ ، وتوبتُه فيما بينَه وبينَ اللَّهِ ، قياسًا على
إجماعِ الجميعِ على أنه لو أصاب شيئًا مِن ذلك وهو للمسلمين سِلْمٌ، ثم صار لهم
حَرْبًا ، أن حربَه إياهم لن يضعَ عنه حقًّا للَّهِ عَزَّ ذكره، ولا لآدمىٌّ، فكذلك(١) حكمُه إذا
أصاب ذلك فى خَلاءٍ أو باسْتِخْفاءٍ، وهو غيرُ ممتنع من السلطانِ بنفسِه إن أراده ، ولا له
فئةٌ يلجأُ إليها مانعةٌ منه .
(١) الأم ٦ / ١٥٤.
(٢) فى م: ((إغفال))، وفى س: ((اغتيال)). وتَغَفَّلْتُه واسْتَغْفَلْتُه: تَحَيَّنْتُ غَفْلَتَه. ومعنى الاغتفال هنا فى
سياقه بنفس المعنى . ينظر اللسان (غ ف ل).
(٣) بعده فى ص، ت١: ((ذلك)).
( تفسير الطبرى ٢٦/٨ )

٤٠٢
سورة المائدة : الآية ٣٥
وفى قوله: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُواْ عَلَتِهِمْ﴾. دليلٌ واضحٌ لمن
وُفِّق لفهمِه، أن الحكمَ الذى ذكرَه اللَّهُ فى المحاربين يَجْرى فى المسلمين
والمُعاهِدين، دونَ المشركين الذين قد نَصَبوا للمسلمين حربًا ؛ وذلك أن ذلك لو كان
حكمًا فى أهلِ الحربِ مِن المشركين دونَ المسلمين، ودونَ ذِمَّتِهم ، لوَجَب ألا يُسقِطَ
إسلامُهم عنهم - إذا أسلموا أو تابوا بعدَ قُدْرتِنا عليهم - ما كان لهم قبلَ إسلامِهم
وتوبتهم مِن القتلِ، وما للمسلمين فى أهلِ الحربِ مِن المشركين. وفى إجماعٍ
المسلمين أن إسلامَ المشركِ الحَرْيِيِّ يضعُ عنه بعدَ قُدرةِ المسلمين عليه ، ما كان واضِعَه
عنه إِسلامُه قبلَ القدرةِ عليه، ما يَدُلُّ على أن الصحيحَ مِن القولِ فى ذلك قولُ مَن
قال: عَنَى بآيةِ المحاربين فى هذا الموضع حرَّابَ أهلِ المِلَّةِ أو الذُّمَّةِ دونَ مَن سواهم مِن
مشركى أهلِ الحرب .
. فإن معناه : فاعلَموا
وأمَّا قولُه: ﴿فَأَعْلَمُواْ أَتَ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾
أيُّها المؤمنون أن اللَّهَ غيرُ مُؤَاخِذٍ مَن تاب مِن أهلِ الحربِ للَّهِ ولرسولِه، السّاعِين
فى الأرضِ فسادًا، وغيرِهم بذنوبِه، ولكنَّه يعفُو عنه فيَسْتُؤُها عليه، ولا
يَفْضَحُه بها بالعقوبةِ فى الدنيا والآخرةِ ، رحيمٌ به فى عفوه عنه، وتَرْكِه عقوبته
عليه .
٢٢٦/٦
/القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿يَكَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَأَبْتَغُواْ إِلَيْهِ
اُلْوَسِيلَةَ﴾ .
يَعْنِى جلَّ ثناؤه بذلك: يا أَيُّها الذين صَدَّقوا اللَّهَ ورسولَه فيما أخبَرَهم ووعدَ(١)
(١ - ١) فى ص، ت ٢: ((مجر مجارى)).
(٢) فى م، ت ٢: ((وعدهم)).

٤٠٣
سورة المائدة : الآية ٣٥
مِن الثوابٍ ، وَأَوْعَد مِن العقابِ، ﴿ أَتَّقُواْ اللّهَ ﴾. يقولُ: أَجِيبُوا اللَّهَ فيما أَمَركم
ونَهاكم، بالطاعةِ [٦٧٩/١ر] له فى ذلك، وحَقٌّقوا إيمانكم وتصديقَكم ربَّكم
ونبيَّكم، بالصالحِ مِن أعمالِكم، ﴿وَأَبْتَغُواْ إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾. يقولُ: واطُبوا
القُرْبةَ إليه بالعملِ بما يُرضِيهُ(١) .
والوسيلةُ هى الفعيلةُ، من قولِ القائلِ: تَوسَّلتُ إلى فلانٍ بكذا. بمعنى :
تَقَرَّبتُ إليه . ومنه قولُ عَنترَةَ(٢):
إِنْ يَأْخُذُوكٍ تَكَخَّلِي وتَخَضَّبِى
إِنَّ الرجالَ لهمْ إليكِ وَسِيلَةٌ
يَعْنِى بالوسيلةِ القُربَ .
ومنه قولُ الآخرِ (٣):
وعاد التَّصافِى بينَنا والوسائلُ
إذا غَفَل الواشُون ◌ُدْنا لوَصْلِنا
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بَشَّارِ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيرِىُّ، قال: ثنا سُفَيَانُ ، ح وحدثنا ابنُ
وَكِيعٍ، قال: ثنا زَيْدُ بنُ الحُبَابِ، عن سُفيانَ، عن مَنصُورٍ، عن أبى وائلٍ:
وَأَبَتَّغُوَاْ إِلَيْهِ اُلْوَسِيلَةَ﴾. قال: القُربةُ فى الأعمالِ(٤).
حدَّثْنَا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكِيعٌ، ح وحدَّثنا سُفيانُ، قال: ثنا أبى، عن طَلْحَةَ ،
(١) فى س: ((وظفته)).
(٢) ديوانه ص ٢٠.
(٣) مجاز القرآن لأبى عبيدة ١٦٤/١، وتفسير القرطبى ١٥٩/٦، دون نسبة.
(٤) ينظر تفسير ابن كثير ٩٦/٣ .

٤٠٤
سورة المائدة : الآية ٣٥
عن عَطَاءِ: ﴿وَأَبْتَغُواْ إِلَيْهِ اُلْوَسِيلَةَ ﴾. قال : القُربُ .
حدَّثنى محمدُ بنُّ الحسين(١) ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أَسباطُ، عن الشُّدِّىِّ:
﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللّهَ وَأَبْتَغُواْ إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾. قال: فهى المسألةُ
ء(٢)
والقُربةُ(٢) .
حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يَزِيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَأَبْتَغُواْ إِلَيْهِ
اُلْوَسِيلَةَ﴾. أى: تَقَرَّبوا إليه بطاعتِه والعملِ بما يُرْضِيه (١).
حدَّثنى المُنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفَةَ، قال: ثنا شِبِلٌ، عن ابنٍ أَبِى تَجِيجٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَبَتَغُوَاْ إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ﴾: القُربةُ إلى اللَّهِ(١).
حدَّثنى المُنَّى ، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ،
عن الحسنِ فى قوله: ﴿ وَأَبْتَغُوَاْ إِلَيْهِ اُلْوَسِيلَةَ﴾. قال: القُربةُ (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن
عبدِ اللهِ بنِ كَثِيرٍ قولَه: ﴿وَأَبْتَغُواْ إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾. قال: القُربةُ(٥).
٢٢٧/٦
/حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهْبٍ، قال: قال ابنُ زَيدٍ فى قوله:
وَابْتَّغُوَاْ إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾. قال: المحبةُ، تَحَتَّبوا إلى اللّهِ. وقرأ: ﴿ أُوْلَيْكَ الَّذِينَ
يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾(٥) [الإسراء:
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَجَهِدُواْ فِ سَبِيلِهِ، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
(٣٥
(١) فى النسخ: ((عمرو)). وهو إسناد دائر، ينظر مثلا ٥٩٤/٢، ٤٣٧/٥، ٤٤٠، وسيأتى فى ص ٤٠٨،
٤١٣، وينظر أيضا الجرح والتعديل ٢٣٠/٧.
(٢) ينظر تفسير ابن كثير ٩٦/٣.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٠/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٤) تفسير عبد الرزاق ١٨٩/١.
(٥) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣/ ٩٦.

٤٠٥
سورة المائدة : الآ يتان ٣٥، ٣٦
يقولُ جلَّ ثناؤُه للمؤمنين به وبرسوله: وجاهِدوا أيُّها المؤمنون أعدائِى
وأعداءَ كم فى سبيلى . يَعنِى: فى دينِه وشريعته التى شَرَعها لعبادِه، وهى الإسلامُ .
يقولُ: أَتْعِبوا أَنفسَكم فى قتالِهم وحَملِهم على الدخولِ فى الحنيفيَّةِ المسلمةِ .
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. يقولُ: كيما تُنْجِحوا فَتُدرِ كوا البقاءَ الدائمَ، والخلودَ
فى جنانِه .
وقد دَلَّلنا على معنى (( الفلاح)) فيما مضى بشواهدِه، بما أغنى عن إعادته فى
هذا الموضع(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا
وَمِثْلَهُ مَعَهُمٍ لِيَفْتَدُواْ بِهِ، مِنْ عَذَابٍ يَوْمِ الْقِيَمَةِ مَا نُقُبِّلَ مِنْهُمّ وَلَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
(٣٦
يقولُ عزَّ ذكْرُه: إن الذين جحدوا ربوبيةَ ربِّهم، وعبَدوا غيرَه، مِن بنى
إسرائيلَ الذين عَبَدوا العجلَ، ومِن غيرِهم الذين عبَدوا الأوثانَ والأصنامَ ، وهَلَكوا
على ذلك قبلَ التوبة ، لو أن لهم مُلْكَ ما فى الأرضِ كلِّها وضِعفَه معه لِيَفْتَدوا به من
عقابِ اللَّهِ إياهم على "تركِهم أمرَه، وعبادتهم غيرَه يومَ القيامةِ، فَاقْتَدَوْا بذلك
كلِّه - ما تَقَبَّل اللَّهُ منهم ذلك فداءً وعوضًا مِن عذابهم وعقابِهم ، بل هو مُعذّبُهم فى
حميم يومِ القيامةِ عذابًا موجِعًا لهم .
وإنما هذا إعلامٌ من اللَّهِ جلَّ ثناؤه لليهودِ الذين كانوا بينَ ظَهرانَیْ مُهاجَرٍ
رسولِ اللَّهِ مَ له، أنهم وغيرَهم من سائرِ المشركين به سواءٌ عندَه فيما لهم مِن العذابِ
الأليم، والعقابِ العظيم، وذلك أنهم كانوا يقولون: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّ
(١) ينظر ما تقدم فى ٢٥٦/١ وما بعدها .
(٢ - ٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((أمرهم)).

٤٠٦
سورة المائدة : الآيتان ٣٦، ٣٧
ج
أَيَّامًا تَعْدُودَةٌ﴾ [البقرة: ٨٠]. اغترارًا باللّهِ وكذِبًا(١) عليه. فكَذَّبَهم تعالى ذكرُه
بهذه الآيةِ وبالتى بعدَها ، وحسَم طَمَعَهم ، فقال لهم ولجميع الكفرة به وبرسوله :
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوْ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِ اُلْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُمٍ لِيَفْتَدُواْ بِهِ.
يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ
مِنْ عَذَابٍ يَوْمِ الْقِيَمَةِ مَا نُقْبِلَ مِنْهُمّ وَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (®
مِنَ النَّارِ وَمَاهُم بِخَرِمِينَ مِنْهَاً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ . يقولُ لهم جلَّ ثناؤه : فَلا
تَطْمَعوا أَيُّها الكفرةُ فى قبولِ الفِدیة منکم ، ولا فی خروجکم من النارِ بوسائلِ آبائكم
عندی بعد دخولِکموها ، إن أنتم مُثُم علی کفرِ کم الذی أنتم علیه ، ولکن تُوبوا إلى
اللَّهِ توبةٌ نَصُوحًا .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَرِمِينَ
مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ
يَعْنِى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ﴾: يُرِيدُ هؤلاءٍ
٢٢٨/٦ الذين كفروا بربِّهم يومَ / القيامةِ أن يَخْرُجوا مِن النارِ بعدَ دُخُولِهموها، وما هم
بخارِجين منها، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾. يقولُ: لهم عذابٌ دائمٌ ثابتٌ لا يَزُولُ
عنهم، ولا يَنتَقِلُ أبدًا. كما قال الشاعرُ():
فإِنَّ لكُمْ بِيَوْمِ الشِّعْبِ مِنِّى عذابًا دائمًا لَكُمْ مُقِيمًا
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، [٦٧٩/١ظ] قال: ثنا يَحتَّى بنُ واضِح، قال : ثنا الحسينُ بنُ
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((تكذيبا)).
(٢) مجاز القرآن ١/ ١٦٥، وتفسير القرطبى ١٥٩/٦، دون نسبة .

٤٠٧
سورة المائدة : الآيتان ٣٧، ٣٨
واقِدٍ ، عن يَزِيدَ النَّحوِىِّ، عن ◌ِكرِمةَ، أن نافِعَ بنَ الأزْرَقِ قال لابنٍ عباسٍ :
يا أَعمى (١) البصرِ(٢) أعمَى القلبِ، تَزْعُمُ أن قومًا يَخْرُ جُون مِن النارِ، وقد قال اللَّهُ
جلَّ وعزَّ: ﴿وَمَاهُم ◌ِخَرِينَ مِنْهَا﴾! فقال ابنُ عباسٍ: وَيحَك ، اقْرَأْ ما فوقَها ،
هذه للكفارِ () .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَقْطَعُوَاْ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءُ بِمَا
٣٨
كَسَبَا نَكَلًا مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
يقولُ جلَّ ثناؤُه: ومَن سرَّق مِن رجلٍ أو امرأةٍ فَاقْطَعُوا أَيُّها الناسُ يدَه .
ولذلك) رُفِع ﴿ اُلْشَارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾؛ لأنهما غيرُ مُوقَّتين(٥)، ولو أُرِيدَ بذلك
سارقٌ وسارقةٌ بأعيانِهما، لكان وجهُ الكلامِ النَّصْبَ .
وقد رُوِى عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ أنه كان يَقرَأُ ذلك: (والسارِقُونَ
والسارِقَاتٌ)(٢).
حدَّثَنَا ابنُ وَكِيع، قال : ثَنَا يَزِيدُ بنُ هارُونَ ، عن ابنِ عَوْنٍ ، عن إبراهِيمَ ، قال :
فى قراءتِنا - قال: وربما قال: فى قراءةِ عبدِ اللهِ -: (والسارِقُونَ والسارِقَاتُ
فاقطَعُوا أَيمَانَهُما)(٧).
(١) فى ص، ت ١: ((عمى)).
(٢) فى ص، ت ١، س: ((البصار)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٠/٢ إلى المصنف.
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((كذلك)).
(٥) فى م: ((معينين)). وغير الموقت هو الاسم المعرفة المشتق، فهو لا يدل على سارق بعينه أو سارقة بعينها .
ينظر معانى القرآن للفراء ٣٠٦/١، والمصطلح النحوى ص ١٦٨، وينظر ما تقدم فى ٦ / ١٧٨.
(٦) ذكره الفراء فى معانى القرآن ٣٠٦/١، والقراءة شاذة لم ترد عن أحد من القراء العشرة .
(٧) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٧٣٧ - تفسير) من طريق ابن عون به ، بلفظ : تقطع أيمانهم . وليس
عنده : وربما قال فى قراءة عبد اللَّه ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٠/٢ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ،
ولفظه : ( فاقطعوا أيمانهم ).

٤٠٨
سورة المائدة : الآية ٣٨
حدَّثنا ابنُ وَكِيعِ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن ابنِ عَوْنٍ ، عن إبراهيمَ: فى قراءتِنا:
( والسارِقُون وَالسَّارِقَاتُ فاقْطَعُوا أَيْمَانَهما) .
وفى ذلك دليلٌ على صحة ما قلنا مِن معناه، وصحةِ الرفع فيه، وأن
السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ مرفوعانِ بفعلِهما على ما وصَفتُ ؛ للعللِ التى وصَفتُ.
وقال تعالى ذكرُه: ﴿فَأَقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ والمعنى: أيديَهما اليُمنَى.
كما حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّل، قال: ثنا أَسباطُ ،
عن السُّدِّىِّ: ﴿ فَقْطَعُوْاْ أَيْدِيَهُمَا﴾ : اليُمنى .
حدَّثنا ابنُ وَكِيع، قال: ثنا أبى، عن سُفيانَ ، عن جابرٍ ، عن عامٍ ، قال: فى
قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (والسارِقُ والسارِقَةُ فاقْطَعوا أيمانَهما)(١) .
٢٢٩/٦
ثم اختلفوا فى السارقِ الذى عَنَاه اللَّهُ ؛ فقال بعضُهم: عنَى بذلك سارقَ ثلاثةِ
دراهمَ فصاعدًا . وذلك / قولُ جماعةٍ مِن أهلِ المدينةِ ؛ منهم مالكُ بنُ أنسٍ ومَن قال
بقولِه. واحتَبُوا لقولِهم ذلك بأن رسولَ اللَّهِ وَهِ قطَع فى مِجنٌّ (٢) قيمتُه ثلاثةُ
(٣)
دراهمَ(٢).
وقال آخرون : بل عنَى بذلك سارقَ ربع دينارٍ أو قيمتِه . وممن قال ذلك
الأَوزاعىُّ ومن قال بقولِه. واحتَجُوا لقولِهم ذلك بالخبرِ الذى رُوِىَ عن عائشةً أنها
قالت: قال رسولُ اللَّهِ مَ لَهِ: ((القَطْعُ فى رُبُع دينارٍ فصاعدًا)) (٤).
(١) أخرجه البيهقى ٢٧٠/٨ من طريق مجاهد: فى قراءة ابن مسعود . فذكره، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٨٠/٢ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ .
(٢) المجن: التّرس؛ لأنه يوارى حامله، أى: يستره. والميم زائدة. النهاية ١/ ٣٠٨.
(٣) أخرجه البخارى (٦٧٩٥ - ٦٧٩٩)، ومسلم (١٦٨٦) من حديث عبد الله بن عمر .
(٤) أخرجه بهذا اللفظ النسائى (٤٩٤٥)، وأخرجه البخارى (٦٧٨٩، ٦٧٩١)، ومسلم (١٦٨٤)،
وغيرهما بنحوه .

٤٠٩
سورة المائدة : الآية ٣٨
وقال آخرون : بل عنَى بذلك سارقَ عشَرةِ دراهمَ فصاعدًا . وممن قال ذلك أبو
حنيفةً وأصحابُه . واحتَجُوا فى ذلك بالخبرِ الذى رُوِىَ عن عبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو(١) وابنٍ
عباسٍ أن النبىَّ ◌َِّ قَطَع فى مِجَنٍّ قيمتُه عشَرةُ دراهمَ (١).
وقال آخرون : بل عنَى بذلك سارقَ القليلِ والكثيرِ . واحتَعُوا فى ذلك بأن الآيةَ
على الظاهرِ، وأن ليس لأحدٍ أن يَخُصَّ منها شيئًا إلا بحُجةٍ يَجِبُ التسليمُ لها .
وقالوا: لم يَصِحَّ عن رسولِ اللَّهِ مَّهِ خبرٌ بأن ذلك فى خاصٍّ مِن الشُّرَاقِ . قالوا :
والأخبارُ فيما قطَع فيه رسولُ اللَّهِ نَّهِ عنه مضطربةٌ مختلفةٌ ، ولم يَروِ عنه أحدٌ أنه
أُتِىَ بسارقٍ درهمٍ فخلَّى عنه، وإنما رَوَوْا عنه أنه قطَع فى مِجَنٍّ قیمتُه ثلاثةُ دراهِمَ .
قالوا : وممكنٌ أن يكونَ لو أَتِىَ بسارقٍ ما قيمتُه دائِقٌ(١) أن يُقْطَعَ. قالوا: وقد قطَع ابنُ
الزُّبِيرِ فى درهمٍ. ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ أنه قال : الآيةُ على العمومِ .
حدَّثنا ابنُ محُمَيدٍ ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال : ثنا عبدُ المؤمِنِ، عن نَجْدَةَ
الحَنَفِىٌّ، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عن قولِه: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾. أخاصٌ أم
عام؟ فقال: بل عامّ(٤).
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندَنا قولُ مَن قال: الآيةُ مَغْنِىٌّ بها خاصٌّ مِن
· السُّرَّاقِ، وهم سُرَّاقُ ربع دينارٍ فصاعدًا أو قيمتِه؛ لصحةِ الخبرِ عن رسولِ اللهِ مَ اتِ أنه
(١) فى ص، م، ت١، س: ((عمر)).
(٢) حديث ابن عمرو أخرجه الإمام أحمد ٢٨١/١١، ٥٠٢ (٦٦٨٧، ٦٩٠٠)، والنسائى (٤٩٧١)،
وفى الكبرى (٧٤٤٤)، والطحاوى فى شرح معانى الآثار ١٦٣/٣، والدار قطنى ١٩٠/٣ - ١٩٣،
والبيهقى ٢٥٩/٨ ، وحديث ابن عباس أخرجه أبو داود (٤٣٨٧)، والنسائى ( ٤٩٦٥، ٤٩٦٦)، والحاكم
٣١٨/٤، والطحاوى فى شرح معانى الآثار ١٦٣/٣. وينظر فتح البارى ١٠٣/١٢.
(٣) الدانق: سدس الدرهم. الصحاح (د ن ق ).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٠/٢ إلى المصنف وابن أبى حاتم .

٤١٠
سورة المائدة : الآ يتان ٣٨، ٣٩
قال: ((القَطعُ فى رُبُع دينارٍ فصاعدًا)). وقد استَقْصيتُ ذكرَ أقوالِ المختلفِين فى ذلك
مع عللِهِم التى اعتَلُّوا بها لأقوالِهم، والبيانَ (١) عن أَوْلاها بالصوابِ بشواهِدِه فى
كتابِنا ((كتابِ السرقةِ))، فَكَرِهنا إطالةَ الكتابِ بإعادةِ ذلك فى هذا الموضِعِ .
وقولُه: ﴿جَزَآءُ بِمَا كَسَبَا نَكَلًا مِّنَ اللهِ﴾. يقولُ: مكافأةً لهما على
سرقتِهما وعملِهما فى التَّلصُّصِ بمعصيةِ اللَّهِ، ﴿نَكَلًا مِّنَ اللَّهُ ﴾. يقولُ: عُقوبةٌ
مِن اللَّهِ على لُصوصيتِهما .
وكان قتادةُ يقولُ فى ذلك ما حدَّثْنا بِشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال : ثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيعٍ،
قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءُ بِمَا
كَسَبَا نَكَلًا مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ : لا تَرْثُوا لهم أن تُقِيمُوا فيهم الحدودَ ، فإنه
واللَّهِ مَا أَمَرِ اللَّهُ بأَمرٍ قَطُّ إلا وهو صلاح، ولا نَهَى عن أمرٍ قَطَّ إلا وهو فسادٌ. وكان
عُمِرُ بنُ الخَطَّابِ يقولُ: اشتَدُّوا على السُّرَّاقِ، فاقطَعُوهم يدًا يدًا، ورجلًا رِجِلّاً(٢).
وقولُه: ﴿وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ . يقولُ جلَّ ثناؤه: واللهُ عزيزٌ فى انتقامِه من
هذا السارق والسارقةِ وغيرِهما من أهلِ معاصِيه، حكيمٌ فى حُكْمِه فيهم
وقضائِه عليهم. يقولُ: فلا تُفرّطُوا أيُّها المؤمنون / فى إقامةِ حُكمِی على السُّرَّاقِ
وغيرهم من أهلِ الجرائم الذين أو جَبْتُ عليهم حدودًا فى الدنيا عقوبةً لهم، فإنى
بحُكمِى [٦٨٠/١و] قَضَيتُ ذلك عليهم، وعلمى بصلاح ذلك لهم ولكم.
٢٣٠/٦
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ فَنَ تَابَ مِنْ بَعْدٍ ظُلْمِهِ، وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ
عَلَيَّةٍ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٣٩
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((السارق))، وفى م: ((التلميح))، وفى س: ((السارق والسارقة)) والمثبت
كما أثبته الشيخ شاكر.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٠/٢ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.

٤١١
سورة المائدة : الآية ٣٩
يقولُ جلَّ ثناؤه: فمن تاب مِن هؤلاءِ السُّرَّاقِ. يقولُ: مَن رجَع منهم
عمَّا يَكرَهُه اللَّهُ مِن معصيتِه إياه إلى ما يَرضَاه مِن طاعتِه، ﴿مِنْ بَعْدٍ ظُلْمِهِ﴾.
وظلمُه هو اعتداؤُه وعملُه ما نهاه اللَّهُ عنه مِن سَرِقةٍ أموالِ الناسِ . يقولُ:
﴿ وَأَصّلَحَ﴾ نفسَه بحملها على مكروهِها فى طاعةِ اللهِ ، والتوبة إليه مما كان عليه مِن
معصيته .
وكان مُجاهِدٌ فيما ذُكِرَ لنا يقولُ: توبتُه فى هذا الموضع الحدُّ الذى يُقامُ عليه (١).
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمِّی ، قال : ثنى أَبى، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَنَ تَابَ مِنْ بَعْدٍ ظُلْمِهِ، وَأَصْلَحَ﴾ (١ فتاب عليه. يقولُ:
الحدّ" .
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ ، قال : ثنا موسى بنُ داودَ ، قال: ثنا ابنُ لَهِيعَةً، عن حُتِىٌّ بنِ
عبدِ اللهِ، عن أبى عبدِ الرحمنِ الحُلىّ، عن عبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو، قال: سَرَقت
امرأةٌ حَلْيًا، فجاء الذين سَرَقتْهم فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، سرَقَتنا هذه المرأةُ . فقال
رسولُ اللَّهِ بِهِ: ((اقْطَعُوا يَدَها اليُمْنَى)). فقالت المرأةُ: هل مِن توبةٍ؟ فقال
رسولُ اللَّهِ عَهِ: ((أنتِ اليومَ من خطيئتك كيومٍ وَلَّدَتْكِ أَمُّكِ)). قال: فَأَنزَلَ اللَّهُ
جلَّ وعزَّ: ﴿ فَنَ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلِهِ، وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيَّةٍ﴾(٣).
وقولُه: ﴿ فَإِشَ اَللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهٍ ﴾. يقولُ: فإن اللَّهَ جلَّ وعزَّ يَرجِعُه إلى ما
يُحِبُّ ويَرضَى، عما يَكْرَةُ(٤) ويَسخَطُ مِن مَعصيتِه .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨١/٢ إلى عبد بن حميد.
(٢ - ٢) فى م: ((يقول: فتاب عليه بالحد)).
(٣) أخرجه أحمد ٢٣٧/١١ (٦٦٥٧) من طريق ابن لهيعة به نحوه، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨١/٢
إلى ابن أبى حاتم .
(٤) فى م : (( يكرهه )).

٤١٢
سورة المائدة : الآيتان ٣٩، ٤٠
وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ . يقولُ: إن اللَّهَ عَزَّ ذكرُه ساتِرٌ على مَن تاب
وأَناب عن معاصيه إلى طاعتِه ذنوبَه، بالعفوِ عن عقوبتِه عليها يومَ القيامةِ ، وتركِه
فضیحته بها على رءوس الأشهادِ ، رحيمٌ به وبعباده التائبین إلیه من ذنوپھم .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
يقولُ جلَّ ثناؤه لنبيّه محمدٍ عَمِ: أَلم يعلمْ(١) هؤلاءِ القائلون(٢): ﴿لَن تَمَسَّنَا
ج
الشَّارُ إِلَّ أَنَّامَا تَعْدُودَةٌ﴾ [البقرة: ٨٠]. الزَّاعمون (١) أنهم أبناءُ اللَّهِ وأحباؤُه -
أن اللَّهَ مُدَيِّرُ ما فى السماواتِ وما فى الأرضِ، ومُصَرِّفُه وخالقُه، لا يَمْتَنِعُ شىءٌ مما فى
واحدةٍ منهما مما أَرادَه ؛ لأن كلَّ ذلك مُلكُه، وإليه أمرُه ، ولا نَسَبٌ بينَه وبينَ شىءٍ
مما فيهما ، ولا مما فى واحدة منهما ، فيُحابِه بسبب قرابته منه ، فَيُنجِیّه مِن عذابه وهو
به كافرٌ، ولأمرِه ونهيِهِ مخالفٌ، أو يُدخِلَه النارَ وهو له مُطِيعٌ، لبُعدِ قرابته منه، ولكنَّه
يُعذِّبُ من يشاءُ من خلقِه / فى الدنيا على معصيتِه بالقتلِ والخسفِ والمُسْخِ، وغيرِ
ذلك مِن صنوفٍ عذابِهِ، ويَغْفِرُ لمن يشاءُ منهم فى الدنيا بالتوبة عليه مِن كفرِه
ومعصيته، فيُنْقِذُه مِن الهَلَكةِ، ويُنْجِيه مِن العقوبةِ، ﴿ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
قَدِيرٌ﴾. يقولُ: واللَّهُ على تعذيبٍ مَن أراد تعذيبَه مِن خلقِه على معصيتِه، وغُفْرانِ
ما أراد غفرانَه منهم باستثْقاذِهِ مِن الهَلَكةِ بالتوبةِ عليه، وغيرِ ذلك مِن الأمورِ كلِّها
قادرٌ؛ لأن الخلْقَ خلْقُه، والمُلُكَ ملكُه، والعبادَ عباده .
٢٣١/٦
وخرَج قولُه: ﴿أَلَمَّ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ . خطابًا
له عٍَّ، والمَغْنِىُّ به مَن ذكَرْتُ مِن فِرَقٍ بنى إسرائيلَ الذين كانوا بمدينةٍ
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( تعلم))، وفى س: (( تعلم يا محمد)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٣، س: ((القائلين))، وفى ت ٢: ((العالمين)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((الزاعمين)).

٤١٣
سورة المائدة : الآيتان ٤٠، ٤١
رسولِ اللَّهِ مَ لمِ وما حوالَيْها .
وقد بيَّنَّا استعمالَ العربِ نظيرَ ذلك فى كلامِها بشَواهدِه فيما مضى، بما
أَغْنَى عن إعادته فى هذا الموضعِ (١).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنِكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِى
اُلْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوَاْ ءَامَنَا بِأَفْوَهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمّ
اختلف أهلُ التأويلِ فى مَن ◌ُنِى بهذه الآيةِ ؛ فقال بعضُهم: نزَلَت فى أبى لُبابةً
ابنِ عبدِ المُنْذِرِ، بقولِه لبنى قُرَيْظةً حينَ حاصَرَهم النبيُّ ◌ََّهِ: إنما هو الذبحُ، فلا
تَنْزِلوا على حكمٍ سعدٍ .
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أشْباطُ، عن
الشّدِّىِّ: ﴿لَا يَحْزُنِكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِىِ الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ ءَامَنَا بِأَفْوَاهِهِمْ
وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾. قال: نزَلَتْ فى رجلٍ مِن الأنصارِ، زعموا أنه أبو لُبابةَ، أشارَت
إِليه بنو قُرَيْظَةَ يومَ الحِصارِ: ما الأمرُ، وعلامَ نَنْزِلُ؟ فأشار إليهم: إنه الذبحُ(٣) .
وقال آخرون : بل نزَلَت فى رجلٍ مِن اليهودِ ، سأل رجلًا مِن المسلمين يَسْأَلُ
رسولَ اللَّهِ عْظَلِ عن حكمِه فى قتيلٍ قتَلَه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، عن زكريا، عن عامٍ: ﴿لَا
(١) ينظر ما تقدم فى ٤٠٤/٢ وما بعدها .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم ١١٣٠/٤ (٦٣٥٣) من طريق أحمد بن المفضل به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٨٣/٢ إلى أبى الشيخ.

٤١٤
سورة المائدة : الآية ٤١
يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِىِ الْكُفْرِ﴾. قال: كان رجلٌ مِن اليهودِ قتله رجلٌ مِن
أهلِ دِينِهِ، فقال القاتلُ لحلفائهم مِن المسلمين: سَلُوا لى محمدًا عَّمِ ، فإن كان
يقضى (١) بالدِّيَةِ اختَصَمنا إليه، وإن كان يَأْمُرُنا بالقتلِ لم تَأْتِه(٢).
/حدَّثنا المثنى، قال: ثنا [٦٨٠/١ظ] عَمْرُو بنُ عونٍ، قال: أُخْبرَنا هُشَيْمٌ ، عن
ز کریا ، عن عامر نحوَه .
٢٣٢/٦
وقال آخرون: بل نزَلَت فى عبدِ اللَّهِ بنِ صُورِيَا، وذلك أنه ارْتَدَّ بعدَ إسلامِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنَا هَنَّدٌ وأبو كُرَيْبٍ ، قالا: ثنا يونُسُ بنُ بُكيرٍ ، عن ابن إسحاقَ ، قال: ثنى
الزُّهْرىُّ، قال : سمِعْتُ رجلًا مِن مُزَيْنَ يُحَدِّثُ(٢) سعيدَ بنَ المسيَّبِ، أن أبا هريرةَ
حدَّثهم، أن أخبارَ يَهودَ اجتَمَعوا فى بيتِ المِدْراسِ حينَ قدِم رسولُ اللَّهِ يَِّ المدينةَ،
وقد زنَى رجلٌ منهم بعدَ إخْصانِه بامرأةٍ مِن يهودَ قد أخْصَنَت ، فقالوا : انطَلِقوا بهذا
الرجلِ وبهذه المرأةِ إلى محمدٍ (٤)، فاشْأَلوه كيف الحكمُ فيهما، فوَلُّوه الحكمَ
عليهما، فإن عمِل فيهما بعملِكم مِن التَّجْبِيهِ ) - وهو الجَلْدُ بحبلٍ مِن لِيفٍ مَطْلئٍ
بقارٍ ، ثم تُسَوَّدُ وُجوهُهما ، ثم يُحْمَلان على حمارين، وتُحَوَّلُ وُجوهُهما مِن قِبَلِ دُثُرِ
الحمارِ - فاتَّبِعوه، فإنما هو مَلِكٌ، وإن هو حكم فيهما بالرجم فاحْذَروه على ما فى
أيديكم أن يَسْلُبَكموه. فأتَوْه فقالوا: يا محمدُ ، هذا الرجلُ قد زنَى بعدَ إخْصانِه
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((بعث)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٢٢/٣ (٤٥٤٤) من طريق زكريا به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٨١/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.
(٣) بعده فى النسخ: ((عن)). والمثبت من مصادر التخريج.
(٤) بعده فى النسخ: ((صلى الله عليه وسلم)). واليهود لا تقول ذلك.
(٥) فى م: ((التحميم))، وفى س: ((الحد)). وينظر النهاية ٢٣٧/١.

٤١٥
سورة المائدة : الآية ٤١
بامرأةٍ قد أُحْصَنَت، فاحْكُمْ فيهما، فقد ولَّيْناك الحكمَ فيهما. فمشَى
رسولُ اللَّهِ وَ لَمِ حتى أَتَى أُخْبارَهم فى بيتِ المِدْراسِ، فقال: («يا معشَرَ اليهودِ،
أَخْرِجوا إِلىَّ أَعْلَمَكم)). فأخْرَجوا إليه عبدَ اللهِ بنَ صُورِيَا الأَغْوَرَ - وقد روَى بعضُ
بنى قريظةً(١) أنهم أُخرَجوا إليه يومَئذٍ مع ابنٍ صُورِيَا أبا ياسرِ بنَ أخْطَبَ ووهبَ بنَ
يَهوذَا، فقالوا: هؤلاء علماؤنا. فسألهم(٢) رسولُ اللَّهِ مَِّ حتى حصَّل(١) أمرَهم إلى
أن قالوا لابنٍ صُورِيًا: هذا أعلمُ مَن بقِى بالتوراةِ - فخلا به رسولُ اللَّهِ مََّّهِ ، وكان
غلامًا شابًا مِن أحدثِهم سنًّا، فَأَظَّ(٤) به رسولُ اللَّهِ ◌َمِ المسألةَ، يقولُ: ((يا ابنَ
صُورِيًا، أَنْشُدُك اللَّهَ، وأَذَكِّرُك أيادِيَه عندَ بنى إسرائيلَ، هل تَعْلَمُ أن اللَّهَ حكم فى مَن
زنَى بعدَ إحصائِه بالرجم فى التوراةِ؟)). فقال: اللهمَّ نعم، أمَا واللَّهِ يا أبا القاسم
إنهم لَيَعْلَمون أنك نبيٌّ مرسَلٌ، ولكنهم يَحْسُدونك. فخرَج رسولُ اللَّهِ مَّهِ ، فأمَر
بهما فرجما عندَ بابِ مسجدِه فى بنى غَنْم بن مالكِ بنِ النجارِ ، ثم كفَر بعدَ ذلك
ابنُّ صُورِيَا، فَأَنْزَل اللَّهُ: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِى
اُلْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوَاْ ءَامَنَا بِأَفْوَهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾(٦).
حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال: ثنا أبى، ح وحدَّثنا هَنَّدٌ، قال: ثنا أبو معاويةً، عن
الأعمشِ، ح وحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا عَبِيدةُ بنُ حُمَيْدٍ(٢)، عن الأعمشِ، عن
(١) من هنا إلى قوله: أعلم من بقى بالتوراة. من قول ابن إسحاق، كما ذكر ابن هشام فى السيرة .
(٢) فى ص، ت ١، س، وسنن البيهقى: ((فقال لهم)).
(٣) حصَّلت الأمر: حققته وأثبته . النهاية ١/ ٣٩٦.
(٤) ألظ به: ألح فى سؤاله وألزمه إياه. النهاية ٤ /٢٥٢.
(٥ - ٥) فى النسخ: ((عثمان بن غالب)). والمثبت من سيرة ابن هشام وسنن البيهقى ودلائل النبوة ، وينظر
جمهرة أنساب العرب ص ٣٤٧.
(٦) سيرة ابن هشام ١ / ٥٦٤، وأخرجه البيهقى ٢٤٦/٨، وفى الدلائل ٢٧٠/٦ من طريق يونس به نحوه،
وأخرجه أبو داود (٤٤٥١)، والبيهقى ٢٤٧/٨، وابن عبد البر فى التمهيد ١٤/ ٤٠٠، ٤٠١، من طريق ابن
إسحاق به مختصرًا بنحوه .
(٧) فى م: ((عبيد)). وينظر تهذيب الكمال ٢٥٧/١٩.

٤١٦
سورة المائدة : الآية ٤١
عبدِ اللهِ بنِ مُرَةَ، عن البَرَاءِ بنِ عازبٍ، قال: مُرَّ على(١) النبيِّلَّمِ بيهودىٌّ مُحَمَّم
مَجْلودٍ ، فدعا النبىُّ عَِّ رجلًا مِن علمائِهم، فقال: ((أهكذا تَجِدون حدَّ الزنَى
فيكم؟)). قال: نعم. قال: ((فَأَنْشُدُك بالذى أَنْزَل التوراةَ على موسى ، أهكذا
تَجِدون حدَّ الزانى فيكم؟)). قال: لا ، ولولا أنك نشَدْتَنَى بهذا لم أَحَدِّتْك، ولکنِ
الرجمُ ، ولكن كثُر الزنى فى أشرافِنا، فكنا إذا أخَذْنا الشريفَ ترَكْناه، وإذا أخَذْنا
الضعيفَ أَقَعْنا عليه الحدَّ، فقلنا: تَعالَوْا تَجْتُمِعْ، فَتَضَعَ شيئًا مكانَ الرَّجْمِ، فَيَكونَ
على الشريفِ والوَضيع. فوضَعْنا التَّحْمِيمَ والجَلْدَ مكانَ / الرجم، فقال النبيُّ عَلِّ:
(("اللهم إنى٣) أنا أولُ مَن أحيا أمْرَكْ إذ أماتُوه)). فأمَر به فرُجِم، فَأَنْزَل اللَّهُ: ﴿لَا
يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِىِ الْكُفْرِ﴾ الآية(٢).
٢٣٣/٦
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أَخْبَرَنا ابنُ المُبَارَكِ، عن مَعْمَرٍ،
عن الزُّهْرِىِّ، قال: كنتُ جالسًا عندَ سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، وعندَ سعيدٍ رجلٌ يُوَقِّرُه،
فإذا هو رجلٌ مِن مُزَيْنةَ كان أبوه شهِد الحُدَثِيَةَ، وكان مِن أصحابٍ أبى هريرةَ،
قال: قال أبو هريرةَ: كنتُ جالسًا عندَ رسولِ اللَّهِ عَظله. ح وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا
أبو صالح كاتبُ الليثِ ، قال : ثنى الليثُ ، قال: ثنى عُقَيْلٌ، عن ابنِ شِهابٍ ، قال :
(١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٢ - ٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٦/ ٥٠١، ١٤/ ١٤٨، وأحمد ٥٣١/٣٠، ٦١٠ (١٨٥٦٢، ١٨٦٦٣)،
ومسلم (١٧٠٠)، والبيهقى ٢١٥،٢١٤/٨ من طريق وكيع به، وأخرجه ابن أبى شيبة ٦/ ٥٠١، ١٤٨/١٤،
وأحمد ٤٨٩/٣٠ (١٨٥٢٥)، ومسلم (٢٨/١٧٠٠)، وأبو داود (٤٤٤٨)، وابن ماجه (٢٣٢٧،
٢٥٥٨)، والنسائى فى الكبرى (٧٢١٨، ١١١٤٤)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٣٢/٤ (٦٣٦٥)،
والنحاس فى ناسخه ص ٤٠٠، والبيهقى ٢٤٦/٨ من طريق أبى معاوية به ، وأخرجه أبو داود (٤٤٤٧)
والطحاوى فى شرح المعانى ١٤٢/٤ وفى المشكل (٤٥٤١) من طريق الأعمش به بنحوه ومختصرًا، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٢/٢ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه .

٤١٧
سورة المائدة : الآية ٤١
أَخْبَرَنى رجلٌ مِن مُزَيْنَةَ مَمَّن يَتَّبِعُ العلمَ وَيَعِيه، حدَّث(١) سعيدَ بنَ المسئَّبِ ، أن أبا
هريرةَ قال: بينا نحن مع رسولِ اللَّهِ عَ لَه إذ جاءه رجلٌ مِن اليهودِ، وكانوا قد
شاوَرُوا فى صاحبٍ لهم زنَى بعدَ ما أحْصَن، فقال بعضُهم لبعضٍ : إن هذا النبىَّ قد
يُعِث، وقد علِمْتُم أن قد فُرِض عليكم الرجمُ فى التوراةِ فكتَمْتُموه، واصَّلَحْتُم
بينَكم٢) عقوبةً دونَه، فانْطَلِقوا فتَسْأَلَ هذا النبيَّ، فإن أقْتانا بما فُرِض علينا فى التوراةِ
مِن الرجم ترَكْنا ذلك، فقد ترَكْنا ذلك فى التوراةٍ ، فهى أحقُّ أن تُطاعَ وتُصَدَّقَ .
فَأَتَوْا رسولَ اللَّهِ مَّهِ، فقالوا: يا أبا القاسمِ ، إنه زنَى صاحبٌ لنا قد أخْصَن، فما
تَرَى عليه مِن العقوبةِ؟ قال أبو هريرةَ : فلم يَرْجِعْ إليهم رسولُ اللَّهِ پێلم حتى قام وقمنا
معه ، فانْطَلَق يَؤُمُّ مِدْراسَ اليهودِ حتى أتاهم ، فوجَدَهم يَتَدارَسون التوراةَ فى بيتٍ
المِدْراسِ، فقال لهم: ((يا مَعْشرَ يهودَ ، أَنْشُدُكم باللّهِ الذى أَنْزَل التوراةَ على
موسى ، ماذا تَجِدون فى التوراةِ مِن العقوبةِ على مَن زنَى [٦٨١/١و] وقد أحْصَن؟)).
قالوا : إنا ◌َجِدُه يُحَمَّمُ وَيُجْلَدُ. وسكَت حبرُهم فى جانبِ البيتِ، فلمَّا رأى
رسولُ اللَّهِ مَمِ صْتَهُ ( أَلَظَّ يَنْشُدُهُ، فقال حَبْرُهم: اللهمَّ إذ نشَدْتَنَا، فإنا ◌َجِدُ
عليهم الرجمَ. فقال له رسولُ اللَّهِ سَ لامِ: ((فماذا كان أولَ ما تَرَخَّصْتم به أمرَ
اللَّهِ؟)). قال: زنَى ابنُ عمِّ مَلِكِ فلم يَرْجُمْه، ثم زنَى رجلٌ آخرُ فى أُسْرَةِ مِن الناسِ،
فأراد ذلك الملكُ رَجْمَه ، فقام دونَه قومُه، فقالوا: واللَّهِ لا تَرْجُمُه حتى تَرْجُمَ فلانًا .
ابنَ عمِّ الملكِ. "فاصَّلَحوا بينَهمُ" عقوبةٌ دونَ الرَّجُم، وترَكوا الرَّجْمَ، فقال
رسولُ اللَّهِ حِ لّهِ: ((فإنى أَقْضِى بما فى التَّوراةِ)). فأنْزَل اللَّهُ فى ذلك: ﴿يَأَيُّهَا
(١) بعده فى م، ت ٢: ((عن)).
(٢ - ٢) فى م: ((واصطلحتم بينكم على)).
(٣ - ٣) فى م: ((ألظ به النشدة))، وفى س: (( جعل ينشده)).
(٤ - ٤) فى م: ((فاصطلحوا بينهم على)).
( تفسير الطبرى ٢٧/٨ )

٤١٨
سورة المائدة : الآية ٤١
الرَّسُولُ لَا يَحْزُنِكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِىِ الْكُفْرِ﴾. إلى قوله: ﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم
بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾(١).
وقال آخرون: بل ◌ُنِى بذلك المنافقون .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن
عبدِ اللهِ بنِ كَثِيرٍ فى قولِه: ﴿ يَتَأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِى
اُلْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوَاْ ءَامَنَا بِأَفْوَهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾. قال: هم
المُنافِقون .
٢٣٤/٦
/ حدّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عیسی ، عن ابنِ أبی
نَجِيحِ، عن مُجاهدٍ: ﴿ءَامَنَا بِأَفْوَاهِهِمْ﴾. قال: يقولُ: المنافقون. ﴿سَمَّعُونَ
لِقَوْمٍ ◌َاخَرِينَ﴾. قال: هم سمَّاعون لليهودِ .
وأولى هذه الأقوالِ فى ذلك عندى بالصوابِ أن يُقالَ: عُنِى بذلك: ﴿لَا
يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِىِ الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوَاْ ءَامَنَا بِأَفْوَهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن
(١) أخرجه البيهقى فى الدلائل ٦/ ٢٦٩، ٢٧٠ من طريق عبد الله بن المبارك به، وأخرجه عبد الرزاق فى
مصنفه (١٣٣٣٠)، وفى تفسيره ١/ ١٨٩، ١٩٠ ومن طريقه أبو داود (٤٨٨، ٤٤٥٠، ٣٦٢٤)، وابن
أبى حاتم فى تفسيره ١١٣٨/٤ (٦٤٠١) عن معمر به، وأخرجه أبو داود (٤٤٥٠) ، وابن عبد البر فى
التمهيد ٣٩٩/١٤ عن الزهرى به ، وأخرجه أحمد ١٨٢/١٣ (٧٧٦١) عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى
عن رجل من مزينة مرسلًا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٢/٢ إلى عبد بن حميد.
(٢ - ٢) سقط من: م.
والأثر فى تفسير مجاهد ص ٣٠٨، وذكر ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٣٠/١ شطره الثانى عقب
الأثر (٦٣٥٢) معلقًا، وكذا ذكره السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٣/٢ وعزاه إلى عبد بن حميد وابن
المنذر .

٤١٩
سورة المائدة : الآية ٤١
قُلُوبُهُمْ﴾ قومٌ مِن المنافقين، وجائزٌ أن يكونَ كان ممّن دخَل فى هذه الآيةِ ابنُ
صُورِيَا، وجائزٌ أَن يَكونَ أبو لُبابةَ ، وجائزٌ أن يَكونَ غيرُهما، غيرَ أنَّ أَثْبَتَ شىءٍرُوِى
فى ذلك ما ذكَرْناه مِن الروايةِ قبلُ عن أبى هريرةَ والبَرَاءِ بنِ عازبٍ ؛ لأن ذلك عن
رجلين من أصحابٍ رسولِ اللَّهِ عِهِ. وإذا كان ذلك كذلك، كان الصحيحُ مِن
القولِ فيه أن يُقالَ : عُنِى به عبدُ اللَّهِ بنُ صُورِيًا .
وإذا صحَّ ذلك كان تأويلُ الآيةِ: يا أيُّها الرسولُ لا يَحْزُنْك الذين يُسارعون فى
جُحودٍ نبوتِك ، والتكذيبِ بك أنك لى نبيٌّ ، من الذين قالوا: صدَّقْنا بك يا محمدُ
أنك للَّهِ رسولٌ مبعوثٌ، وعلِمْنا بذلك يقينًا، بوجودِنا صفتَك فى كتابنا . وذلك أن
فى حديث أبى هريرةَ الذى رواه ابنُ إسحاقَ ، عن الزهرىِّ، أن ابنَ صُورِيَا قال
لرسولِ اللهِ عَلِ: أمَّا واللَّهِ يا أبا القاسم إنهم لَيَعْلَمون أنك نبىٌّ مُرسَلٌ، ولكنهم
يَحْسُدونك. فذلك كان على هذا الخبرِ، كان (١ مِن ابنِ صُورِيا إيمانًا برسولِ اللهِ عَ لَه
يفِيه ، ولم يكنْ مُصَدِّقًا لذلك بقلبِه، فقال اللَّهُ لنبيِّه محمدٍ عَلِ ، مُطْلِعَه على ضميرٍ
ابنِ صُورِيَا، وأنه لم يُؤْمِنْ بقلبِهِ، يقولُ: ولم يُصَدِّقْ قلبُه بأنك للَّهِ رسولٌ مُرسَلٌ.
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوْاْ سَمَّعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّعُونَ
﴾.
لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوٌ
يقولُ جلَّ ثناؤه لنبيّه محمدٍ عِ: يا أيُّها الرسولُ لا يَحْزُنْك تَسَرُُّ مَن تَسَرَّع
مِن هؤلاء المنافقين الذين يُظْهِرون بألسنتهم تَصْديقَك وهم مُعْتَقِدون تَكْذيتك، إلى
الكفرِ بك، ولا تَسَرُُّ اليهودِ إلى جحودٍ نبوتِك. ثم وصَف جلّ وعزَّ له صفتَهم،
ونعَتَهم له بنُعوتِهم الذَّميمةِ ، وأَفْعالِهِم الرديئةِ ، وأُخْبَرَه مُعَزِّيًا له على ما يَنالُه مِن الحزن
بتكذيِهم إياه مع علمِهم بصدْقِهِ، أنهم أهلُ استحلال للحرامِ، والمآكلِ
(١) سقط من : م، س.

٤٢٠
سورة المائدة : الآية ٤١
الرديئةِ، والمطاعم الدَّنِيئَةِ مِن الرِّشَا والسُّحْتِ، وأنهم أهلُ إفْكِ وكذبٍ على اللَّهِ
وتحريفٍ كتابَه. ثم أَعْلَمه أنه مُحِلَّ بهم خِزْيَه فى عاجلِ الدنيا، وعقابَه فى آجلِ
الآخِرةِ، فقال: هم ﴿سَمَّعُونَ لِلْكَذِبِ﴾. يعنى هؤلاء المنافقين مِن اليهودِ.
يقولُ : هم يَسْمَعون الكذبَ . وسمعُهم الكذبَ سمعُهم قولَ أخبارهم أن حكم
الزانى المُخْصَنِ فى التوراةِ التحميمُ والجَلْدُ ، ﴿سَمَّعُونَ لِقَوْمٍ ◌َاخَرِينَ لَوْ
يَأْتُوكٌ﴾. يقولُ: يَسْمَعون لأهلِ الزانى الذين أرادوا الاحتكامَ إلى رسولِ اللهِ عَ لَهِ،
وهم القومُ الآخَرون الذين لم يَكُونوا أَتَوْا رسولَ اللَّهِ مَظله، وكانوا مُصِرِّين على أن
يَأْتُّوه ، كما قال مجاهدٌ .
حدَّثنا القاسمُ ، قال ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ ، عن ابنٍ مُرَيْجٍ ، قال : قال
مجاهدٌ: ﴿ سَمَّعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوٌ﴾: ( مع مَنْ) أَتَوْك.
٢٣٥/٦
/واختَلَف أهلُ التأويلِ فى السَّمّاعين للكذبِ السمَّاعين لقومٍ آخَرِين؛ فقال
بعضُهم: ﴿ سَمَعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ﴾: يهودُ فَدَكَ، والقومُ الآخَرون الذين لم يَأْتُوا
رسولَ اللَّهِ مَ الِ يهودُ المدينةِ(١).
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الزبيرِ، عن ابنِ عُيَيْنَةَ،
قال: ثنازكريا ومُجالِدٌ، عن الشَّعْبِىِّ، عن جابرٍ فى قوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُواْ
سَمَّعُونَ لِلْكَذِبِ سََّعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ﴾. [٦٨١/١ظ] قال: يهودُ المدينةِ، ﴿لَوْ
(١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٢ - ٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((وهم)).
(٣) كذا ورد السياق هنا، ولعل صوابه أن يكون السماعون للكذب هم يهود المدينة ، وأن القوم الآخرين هم
يهود فدك، كما سيأتى فى الأثر بعده. والله أعلم .